الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في كتابات لم تنشر لنجيب محفوظ ( 3 - 3 ) نجيب محفوظ:على المثقفين تحدي الارهاب في سلسلة متكاملة من الاداء الوطني

تم نشره في الأحد 22 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 مـساءً
في كتابات لم تنشر لنجيب محفوظ ( 3 - 3 ) نجيب محفوظ:على المثقفين تحدي الارهاب في سلسلة متكاملة من الاداء الوطني

 

 
وكالة الأهرام للصحافة - رجب البنا.
موقف نجيب محفوظ من الثقافة والمثقفين وعلاقتهما بالدولة شديد الوضوح ، فهو يطالب بالحرية الثقافية لكى يتحقق فى المجتمع التكامل والاتساق مع التحول من الشمولية إلى الحرية فى السياسة والاقتصاد ، ولذلك فإن مسار التطور الطبيعى سوف ينتهى حتماً إلى استقلال الفن عن الدولة ويبقى للدولة توفير الضمانات والتشجيع والرعاية دون أن تتدخل أو تتملك وسائل النشر والإعلام والفن والثقافة .
أما دور المثقفين أنفسهم فإنه يتسع لمسئوليات اجتماعية وأخلاقية تشمل التصدي للإرهاب ومناقشة أسباب التطرف وتحليل الفكر الذى يستند إليه: ويبقى دور المثقف في العمل السياسي والخدمة الاجتماعية متوقفاً على القدرات والاستعدادات الشخصية التى تختلف باختلاف كل منهم ، والأمر الطبيعى أن تتعدد آراء ومواقف المثقفين ، ومن غير الطبيعى أن يتفقوا جميعاً على رأي واحد أو موقف واحد أو أن ينطقوا بلسان واحد فهذا أمر يتعارض مع الاختلافات الفردية وتعدد الرؤى وحرية الفكر وطبيعة البشر.
وإن كان نجيب محفوظ حين ينظر إلى أحوال الثقافة فى مجملها يرى أنها "ثقافة متوعكة" على حد تعبيره.
ونجيب محفوظ بدافع من رؤيته الإنسانية الشاملة يدعو إلى محاربة الفساد ، والبدء في بناء نهضة حضارية شاملة ، كما يدعو إلى استنهاض الهمم للتغلب على التحديات المختلفة الطبيعية والسياسية والاجتماعية التي تفرض نفسها على المجتمع وأهله.
الاستقلال الثقافي
ترى هل تطورت علاقة الدولة بالثقافة بما يناسب التحول الجاري من الشمولية إلى الحرية فى السياسة والاقتصاد؟. فى مجال السينما تحرر الإنتاج من زمن غير قصير وأنشئت دور عرض خاصة قليلة والنشاط المسرحى الخاص يكاد يتأثر بالسوق.
أما الكتاب فمجاله متوازن بين الهيئة ودور النشر الخاصة مع ملاحظة أن المجلات الأدبية تلقى صعوبة غير معقولة ولا مبررة للموافقة على إصدارها. مهما يكن من أمر فسوف يستقل الفن والأدب والفكر عن جهاز الدولة عاجلاً أو آجلاً. سوف يخضع الإنتاج الفني والأدبي والفكري من ناحيتي الكم والكيف للمواهب والجمهور والسوق ، ثم يتطور ويستقر من خلال الصراع المعهود بين المثل العليا والمتطلبات التجارية فى جو من الحرية دون قرارات مفتعلة. لكن هذا لا يعني اختفاء الدولة ، فيظل لها دور مؤثر وفعال مهما تكن درجة استقلال الفن عن الدولة. الدولة فى بلادنا هي المهيمنة على المعاهد الفنية والأدبية التى تؤسس دراسة الفنون والآداب على أسس علمية. وهي المسئولة عن الآثار حفظاً وإصلاحاً وترميماً.
وهي التى ترصد الجوائز التشجيعية والتقديرية لاكتشاف المواهب وتقدير الإنتاج الراسخ ، كما أنها يجب أن تعين النقابات بما فيها اتحاد الكتاب لتساعدها على أداء رسالتها. وقد تسهم بالإعانة والإقراض لبناء المسارح ودور العرض والاستديوهات ، فضلاً عن دورها التشريعي لسن قوانين لحماية الفكر والفن ، والإعفاء من الضرائب ، وتجريم التزوير ، وإزالة معوقات التصدير والاستيراد أمام مستلزمات الإنتاج الثقافية ، إلى واجبها التقليدي في المشاركة في المهرجان وإقامتها. وحتى إذا نهض المستنيرون من رجال الأعمال للإسهام فى ذلك النشاط الكبير فسيظل للدولة دور لا غنى عنه ، ولكن لن يتاح للفن والأدب والفكر حياة طبيعية حرة حتى يستقل عن وصاية الدولة.

عن دور المثقفين
يتساءلون عن دور المثقفين فى التحديات التى تواجهنا وفي مقدمتها الإرهاب.
وفي تصوري أنه لا توجد قاعدة تخص المثقفين وحدهم دون بقية الفئات ، بل توجد قاعدة عامة واحدة تنطبق على الجميع.
ويمكن تلخيص تلك القاعدة فى الكلمات الآتية "إن كل مواطن مطالب بأن يؤدي واجبه كاملاً في نطاق إمكانياته المتاحة". هذه القاعدة تصح مع الجميع من أميين ومتعلمين بلا ثقافة ومتعلمين مثقفين ومتخصصين فى الثقافة والفكر.
فكل مطالب بأن يؤدي واجبه كاملاً في حدود إمكانياته. الأمى بحسب تدريبه والمتعلم بحسب تعلمه والمتعلم المثقف بحسب علمه وثقافته والمثقف المتخصص بحسب ثقافته عمقا وشمولا وكل ما تضيفه الثقافة إلى التدريب والعلم إنها تهيئ فرصاً لخلق وعي بأبعاد الواجب الاجتماعية والإنسانية. بعد ذلك التمهيد الذي لابد منه نرجع إلى السؤال الأصلي عن دور المثقفين . والحق أن دور المثقفين حيال التحديات وفي مقدمتها اليوم الإرهاب هو حلقة في سلسلة متكاملة من الأداء الوطني.
يبدأ أول ما يبدأ بالدفاع الأمني ، لأنه إذا كان ثمة جريمة فلا تردد ولا تأجيل في التصدى لها حماية للأرواح والاستقرار والحياة الآمنة.
ثم يجيء دور الدولة فى علاج الأسباب العميقة للظاهرة وذلك من خلال خططها الإصلاحية الهادفة للتنمية الشاملة ، ونركز هنا بصفة خاصة على مكافحة البطالة ومحاربة الفساد ومقاومة الغلاء والإصلاح السياسي. وأخيراً وليس آخراً يجيء دور الثقافة لمناقشة التطرف وتحليل فكره والتصدى لآرائه وأساليبه وتشخيصه من النواحي الاجتماعية والنفسية والاجتهاد في وصف العلاج المناسب له.
وكلما توفر للثقافة وسائل التعبير - من صحافة وإذاعة وتليفزيون ومؤتمرات - كانت أقدر مع إبلاغ رسالتها وتحقيق أهدافها. وربما تجاوز دور المثقف ذلك على حسب استعداده الشخصى فيشارك فى الحياة العملية السياسية أو الاجتماعية. ولا يجوز أن ننتظر رأياً واحداً عند المثقفين ، فهم يمثلون جميع الأحزاب والتيارات السياسية والاجتماعية والفلسفية والفنية ، وتتحدد آراؤهم ومواقفهم تبعاً لذلك.

خدمة الثقافة
أصدر الأستاذ حسين مهران رئيس هيئة قصور الثقافة قراراً بتشكيل أربع لجان لمتابعة مهرجان القراءة للجميع بالأقاليم. نشر عن ذلك فى 1992 ـ 8 ـ 5 فنرجو أن تكون اللجان قد بدأت نشاطها الذى سيغطى الجمهورية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. بذلك نضمن النمو والاستمرارية للمهمة الجليلة التى نهضت بها ورعتها السيدة حرم رئيس الجمهورية ، والتى نعدها من أهم المشروعات الثقافية إن لم تكن أهمها جميعاً بالنظر إلى مركز الكتاب كمصدر أول للإشعاع الثقافي.
والحق أننا رحبنا بالمشروع غاية الترحيب وتابعنا خطواته باهتمام فائق ، وسايرنا أخباره من افتتاح مهرجانه وتدشين مكتباته ، ودعوة كل قادر على دعمه ونشره بكل ما يملك من حماس وطاقة.
كنا نتابع ذلك بسعادة غامرة مؤمنين بأنه نشاط بارع صادق لبث الروح فى الحياة الثقافية وتعهدها على المدى القصير والطويل الرعاية والعناية ، والتصدى بقوة لسلبيات كثيرة اعترضت مجرى حياتنا الروحية فى السنوات القريبة الماضية.
وكنا نشفق أشد الإشفاق من أن يقتصر الحماس على الحفلات والكلمات الطيبة ثم سرعان ما تهبط الحرارة ويتلاشى الحماس ويرجع كل شيء إلى أصله.
ولنا من السوابق شواهد تشكك فى جدية الندوات واللقاءات والحفلات التى تتردد فيها الشعارات ونصدر التوصيات ثم ينتهي كل شيء وكأنه لم يكن.
ولكن الحق أيضاً أن أملنا هذه المرة تعلق بصاحبة المشروع ، فهي سيدة مثقفة ، تحب الثقافة وتؤمن بها وتعرف لها خطرها فى بناء الفرد والأمة ، وهى لن تترك فكرتها السامية لتتلاشى في قبضة البيروقراطية والسلبية السائدة.
وها هي اللجان الأربع تتكون كأول بشير بالجدية ، ولا يداخلني شك في أنها قد وجدت لتعمل وتحقق أهدافها ، لتفتش على الوحدات القائمة وتزودها بما ينقصها من الكتب ، ولتعمل على نشر المكتبات بالاستعانة بالجهات الرسمية والأهلية وتقترح كل ماسيتراءى لها لمضاعفة النشاط وبث الحيوية.
أرجو أن يكون لكل مشروع خبر ذاكرة وألا تني الذاكرة عن التذكر والإبداع والعمل.

هموم ثقافية
الثقافة تمر بفترة متوعكة. هذا ما يقال كلما دار الحديث حولها. لم لا ؟ .
ألا توجد أزمة عامة ملموسة فكيف تفلت من قبضتها الثقافة ؟،
والدولة تواجه الأزمة بالتنمية الشاملة والخطط الخمسية المتتابعة ، وللثقافة في ذلك نصيب تجلت آثاره فى ظواهر مبشرة أقربها إلى الذاكرة نجاح مجلات إبداع وفصول والقاهرة. ولكن ذلك لا يمنع من أن نذكر كلمة عن متاعب الثقافة لعلها تلخص بعض ما يقال.
فهل توجد عقبات عامة فى طريق الثقافة بصرف النظر مؤقتاً عن التفاصيل التى تخص كل مجال ثقافي على حدة؟ الحق أن أول ما يشار إليه هو التليفزيون ، لجاذبيته التي لا تقاوم وشعبيته الكاسحة التي بفضلها أصبح المصدر الأول للامتاع والإعلام والإرشاد والثقافة الميسرة. والتليفزيون ليس سلبية عارضة ولكن تطور علمي وحقيقة عصرية.
لذلك لا يجوز أن يفكر عاقل في محاصرته ، ولكن يجب العمل دائماً على التوافق معه وإيجاد السبل للتعاون بلباقة وذكاء مما يعود على الناس بالخير والنفع في سبل إمتاعه وإعلامه وإرشاده وثقافته ، وقد أدى فى ذلك عملاً جليلاً للمتعلمين والأميين على السواء وما زالت الفرص متاحة للمزيد وأنا على يقين من أن ما خسرته الثقافة الجادة الممثلة فى الكتاب بسبب التليفزيون تستطيع أن تعوضه بالتلفزيون نفسه.
وثمة عقبة ثانية هي الأزمة الاقتصادية ، وهي حال يجب أن تزول ، كما يجب ألا نتراخى في مقاومتها ، ويوم نتغلب عليها سيعود إلى الثقافة قدر كبير من توازنها المفقود ، أما ونحن نعانيها فهى لاشك عقبة ثقيلة غليظة فى سبيل الانتشار الثقافى ، ولعل في نشر المكتبات وتجديد دار الكتب ما يمكننا من التخفيف من وطأة هذه الأزمة.
وأيضاً توجد عقبة ثالثة لا يصح الاستهانة بها ، وهي تأثير الآراء المتطرفة على الشباب فى هجومها على الفنون والآداب والفكر ، واستقطابها في ذلك للعديد من الشباب الذين كرهوا الثقافة تأثراً بها ، ولعله من المفيد ألا يخلو الحوار الدائر مع هؤلاء الشبان من الدفاع عن الفن والثقافة والفكر. على كل من يهمه بناء الإنسان وتكوينه ألا يفوت فرصة للدفاع عن الثقافة والعمل ما وسعه ذلك على ازدهارها . ھالماضي والحاضر في عالم متغير.
في يوم الاثنين 8 ـ 3 اطلعت في صحفنا على عنوانين هامين. الأول عن إحياء مصر الإسلامية وما تعانيه هياكلها وآثارها من أحوال متردية ، وكيف تحولت إحدى بوابات مجدها التاريخية إلى مقلب قمامة. والثاني عن انعقاد مؤتمر ثقافي لبحث الثقافة العربية في عالم الغد المتغير ، والاتفاق على ميثاق يلتزم به المثقفون. هكذا اجتمع البكاء على الأطلال مع التطلع إلى المستقبل في وقت واحد.
وبالحق والصدق فإنني لم أحظ من العنوانين إلا بالكآبة. لا أدري كيف أدافع عن أحيائنا الأثرية ، فقد قيل في ذلك كل ما يمكن أن يقال.
فضلاً عن ذلك فإني ابن من أبنائها ، نعم بملاعبها في ربوعها الطيبة فى زمن كانت تكنس فيه في النهار الواحد مرتين وترش مرتين وتنضح جوانحها بعبق الماضي المجيد. ماذا يحدث لها اليوم؟ ماذا أصابها في العصر الذهبي للسياحة ، وهل تغنى فى الدفاع عنها لغة المال والاقتصاد؟ أم حسبنا حنين الذكريات؟ أما المؤتمر الثقافي فقد انعقد ، وألقيت كلمات طيبة كالعادة ، وأعلن الميثاق وانفض السامر وأسدل الستار.

أي ثقافة وأي عالم متغيراً
الثقافة هي الثقافة ، هي الإنتاج أولاً وأخيراً ، والعالم لا يكف عن التغيير ولا الثقافة تكف. وأما الميثاق فهل كان ينتج المبدعون ويفكر المفكرون دون ميثاق وأن لم يعلن في مؤتمر؟. هل كانوا يهيمون في الضلالة حتى هل عليهم الميثاق بنوره؟. وأي قوة تحمل مبدعاً على الالتزام بغير ما يوحى إليه به ضميره؟. أفهم أن يجتمع المثقفون لعرض مطالبهم. وما أكثر المطالب المعلقة. من أمثلة ذلك إعادة النظر في القوانين الخاصة بحرية الفكر ، إزالة العقبات المالية والجمركية التي تعرقل التبادل الثقافي ، تشديد عقوبة التزوير ، التبادل الثقافي من خلال المعارض والزيارات ، إنشاء مؤسسة على مستوى الجامعة العربية للترجمة من وإلى اللغة العربية ، تقوية ساعات البث الإذاعي والتليفزيوني في مجال الثقافة ، إنشاء لجنة دائمة من وزراء الثقافة والإعلام والتربية في البلاد العربية لموالاة الثقافة بالرعاية والعناية.
وأعتقد أنه توجد مطالب ثقافية أكثر من ذلك ، وهي جديرة بالندوات والمؤتمرات حقاً.

الإصلاح الاقتصادي
يحدثونك عن الإصلاح الاقتصادي بالأرقام والشواهد. ولكنهم يستعملون لغة خاصة يفهمها أهل الخبرة والعلم ونخبة من المثقفين ، أما المطحونون بالأزمة فلا يفهمون هذه اللغة ، ولا يصدقونها ، وهيهات أن يعترفوا بالإصلاح إن لم تخف وطأة الحياة وتتيسر السبل.
إنهم يتحدثون عن استقرار سعر الصرف ، ومعدلات النمو ، وتحسن الميزان التجاري ، وتزايد استثمارات القطاع الخاص. كما يعدون بإصدار قوانين خاصة بالبنوك والودائع وتطوير سوق المال.
تلك إصلاحات حقيقية ولكن الإعلان عنها يتم بلغة خاصة ولعلها تخاطب فئات معينة من المواطنين. أما الرجل العادي فلا يفقه لها معنى ، وقد يمر بها بربع انتباه فهو لا يبالي إلا بأزمته أمام غول الغلاء.
وبمعنى آخر فإن الإصلاح يعالج مقومات الحياة الاقتصادية ، ولكنه لا يصل إلى الشعب حتى يلد نتائجه الحتمية المأمولة ، وتتضح آثاره في الأسعار والمرتبات ومضاعفة الإنتاج ومطاردة الفساد والمفسدين.
بغير ذلك لا يعترف الشعب بالإصلاح ولا يصدقه ، وبغير ذلك لا يمكن أن يجد الحل لهمومه ومشكلاته ، ويستعيد توازنه وما عرف عنه من السماحة والتهذيب والاستقامة والبعد عن التطرف والإرهاب.
وبين إصلاح المقومات الاقتصادية ونتائجها المأمولة طريق ليس بالقصير وفترة انتظار حرجة. إنه موقف شديد يطالب كل مواطن ببذل كل ما يملك من رأي أو قدرة للتخفيف من معاناة المطحونين ، والدفاع عن مصالحهم ، ونقد السلبيات التى تعرقل مجرى حياتهم ، مع تجنب المزايدة والإحراج والتحريض. إنه موقف يقتضي النقد البناء والموضوعية والإخلاص والارتفاع عن الحزازات الشخصية لنكون أهلا للدفاع عن أمننا القومي وتضامننا البشري فى أسمى معانيه.

مركز التحديات
مضى زمن طويل ونحن لا نعرف من التحديات إلا النوع البشري منها. أعنى ذلك النوع الذى يعتبر الإنسان مسئولاً عنه.
مثل الغزو والاستعمار والاستبداد والتأخر الحضاري حقا. حقاً نعلم من التاريخ أن التحديات الأولى التى صادفت الإنسان كانت طبيعية ، مثل تغير الأجواء والعواصف والوحوش وما شابه ذلك ، ولكن الإنسان عرف كيف يتوافق مع أغلبها من خلال تقدمه الحضاري ، فلم يعد يشغله ويستقطب اهتمامه إلا التحديات الطبيعية ، وتنبهنا إلى خطورة عواقبها ، فقد تقضي على الحضارة أو توقف تطورها وقد تهلك البشرية نفسها فتمسي فى خبر كان. وإذا أردنا أن نصنف التحديات تبعاً لمنشئها قلنا: منها ما هو طبيعي بحت كالزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات وبعض الأمراض الخطيرة.
ومنها تحديات طبيعية أيضاً ولكنها من أصل بشري ، أى نتيجة للحضارة نفسها لانهماك الإنسان في صراع الحياة انهماكاً أنساه عواقب الكثير من تصرفاته ، مثل فتحة الأوزون ، والتلوث والجفاف وما يعقب ذلك من أوبئة ومجاعات. هذه وتلك ذات عواقب شديدة الخطورة ، على الإنسان بل على الحياة بصفة عامة ، ومما يحدثونك عن نتائجها كوارث مخنقة ، فيها الهلاك الشامل للنباتات ، وقد يمتد الهلاك للأحياء جميعاً من نبات وحيوان وإنسان ، وقد تغرق مدن وسواحل ، وقد تختفي أجزاء لا يستهان بها من القارات. وطبعاً نحن مطالبون كسائر البشر باتخاذ كافة الإجراءات لمنع الإضرار بالبيئة وإفسادها ودفعها لمقابلة الشر بمثله ، بل لعلنا نتخذ الخطوات الأولى في ذلك السبيل الذى لا مفر من السير فيه بقوة وثبات.
ولكن إلى جانب ذلك يجب أن نستعد لمواجهة أي كارثة حتى لا نؤخذ على غرة كما حدث لنا.
مع الزلزال الأخير ذي التوابع. يجب أن يكون لنا مركز دائم للمقاومة ، لدراسة كافة احتمالات وقوع الكوارث ، وأن يكون لدينا تخطيط شامل وإسعافات احتياطية وقوى من الأجهزة والبشر.
إنه قدر الإنسان أن يعيش في مواجهة التحديات ، وأن يخلق ثقافته وحضارته من خلال ذلك.

طريق الحياة
لابد من نهضة حضارية شاملة وإن طال الطريق وامتلا بالعقبات والمصاعب.
لابد من نهضة حضارية شاملة ، ولابد من إرادة صلبة تتناسب قوتها مع ثقل العقبات والمصاعب. ولعله مما يشحذ الهمم ويقوي العزائم أن نجدول العقبات والمصاعب لنحسن تقدير الطاقة التى تلزمنا لتحقيق الهدف وبلوغ الغاية. فما هي العقبات وما هي المصاعب ؟.
منها ما هو ليس من صنعنا المباشر أو غير المباشر ، فهو طبيعي كوني مثل الزلازل ، وهذه نواجهها بالصبر والإيمان ، والتسلح بما يمكن أن يمدنا به العلم من أجهزة رصد وتنبؤ ، وما يمكن أن ننشئه من مراكز للاستعداد للكوارث ، وعلى كل إنسان بعد ذلك أن يحمل قدره ويرضى به. ومنها كوارث طبيعية ولكنها من صنعنا بطريق غير مباشر كالتلوث ، وسلبيات السد العالي ، وهذا النوع يمكن مقاومته بالوسائل العلمية الحديثة في نطاق التعاون الدولي.
ومنها عقبات اجتماعية وطبيعية فى آن واحد كالمشكلة السكانية وتفاقمها عاماً بعد عام ، وفيها جانب لا حيلة لنا فيه ، وآخر يمكن علاجه بالوعي ولعل أنجح وسيلة لإحراز نجاح فيه هو نشر التعليم والثقافة.
بقية العقبات والصعاب هي أساساً من صنعنا بلا شريك ، ونحن مسئولون عنها شعباً ودولة مثل النظام السياسى ، والاقتصاد ، والتعليم ، والأخلاق العامة ، والمستوى الثقافي ، والتربية الدينية الصحيحة ، والبطالة ، والمخدرات ، وسيادة القانون ، واحترام حقوق الإنسان ، وإصلاح ذلك يتطلب من الدولة حكمة وإخلاصا ومرونة وصدقاً وعملاً متواصلاً واعتباراً وفهماً للعالم الجديد وعظات التاريخ ، كما يتطلب من الشعب يقظة وانتماء. وجدية ، وتجريب كافة السبل المشروعة في الدفاع عن حقه قبل أن يدفعه اليأس إلى التمرد ، والثورة. والله معنا فى جميع الأحوال.
ينشر بالترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش