الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خمسون عاماً على حرب السويس «2» * ...أسرار التواطؤ بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ...دفعت أزمة السويس بفكرة القومية العربية إلى الانتشار وحو

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 مـساءً
خمسون عاماً على حرب السويس «2» * ...أسرار التواطؤ بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ...دفعت أزمة السويس بفكرة القومية العربية إلى الانتشار وحو

 

 
تفترض بعض المصادر البريطانية والفرنسية وسواها ، وخصوصاً وزارة الخارجية البريطانية التي فتحت معظم ما في خزائنها وأرشيفها من وثائق أمام الباحثين (بموجب القانون الذي يتيح الاطلاع على أوراق الدولة بعد 30 أو 50 سنة على مرور زمنها) ، ان رئيس الوزراء البريطاني كان متضايقاً من تكليفه هذه المهمة. وكان أحد أهم أسباب الضيق الذي شعر به لويد ، هو أنه كان يقوم بتنظيم حملة اتصالات ديبلوماسية مع الرئيس جمال عبد الناصر منذ تأميم شركة قناة السويس في 26 تموز ـ يوليو لمنع تهديد مكانة بريطانيا ومصالحها في المنطقة ، وعلى رأسها إمدادات النفط إلى أوروبا. وجاء هذا الاجتماع ليقضي على خطة لويد الديبلوماسية. كل هذا في الوقت الذي كان فيه إيدن قد "روكبَ" على عبد الناصر ، فساعة يقارنه بهتلر وساعة أخرى يشبّهه بموسوليني.
الخوف من الوحدة العربية
كان مبعث الخوف لدى الغرب من الاستيلاء على قناة السويس هو أن تكون بداية حملة لطرد النفوذ الغربي كلياً والمصالح الغربية نهائياً من البلاد العربية. كما كان الخوف المعلن في الولايات المتحدة في أيلول ـ سبتمبر ، هو أن يؤدي نجاح تأميم القناة إلى قيام وحدة عربية بزعامة مصرية ورعاية سوفياتية. وكان هذا هو رأي الرئيس الأميركي الجمهوري دوايت أيزنهاور الذي كان يصرّح به. إلا أن الجنرال الأميركي وبطل الحرب العالمية الثانية ، كان يريد تطويق هذه المخاوف الغربية بوسائل سياسية وبحلول سلمية لا بواسطة عمل عسكري.

التحالف الفرنسي - الاسرائيلي
في أواسط تشرين الأول ـ أكتوبر بدت الحرب وكأنها أمر لا مفر منه ، بالدرجة الأولى بسبب التعنت الذي كان يمارسه التحالف بين فرنسا وإسرائيل ، اللتين كانتا تدعوان إلى حرب وقائية على مصر ، وخاصة إسرائيل التي تعرضت لسلسلة من المناوشات على الحدود المصرية ــــ الإسرائيلية في الأشهر التي سبقت تأميم القناة. أما غي موليه ، رئيس وزراء فرنسا الاشتراكي ، فقد كان مستقتلاً لإيقاف مصر عن دعم ومساعدة الثورة ضد فرنسا في الجزائر. وكانت الاتصالات الفرنسية ــــ الإسرائيلية تتمّ عبر قنوات خلفية في باريس وتل أبيب ، بواسطة وزير الدفاع الفرنسي موريس بورغيس ــــ مونوري ، أحد أبطال المقاومة ضد الاحتلال النازي لفرنسا ، ووزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو ، الذي سجن خلال الحرب العالمية الثانية في أحد المعتقلات النازية في بوشنوالد ، وبحكم هذه الخلفية السياسية المعادية للنازية لكل من الرجلين ، كان هذا التعاطف الفرنسي مع إسرائيل في حرب السويس. أما بريطانيا ، ولم يكن قد مرّ على انسحابها من فلسطين إلا ثماني سنوات ، فكانت بالمقابل ترتاب كثيراً من أية علاقة بـإسرائيل ، إلى درجة أنها كانت تعدّ لخطة هجومية على إسرائيل إذا شنّت هذه حرباً على الأردن. وسط هذا التناقض في المواقف من إسرائيل بين الحميمية الفرنسية من جهة والبرود الإنكليزي من جهة ثانية ، جاءت فرنسا لتقوم بدور "الخاطبة" التي قربت بين لندن وتل أبيب ، لتربطهما في مصلحة واحدة ضد مصر عبر اتفاق "سيفر".

اجتماع سري في احد منازل باريس
وكان إيدن قد عقد اجتماعاً سرياً في 14 تشرين الأول ـ أكتوبر مع مبعوثين فرنسيين ، شطبا اسميهما من دفتر الزوار في مقره الريفي في "تشيكرز" بأمر منه. ونبّه إيدن سكرتيره الخاص ، غاي ميلارد ، الذي حضر اللقاء ، من تدوين ما دار في الاجتماع ، محذراً بأن "لا داعي لذلك" ــــ كما جاء في مذكراته. وبعد ثمانية أيام من هذا اللقاء ، وصل سلوين لويد إلى منزل في شارع "إمانيول جيرو" في باريس ، كان يستعمل بيتاً سرياً في الحرب العالمية الثانية لإخفاء رجال المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي ، ليجد أن اجتماعاً قد بدأ بحضور دافيد بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل وموشي ديان وزير الدفاع ، اللذين كانا كلاهما يشككان بنوايا بريطانيا وسياستها. ولفت نظر لويد أن ديان أخذ يرسم على ظهر علبة سجائر خطة عملية غزو القناة. ويقول مورداخاي بار ــــ أون ، مساعد ديان ، وأحد الباقين على قيد الحياة منذ ذلك الاجتماع ، إن الوجوم قد خيّم على وجه لويد ، وكأنه شعر بمغص حاد معتبراً أن المشهد كله كان بشعاً.

بروتوكول الحرب
في 24 تشرين الأول ـ أكتوبر عاد وزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو إلى باريس من زيارة لإيدن في لندن ، حيث وضع الفرقاء الثلاثة بروتوكولاً بالفرنسية طبع على الآلة الكاتبة في مطبخ البيت إياه. وتتعهد إسرائيل بموجب هذا البروتوكول بالهجوم على مصر ، وأن تتخذ بريطانيا وفرنسا هذا الهجوم ذريعة لغزو مصر تحت ستار فصل المتحاربين لحماية قناة السويس. وكان فصل المتحاربين يعني في هذا البروتوكول إسناداً ودعماً جوياً وبحرياً للقوات الإسرائيلية من بريطانيا وفرنسا أثناء هجوم إسرائيل على مصر. وكان من المفترض أن تبقى وثيقة هذا الاتفاق "سرّية للغاية" ، وقد وقّعها عن الجانب البريطاني باتريك دين ، كبير موظفي الخارجية البريطانية في حينه ، الذي وجد أن جو الاجتماع لم يكن ودياً بما فيه الكفاية. وما ان غادر الجانب البريطاني الاجتماع ، حتى بدأت محادثات بين فرنسا وإسرائيل في البيت نفسه حول التعاون النووي بين البلدين.

الموقف البريطاني من البروتوكول
عند عودة الوزير البريطاني إلى لندن ، أمر إيدن بـإتلاف البروتوكول المكتوب ، قبل أن يجف حبر التواقيع عليه ، وأحرق نورمان بروك أمين عام الحكومة ، النسخة البريطانية من الاتفاق ، مع أوراق أخرى لها علاقة بالتآمر الثلاثي كيلا يبقى شيء يدين بريطانيا. أحرق نورمان بروك هذه الأوراق في مدفأة 10" داونينغ ستريت" مقر رئاسة الوزارة البريطانية. وفي الوقت نفسه ، أمر إيدن عضو الوفد البريطاني الذي جاء بنسخة البروتوكول الإنكليزية ، بالعودة فوراً إلى باريس لإقناع الجانب الفرنسي بحرق النسخة العائدة لهم. لكن الفرنسيين تركوا الوفد البريطاني ينتظر لساعات طوال في غرفة الانتظار في "الكي دورسيه" ، قبل أن يقابله بينو. واعتذر وزير الخارجية الفرنسي للبريطانيين عن إحراق نسخة بلاده من البروتوكول. أما الجانب الإسرائيلي فكان قد غادر باريس عائداً إلى بلاده حاملاً نسخته من الاتفاق قبل وصول الديبلوماسيين البريطانيين. وعاد الوفد إلى لندن بخفّي حنين.

هجوم معد سلفا
ولم يعد من الممكن الحفاظ على سرّ إيدن ، فمنذ أن بدأت إسرائيل بالهجوم على صحراء سيناء في 29 تشرين الأول ـ أكتوبر حسب الجدول المتفق عليه ، اعتبرت كل الأوساط السياسية المراقبة في العالم أن هذا الهجوم معدّ سلفاً ، وأن التواطؤ بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل واضح جداً في العمليات العسكرية. حتى إن ديبلوماسياً في السفارة البريطانية في واشنطن اتصل بلويد عشية بدء الهجوم ، ليقول له إن "سي.آي.إي." لديها معلومات مؤكدة عن هذا التواطؤ ، وأنه ، أي الديبلوماسي البريطاني ، يحتاج إلى معلومات من وزيره لدحض تهمة التواطؤ لدى إدارة أيزنهاور الأميركية. حتى إن أيزنهاور قال لوزير خارجيته جون فوستر دالاس ، إن بريطانيا قد "خدعته". في الوقت نفسه ، حافظ لويد على موقفه في نفي تهمة التواطؤ عن رئيسه وحكومته في مجلس العموم. وكرر إيدن نفيه كاذباً في مجلس العموم ، ليؤكد أن ليس هناك أي اتفاق مسبق مع فرنسا وإسرائيل للهجوم على مصر. وكان ذلك في 20 كانون الأول ـ ديسمبر ، آخر مرة يقف فيها إيدن في مجلس العموم ، قبل أن يقدم استقالته.

البروتوكول.. انتهازية فرنسية
وتحايل بريطاني وهلع اسرائيلي
ويقول بار ــــ أون ، مساعد ديان ، الذي احتفظ بمذكرة تفصيلية عن اجتماعات "سيفر" ، والتي بقيت سرية لمدة 35 عاماً ، احتراماً لموقف وذكرى إيدن ، إن بن غوريون خصوصاً وإسرائيل عموماً ، لا سبب لديهما للحفاظ على سرّية هذا الاتفاق. وكان بن غوريون يقول إن من مصلحة إسرائيل أن تعلن عن اتفاق "سيفر" وتنشر تفاصيل البروتوكول حتى لا تبدو وكأنها هي وحدها التي قامت بهذا الاعتداء. إلا أن لوغان ، سكرتير لويد إبّان الأزمة ، حصل بعد سنوات عديدة على نسخة من إسرائيل عن بروتوكول "سيفر" وأودعه في الأرشيف الوطني البريطاني في منطقة "كيو" في لندن. وبذلك اكتملت وثائق مرحلة حرب السويس.
وقد وصف أحد المؤرخين هذا الاتفاق بأنه "صورة عن انتهازية فرنسا ، وتحايل بريطانيا ، وهلع إسرائيل". ويروي أحد مؤرخي تلك الفترة ، في إشارة إلى اختلاف السياسات والنتائج بين كل من بريطانيا وفرنسا ، أنه في مصادفة عجيبة كان كونراد أديناور مستشار ألمانيا الغربية ، في زيارة لباريس في 6 تشرين الثاني ـ نوفمبر 1956 ، للتفاوض بشأن "معاهدة روما" التي أوجدت السوق الأوروبية المشتركة وأسست فيما بعد للاتحاد الأوروبي. وبينما كان أديناور جالساً عند غي موليه ، رئيس الحكومة الفرنسية ، اتصل أنطوني إيدن رئيس الحكومة البريطانية هاتفياً بنظيره الفرنسي ، ليبلغه أنه قرر التراجع عن استمرار الحرب في السويس وأنه وافق على وقف لإطلاق النار بناء على ضغط أميركي لم يستطع مقاومته ، أدى إلى انهيار الجنيه الاسترليني ، بعدما رفضت واشنطن إقراضه من صندوق النقد الدولي. وصرخ أديناور عندما أبلغه موليه بما قاله إيدن: "لا وقت لنضيّعه. الآن هو وقت بناء أوروبا". "أوروبا ستنتقم لكم". وكانت لحظة تاريخية لا مثيل لها.

سقوط الاتفاق
يقول كيث كايل ، أحد أهم مؤرخي أزمة السويس ، إن المشكلة في اجتماعات "سيفر" ليست في أنها كانت سرّية ، والسرّية جزء من العمل الديبلوماسي ، ولا لأنها كانت مع إسرائيل ، ولإسرائيل قبول واسع في أوساط المعارضة الرسمية واليسار في العام 1956 ، . ولا لأن الموقف السياسي الذي اتخذته قد فشل. بل المشكلة في سقوط الاتفاق وفشله يعود إلى سببين. الأول أن بريطانيا كانت العنصر الأساسي في الاعتداء بصفتها الأكبر والأهم. والثاني أن الحكومة البريطانية كذبت على شعبها ونوابه وأحزابه ونقاباته إذ نفت التواطؤ ، وزعمت أن دعوة القوات البريطانية إلى إعلان الحرب كانت دفاعاً عن مصالح بريطانيا ، وقد تمَّ ذلك بالخديعة والمواربة والكذب حتى النهاية.

ازمة السويس..
حد فاصل بين عهدين
وضعت أزمة السويس قبل خمسين سنة ، حدّاً فاصلاً بين عهدين. عهد انتهى وعهد بدأ لكل من بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط. أما ما حدث نتيجة لذلك في العالم العربي فكان البركان الذي فجّر الانقلابات والثورات على الأنظمة الحاكمة وغيّر ما غيّر من تحالفات العرب مع دول العالم ، أكثر مما غيّر من حكّامه. كانت أزمة السويس بداية نصف قرن من صراعات وحروب وغزوات واغتيالات أدت إلى الصورة التي نحن فيها اليوم. حكمت بريطانيا مصر من العام 1882 إلى العام 1922 ، عندما مُنحت استقلالاً صورياً ، استمرت بريطانيا من خلاله في حكم مصر وتقرير سياستها والحفاظ على قوات عسكرية في أراضيها ، وخاصة في منطقة القناة ، ودعم النظام الملكي ، حتى قيام جمال عبد الناصر بثورته في 23 تموز ـ يوليو العام 1952. ومَنْ يقرأ اليوم خطاب عبد الناصر في الاسكندرية الذي ألقاه يوم تأميم القناة في 26 تموز ـ يوليو 1956 ، يجد فيه وبعد كل هذه السنين ، مطالعة تاريخية لماضي مصر ودور الاستعمار الأوروبي في ما آلت إليه أوضاعها من سوء عبر حكاية القناة ، مردداً اسم المهندس الفرنسي فيردينان دو لاسبس ثلاث عشرة مرة في خطابه ، لا تذكيراً بأمجاده أو تكريماً له ، بل كنوع من الإشارة المرمّزة إلى مَنْ كلفهم القيام بعمليات التأميم والسيطرة على منشآت القناة. وكان هذا اليوم التاريخي بداية النهاية المذلة لأكبر قوتين استعماريتين أوروبيتين هما بريطانيا وفرنسا.

انهيار حجارة الامبراطورية
وأخذت حجارة الأمبراطورية تنهارفقد أنطوني إيدن رئيس الوزراء البريطاني مركزه واستقال. تفككت الجمهورية الرابعة في فرنسا وعبر منها الجنرال شارل ديغول إلى الجمهورية الخامسة. كانت اشارات الانهيار واضحة حتى لغلاة الاستعماريين ، عندما أضحت أميركا هي القوة العظمى المسيطرة على التحالف الغربي. وبدأ السعي عند العديد من الأوروبيين نحو إيجاد قوى أوروبية بديلة أصبحت فيما بعد كيان الاتحاد الأوروبي ، كما نعرفه اليوم.

فكرة القومية العربية
في الجانب الآخر ، دفعت أزمة السويس بفكرة القومية العربية إلى الانتشار ، وحوّلت القضية الفلسطينية إلى صراع عربي ـــ إسرائيلي. إنما الأخطر أن أزمة السويس قد ألهت العالم عما كان يجري داخل دول أوروبا الشرقية التابعة للاتحاد السوفياتي ، مفسحة في المجال لموسكو لإخماد ثورة المجر وقمع شعبه في الوقت ذاته من العام 1956 ، حيث كانت أنظار العالم موجّهة نحو الشرق الأوسط.

العشاء في داونينغ ستريت
ومن سخرية التاريخ ، أن إيدن عرف بقرار تأميم عبد الناصر لقناة السويس ليلة 26 تموز 1956 بالذات خلال عشاء كان يقيمه في 10" داونينغ ستريت" ، على شرف الملك فيصل الثاني ملك العراق ، الذي كان في زيارة رسمية لبريطانيا. كان ذلك عندما دخل عليه سكرتيره الخاص عند الساعة العاشرة ليلاً ، ليخبره بما قاله عبد الناصر في خطابه بالإسكندرية. ونهض الجميع من العشاء ليتفرقوا في الغرف الجانبية لمقر رئيس الوزراء البريطاني ، يتبادلون الآراء في هذا الحدث الخطير.
وكان من بين المدعوين إلى العشاء ، إلى جانب ملك العراق الشاب ، الوصي على العرش الهاشمي السابق وولي العهد في حينه ، خال الملك الأمير عبد الإله ، ورئيس الوزراء العراقي نوري السعيد.
كذلك كان هناك أربعة وزراء أعضاء في حكومة إيدن ، بينهم سلوين لويد وزير الخارجية وأيضاً زعيم حزب العمال المعارض هيو غيتسكيل ، بصفته زعيم المعارضة الرسمية ، وعدد من كبار شخصيات المؤسسات البريطانية الحاكمة. وما إن انتهى العشاء حتى طلب إيدن استدعاء عدد من الوزراء من غير المدعوين ورئيس أركان القوات المسلحة وبعض كبار العسكريين ، الذين كانوا موجودين ذلك المساء في مناسبات اجتماعية أخرى في أنحاء متفرقة من العاصمة البريطانية ، للتداول في قرار التأميم. وكان جو الاستشارات بعد ذلك العشاء ، حامياً إن لم يكن حماسياً ، وكان هناك شبه إجماع عليضرورة التصدي لخطوة تأميم القناة.

عبد الناصر يضع يده
على زلعوم بريطانيا
كان الشعور السائد في تلك الاجتماعات ، أن عبد الناصر بعمله هذا قد وضع يده على "زلعوم" بريطانيا ولن يتردد في خنق مصالحها في الشرق الأوسط. حتى إن زعيم المعارضة هيو غيتسكيل قال في مداولات ذلك المساء ، إن الرأي العام البريطاني سيؤيد أي عمل قوي وسريع ضد عبد الناصر. لكن ما كان من أنطوني ناتينغ ، وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية (الذي استقال فيما بعد احتجاجاً على سياسة إيدن وأصبح من كبار أصدقاء عبد الناصر وكتب كتاباً هاماً عنه) إلا أن قال: "إن هذا جنون". وكان نوري السعيد أخلص أصدقاء بريطانيا في الشرق الأوسط. ومرت سنتان على حرب السويس قبل أن يقتل الملك والوصي ونوري السعيد في شوارع بغداد عند قيام الثورة العراقية في 14 تموز ـ يوليو من العام 1958 ، ومن قبل أن يصل البعث إلى السلطة في العام 1963

اسم ناصر يهدر في المنطقة
كثيرون من أفراد الشعب البريطاني كانوا يشاركون ، ولو بغصة أو على مضض ، هذه المقولة. وكما عبّر أنطوني ناتينغ ، وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية بقوله: "لقد جعلنا في أزمة السويس من عبد الناصر شهيداً وبطلاً ، ورفعناه إلى سدة المجد وجعلنا له مكانة وقوة ما كانت لأحد في العالم العربي منذ مطلع القرن التاسع عشر".
بوصول عبد الناصر إلى قمة سلطاته واتساع نفوذه ، بدأت الحكومة البريطانية ، عبر سفاراتها في الخارج ، تعدّ الخسائر التي منيت بها مصالحها وسياستها وتحسب حساب المزيد من الأضرار التي ستلحق بها ، وقد أخذ اسم عبد الناصر يهدر عبر المنطقة ، من تونس إلى الدار البيضاء ، ومن بغداد إلى عمّان والقدس ، ومن دمشق إلى عدن والبحرين وسائر بلدان الخليج. وخرجت الجماهير العربية في كل مكان فيه وجود بريطاني على أرض عربية تندد بالمجازر التي ارتكبتها القوات البريطانية في بورسعيد. وازداد خوف بريطانيا بازدياد حجم عبد الناصر ، حتى إن أحد الديبلوماسيين البريطانيين كتب يقول: "إن عبد الناصر جعل صوت نبضات قلب القاهرة يُسمع في كل عاصمة عربية ، من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي".
حتى إن المخابرات البريطانية اتهمت بعد مرور وقت طويل على انسحاب بريطانيا وفرنسا من منطقة قناة السويس ، عبد الناصر بأنه كان يدفع بواسطة عملائه مبالغ مالية نقداً وبــ "الشنط" إلى سياسيين عرب لزعزعة أنظمة الحكم في بلادهم. وبدأ تراكم الخسائر البريطانية. في شباط ـ فبراير 1958 أعلن عبد الناصر الوحدة بين مصر وسورية تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة. وبعد أشهر ، في تموز ـ يوليو 1958 قامت الثورة العراقية في بغداد التي قضت ، في حمام دم ، على الأسرة الهاشمية المالكة ، معلنة قيام الجمهورية على غرار الطراز المصري ، قبل أن يسرق حزب البعث تلك الثورة ويورثها لنظام صدام حسين.

سجل الانسحاب المذل
سجّل الانسحاب المذلّ لكل من بريطانيا وفرنسا من غزو قناة السويس بالتواطؤ مع إسرائيل ، قبل نصف قرن نقطة مفصلية في تراجع بريطانيا السياسي وبداية تفكك إمبراطوريتها المترامية الأطراف. فكانت النتيجة أن ألزمت بريطانيا نفسها عدم القيام بأي عمل عسكري خارجي من دون إذن الولايات المتحدة ، كذلك موافقة الأمم المتحدة إن أمكن. وكان الانقسام الحاد الذي أحدثته حرب السويس في المجتمع البريطاني ، بين "الاستعماريين القدامى" الذين يؤمنون باستعمال القوة لحماية ما يعتقدون أنه لمصلحة بلادهم وبين "المتحررين الجدد" الذين يرفضون استعمال القوة ويدعون إلى التخلي عن المستعمرات وتحرير شعوبها.
(مع العلم أن ذكريات الأمبراطورية ومستعمراتها كانت لا تزال طرية في العام 1956 ، وأنه لم يكن قد مضى على استقلال الهند ــــ جوهرة التاج البريطاني ـــ في العام 1947 ، أكثر من عقد واحد من الزمان). وقد تكرر هذا الانقسام ، بأطياف مختلفة في العام 2003 عند الغزو الأميركي للعراق. فمن كان معادياً للاستعمار في العام 1956 ، سُرّ لهزيمة بريطانيا في السويس ، لاعتقاده أن الإمبراطورية كانت ظالمة ومستغلة لشعوبها ، كان معارضاً أيضاً للغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش