الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سلالة الرمل * * د. محمد مقدادي

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 مـساءً
سلالة الرمل * * د. محمد مقدادي

 

 
هي أول الكلمات
حرفان
مشتبكان في المعنى
ال «راء»... بر عامر برحيل من مروا على عتباته ،
وال «ميم»... ماء نادر يتفصد حينما يتعرق الصخر تحت الهاجره.
فتكون «رم».
قمر مطفأ في البدايات
ضوء منبثق من خاصرة الزمن البعيد
بعد الأرض عن مائه.. وسمائه
واحتدام هادىء بين المكونات التي تعيد للأشياء بهجتها
وطلاوة انتظارها لزمن يأخذ يدها
صوب الأعراس التي يصطخب فيها الغناء
وتزدحم في شعابها العناقات المؤجله
هنا كان اجدادي يواقعون رملهم
وهنا كانوا يحملون ظلهم الثقيل الى شرفات الامكنة المطلة على حلم قصي ،
اذن...
كيف تتشكل الأحلام على هيأة الطير من طين البلاد
ومن يبعث فيها الروح لتسري على عتبات الصباحات المشوية ،
بشمس لاتنام الا قليلا
من يرسل بهذه الطيور «خماصا»
تغرد في أفق مفتوح على احتمالات غير خاضعة لقوانين الاحتمال
ومن ذا الذي يعيدها «بطانا»
محملة برسائل أقوام على طرف آخر من الكون
يكتبون قصائدهم
على جلود الطرائد
وينقشون أسماء الآلهه على وجنات الصخر
ويعزفون موسيقاهم
على ماتيسر من موائد الضنك... والعذاب.
هي ذي «رم»
بوابة مشرعة للقيا
هشيم صخري قابل للاشتعال
نافذة ،
يطل منها قمر ممشوق القد
يحترف التسكع في زنقات موصلة ،
الى حيث يحتضن الليل اسرة خالية من الضفائر والصلوات.
اين من كانوا على حافة الصخر يرقصون ؟
متحلقين حول نار الخطيئة الأولى
مشتبكة أصابع أيديهم
في حوار لاينتهي
ومنشغلين بفك طلاسم الحقيقة التي جاءت بهذه الصروح
وألقت بها ،
- مثل كائنات أسطورية ـ
على صفحة لم يقرأ أبجديتها أحد بعد...
أحاول أن أتسلق سلم الوقت
وأن أنحني أمام «طاقة» المعنى
وأن أكمل مافاتني من التشكل في فضاء المكان
لكن شيئا ما ،
يشدني الى ناصية أخرى
لألضم قلادة لحبيبة حاضرة في غيابها
وأمتشق روحا موغلة في اقتناص لحظتها وهي تنأى
وأظل أطارد يومي الموعود عمرا بأكمله
حتى أقبض على جمرة اللقيا
فأشعل في حضرة الحبيبة ما يليق بها من خضرة وغناء.
وأطلق في فضاء الموسيقا... فاكهة لموسم حميم ،
جاء مستعجلا نهوضي ،
ويمم بي شطر هذا الغياب.
وتبقى «رم»
خياما تدق أوتادها في جسد مرتعش
تتناوشه حمى العناقات المتوارية خلف الكثبان
وتنهض «الصخور» من سباتها الطويل
وتخلع «الأرواح» المتثائبة ذاكرتها
على الشرفات المستلقية في الظلال
وتهرول الكائنات على زرابي الرمل المبثوث
تقرأ في صحيفة الصباح
ماتيسر من أنباء البارحه :
عشاق... حفاة أو عراة مروا
متعانقين أو متخاصرين أو متواجعين... أو
مقترفين لحظة من جنون أو عبث.
سيدة... مكتظة بفتنة اللون
مشغول جسدها بجدارة بالغه
متأففة من ظهيرة كسلى
يلتف حول بياضها شال حرير
ينز بما تيسر من حناء الصدر
وطافح ثغرهابابتسامات ،
موقوفة حينا من دهر ينوء بما حمل.
ظلان من نور ... يقتربان حتى الالتحام
ويفترقان حتى الانفصام
وفي «اقترابهما» تتجاذب الدنيا
وينداح ضوء شفيف في أعالي العتمة
هيئوا للعروسين سريرا على أسنمة الغيم
وفي «افتراقهما» تنزوي بهجة النخل
الذي كان مسترسلا بالغناء
وتسود العراجين المدلاة ،
في انكسار موحش وخجول...
نسيم الليل
يكنس آثار العابرين
ويعيد صياغة الحوارات الدافئه
ويعد صحيفة الصباح لليوم التالي
كي يقرأ الناس رسائل الليلة الفائته
على ورق رملي لايصدأ
ولا يمحو بصمات العشاق الفرحين
بعزلة .. ليس فيها الا قمر مكتمل
ليس كمثله قمر سواه
ونداءات لأرواح سكنت هذه الجبال
وبلغت من السكينة حدا
أقعدها عن السعي في مناكب الأرض ،
لتظل في كهوفها تنسج الأبسطة ،
وتبتكر النمارق ،
في الممرات المؤدية الى حجرات يحل بها القادمون ،
الى قبائل غير مرئية.
لم تهرم شواطئ الرمل
ولم تشخ مراكبها
لكن الضيوف القادمين من جهات الأرض
يتكدسون في الشعاب
وينشغلون بالدهشة التي تقض مضاجعهم
فتتلبسهم الى درجة التشبع بروعة المكان
واسئلته المحيره
وهي دهشة عاتية ـ بلا شك ـ
لكنها ذات طعم مغاير تماما ، لأنها تأتي اثر اعداد مسبق ، وولوج متعمد ، كأنما الناس نمل يبحثون عن ثقوب تؤدي الى أنفاق يأوون بها الى مخادعهم المسكونة بجمر الصبر.. والمزدانة بورد السكينة والاطمئنان.
أين أهرب مني اذن ؟
خطاي آخذة في الترهل.. والانتشار ،
على أرض.. مدى العين احتراقها
ومدى القلب.. نبتها الشحيح
ومدى السمع.. موسيقا ليلها ،
وطقوس أعراسها.
هل ألوذ ، بك ، وأعتصم ،
أيها الرمل الحالم بالرذاذ
يأتيك من سقوف معلقة في فضائك المرهق
محلقا بين «صباح» جافل من أحزمة الضوء
تشق طريقها في ابط الجبال
و«مساء» يفرد جناحي الظلمة على كهوف رغبته
مسترخيا كأنه محارب أنجز انتصاره ، وحسم خياره ،
فاستراح على أريكة قدت من حجر.. وانتظار
وعلق أدوات المنازلة واستقال من عناء المجابهة
ولكن...
هل لفارس تزوج الحلم
وصنع الحقيقة ان يواصل صفيره وتثاؤبه
من غير ان يحتفل بقراءة الملفات التي تعدها الريح ،
وتنقشها بكامل أبهة اللغة
وبواسع قدسية الحرف
وبوافر الصمت الصارخ بأعلى الصوت؟
لم تهرم شواطئ الرمل
ولم تأخذ الشيخوخة طريقا الى مراكبها
لكننا... وكلما تعرفنا الى العالم واقتربنا من عناصره ازداد احترامنا لنواميس الطبيعة وطقوسها وصار التصاقنا بها لجوءا اليها واحتماء بمكوناتها وانتشاء باكتشاف مجاهلها وفتحا لدفاتر العمر المتوثب الى ما وراء المنظور من الحقائق المتربعة على أبسة الرمل والحصى وبين صخور تخرجنا من تخيل الغرائب الى غرائبية التخيلات.
رمل يتسلق السفوح
متشبثا بنتوءاتها
مشكلا أكفا ضالعة في الانتشار والتوثب
كأنها أوردة تعبر مسام جلدها الصخري المتشقق
مثل لحاء اشجار أسطورية.. تبث حماها
وهي تصعد الى شفا حفرة من عذاب انتظارها الموصول.
سلال معبأة فاكهة وحلوى
باقات ورد طازج وشفيف
ضوء مندلق من عتمة جاثمة على قمم مشروخة
والسماء صافية
كدمعة خرساء
تكتم داخلها لغة.. تتسع لكل ما قاله البشر عبر سني البوح والصراخ
بينما ينهمك الساكنون في نحت خزائن المؤونة التي تندلق منها رائحة الغلال
كأنها جاءت من بيادر الموسم الأخير.
من الذي جاء بكل هذه النقوش؟
ومن أضرم في وحدتها نار الغربة
حتى تدلت عناقيدها
واضطر معطر في طيات الصخر؟
كأن نجما من فضاء آخر حط هنا
وصب جام شواظ من نحاسه على هذه الأرض
كأن سائلا ناريا جامحا
أطلقته السماء
فشكل ـ وهو ينساب فوق السفوح ـ أبوابا ،
وشرفات.. ومغاور ،
ومشربيات.. ومقاعد ،
وهياكل لكائنات وقورة وصارمة تشدك اليها
وتدخلك في حوار لم تكن أعددت له عدة من قبل.. ،
من جاء بهذا الحرير والقصب؟
فأسدل على جبهة الصخر ستائره
وأضاء شمعا متقدا
لا ينال منه رمل يتوسل الغيم أن ينحني
كي يطال منه بعض الذي يشتهي من حياة
أفرغت الطبيعة سلال حلواها هنا... ومضت ،
نشفت عروق الورد
وتقدد الزهر
وانبسطت الأرض كأنها سجلات
تدون فيها الريح موسيقاها
وتؤرخ لشمس أرخت جدائلها على سيوف الفضة
وأسنة الصلصال
فأحالت الأفق صفحة مفتوحة
لأدعية محفورة على شفاه الصخر
ورشقتها بما استطاعت من فيض دفئها الحميم.
من هنا مر اول أجدادي
سمع صهيلا بعيدا.. ولم يلحظ سنابك العاديات ضبحا
ولم ير أثرا لفرسان عبروا هذه الفيافي من قبل
رأى مساقط متحجرة لجداول رعناء
وعلامات ـ على وجنات الجبال ـ
خلفتها سهام بروق مستفزة
وقبضات رعود
ظلت تطرق بابا مغلقا بين جبلين حتى انفلقا
فصنعا سيقا تعبره قوافل السوافي
بما حملته طلع... وحناء
وقف الجد على ساق واحدة ، وراح يدور حول نفسه ، غرس عصاه في ابط الرمل واتكأ عليها من نصب ولم يفلح في النهوض ، فاستسلم لغفوة لم يصح منها الا على خرير ماء منسكب من السفوح المغطاة بالأحمر الوردي.
امتد الماء على بساط الرمل.. فاضت المغاور وامتلأت الكهوف ، وانبجست من كل حجر عينان نضاحتان.. وأحاطت بجدي عرائس الماء ، على رؤوسهن تيجان من المرجان ، وعلى صدورهن نخل يانع ورمان ، ومن خصورهن تدلت أحزمة من آس وسندس وكهرمان.
غابة من نسوة جائعات لطعم الرجال ، أحطن بشجرته الباسقه ، راح جدي يتشبث بأغصانه ، وقد تعلقن بها ، يقطفن ما لذ لهن وطاب من ثمارها ، وراحت قدما جدي تغوصان رويدا رويدا بالماء ، والنسوة يدفعن بالرمل عن وجهه وعينيه ، لكن الليل أرخى سدوله ، وتكاثفت السحب ، وفاضت الشعاب ، وشرقت السفوح بالحصى.
أشرقت شمس اليوم التالي ، على أرض لم تكن بالأمس ، وفي واد غير ذي زرع... غاب جدي... والجدات غبن كذلك... وكانت سلالتنا.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش