الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» تتجاوز الحضارات الحدود التي تفصل بين الأعراق كما تتجاوز الحدود الجغرافية بين الدول وبين

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 مـساءً
هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» تتجاوز الحضارات الحدود التي تفصل بين الأعراق كما تتجاوز الحدود الجغرافية بين الدول وبين

 

 
* بقلم: د. سعيد التل * الحلقة الرابعة عشرة

هوية الانسان في الوطن العربي.. وبالتالي هوية الامة العربية هوية مركبة تتشكل من محصلة اربعة انتماءات رئيسية هي انتماؤه الاسلامي وهو الاساسي وانتماؤه القومي وانتماؤه الوطني وانتماؤه الفئوي ، وهذه الانتماءات ليست متعارضة او متقاطعة بل هي انتماءات متكاملة تشكل معا نظاما واحدا متكاملا يمكن تمثيله هندسيا بدوائر اربع متحدة المركز.
وهنا يجب الاشارة الى ان تصور بعض قادة الدول العربية وبعض شعوبها القائل بأن دولهم تستطيع ان تستمر في اطارها القطري كدولة وتتطور وهم كبير ، وهذا الوهم الزائل سوف يتلاشى وبسرعة كبيرة وخاصة بالنسبة للدول التي ارتبط اقتصادها الوطني بمصدر واحد كالنفط على سبيل المثال.. فلهذا النفط عمر محدد وقصير جدا اذا ما قورن بعمر الشعوب والامم.. ومن هذه المنطلقات وغيرها تأتي ضرورة وبالتالي اهمية تحديد هوية الانسان في الوطن العربي لتكون اداة جامعة في تطوير وجدان عربي مشترك يكون قاعدة لبناء ارادة عربية واحدة تمهد لقيام اتحاد عربي لجميع شعوب الامة العربية..
هكذا يكثف لنا د. سعيد التل استخلاصاته الفكرية في خاتمة ابحاره البحثي في اصداره الجديد «هوية الانسان في الوطن العربي.. مشروع قراءة جديدة» الذي تنفرد الدستور بتقديمه للمواطن ـ القارىء على حلقات..
الحضارة كل شامل
الحضارة كل شامل متكامل لا يمكن فهم اي بعد من ابعادها ، كما يقول هنتنجتن ، دون الرجوع الى الحضارة التي ينتمي اليها هذا الجزء ومن جهة اخرى ومع ان للحضارة تجليات حسية ، كالدستور واماكن العبادة فإنها ، وكما يقول توينبي ، تصورات غير مرئية. ان التجليات الحسية للحضارات تبرز بصورة جلية واضحة من خلال الامور المرتبطة بدورها في الحياة وما يرتبط بهذا الدور من أدوات ووسائل ، فأهرام مصر احدى التجليات الحسية لديانة قدماء المصريين والكنس والكنائس والجوامع ودور العبادة للهندوس والبوذيين تمثل مع ما بها من ادوات ووسائل ، التجليات الحسية للديانة اليهودية والديانة المسيحية والديانة الاسلامية والديانة الهندوسية والديانة البوذية على الترتيب.
وبالنسبة لعلاقة الحضارة بالتاريخ يقول هنتنجتن ان « التاريخ الانساني هو تاريخ الحضارات ، ومن المستحيل ان نفكر بتاريخ الانسانية بأي معنى آخر ، والقصة ممتدة عبر اجيال من الحضارة ، منذ الحضارة السومرية القديمة الى المصرية الى الكلاسيكية والامريكية الوسطى ، وعبر تجليات متتالية للحضارات الصينية والهندية» ، ويقول هنتنجتن «الامبراطوريات تنهض وتسقط ، الحكومات تجيء وتذهب ، الحضارات تبقى وتنجو من كل التقلبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى وحتى الايدلوجية». اما علاقة الحضارة بالتاريخ بالنسبة لتوينبي فهي «.. ان الحضارة تنهار حينما يفقد الناس قدرتهم على الابتكار» ، وهذه العلاقة بالنسبة للفيلسوف الالماني انجلز هي «.. ان الحضارة مثلها مثل الكائنات الحية تولد وتنضج وتزدهر ثم تموت».

ثلاثة اصناف من الحضارات
ومع الاخذ بعين الاعتبار الآراء الآنفة الذكر حول الحضارة والتاريخ فيمكن ان تصنف الحضارات تاريخيا الى ثلاثة اصناف رئيسية: حضارات بدائية وحضارات قديمة وحضارات معاصرة. وكلمة بدائية وقديمة ومعاصرة لا يقصد بها البعد الزمني في جميع الاحوال. فالحضارات البدائية هي الحضارات التي نشأت بعد فترة قصيرة من وجود الانسان على سطح الارض. ونشوء مثل هذه الحضارات البدائية ظل مستمرا مع وجود انسان بدائي. وهنالك حضارات بدائية في عالمنا المعاصر في بعض اصقاع العالم. اما الحضارات القديمة فهي الحضارات التي تطورت مع تطور المدنيات ، القديمة كالمدنية السومرية ، والمدنية المصرية ، والمدنية البابلية ، والمدنية الفارسية ، والمدنية اليونانية ، والمدنية الصينية ، والمدنية الهندية ، ومدنيات امريكا الوسطى وامريكا الجنوبية وغيرها ، وبعض حضارات هذه المدنيات لا يزال مستمرا في عالمنا المعاصر ، وبعضها اندمج في حضارات جديدة ، وبعضها اندثر والى الابد. اما الحضارات المعاصرة فهي الحضارات القائمة في عالمنا المعاصر. ومع ان بعض هذه الحضارات هي امتدادات للحضارات القديمة وبعضها الآخر يعود بجذوره الى ظهور الديانات السماوية كالحضارة الغربية والحضارة الاسلامية والحضارة اليهودية. ولعل قول حسين مؤنس يعبر بصورة عامة عن هذا الواقع «الحضارات... طبقات يلي بعضها بعضا ، كل حضارة من الحضارات الكبرى والصغرى تخفي تحتها حضارة سابقة عليها ثم اخرى وهكذا..» ويوجد في عالمنا المعاصر ، وكما يقول توينبي ، ثمان وعشرون حضارة منها ثمان حضارات رئيسية.

الحضارات والاعراق
تتجاوز الحضارات الحدود التي تفصل بين الاعراق المختلفة ، كما تتجاوز الحدود الجغرافية ، التي تفصل بين الدول والحدود وبين الايدولوجيات السياسية ، فأغلب الحضارات المعاصرة تضم اناسا من اعراق مختلفة. فينسب الى الحضارة الاسلامية ، وعلى سبيل المثال ، اناس ينتمون الى جميع الاعراق الرئيسية في العالم المعاصر. وكذلك الامر بالنسبة للحضارة الغربية. وفي هذا يقول هنتنجتن «الناس المنتمون لنفس الجنس يمكن ان ينقسموا حضاريا ، كما ان الناس المنتمون لاجناس مختلفة ، قد توحدهم حضارة واحدة».
وبالنسبة لعلاقة الحضارات بحدود الدولة الجغرافية فيمكن القول انه وباستثناءات قليلة ، تتعلق بحضارات صغيرة ، فإن اغلب الحضارات الكبرى في العالم تتجاوز الحدود الجغرافية للدول. يقول هنتنجتن «.. ان الحضارة الواحدة قد تحتوي على وحدة سياسية واحدة او اكثر. وهذه الوحدات قد تكون ولايات ، اوامبراطوريات ، او اتحادات فيدرالية ، او اتحادات كونفدرالية ، او دولا قومية ، او دولا متعددة الجنسيات..»
اما بالنسبة لعلاقة الحضارات بالايدلوجيات السياسية فقد ثبت وخاصة خلال العقود الثلاثة الاخيرة ان الروابط الحضارية اقوى بكثير من الروابط الايدلوجية. ان تجربة الاتحاد السوفيتي خير مثال على ذلك. فالايدلوجية الماركسية التي فرضت على شعوب تنتمي الى حضارات مختلفة لم توحد هذه الشعوب حضاريا ، لا بل وبانهيار الاتحاد السوفيتي عادت هذه الشعوب الى حضارتها التي غيبت عنها ظاهريا لعدة عقود.
ان حضارة اية امة وكما ذكر عبارة عن نظام شامل متكامل مترابط من الاعتقادات والقناعات والمفاهيم والاتجاهات ، التيي تشكل معا روابط ووشائج توحد ابناء هذه الامة وتجعل منهم مجتمعا موحدا متماسكا في مواقفه وسلوكياته. وهذه الاعتقادات والقناعات والمفاهيم والاتجاهات متطورة بصورة رئيسية عن رؤيا وإدراك هذه الامة الروحي والعقلي والوجداني والمعرفي للخالق والكون والانسان ، وما يرتبط بهذه الرؤيا والادراك للخالق والكون والانسان من مبادئ.

مكونات الحضارة
تتشكل مكونات الحضارة ، وكنظام عقلي فكري وجداني ، من مجموعة متداخلة ومتكاملة من الاعتقادات والقناعات ، وما يتطور عنهما من معارف ومفاهيم وقيم ومثل واخلاق. وتتأطر هذه المرتكزات ، ليس حسب اهميتها وأثرها بل وحسب ثباتها واستقرارها ، في مستويين رئيسيين ، المستوى الاول وهو الاساس ، ويطلق عليه اصطلاح قواعد الحضارة. اما المستوى الثاني ، وهو الامتداد التفسيري والتفصيلي للاول وانعكاس لجوهره فيطلق عليه اصطلاح مبادئ الحضارة.
تعتبر قواعد الحضارة وكما ذكر الاساس الصلب الرئيسي التي تقوم عليه الحضارة وتتطور ، وهي ايضا المحور الذي تدور حوله. ان قواعد الحضارة نظريات لمدارس فلسفية تتشكل وبصورة رئيسية من اعتقادات ، تكاد تكون ثابتة ومستقلة ، تتعلق بالخالق والكون والانسان والعلاقة بينهم. وعلى لسان محمد عابد الجابري يؤكد الباحث الفرنسي كسدرون هذا الامر ويقول «ان الحضارة كنظام تتحد تبعا للتصور الذي تكون عن الله والكون والخالق والعلاقة بينهما».
بالطبع هذا التحديد لقواعد الحضارة بالخالق والكون والانسان والعلاقة بينهم ، لا يقلل من شأن رأي بعض المفكرين والمعنيين بالحضارات الانسانية ، الذين يضيفون الى او يحدثون من القواعد الآنفة الذكر قاعدة او اكثر إليها. فعلى سبيل المثال هنالك من يعتبر ان الاخلاق احدى قواعد الحضارة ، لا بل يعتقد ان انهيار الحضارات مرتبط بترك الاخلاق. يقول اشفيتسر «.. ان طابع الحضارة اخلاقي في اساسه ، وان ثمة ارتباطا وثيقا بين الحضارة وبين نظرتنا الى الكون».
ان الاختلاف او التقارب بين الحضارات الانسانية يعود وبصورة رئيسية الى الاختلاف او التقارب في القواعد الرئيسية التي تقوم عليها هذه الحضارات ، اي الى النظريات الفلسفية التي تقوم عليها ، ذلك ان جميع المدارس الفلسفية ، وعلى مدى التاريخ وكما هو معروف ، لها نظرياتها المتعلقة بالخالق والكون والانسان والعلاقة بينهم ، اي كان لها نظرياتها المتعلقة بالقواعد الرئيسية التي تقوم عليها الحضارات الانسانية.
ان اغلب النظريات المتعلقة بالخالق والكون والانسان والعلاقة بينهم ، والتي تقوم عليها جميع الحضارات الانسانية الرئيسية المعاصرة ، ترجع في اغلب الاحيان الى مدارس فلسفية متطورة عن العقائد الدينية ، سواء أكانت هذه العقائد سماوية ام عقائد وضعية.
ومع ان أغلب المفكرين والمعنيين يعتقدون ان الاختلاف بين القواعد التي تقوم عليها الحضارات الانسانية هو الذي يعطي لكل حضارة شخصيتها وبالتالي تميزها وفرادتها. الا ان هنالك من يعتقد ان قاعدة بعينها تشكل محور حضارة وبالتالي تعطيها تميزها. وفي هذا الصدد يقول تركي الحمد «ان لكل حضارة.. فكرة محورية تدور حولها هذه الحضارة..» وهي «.. التي تعطي لتلك الحضارة معناها من خلال ابراز الفلسفة التي تنظر من خلالها هذه الحضارة الى الحياة والوجود...».

الاختلاف بين الحضارات
ومن جهة اخرى ، فإن الاختلاف بين بعض الحضارات الانسانية قد لا يعود الى الصفة العامة التي يأخذها من هذه القاعدة او القواعد التي تقوم عليها هذه الحضارات ، بل ان هذا الاختلاف قد يعود الى بعض الصفات التي تعطي لهذه القاعدة او القواعد. فعلى سبيل المثال ، تتفق الحضارة العبرية والحضارة الغربية المسيحية والحضارة الاسلامية على ان «اللّه» هو الخالق وهو القاعدة الرئيسية لهذه الحضارات ، ولكنها تختلف في طبيعة هذا الخالق. ان اللّه في الحضارة العبرية هو «إله» اليهود فقط ، وانهم شعبه المختار ، فالحضارة العبرية تنطلق من الايمان المطلق بالتميز بين اليهود وغير اليهود. اما «اللّه» في الحضارة الغربية المسيحية فهو احد أقانيم ثلاثة «اللّه» هو احدها. وثاني هذه الأقانيم هو «الابن» وثالثها فهو «الروح القدس». وبالنسبة للحضارة الاسلامية فإن « اللّه» واحد أحد ، وهو «إله» لجميع البشر على اختلاف اعراقهم وألوانهم وأجناسهم.
ان مبادئ الحضارة هي امتدادات عقلية وفكرية ووجدانية لقواعد الحضارة ، وهي عبارة عن قناعات تتعلق بالانسان وحياته كفرد وكعضو في جماعة. وعلى عكس قواعد الحضارة التي تتسم وبصورة عامة بالثبات والاستقرار ، فإن مبادئ الحضارة تتسم وفي اطار قواعد الحضارة بالتطور والتغير النسبي ، على اساس تطور معرفة الانسان وخبرته وتقدمهما.
ان درجة الاختلاف او التقارب بين مبادئ الحضارات الانسانية يعتمد على درجة الاختلاف او التقارب في قواعد هذه الحضارات ، كما يعتمد وبدرجة اقل على طبيعة هذه المبادئ وارتباطها بطبيعة الانسان.
فعلى سبيل المثال ، ان واقع المرأة في المجتمع ، والذي يعتبر كأحد مبادئ جميع الحضارات الانسانية ، يتحدد اولا بقواعد هذه الحضارات ، كما يتحدد ايضا بطبيعة المرأة وتقدم معرفة الانسان وخبرته في هذه الطبيعة ، ان بعض الحضارات الانسانية وعلى سبيل المثال تميز المرأة على الرجل وبعضها يساويها بالرجل وبعضها يميز الرجل عليها.
ومع ان أغلب الحضارات الانسانية المعاصرة ، ونتيجة تقدم معرفة الانسان وتطورها في الطبيعة الانسانية تساوي الرجل بالمرأة ، الا ان درجة التساوي هذه تختلف في هذه الحضارات الانسانية من منطلق قواعدها. ان بعض هذه الحضارات تساوي المرأة بالرجل بصورة مطلقة وفي كل شيء ، في حين ان بعضها الآخر تساوي المرأة مع الرجل انسانيا من حيث الحقوق والواجبات. الا انها تميز المرأة عن الرجل او تميز الرجل عن المرأة بالنسبة للوظائف الحياتية التي يقومان بها والتي تتعلق بطبيعة كل منهما. ويمكن وبصورة عامة تعميم هذا المثال على كثير من مبادئ الحضارات الانسانية كالحق والعدل والمساواة والخلق وغيرها.

نشأة الحضارة الاسلامية
في الثلث الاخير من القرن السادس الميلادي ، وبالتحديد في يوم الاثنين 20 نيسان سنة م571 ولد في مكة المكرمة ، لاشرف قبائل العرب ، قريش ، ولانبل اسر هذه القبيلة هاشم ، الرسول العربي الكريم محمد بن عبداللّه عليه الصلاة والسلام. وكانت ولادته في مجتمع يغلب عليه التخلف والجهل والفقر والوثنية ، تحكمه المنازعات القبلية والعشائرية ، والصراعات الطبقية والاجتماعية. وعند ما بلغ عليه السلام الاربعين من عمره كلف ومن خلال الوحي ، ان يدعو الناس للعودة الى دين اللّه دين الاسلام. دين التوحيد والفطرة ، دين الحق والعدل والمساواة والحرية ، دين الاخوة والعقل والخلق والوسطية والشورى.
وقد واجه الرسول في دعوته عداء شديدا ومقاومة عاتية ، ليس من اهل مكة المكرمة فحسب ، بل وأيضا من قبيلته قريش ومن آل بيته آل هاشم. وبسبب هذه المقاومة والعداء ، قرر الرسول عليه السلام ان يهاجر الى المدينة المنورة. فأوضاع المدينة المنورة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، في ذلك الوقت ، كانت افضل من مكة المكرمة للتبشير بالدعوة الجديدة ونشرها وبخاصة بعد ان بايعه نفر من خيرة ابنائها بيعة العقبة الاولى ومن ثم بيعة العقبة الثانية. وفي 13 ايلول سنة م622 وصل الرسول عليه السلام الى المدينة المنورة ، وأسس المسجد الاول في قباء. ولم يلاق الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة الترحيب الكبير والحماس الشديد فحسب بل لاقى ايضا الدعم والتأييد والتشجيع.

توحيد المهاجرين والانصار
وعندما وحد عليه السلام المهاجرين والانصار: اي عندما وحد الذين آمنوا بدعوته وهاجروا معه من اهل مكة المكرمة ، والذين آمنوا بدعوته وناصروه من اهل المدينة المنورة ، اقام عليه السلام مجتمعا جديدا بعقيدة وحضارة جديدة ، هو المجتمع الاسلامي. وأعلنت الدولة الاسلامية لهذا المجتمع في المدينة المنورة عند تولي الرسول عليه السلام مسؤولية القيادة ببعديها الديني والدنيوي ، اللذين كانا يشكلان كلا واحدا مترابطا ومتكاملا في الاسلام ، عندما حدد سلطات هذه الدولة وأقام مؤسساتها.
وبتطور الدولة الاسلامية في المدينة المنورة بزيادة عدد المسلمين ونمو قوتهم ونفوذهم بدأ الرسول عليه السلام جهوده في مواجهة عدوان قريش وحلفائها وفتح مكة وانهاء هذا العدوان ومكة المكرمة لم تكن فقط آنذاك مركز دينيا وتجاريا رئيسا في الجزيرة العربية فحسب بل كانت ايضا مركزا سياسيا ودينيا مهما. وبعد سلسلة من المناوشات والمعارك السياسية والعسكرية عاد عليه السلام الى مكة المكرمة فاتحا ظافرا وكان ذلك في 12 كانون الثاني سنة م630.
وتلا فتح مكة المكرمة انتشار سريع وكبير للاسلام في جميع انحاء الجزيرة العربية. يقول تعالى: «اذا جاء نصر اللّه والفتح ہ ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه افواجا ہ فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا» (النصر: 1 - 3) ، وعندما توفي الرسول عليه السلام في 27 مارس م632. بعد حوالي سنتين من فتح مكة كان الاسلام يسود ، وبصورة عامة ، جميع انحاء الجزيرة العربية.

توسيع رقعة الدولة الاسلامية
وقد تابع خلفاء الرسول عليه السلام توسيع رقعة الدولة الاسلامية ، ونشر الاسلام وبالتالي الحضارة الاسلامية فيها ، بحيث انه لم يمض القرن الاول من هجرته عليه السلام من مكة المكرمة الى المدينة المنورة ، الا وكانت رقعة هذه الدولة تمتد من شواطئ الاطلسي حتى تخوم الصين. هذا ولم تصل في التاريخ دولة بهذا الاتساع وبهذه السرعة من الزمن. يؤكد هذا الامر احمد شلبي ويقول: «.. لم يمض قرن واحد على وفاة الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم حتى كان الاسلام قد امتد من المحيط الاطلسي في الغرب الى الهند وحدود الصين في الشرق ، ومن بحر خوارزم في الشمال الى اعالي شلالات النيل في الجنوب. وذلك يعادل اكثر من نصف العالم المعروف حينئذ». ويصف محمد عمارة الحضارة الاسلامية ويقول ان «... حضارتنا تؤمن بالتعددية وتعترف بوجودها فإذا قبل الغرب بالتعددية ورفض الصراع صارت البشرية كلها كشخصين يتصافحان فلا يفقد اي منهما بصمته التي تميزه على الآخر».
ان لكل حضارة مرجعيتها ، واذا كانت مرجعية الحضارة الغربية هي الديانة النصرانية والفكر الاغريقي ، فإن للحضارة الاسلامية مرجعية واحدة هي الاسلام محدد بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المؤكدة. ان الاسلام في الحضارة الاسلامية يتصل اتصالا وثيقا بجميع جوانب هذه الحضارة ، وهو الاساس الذي تقوم عليه العقيدة الاسلامية ، وهو ايضا الاساس ، الذي يقوم عليه نظامها الفكري والاخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتعليمي. يقول علي حسن الخربوطلي ان «.. العقيدة الاسلامية تجمع بين الدين والدنيا ، وتهتم بالشؤون الروحية والمادية ، وتحقق التوازن بينهما ، مما يميز الاسلام عن سائر الاديان..» ويضيف برناردلويس ان «الاسلام ليس فقط عقيدة بل هو ايضا نظام دولة ومجتمع وقانون وفكر وفن ، هو حضارة حيث العقيدة هي العامل الموحد والمسيطر». ويؤكد محمد عمارة على شمولية الحضارة الاسلامية فيقول ان «الحضارة الاسلامية هي حضارة الامة على اختلاف مللها ونحلها ولغاتها ومذاهبها الامر الذي تفردت به هذه الحضارة الاسلامية بين الحضارات عندما اصبحت (اسلاميتها) جامعة للاقليات وليست طاردة لهذه الاقليات.
وهنا يجب ان يشار الى انه وعند ولادة الرسول عليه السلام كان يسود الوطن العربي عدد من الحضارات لعل من اهمها الحضارة البيزنطية والحضارة الفارسية والحضارة القبطية والحضارة الامازيغية وبعد الفتح الاسلامي لهذا الوطن وتحول الاغلبية الساحقة من سكانه من العقائد الدينية التي كانوا يؤمنون بها الى الاسلام حلت الحضارة الاسلامية بالتدريج محل الحضارات التي كانت سائدة فيه ويمكن القول وبصورة عامة انه وقبل نهاية القرن الثامن الميلادي كانت الحضارة الاسلامية حضارة جميع سكان الوطن العربي.

الحضارة الاسلامية نظام الاعتقادات والقناعات
فالحضارة الاسلامية وعلى اساس التعريف الآنف الذكر هي نظام الاعتقادات والقناعات والمفاهيم والاتجاهات التي تشكل المرجعية الفكرية والوجدانية للامم الاسلامية كالامة العربية والامة الايرانية والامة التركية والامة الاندونيسية والامة السنغالية وغيرها من الامم الاسلامية. وتناظر الحضارة الاسلامية بهذا المعنى الحضارة الغربية التي هي نظام الاعتقادات والقناعات والمفاهيم والاتجاهات التي تشكل المرجعية الفكرية والوجدانية للامم الغربية كالامة الفرنسية والامة الالمانية والامة الاسبانية والامة البريطانية وغيرها من الامم الغربية والحضارة الصينية هي نظام الاعتقادات والقناعات والمفاهيم والاتجاهات المتداخلة المترابطة التي تشكل المرجعية الفكرية للامة الصينية.
ان الاسلام هو العامل الرئيسي في نشأة الحضارة الاسلامية وتطورها وهو قاعدتها مثلما ان المسيحية هي العامل الرئيسي في نشأة الحضارة الغربية وتطورها وهي قاعدتها. والكونفوشية هي العامل الرئيسي في نشأة الحضارة الصينية وتطورها وهي قاعدتها كذلك الامر بالنسبة لاغلب حضارات العالم المعاصر.

تطور نظام الحضارة
من جهة اخرى تطور ابعاد نظام الحضارة اية حضارة على اساس مرتكزات الحضارة والتي تصنف وبصورة عامة الى مجموعتين رئيسيتين يمكن ان يطلق على اولاها ثوابت الحضارة والثانية يمكن ان يطلق عليها مبادئ الحضارة. وتتعلق ثوابت الحضارة بعقيدة الامة او مجموعة الامم او بعبارة اخرى تتعلق ثوابت الحضارة بنظرة هذه الحضارة الى الخالق والكون والانسان اما مبادئ الحضارة فتتعلق بالامور المتعلقة بحياة انسان هذه الامة كفرد وكعضو في مجتمع.
باختصار ، ان ابعاد الحضارة هي مكونات نظام الحضارة من الاعتقادات والقناعات والمفاهيم والاتجاهات المتداخلة المترابطة المتكاملة اما مرتكزات نظام الحضارة فهي المنطلقات الرئيسية التي تطور وعلى اساسها ابعاد الحضارة.
وتلعب الحضارة وكمرجعية فكرية وجدانية في تميز الامة افرادا وجماعات كما تلعب دورا اساسيا ورئيسيا كمنظم وموجه لسلوك الانسان كفرد وكعضو في جماعة كما تلعب دورا رئيسيا في ربط افراد هذه الامة او الامم برباط عقلي ووجداني يجعل منهم جسما واحدا. يقول صموئيل هنتنجتن «يقر جميع الباحثين الرئيسيين بوجود حضارة اسلامية متميزة بعد ان نشأ الاسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي ، انتشر بسرعة عبر شمال افريقيا وشبه جزيرة ايبريا. ونتيجة لذلك فان ثقافات متميزة فرعية كثيرة توجد داخل الاسلام ، تضم العربية والتركية والفارسية».

العالم العربي امام التحديات والغزوات
ويصف برنارد لويس الحضارة الاسلامية بقوله «في ذروة الاسلام كانت هناك حضارة واحدة فقط يمكن مقارنتها معها من حيث المستوى والنوعية وتعدد الانجاز وهي بالطبع الصينية لكن الحضارة الصينية بقيت وبشكل اساسي ضمن نطاقها المحلي ومحددة بمنطقة واحدة (شرق اسيا) وبمجموعة عرقية واحدة. وقد صدرت الى درجة ما ولكن فقط الى الشعوب المجاورة والشقيقة وعلى النقيض من ذلك فقد اوجد الاسلام حضارة عالمية متعددة العرقيات متعددة الاعراق عالمية يمكن ان يقول المرء عنها انها عابرة القارات». ويعزو فهمي جدعان صمود الوطن العربي واستمراره امام التحديات والغزوات التي كانت تهدد وجوده وبقاءه الى الحضارة الاسلامية حيث يقول «ان صمود العالم العربي الاسلامي واستمراره في الوجود بعد موجات الاعدام الجماعي هذه لا يمكن ان يفسر الا باصالة حضارة هذا العالم وعمق جذورها في الارض على الرغم من كل مظاهر الفوضى والانحطاط والتمزق» لقد جاء الاسلام لجميع البشر على اختلاف اعراقهم والوانهم واشكالهم ، وبالتالي فان الحضارة الاسلامية حضارة انسانية تؤمن بوحدة بني البشر وبكرامتهم يقول علي عبداللّه الدفاع ان الحضارة الاسلامية «.. انسانية النزعة والهدف ، وعالمية الافق والرسالة لقيادة المجتمع البشري وسياسته وإسعاده بالعلم والمعرفة». ويقول عبدالسلام كفافي: «لم تكن الحضارة العربية حضارة عنصرية بأي وجه من الوجوه ، لقد استوعبت الدولة الاسلامية شتى العناصر ، وأصبحت الشعوب المختلفة ذات الاجناس المتباينة تعيش في ارجاء تلك الدولة المترامية الاطراف ، وينتقل افرادها خلالها بحرية واسعة ، ولم يعرف بها اي لون من ألوان التمييز العنصري وهي ظاهرة عجزت شعوب العالم عن تحقيقها في العصور الحديثة..».
ويقول ابو الاعلى المودودي ان الحضارة الاسلامية ليست «.. بحضارة قومية او وطنية او جنسية ، وانما هي حضارة انسانية عالمية بأصح وأكمل معنى الكلمة. تخاطب الانسان من حيث هو انسان ، وتقبل في دائرتها كل من آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر». ويؤكد محمد حميد اللّه عالمية الحضارة الاسلامية فيقول: «ان الاسلام ، منذ بدايته الاولى لم يكن دينا قبليا او عنصريا او عربيا ، بل دينا عالميا». ويبين محمد عمارة نظرة الحضارة الاسلامية الى البشرية فيقول: «.. ان الاسلام ينظر الى البشر اجمعين باعتبارهم «وحدة واحدة متساوية في الخلق لله الخالق الواحد» واعتبارهم في ذلك الوقت: «متعددين في الروابط والجامعات». وهذه الوحدة في الخلق مع التعددية في الجامعات هما موطن الاشارة في الآية الكريمة: «يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم ، ان اللّه عليم خبير» (الحجرات).

لكل حضارة هويتها الخاصة
من جهة اخرى ، ان لكل حضارة محورا رئيسيا تتميز به ويميزها عن حضارات اخرى. وهذا المحور الرئيسي عادة ما يطبع كل جانب من جوانب الحضارة بطابعه. يقول سليمان الخطيب ان «.. لكل حضارة هويتها الخاصة التي تنطلق عنها ، وتعبر برموزها عن نوازعها وطاقاتها ، وان تلك الهوية المميزة لكل حضارة هي التي تسيطر وتوجه جميع نتاج الحضارة من فكر وأدب وفن وعلم ، فإن الوعي بالذاتية الحضارية الاسلامية وبجوهرها هو المكون الحقيقي لشخصية الحضارة الاسلامية والمقوم الاساسي للكيان الاجتماعي الاسلامي. وان كل دراسة حول المفهوم الاسلامي للحضارة لا تأخذ هذا الفهم في الاعتبار ، تكون قد تجاهلت المكون الحقيقي للبنية الحضارية في الاسلام ، كما تبدت في التركيب العقائدي الذي ميز انسان الحضارة الاسلامية ، وكان بمثابة حجر الزاوية في تكوين الحدث الحضاري الاسلامي».
بالنسبة للحضارة الاسلامية فإن التوحيد هو المحور الرئيسي لها فقد قرر الاسلام مند البداية وبصورة دقيقة وحاسمة التوحيد ، فالكون واحد مهما تعددت اوضاعه ، والكون من خلق رب واحد ليس له ند او كفؤ وليس كمثله شيء. وبالتالي رفض الشرك باللّه وعبادة غيره ، كما رفض اي نظام لتقسيم الناس الى طبقات او فئات ، وحرر الانسان من تبعية الولاء لغير الله. ويقول صابر طعيمة :"ان «.. الاسلام في عالميته الانسانية او انسانيته العالمية كان شيئا معجزا لم تعرفه الاديان ولا المذاهب - من قبل - فلم تكن هناك دعوات مثله او قريبة منه قد عملت له مقدمات فجاء يختم الحساب ، كان اول ما في الاسلام حين دعا الى التوحيد ، ان دعوة التحويد في الاسلام لم تكن مسائل غيبية ومتاهات ميتافيزقية ، وانما كانت دعوة التوحيد على توحيد الانسانية كلها في حقوق واحدة ، وتوحيدها في هداية واحدة وتوحيدها في ايمان بإله واحد لا إله الا هو ، يتساوى الناس جميعا بين يديه ولا يتمايزون الا بمقدار ما يقدمون للانسانية فيه من خير وسلام ، ولا يتحقق التمايز بغير الفضل والصلاح والعدل والمساواة..» ويقول انور عبدالله: «ان اي انسان عاقل يدرك ان مصر هي اقدم امة وحضارة في التاريخ قاطبة ، ومنذ الفتح العربي الاسلامي دخلنا بالتدرج في اطار دائرة أسميناها - منذ خمسين عاما - الدائرة العربية ، ولكنها في الواقع دائرة الحضارة الاسلامية ، والتي تتمركز حول مبدأ واحد هو «التوحيد» ، الذي يتفق بشكل مطلق مع خصوصية مصر. فالحياة العامة في مصر بها قبول بالسليقة للتوحيد ، ناتج عن وحدة الامة المصرية منذ ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة ، وبالتالي فالاطار الحضاري الاسلامي يشمل المرحلة القبطية اي «المسيحية المصرية» كما ان لغتنا هي العربية ، لغة القرآن.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش