الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك *الحلقة الخامسة والثلاثون

تم نشره في الثلاثاء 12 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك *الحلقة الخامسة والثلاثون

 

 
الاسرائيليون يقتلون حوالي ألف فلسطيني خلال الانتفاضتين في الاراضي المحتلة
الرنتيسي: جرائم اسرائيل دفعت «الاولاد» للقيام بأعمال انتقامية بدون وعي
سياسيون: تشابه واضح بين شارون ونتنياهو في عمليات قمع وابادة الفلسطينيين وميلوزوفيش في كوسوفو

رامسفيلد يهدد بسحب مقر قيادة الناتو من بلجيكا اذا لم يسحب البلجيكيون الاتهامات ضد شارون

أعتقد أن جرائم الإسرائيليين دفعت الأولاد إلى القيام بأعمال انتقامية بدون وعي. كانوا صغار السنّ ، لم يدركوا أنهم لا يستطيعون عمل أي شيء في المستوطنة
أعلن الزعيم الروحي لحزب «شاس» المتطرّف دينياً ، الحاخام أفاديا يوسف في خطبة منقولة عبر إذاعة الجيش الإسرائيلي ، أن العرب يتوالدون مثل الحشرات ويجب إرسالهم إلى جهنّم


في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

قبل ثلاثة أيام فقط من الهجوم على جنين ـ كتب توم فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز أن "إسرائيل تحتاج إلى القيام بعملية تفجير عسكري تُظهر بوضوح أن الإرهاب لا يُجدي". حسناً ، شكراً يا توم ، قلت ذلك لنفسي عندما قرأت هذه القطعة من الصحافة القاتلة بعد أيام قليلة. لقد اتّبع الإسرائيليون بالتأكيد نصيحة فريدمان. عندما بدأ شارون عمليّته "الدرع الواقي" ، طلب مجلس الأمن الدولي بمشاركة ودعم الولايات المتحدة النشط ، الإنهاء الفوري لعملية إعادة الاحتلال الإسرائيلي للضفّة الغربية. أصرّ الرئيس جورج بوش أنّ على شارون اتّباع نصيحة "أصدقاء إسرائيل الأميركيين" والانسحاب.. (وكان طوني بلير مع بوش بعد ذلك بثلاثة أيام) ، و"عندما أقول انسحاب أعني ذلك". لكنه لم يَعنً شيئاً من هذا. وعوضاً عن ذلك ، أرسل وزير الخارجية الأميركي كولن باول في "مهمّة عاجلة للسلام" ، رحلة إلى إسرائيل والضفّة الغربية استمرّت ثمانية أيام مستحيلة ـ الوقت الكافي ، بحسب اعتقاد بوش من أجل السماح لصديقه شارون بإنهاء مغامرته الدموية الأخيرة في الضفة الغربية: على افتراض أنه كان غير مدرك أن رئيس الأركان الإسرائيلي شاوول موفاز أبلغ شارون أنه يحتاج إلى ثمانية أسابيع على الأقلّ لإنهاء عملية سحق الفلسطينيين.
جنين
وعندما وصل أخيراً إلى القدس ، كان أول شيء يجب على باول القيام به هو طلب زيارة جنين. لكن عوضاً عن ذلك ، وبعد مزاحه مع شارون ، أخذ يناور طالباً أن يشجب عرفات العملية الانتحارية الأخيرة في القدس التي قُتل فيها ستّة إسرائيليين وأصيب خمسة وستّون بجراح ، بينما فشل في إعلان أكثر من كلمة "قلق" حول جنين. هل كان باول خائفاً من الإسرائيليين؟ هل كان حقّاً بحاجة إلى التقليل من قيمته بهذه الطريقة؟ لأن موقفه بدا وكأنه نهاية اللعبة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، والدليل النهائي على أن الولايات المتحدة لم تعد جديرة بعد الآن بأن تكون صانعة السلام الشرق أوسطي.
لكن لا، إذ سيحصل هذا عام 2004 ، عندما يدمّر بوش فعلياً قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242. بدا أن ليست هناك حواجز لا يمكن تحطيمها. وقد كتبت في صحيفتي في ذلك الربيع الشنيع أن هذه كانت حرباً على الإرهاب. وبعد ، فإنّ المسيح لم يولد في بيت لحم. وعندما تحصّنت مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين في كنيسة المهد ، قاد الإسرائيليون حصاراً ضدّهم وتحوّلت مدينة بيت لحم إلى ساحة قتال. وكان أوّل مَن قُتل رجل فلسطيني عمره ثمانون عاماً لم تصل جثّته أبداً إلى المشرحة. ثم أصيبت سيّدة وولدها بجروح خطرة نتيجة النيران الإسرائيلية.
وتصاعد دخان أسود مع الرياح العاصفة من الجانب الآخر من ساحة المًزود ، من عربة مصفّحة إسرائيلية تحترق ولذلك ، وبينما كنّا نهرع للنجاة بأنفسنا والرصاص يئزّ حولنا ، لم يكن لدينا وقت للنظر إليها. وكان هارفي موريس ـ المتجسّد الآن ، ليس كمحرّري للأخبار الأجنبية ، بل كمراسل للفايننشال تايمز ، ذلك المجدّف عديم الرحمة وغير المراقبة كلماته" ـ برفقتي عندما انطلقنا تحت المطر الذي كان يهطل على شكل موجات فوق الدبّابات الإسرائيلية التي كانت تهدر بين البيوت الحجرية العثمانية ، ويُحطّم السيّارات ويمزّق سياجات الإعلانات التابعة للمحلّات. تم إعلان "منطقة عسكرية مغلقة" مرّة أخرى من قًبل الإسرائيليين. افترضنا أنه كان على المسيح التعامل مع ترجمة رومانية للمناطق العسكرية المغلقة ، لكنه لم يكن وحده فقد كان الله إلى جانبه ، إنما لم يكن مع أهالي بيت لحم أحد. انتظروا تصريحاً ما من البابا ، من الفاتيكان ، من الاتحاد الأوروبي.
المخابرات
وكان ما حصلوا عليه غزواً مدرّعاً. وقال هارفي بمبالغة جديرة بالمديح: "لقد أرسلوا كلّ الجيش الكريه". وطيلة الصباح راقبنا دبّابات المركافا APC تشقّ طريقها متسلّلة عبر الشوارع القديمة ، تبحث عن وحوش "الإرهاب" الذين أبلغ شارون العالم عنهم لتوّه. جلسنا في منزل سيدة فلسطينية مسيحية ، هي نورما حزبون ، نراقب التلفزيون الذي استطعنا من خلاله مشاهدة فلسطين تتهاوى حولنا. هوجمت مكاتب المخابرات الفلسطينية في رام الله. وبدأت القذائف تتساقط على مخيّم الدهيشة. عرفنا ذلك فوراً ـ كان مخيّم الدهيشة قريباً لدرجة أن النوافذ اهتزّت. وكان شارون يعرض على التلفزيون السماح للأوروبيين بأخذ عرفات خارج رام الله شرط أن لا يعود أبداً إلى الأرض المسمّاة "فلسطين". لكنّ العرض رُفض. كان هناك إطلاق نار متزايد خارج نافذتنا.
وجاءت دبّابة على الطريق ، يشقّ مدفعها المرجة الخضراء ثم يرتفع ليوجّه مباشرة إلى نافذتنا. تسلّلنا نحو أسفل الدرج. هل رأونا نراقبهم؟ وقفنا على الدرجات الباردة الرطبة ثم اختلسنا النظر عبر النافذة. كان جنديان إسرائيليان يركضان قرب المنزل بينما اهتزّت دبّابة أخرى على الطريق مُبتلعة سيّارة صغيرة داخل سكّتها الحديدية ثم لفظتها أجزاء في مؤخّرتها المدرّعة. عرفنا جميعاً هذه الدبّابات ، سرعتها القصوى ، وصوت محرّكاتها الضخمة ، وحجم نيرانها.
احترمناها وكرهناها بالقدر نفسه. أمضينا حوالي ساعة نسير في الشوارع الخلفية لتجنّب "المنطقة العسكرية المغلقة" ، شوارع قذرة ، باردة سوداء ، مع دبّابات غاضبة على الطرقات السريعة المجاورة. وعند تقاطع طرق ركض أحدهم بينما وقفنا بسترات زرقاء وسوداء عليها علامة TV بأحرف كبيرة ، أيدينا مرفوعة مثل البطّ لنظهر أننا لا نحمل أسلحة.
جلسنا مرتاحين دافئين الآن قرب مدفأة نورما حزبون ، محبوسين في منزل أستاذة علم الاجتماع في جامعة بيت لحم. تعثّر قارئ الأخبار بكلماته. من الممكن أن توقف إيران والعراق صادرات النفط لإجبار الأميركيين على طلب انسحاب إسرائيلي من الضفّة الغربية. سعلت أنا وهارفي بازدراء متزامن ، لن تفعل إيران والعراق مثل هذا الأمر. كانت مقارّ قيادة عرفات في رام الله تحترق. وقُتل جندي إسرائيلي في دبّابة APC على الجهة الأخرى من ساحة المهد بعدما أُصيب بقذيفة صاروخية. وكانت هذه العربة المحترقة التي رأيناها على الأرجح منذ ساعة. قال كولن باول إن الأميركيين سيستمرّون في الاعتراف بعرفات كزعيم فلسطيني ، حتى لو كان في أوروبا.
شجر البرتقال
ضحك هارفي مجدّداً قائلاً: "لكن إذا كان في أوروبا ، لن يكون الزعيم الفلسطيني ، هل يكون؟". خارج المنزل ، وقرب مجموعة من شجر البرتقال ، برزت حاملتا جند إسرائيليّتان ، كانت طواقمها تحاول ملء الفيول بيأس بواسطة خرطوم من سيّارة أخرى قبل أن يصيبهما القنّاصة الفلسطينيون. مرّت الطلقات حولهم خلال ثوان وألقى جنديان هلعان نفسيهما عن السطح للاحتماء بمحلّ. ثم رنّ هاتفي الخليوي. صوت إنكليزي ، سيّدة من واترينغبوري Wateringbury في كينت (عاش بيل وبيغي في القرية المجاورة أعلى شرق فارليغ Farleigh ، عند إشارة التوقّف بعد غابة ميدستون Maidstone في بادوك Padock إلى الغرب من خط سكّة الحديد) لكنّ ليز واتيس لم تكن في كينت ، ولكن في مخيّم عايدة للاجئين مع تسعة غربيين آخرين ، تحاول مساعدة أربعة آلاف فلسطيني هناك من خلال مطالبة قنصليّاتهم بالضغط على الإسرائيليين للانسحاب. كان ثمّة بعض الأمل. في النهاية ، كان على القنصليات إنقاذ الغربيين. كان حوالى عشرين مدنياً فلسطينياً الآن يسعون للاحتماء مع عشرين مسلّحاً في كنيسة المهد (ھ).
تلقّيت اتصالاً آخر ، هذه المرّة من سامي عبده. أبلغني أن الجنود الإسرائيليين حضروا يوم الثلاثاء إلى منزله في وسط بيت لحم ـ ورغم تحذيرهم من قًبل جار أن منزله مليء بالنساء والأطفال ـ فقد زعم الإسرائيليون أن الإرهابيين كانوا في المبنى وأطلقوا النار على عائلة عبده. كان سامي عبده يبكي بينما كان يتحدّث معي وهذه كلماته الدقيقة: "أطلقوا ثماني عشرة طلقة عبر بابنا الرئيسي. أصابوا والدتي سميّة وشقيقي يعقوب.
كانت أمي في الرابعة والستين وشقيقي في السابعة والثلاثين من العمر. وقع الاثنان على الأرض. اتصلت بكل إنسان يمكنني الاتصال به لأخذهم إلى المستشفى. لكن لم يكن هناك أحد لمساعدتنا. كانا يحتضران. وعندما جاءت سيّارة إسعاف ، رفض ضابط إسرائيلي السماح لها بدخول الشارع. لذلك بقينا ثلاثين ساعة مع جثثهم. وضعنا الأطفال في الحمّام حتى لا ينظروا إلى الجثث. ساعدنا أرجوك". هذا السؤال الملحّ: ما هو المقدّس؟ كان يمكن أن يسأله أيّ شخص في الأراضي المقدّسة في ربيع 2002 ، أو أيّ شخص يقرأ صحيفة جيروزالم بوست. لقد أفردت صفحة كاملة لصور صغيرة لعشرات المدنيين الإسرائيليين الممزّقين أشلاء على يد انتحاريين فلسطينيين خلال شهر فقط. كانت بينها صورة فتاة إسرائيلية شابّة بعُمر الفتاة الفلسطينية التي دمّرت حياتها.
هواة كرة القدم
وهكذا عدت إلى غزّة ، لأجلس في خيمة أخرى من خًيَم العزاء نُصبت هذه المرّة من أجل طلاب مدارس ، تراوح أعمارهم بين 14 15و سنة ، من روّاد مقهى الإنترنت المحلّي حيث يمضي أحدهم وقته في رسم أفلام الأطفال ، وجميعهم من هواة كرة القدم.
بعد ساعات على قتلهم من قًبل الجيش الإسرائيلي قرب مستوطنة نيتساريم اليهودية ، تسلّم آباؤهم جُثثهم ، وكانوا جميعاً مصابين بالرصاص.
عربة مصفحة
وقًيل إنهم سُحبوا بواسطة عربة مصفّحة مما أدّى في حالة إسماعيل أبو ندى ـ إلى قطع جثته نصفين. كانوا انتحاريين حملة سكاكين يتسلّلون إلى مستوطنة يهودية بحسب قول الجيش الإسرائيلي ـ وطبعاً ـ النيويورك تايمز. لكن حتى حماس المخطَّطة لحملة الانتحاريين الآثمة ، اعترفت بأنّ الطلاب الثلاثة ـ جميعهم في المرحلة التاسعة في ثانوية صلاح الدين في مدينة غزّة ـ خطّطوا بسذاجة لمهاجمة المستوطنة من تلقاء أنفسهم وبواسطة سكاكين. ممّا استدعى قيام الدعاة وأساتذة المدارس بإبلاغ الطلّاب أنه لا يجب أبداً أن ينجرفوا في مثل هذه الأعمال الخطرة مجدّداً.
وعندما تحدّث الآباء الثلاثة معي ، أخبروني قصّة ضياع ومأساة وغضب أطفال نتيجة الاجتياح الإسرائيلي الدموي لمخيّم جنين للّاجئين. أبلغني محمّد أبو ندى بينما كنّا نجلس بين المعزّين خارج منزله: "أمضيت ليلة أمس بكاملها أسأل نفسي لماذا فعل ابني ذلك ، هل كان إسماعيل بحاجة إلى المال؟ كلّا. هل رسب في المدرسة؟ كلّا. كان الأوّل في صفّه. هل كانت لديه مشاكل مع العائلة أوالأصدقاء؟ كلّا. سألت نفسي مراراً لماذا؟ هل تستطيع أن تقول لي لماذا؟".
أب مكلوم
سؤال مؤلم يسأله أب مكلوم. هل أراد إسماعيل الموت؟ قال والده إن ذلك كان مستحيلاً حتى "ثلاثة أو أربعة شهور ماضية". كان ذلك عندما بدأ الطالب ، المولود في أبو ظبي والمتحدّث للإنكليزية بطلاقة ، يسأل والده لماذا لايحصل الفلسطينيون على دعم خارجي في نضالهم من أجل إقامة دولة؟ "سألني: لماذا الفلسطينيون فقط ليست لهم دولة؟". اعتقد باسم زقّوت ، والد يوسف ابن الخامسة عشرة (لم يتقابل أيّ من الآباء من قبل مع أن أولادهم يدرسون معاً في المدرسة نفسها) أنّ حمّام الدم في جنين أثّر على ابنه: "كان يرسم صوراً وأفلام كرتون ويكتب الخطّ العربي. لم أفكّر أبداً أن ذلك يمكن أن يحصل. لكن شاهدنا جميعاً الأخبار حول إعادة الاحتلال الإسرائيلي ـ التلفزيون الفلسطيني ، والجزيرة من قطر والسي إن إن ـ وربّما شاهد شيئاً ما... وعندما عدت من صلاة العشاء يوم الثلاثاء ، كان قد غادر المنزل. لم أعرف لماذا الآن. أعتقد أن الأولاد كانوا يسيرون نحو المستوطنة اليهودية وفي ذهنهم فكرة مهاجمة الإسرائيليين هناك. لكنّه لم يمسك بسلاح من قبل. وعندما تسلّمنا جثّته أمس ، كانت في حالة مرعبة. كانت الكلاب تنهشها طيلة الليل وكان وجهه غير معروف المعالم لأنه تعرّض للسحق من قًبل سيّارة ثقيلة مرّت فوقه". أُعيد ابن عادل حمدونة ، أنور البالغ من العمر 14 سنة ، إليه بحالة مماثلة. كان وصف الوالد بارداً غير انفعالي. "لم يبقَ له وجه ، وقُطعت رجلاه. لقد تعرّض للدهس عدّة مرّات وكان بدون خُصيتيْن". تعرّضت جثّة أنور أيضاً لنهش الكلاب. "كان مجرّد ولد ، طفل. أنا أستاذ في مدرسته. عند الخامسة مساء ، قال لوالدته إنه ذاهب إلى مقهى الإنترنت للّعب. وعندما لم يرجع إلى البيت عند التاسعة ، شعرت بأن هناك خطباً ما. ثم سمعنا إطلاق نار من نتساريم...". وهناك لُغز حول لماذا شعر عادل حمدونة بأن "هناك خطباً ما" إذ إن أنور كان قد بدأ الحديث مع عائلته عن "الاستشهاد".
كان للأحداث هنا تأثير على الصبيّ. كان يرغب في أن يصبح شهيداً. "كنت أشكّ أنه بعد سنوات قليلة ، عندما يكبر ، يمكن أن يقوم بذلك ـ لكن ليس الآن". وقد ثبت أن إسماعيل أبو ندى ترك على ما يبدو رسالة وداع لأهله. اعترف والده: "أحضر لي أحد أصدقائه رسالة كتبها بخط يده ويقول فيها: "والدي ، والدتي ، أرجو أن تصلّيا للّه وتطلبوا منه أن أنجح في دخول نتساريم وأقتل الجنود الإسرائيليين وأطردهم من أرضنا". لم أستطع تصديق ذلك. في سنّه ، أيّ صبيّ آخر (وأنا كنت في بريطانيا ، والولايات المتحدة ، والهند وباكستان) ، أجل أيّ صبيّ آخر يريد أن يتعلّم وأن يكون سعيداً... أن يحصل على مال ، أن يعيش بسلام. لكنّ أولادنا هنا لا يستطيعون إيجاد السلام".
أما في ما يتعلّق بحالة الجثث ، فلم يرغب أيّ من الآباء التفكير في الأسباب. هل قام الإسرائيليون بتشويههم عن عمد؟ يبدو الأمر بعيد الاحتمال. أو أنهم بعد إطلاق النار على الطلاب الثلاثة ولتجنّب المجازفة بأن يكون أحدهم مازال حيّاً ـ وبواسطة قنبلة معدّة للتفجير ـ قاموا بقيادة سيّارة فوق جثثهم؟ وعندما سُحقت أجسادهم هل كانوا جميعاً موتى؟ أرسل والد إسماعيل أبو ندى رسالة بسيطة ـ لا جدوى منها لتوم فريدمان على ما أظنّ ـ حول مقتلهم: "إذا لم يكن هناك مستقبل ، فليس هناك أمل. إذن ماذا تتوقّع من صبيّ أن يفعل؟".
لكنّ الرنتيسي زعيم حماس في غزّة كان أيضاً متلهّفاً لتحييد حركته عن مقتل الأولاد رغم أن كلماته لم تكن خالية من رسالة مُزعجة خاصّة بها. "أعتقد أن جرائم الإسرائيليين دفعت الأولاد إلى القيام بأعمال انتقامية بدون وعي.
كانوا صغار السنّ ، لم يدركوا أنهم لا يستطيعون عمل أي شيء في المستوطنة...

دعاة المساجد
اتصلت بالدعاة في المساجد والأساتذة ليشرحوا للأطفال أن دورهم في كل ذلك لم يحن بعد..." كان الرنتيسي يُمسك بلحيته باستمرار. تعوّدت الحديث معه في مرج الزهر وفي جنوب لبنان لكنه الآن هارب من فًرق القتل الإسرائيلية ، وكان رنين الهاتف يقطع حديثه باستمرار وهو جالس في مكتبه في غزّة ، وحارسه الشابّ يضع رشّاش كلاشينكوف على ركبته ويعطيه جهاز هاتف لاسلكي عسكري لاقط بالاتجاهين. أعتقد ـ لكن لا أقول ذلك ـ أن ذلك كان من أجل حماية زعيم حماس. فأجهزة الهاتف الخليوية سهلة التعقّب على بعد أقدام قليلة. وتُعتبر فًرق القتل الإسرائيلية سيّدة في التكنولوجيا العادية والمبرمجة. هل هو مُراقَب من مروحيّة أباتشي؟ هل يرى ضحايا إسرائيل عادة الصواريخ وهي تطلق نحوهم؟.
ليست لدى الرنتيسي أيّ أوهام: "إنه أمر متوقّع ما دام الأمر متعلّقاً بنا. لكنّ الشيء الوحيد الذي أستطيع قوله هو ما يمكن أن يفهمه فقط شخص لديه عقيدة إسلامية مثلي. نحن نؤمن بأن حياتنا محدّدة دائماً وأن موتنا محدّد سلفاً من الله تعالى ، ولا يمكن تغيير ذلك. هناك أسباب عديدة متنوّعة يمكن أن تقود إلى إنهاء حياة إنسان ـ حادث سيّارة ، سرطان ، سكتة قلبيّة ـ لذلك لا أقول إنني أقوم بخيار لتقصير حياتي.
لكن الطريقة المُثلى لإنهاء حياتي ستكون الاستشهاد". وسيحقّق الرنتيسي أمنيته. نظرت مجدّداً نحو النافذة. لقد أمضى الرنتيسي من سنوات عمره الخمسة والخمسين حوالى ستّ وعشرين سنة في السجن أو المنفى في المنطقة الجبلية اللبنانية. في تلك الأيام ، كان مازال يحاول التعلّم كيف يقود حماس. وهو الآن يتكلّم بشكل مريح ـ بارد وغير خائف ـ عن الانتحاريين والموت.
"حتى الآن ، قتل الإسرائيليون خلال الانتفاضتيْن أكثر من ألفَي فلسطيني. وبعد عمليات القتل في نابلس وجنين ، وصل عدد الأطفال القتلى إلى أكثر من 350. هذا يثبت أن الجانب الإسرائيلي يرتكب عن قصد مجازر ضدّ المدنيين". مررت بهذه المرحلة من قبل.
مطعم البيتزا
فكلّما سألت مسؤولاً في حماس عن قتل المدنيين من قًبل الانتحاريين ، يقودك ذلك في اتجاه الإحصائيات... ماذا عن الأطفال في قاعة مطعم البيتزا ، والرجل المسنّ في عشاء الفصح؟. أجاب بسرعة: "نحن نحارب أشخاصاً اغتصبوا أرضنا. إنهم جميعاً جنود أو جنود احتياط. كان جنود الاحتياط في جنين هم الذين قتلوا المدنيين ـ هؤلاء أشخاص يعملون في الحياة العادية ، أطبّاء ومحامين. كانوا مدنيين قبل ساعات من ذهابهم إلى جنين. لكن بالطبع ، لدى مقاتلينا أوامر بعدم قتل المدنيين ، وبخاصّة الأطفال". أوامر لتجنّب قتل الأطفال؟ أو أن ذلك فقط لُعبة أرقام؟ رنّ الهاتف العسكري مجدّداً وتحدّث الرنتيسي لعدّة دقائق. هل هو على اتصال بقادة حماس في الضفّة الغربيّة؟ ابتسم ببرود. "أجل ، هناك بعض الاتصالات على المستوى السياسي مع زعماء في الضفّة الغربيّة. لكنّهم رجال مطلوبون ومحاصرون ومختبئون". دوّنت على الهامش في مفكّرتي ، هذه هي المرّة الأولى التي تعترف فيها حماس بتأثيرات إعادة الاحتلال الإسرائيلي. "خُذ على سبيل المثال حسن يوسف ، وهو زعيم سياسي في رام الله ـ لقد كان يتصل بي من أجل معلومات حول ما يجري. لكن في النهاية ، لن يستطيع شارون وضع حدّ للمقاومة. عندما قام الإسرائيليون بترحيل 460 مُبعداً منّا عام 1993 واعتقلوا 1500 آخرين من عناصر حماس في اليوم نفسه ، قالوا إنهم "وضعوا حدّاً" للمقاومة ولحماس.
صانع القنابل
بعدها أدّى مقتل يحيى عيّاش (صانع القنابل في حماس) من قًبل الإسرائيليين إلى تصعيد المقاومة". تبدو مرج الزهور ، جامعة الإسلام ، بعيدة جدّاً. اعترض الرنتيسي: "كانت مرحلة غيّرت النضال الفلسطيني.
بدّلت تاريخ حماس إلى الأبد. قبل ذلك ، كانت حركة محلّية. بعد نفينا إلى تلال لبنان ، أصبحت حماس منظمة دولية معروفة في جميع أنحاء العالم. استفدنا من أخطاء إسرائيل". كان الرنتيسي يتحدّث بثقة كبيرة بالنفس. وليس هناك أدنى شكّ في من هو عدوّه الرئيسي. "أراد شارون تمزيق اتفاقيات أوسلو. إنه يمارس سلطته على الشعب الفلسطيني مدمّراً وقاتلاً عن عمد الفلسطينيين بهدف إجبارهم على الرحيل. يريد أن يحطّم عزيمتنا بحيث نرضخ لشروطه المذلّة. يريد أيضاً خلق صراع بين السلطة الفلسطينية والشعب".
سلام الشجعان
وماذا عن غزّة؟ ، ضحك الرنتيسي: "أودّ أن أذكّرك بشيء قاله رابين مرّة ـ إنه يتوق إلى النهوض يوماً ما ليجد غزّة مغمورة بالبحر". غريب كيف يتحدّث مناوئو عرفات أحياناً عن رابين (الذي اعتقد عرفات أنه وقّع معه "سلام الشجعان") وعن عرفات ، خصمَي شارون ، في الجملة نفسها. كان رابين قائد الوحدات الإسرائيلية التي احتلّت اللدّ والرملة في تموز ـ يوليو 1948 والذي أعطى الأمر بترحيل 60 ألف عربي فلسطيني ، معظمهم من النساء والأطفال ، وعدد غير معروف منهم مات خلال الرحلة. نشر رابين مذكّرات يستذكر فيها الاحتلال الإسرائيلي للدّ: "تمشّينا في الخارج. كان بن غوريون (رئيس الوزراء الإسرائيلي المعيّن قبل شهرين) برفقتنا. أعاد إيغال آلون قائد الهاغانا ترداد السؤال: "ماذا نفعل بالسكّان؟" حرّك بن غوريون يده بإشارة تعني: "اطردوهم جميعاً". "أجريت مع آلون مشاورات.
ووافقت على طرد السكّان. أخذناهم سيراً على الأقدام إلى طريق بيت هارون مفترضين أن الفرقة العربية ستكون مُجبرة على الاهتمام بهم ممّا يزيد من المصاعب اللوجستية التي تُضعف قدرتها القتالية ، ممّا يجعل الأمور أسهل بالنسبة إلينا... لم يغادر سكّان اللدّ طواعية. لم يكن هناك أيّ طريقة لتجنّب استخدام القوّة والطلقات التحذيرية لإجبار السكّان على السير 10 ـ 15 ميلاً إلى النقطة حيث التقوا بالفرقة العريبة".
استمرّ تورّط شارون في مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982 يلاحق الرجل الذي يتحمّل ، استناداً إلى تقرير لجنة كاهان الإسرائيلية الصادر عام 1993 ، مسؤولية شخصية في المجزرة الكتائبية.
وكانت السلطات الإسرائيلية خائفة من أن يُتّهم قادتها بجرائم حرب ممّا دفعها إلى وضع قائمة بالدول التي يمكن أن تجري فيها محاكمات ـ والتي يجب عليهم تجنّبها ـ وذلك بعد أن طوّرت الدول الأوروبية قوانينها لتشمل المواطنين الأجانب الذين ارتكبوا جرائم في الخارج.
كان القضاة البلجيكيون قد أخذوا بعين الاعتبار شكوى الناجين في صبرا وشاتيلا (بينهم امرأة كانت ضحية للاغتصاب) بينما جرى تصعيد حملة في الخارج ضدّ شخصيات إسرائيلية أخرى مرتبطة بهذه الفظائع. كانت إيفا شتيرن إحدى اللواتي حاولن منع تعيين العميد أموس يارون ملحقاً عسكرياً في واشنطن لأنه سمح لميليشيا الكتائب اللبنانية بالدخول إلى المخيّمات الفلسطينية يوم 16 أيلول ـ سبتمبر 1982 وأنه عرف ـ وفق تقرير لجنة كاهان ـ بأن النساء والأطفال كانوا يُقتلون ، ولم يُنهً عملية القتل إلّا بعد يومين. وقد رفضت كندا قبول يارون كملحق عسكري. وقد جمعت سترن ملفّاً قانونياً حول يارون لتشنّ لاحقاً مع جماعات حقوق الإنسان حملة يائسة لإلغاء تعيينه ـ من قًبل رئيس الوزراء إيهود باراك ـ مديراً عامًّا لوزارة الدفاع الإسرائيلية (ھ).
حرب ربحوها
وقد غيّرت الحكومة البلجيكية قانونها ، وأسقطت اتهامات جوهرية ضدّ شارون ـ بعد زيارة لوزير الدفاع الأميركي رونالد رامسفيلد إلى بروكسل ، وهو الرجل الذي أشار بشكل بارز يوم 16 آب ـ أغسطس 2002 إلى سيطرة الإسرائيليين على "ما يُسمّى الأراضي المحتلّة" التي كانت "حصيلة حرب ربحوها".
وهدّد رامسفيلد بأنّ مقرّ قيادة الناتو سوف يُسحب من الأراضي البلجيكية إذا لم يسحب البلجيكيون الاتهامات ضدّ شارون. حتى الآن ، وطيلة الوقت ، كان يُفترض بنا التصديق بأن الرجل الفاسد ، ياسر عرفات ، المصاب بمرض الباركنسون ، هو الملام بالنسبة إلى الحرب الجديدة. لقد تعرّض للتجريح من قًبل جورج بوش بينما كان الشعب الفلسطيني يُعامَل كالحيوانات من قًبل القيادة الإسرائيلية.
وقد وصف رئيس الأركان الإسرائيلي السابق رفاييل إيتان الفلسطينيين "بالصراصير في وعاء من زجاج". ونعتهم مناحيم بيغن "بالحيوانات من ذوات القدميْن". أما رئيس حزب شاس ، الذي قال إن على الله إرسال "النمل" الفلسطيني إلى جهنّم ، فوصفهم أيضاً "بالأفاعي".
وفي آب ـ أغسطس 2000 ، وصفهم باراك "بالتماسيح". ووصفهم رئيس الأركان الإسرائيلي موشي يعالون "بالظاهرة السرطانية" ، وقارن العملية العسكرية في الأراضي المحتلة "بالعلاج الكيميائي". وفي آذار ـ مارس 2001 ، وصف وزير السياحة الإسرائيلي ، رحافيم زيفي ، عرفات "بالعقرب". ونعت شارون عرفات تكراراً "بالقاتل" وقارنه ببن لادن ، وساهم في إظهار صورة غير إنسانية عن الفلسطينيين وذلك في مقابلة أجراها عام 1995 ، عندما صرّح بأن فتح تعاقب أحياناً الفلسطينيين "بقطع أعضاء أطفال بعمر سبع أو ثماني سنوات أمام أهليهم كنوع من العقاب".
ومهما كانت فتح قاسية ، فليس هناك أيّ سجلّ لأيّ فظاعة من هذا النوع اقترفوها. لكن لو أن عدداً كافياً من الأشخاص يمكن إقناعه بتصديق مثل هذه التفاهة ، لأصبح الاستخدام الإسرائيلي لفًرق القتل ضدّ هؤلاء الفلسطينيين طبيعياً أكثر منه غير قانوني (ھ).
وأمام كراهية شارون "للإرهاب" فقد نسي الناس انتقاده لحرب الناتو ضدّ صربيا عام 1999 عندما كان وزيراً للخارجية. قبل 11 سنة تعاطف شارون مع الهدف السياسي لسلوبودان ميلوزوفيتش: لمنع إقامة دولة ألبانية في كوسوفو. قال: "إن ذلك سيقود إلى ألبانيا كبرى ويؤمّن ملاذاً ـ وعلى القرّاء حبس أنفاسهم هنا ـ للإرهاب الإسلامي".
قصف الناتو
وفي مقابلة مع صحيفة من بلغراد ، قال شارون: "إننا نقف معكم ضدّ الإرهاب الإسلامي". وبينما كان قصف الناتو لصربيا على وشك البدء ، فإن السبب الحقيقي لدعمه للصرب بدا واضحاً. قال: "من الخطأ أن تعطي إسرائيل شرعية لهذا النوع القاسي من التدخّل الذي تقوم به دول الناتو... في محاولة لفرض حلّ للخلافات الإقليمية ، ففي اللحظة التي تعبّر فيها إسرائيل عن دعمها لمثل هذا النوع من التدخّل ، فإنها ستكون هي الضحية التالية. تخيّل أن يطالب عرب الجليل يومًا ما أن يتمّ الاعتراف بالمنطقة التي يقطنونها كمنطقة مستقلّة ، مرتبطة بالسلطة الفلسطينية".
وقال شارون: "إن قصف الناتو تدخّل وحشي". وقد صرّح الصحفي الإسرائيلي يوري أفنيري الذي تلقّف هذه القطعة النادرة من الازدواجية ، بأن الإرهاب الإسلامي في كوسوفو يمكن أن يوجد فقط في "مخيّلة شارون العنصريّة". وكان أفنيري أكثر فظاظة في ترجمة ما هو مخفيّ وراء تهجّم شارون على عملية الناتو أكثر من شارون نفسه. "إذا تدخّل الأميركيون والأوروبيون اليوم في قضيّة كوسوفو ، فماذا يمنعهم من القيام بالشيء نفسه غداً في قضيّة فلسطين؟ وقد جعل شارون الأمر شديد الوضوح للعالم بأن هناك تشابهاً وربّما توافقاً أيضاً بين تصرّف ميلوزوفيتش تجاه كوسوفو وتصرّف ناتانياهو وشارون تجاه الفلسطينين". إضافة إلى ذلك فإن الرجل الذي أدّى تدخّله الوحشي في لبنان عام 1982 إلى حمّام دم لا مثيل له في الشرق الأوسط ، كانت ملاحظاته منافقة (ھ). وبينما أرسل شارون فرقة مدرّعة لإعادة اجتياح نابلس ، ظلّ متجاهلاً طلب بوش سحب قوّاته من الضفّة الغربيّة ، وتحوّل كولن باول إلى عرفات محذّراً إيّاه بأنها فرصته الأخيرة لإثبات زعامته. لم تكن هناك أيّة إشارة إلى المستوطنات اليهودية غير الشرعية. وليست هناك "فرصة أخيرة" لتهديد شارون. لقد سمح الأميركيون له أيضاً برفض فريق تقصّي حقائق تابع للأمم المتحدة في الأراضي المحتلّة. وكان شارون مجتمعاً بالرئيس جورج بوش الابن في واشنطن عندما قتل انتحاري خمسة عشر مدنياً إسرائيلياً على الأقلّ في نادْ ليلي في تلّ أبيب ، فقطع زيارته وعاد فوراً إلى إسرائيل وعلى الأثر دعا الزعماء اليهود الأميركيون البارزون ، بمن فيهم إيلي وايزيل وألان ديرشوويتز البيت الأبيض ، لعدم الضغط على شارون للمشاركة في محادثات السلام الشرق أوسطية الجديدة. وأعلن وايزيل: "هذه فترة عصيبة ، ليس الوقت وقت الضغط على إسرائيل. إن أيّ رئيس وزراء كان ليتصرّف كما تصرّف شارون. إنه يفعل ما بوسعه. عليهم الوثوق به". كان وايزيل غير قلق. وقبل شهر فقط ، أنتج الأميركيون أولى طائرات الهليكوبتر S-07A-55 بلاك هوك حاملة الجنود لبيعها للإسرائيليين. وقد اشترت إسرائيل 24 من هذه الآلات الجديدة تبلغ قيمتها 211 مليون دولار ـ تدفع الولايات المتحدة معظم ثمنها ـ مع أنها حصلت على 24 طائرة بلاك هوك من الطراز السابق.
وقد أعطيت كاتالوغات طائرات الهليكوبتر الجديدة الأولى بمراسم رسمية لمدير عامّ وزارة الدفاع الإسرائيلية ، أموس يارون ليس غيره ، ومن قبل ألكسندر هيغ شخصياً (الرجل الذي أعطى بيغن الضوء الأخضر لغزو لبنان عام 1982).
الرجل الوحيد
ربّما كان الرجل الوحيد الذي لديه الوقت الآن لإيجاد تسوية منطقية للصراع القائم ، هو الزعيم الفلسطيني الجالس الآن في مكتبه المحاصر ، المدمّر ، المضاء بشكل ضعيف ، وغير الصحّي في رام الله. إن الصفة المشتركة التي يتقاسمها عرفات مع شارون ، إضافة إلى كًبر السنّ والمرض ، هي رفضه التخطيط المسبق... ما قاله ، ما فعله ، ما اقترحه ، تقرّر فقط في الوقت الذي اضطرّ فيه إلى التحرّك. كان ذلك جزئيّاً ، يعود إلى تدريبه القديم في حرب العصابات ، وهذه صفة يتقاسمها مع صدّام. إذا كنت جاهلاً ما ستفعله غداً ، فيمكنك أن تطمئن إلى أنّ أعداءك لا يعلمون أيضاً.
اتخذ شارون وجهة النظر نفسها. وبينما كان يستولي على مكاتب السلطة الفلسطينية ، قام الجيش الإسرائيلي بنهب المعدّات والأرشيف.
وأفادت هآرتس أن الجنود كانوا يتقاتلون على غنائم عمليّاتهم في الضفّة الغربيّة بعد استيلائهم على العشرات من سيّارات لاندروفر البريطانية الصنع.
وقد تمّ تحويل السيّارات إلى الوحدة اللوجستية في الجيش الإسرائيلي بناء على أوامر من رئيس الأركان شاوول موفاز. وكان من غير الواضح ما إذا كانت السيّارات قد دُفع ثمنها من قًبل الاتحاد الأوروبي. واستولى الإسرائيليون أيضاً على آلاف المستندات التي تُظهر إلى أيّ مدى فقد عرفات السيطرة على التنظيمات المقاتلة التي كانت تنمو في أوساط الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة.
لكنّ الإسرائيليين نشروا الترجمات والروايات التي تضمّنتها والتي كانت مشوّهة عن قصد ، وفي إحدى الحالات غير صحيحة. وقام الصحفيون طواعية بإعادة طبع الترجمة الإسرائيلية للملفّات ـ التي تظهر دور عرفات في الإرهاب واستخدامه أموال الاتحاد الأوروبي لتمويل الإرهاب ــ لكن عندما قامت الإندبندنت بنشر ترجمة دقيقة للأوراق ، أصبح واضحاً أن الإسرائيليين قدّموا رواية مزيّفة عن محتوياتها (ھ)
الدليل
ولكن في اليوم التالي قدّم شارون بوقاحة "ملفّ عرفات"لبوش أمام الكاميرات في البيت الأبيض ـ وقد شكره الرئيس الأميركي على هذا "الدليل". وبمعزل عمّا وصفته الكاتبة الفلسطينية جاين مقدسي بدقّة بأنه "علم الإرهاب" (كانت شقيقة إدوارد سعيد تشير إلى الترجمة المعقّدة لواقع الشرق الأوسط التي رغب أكاديميو الجناح اليميني مثل ستانلي كيرتز فرضها على الجامعات الأميركية) لم يكن من المفاجئ معرفة أن ضابطاً إسرائيلياً نصح رجاله قبل إعادة احتلال الضفّة الغربيّة بدراسة الخطط العسكرية التي اتّبعها النازيّون في الحرب العالمية الثانية.
واستناداً إلى صحيفة معاريف الإسرائيلية ، قال الضابط: "إذا كانت مهمّتنا الاستيلاء على مخيّم للّاجئين مكتظّ أو الاستيلاء على محافظة نابلس ، وإذا أُعطيت هذه المهمّة لضابط إسرائيلي للقيام بها دون خسائر على الجانبين ، فإن عليه قبل أي شيء تحليل وجمع دروس المعارك السابقة ، وحتى ـ مع أن ذلك يبدو مثيراً للصدمة ـ تحليل كيف تصرّف الجيش الألماني في غيتو وارسو". ماذا يعني ذلك على الأرض؟ هل يشمل الأرقام التي وضعها الإسرائيليون على أيدي وجباه المعتقلين الفلسطينيين في أوائل آذار ـ مارس ؟2002 هل يعني أن على الجندي الإسرائيلي اعتبار الفلسطينيين الآن أقلّ من البشر ، وهذا بالضبط ما فعله النازيّون بالنسبة إلى اليهود المعتقلين واليائسين في غيتو وارسو عام ؟1943 هل كانت لدى الأميركيين أفكار عن ذلك كلّه؟ مَن كانت قوّات الإرهاب في وارسو منذ 62 سنة؟ أكان اليهود يقاتلون من أجل حياتهم أو ضدّ قوّات الصاعقة SS التابعة العميد الفيوهرر جيرغن ستروب؟. إجمالاً ، قدّرت جماعة حقوق الإنسان الإسرائيلية B'Tselem أنه بين عام 1987 وأيار ـ مايو 2003 ، قُتل 3650 فلسطينياً 1142و إسرائيلياً ، ووصل عدد القتلى ككلّ إلى 4792. لكنّ الإحصائيات وحدها لا تستطيع تبرير عذاب الأطفال. ففي عام 1993 ، قُتل 232 طفلاً فلسطينياً تتراوح أعمارهم بين ستّ عشرة سنة وأقلّ خلال الانتفاضة الأولى. وخلال 12 شهراً تنتهي يوم 30 أيلول ـ سبتمبر 2002 ، قُتل 250 طفلاً فلسطينياً 72و طفلاً إسرائيلياً.
ففي واحد من أكثر التقارير إثارة للصدمة حول الحرب الإسرائيلية ـ الفلسطينية ، ندّدت منظمة العفو الدولية بالطرفيْن لقلّة اهتمامهما بأرواح الأطفال. وأظهرت اللائحة الخطيرة التي جمعتها منظمة العفو كيف أصبح قتل الأطفال متجذّراً. كان هناك سامي جزّار ، الذي أُصيب في رأسه من قًبل جندي إسرائيلي عشية عيد ميلاده الثاني عشر في غزّة ، وقتل قنّاص إسرائيلي في غزّة خليل مغربي البالغ من العمر 11 سنة ـ وقد عاش أحد أصدقائه بعدما أصيب في خُصيته بشظيّة كبيرة ـ وكانت هناك رهام الورد ، التي قُتلت في ملعب مدرسة في جنين بواسطة قذيفة دبّابة إسرائيلية.
ثم ريّا وحمده ـ 14 سنة وسنتان ـ اللتان قُتلتا مع أهلهما على يد انتحاري فلسطيني هاجم مطعم بيتزا سبارو في القدس ، وشله؟يت باس وعمرها عشرة أشهر تقريباً التي قُتلت على يد قنّاص فلسطيني في الخليل ، وقتلت أ؟يامالكا على أيدي فلسطينيين أطلقوا النار وألقوا قنابل يدوية على سيّارات في ناتانيا. وكان عمرها تسعة أشهر. كان الحادث الأكثر فظاعة ـ الممدوح من قًبل شارون في وقته على أنه نجاح كبير ـ هو الهجوم الإسرائيلي على صلاح شحادة (قائد من حماس) الذي قُتل فيه أيضاً تسعة أطفال وثمانية راشدين فلسطينيين. وقد أضفت أسماؤهم حقيقة مخيفة على هذه المذبحة بحقّ الأطفال: أيمن مطر (18 شهراً) ، محمّد مطر (3 سنوات) ديانا مطر (5 سنوات) ، صبحي حويطي (4 سنوات) ، محمّد حويطي (6 سنوات) آلاء مطر (عشر سنوات) ، إمام شحادة (15 سنة) ، مريم مطر (17 سنة). ودينا مطر (عمرها شهران). وقد ألقى طيّار من سلاح الجوّ الإسرائيلي قنبلة زنتها طنّ على منازلهم من طائرة "أف16" أميركية الصنع يوم 22 تموز ـ يوليو 2002 (ھ).
الفوضى الدموية
ما هي الحرب التي يعتقد شارون أنه يخوضها؟ ولأيّ غرض يحارب؟ خلال الفوضى الدموية الأخيرة ، كان المظهر الوحيد المميّز للصراع ـ الاستيطان غير الشرعي والمتواصل للأرض العربية المحتلّة ـ مجدّداً موضوعاً محرّماً ، يجب تجاهله أو الإشارة إليه عرضيّاً فقط عندما يُقتل المستوطنون اليهود. إن هذا هو آخر صراع عالمي استعماري ، تساند الولايات المتحدة فيه المستعمرين ، وهو غير قابل للجدل ، وموضوع محرّم ، وشيء يتعدّى القسوة بين الفلسطينين والإسرائيليين ، وهو يُعتبر الآن ، كما علينا أن نتذكّر ، جزءاً من حرب أميركا على الإرهاب. هذا ما ادّعاه شارون بطريقة غير شريفة منذ 11 أيلول ـ سبتمبر 2001. مع ذلك ، أصبحت الحقيقة واضحة في مقابلة صريحة لشارون مع مجلّة فرنسية في كانون الأول ـ ديسمبر تلك السنة حيث استذكر محادثة تلفونية مع جاك شيراك. قال شارون إنه أبلغ الرئيس الفرنسي بالتالي: "كنت أقرأ حينها كتاباً رهيباً حول الحرب الجزائرية.
إنه كتاب يقول عنوانه بالعبرية: "الحرب المتوحّشة من أجل السلام". أعلم أن شيراك قاتل بصفة ضابط خلال هذا النزاع وأنه حصل على وسام الشجاعة.
لذلك أبلغته ، بطريقة ودّية مطلقة: "سيّدي الرئيس ، على كلّ منا أن يفهم الآخر ، نحن هنا كما لو أننا في الجزائر. ليس عندنا مكان آخر نذهب إليه. وإضافة إلى ذلك ، ليست لدينا النية للرحيل"...

الهوامش
(ھ)التجأ بالتأكيد إلى منزل رجال الأمن السوريين في لندن. وقد وقّع هنداوي اعترافاً عند الشرطة يفيد أنه أُعطيَ الحقيبة التي تحتوي على القنبلة من قًبل ضابط يعمل بإمرة الجنرال محمّد الخولي ، رئيس المخابرات الجوّية السوري. وفي المحكمة ، تراجع هنداوي عن اعترافه ، مدّعياً أنه أُكره على التوقيع دون قراءة الإفادة ويعتقد أنه كان جزءاً من مخطّط وضعته الاستخبارات الإسرائيلية للإضرار بسوريا. وقد حُكم عليه ، وقطعت بريطانيا علاقاتها مع دمشق ، وندّدت إسرائيل "بالدور الرئيسي لسوريا في الإرهاب". غير أنني أتذكّر حادثاً غريباً حصل بعد أيّام قليلة عندما التقيت السفير البريطاني السابق في سوريا في قاعة الشخصيات في مطار دمشق. قال السفير: "كانت هناك بعض الدلائل على أن الإسرائيليين علموا بوصول القنبلة إلى مطار هيثرو".
ولم يصرّح بأكثر من ذلك. هل علم الإسرائيليون بالقنبلة من خلال التنصّت على المخابرات الهاتفية للسفارة السورية؟ هل تمّ تحذيرهم من قبل أجهزة الأمن البريطانية؟ هل شجّعوا السوريين للتورّط في عملية القنبلة؟ لا تقوم أيّ حكومة إسرائيلية بتفجير طائرتها.
لكن إذا كان الإسرائيليون على علم بذلك مسبقاً كان بإمكانهم اعتقال آن مورفي لدى وصولها مع القنبلة إلى مطار هيثرو وإثبات أن سوريا هي "مركز الإرهاب العالمي".
(ھ)هناك خطّ غني بالمعلومات حول سياسة اغتيال الإسرائيليين لمناوئيهم داخل إسرائيل ، وفي الضفّة الغربية وغزّة. في عام 1984 ، ضُرب اثنان من أصل أربعة خاطفين للباصات حتى الموت من قًبل عملاء الشين بيت بعد استجوابهما ، وقد تم الاعتراف بذلك فقط عندما قدّم مصوّرون صحفيون صوراً للرجلين لدى اعتقالهما أحياء من الحافلة. وقد وصف وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين عملية القتل بأنها حادث.
عام 1991 ، بدأ محامون فلسطينيون ومجموعات حقوق الإنسان بإعادة تفحّص عشرات القضايا لفلسطينيين كانوا قد قتلوا خلال الانتفاضة الأولى بعدما كشف التلفزيون الإسرائيلي عن وجود فًرق القتل في الجيش الإسرائيلي.
وفي بداية عام 1992 ، أفاد شهود إسرائيليون أنهم رأوا جنوداً إسرائيليين بملابس مدنيّة يفتحون النار على مُقنّعين فلسطينيين كانوا يرسمون شعارات على الجدران في منطقة الدورة في الخليل. إن تقرير منظّمة العفو الدولية الصادر يوم 21 شباط ـ فبراير 2001 حول إسرائيل والأراضي المحتلّة: "عمليات اغتيال الدولة وعمليات قتل أخرى غير قانونية" يُعتبر بحثاً دقيقاً حول عمليات القتل الإسرائيلية التي تتضمّن مقتل الدكتور ثابت ثابت (49 عاماً) وهو ناشط سابق من "فتح" عُيّن فيما بعد ممثّلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية في مفاوضات مدريد للسلام ، وأقام علاقات صداقة عديدة مع حركة السلام الإسرائيلية. جرى اغتيال ثابت وهو طبيب أسنان من طولكرم داخل سيّارته من قًبل القوّات الإسرائيلية يوم 31 كانون الأول ـ ديسمبر 2000. وقد ادّعى الإسرائيليون لاحقاً أنه كان قائداً لخليّة تنظيم "ترشد الناس كيف يقومون بهجمات" ، وهو تفسير غير مُقنع لقتل فلسطيني حضر جنازة جندي إسرائيلي ، ابن داعية سلام إسرائيلي صادقه.
أصبح قتل قادة حماس والجهاد الإسلامي روتيناً وساعدت في ذلك فتوى أحد كبار =حاخامات إسرائيل. لقد ادّعى الحاخام الإسرائيلي "مائير لو" يوم 27 تموز ـ يوليو 2001 ، أن الشريعة اليهودية تعطي دعمها الكامل لسياسة القتل النشطة التي تخطّط لها وتنفّذها قوّات الأمن الإسرائيلية اليوم لمنع الإرهابيين من التخطيط والقيام بهجمات في إسرائيل.
وفي اليوم نفسه ، أعلن الزعيم الروحي لحزب "شاس" المتطرّف دينياً ، الحاخام أفاديا يوسف في خطبة منقولة عبر إذاعة الجيش الإسرائيلي ، أن العرب يتوالدون مثل الحشرات ويجب إرسالهم إلى جهنّم". قال: "في مدينة القدس القديمة ، يزحفون كالنمل وعليهم الذهاب إلى جهنّم وسيُسرّع المسيح خطاهم". (ھ)تلافياً للمحاكمات الطويلة التي أصدرت أحكام الموت ضدّ تسعة متعاونين مع العدوّ حتى الآن ، تقوم مخابرات عرفات الآن بقتل الفلسطينيين المشتبه بتجسّسهم لصالح إسرائيل ، وقد قتلوا حوالى عشرين رجلاً بين كانون الأول ـ ديسمبر 2000 وآب ـ أغسطس 2001. ولم تحقق الشرطة الفلسطينية في عمليات قتل الرجال الذين يُعتقد أنهم تعاونوا مع المخابرات الإسرائيلية والذين يساعدون بشكل ما إسرائيل على قتل مناضلين فلسطينيين. وقد اعترف لي بسّام أبو شريف أحد مستشاري عرفات ، "أن هؤلاء الأشخاص الذين أعدموا ، قتلتهم المخابرات بناء على أوامر بسبب المعلومات المؤكّدة والاعترافات المسجّلة. وقد جرى قتل هؤلاء على أيدي المخابرات الفلسطينية في مناطق تقع تحت سلطتنا الأمنية. وتمت تصفية الكلّ في المنطقة ب أو ج حيث كانوا محميّين من الأمن الإسرائيلي". وقد وجًد قاسم خلف ميتاً عند نقطة تفتيش قرب الرام يوم 12 تشرين الثاني ـ نوفمبر 2000 وجرى اتهامه بتزويد "الشين بيت" بمعلومات حول تحرّكات حسين عبيّات الذي اغتيل قبل ثلاثة أيام. وأطلق مسلّحون النار على عدنان فتحي سلطان في العنق والبطن بعدما اقتادوه من منزله في بيت لحم يوم 17 كانون الأول ـ ديسمبر 2000 لاعتقادهم بأنه تعاون مع الإسرائيليين لاغتيال يوسف أبو سواي قبل خمسة أيام. وفي 30 تموز ـ يوليو 2001 ، تلقّى جمال عبد شاهين (68 عاماً) ، وهو أكبر الضحايا ، اتصالاً في منزله في بيت ساحور من رجال يرتدون لباس الشرطة الفلسطينية وطلبوا منه مرافقتهم إلى الشارع. وهناك أطلقوا النار عليه أحد عشر مرة وقاموا بضرب جثته ببلطة. ومنذ عام 1993 حتى صيف 2001 ، توفّي ما مجموعه 18 فلسطينياً في السجون الفلسطينية معظمهم تحت التعذيب على يد محقّقين تلقّوا تدريباً من قبل وكالة الاستخبارات الأميركية.
(ھ)"بار متسفاح هو حفل تسليم الأطفال اليهود دينهم وشريعة التوراة والتلمود عندما يبلغون سنّا معيّنة ـ المترجم (
ھ)أبلغتني أميرة حاس ، مراسلة هآرتس ، أنها رغم زيارتها لبيوت الانتحاريين في غزّة ، لم تختر القيام بذلك خلال السنة الأولى من الانتفاضة الثانية لأنها "لا تستطيع أن تكون موضوعية كونها إسرائيلية". فهي ذهبت فقط ، ونادراً ، إلى بيوت "الشهداء". "كتبت قصّة حول طفل ـ أردت فعلاً إظهار كيف قُتل ، وأنه لم يكن تهديداً للجندي الذي قتله. ولم تكن العائلة مسرورة لمقابلة صحفية إسرائيلية".
(ھ)كان التفسير الأكثر خًزياً في فهم الانتحاري الفلسطيني ما لفّقه توم فريدمان ، وهو صديق قديم صار مؤخّراً مُعلّقاً مؤمناً بالمسيح المنتظر بشكل متزايد ، ويعمل في النيويورك تايمز. كتب: "لم يقم الفلسطينيون باختيار الأسلوب الانتحاري نتيجة اليأس بل لأنهم جميعاً يستطيعون الموافقة كجماعة على ما يريدون تدميره". وبحسب ادّعائه ، لقد فقدوا الرؤية حول قُدسيّة الحياة البشرية لأنهم أصيبوا بالعمى نتيجة "الغضب النرجسيّ". ونصح الفلسطينيين بتبنّي "المقاومة السلمية على طريقة غاندي". لكنّ تظاهرات الاحتجاج السلميّة للفلسطينيين تمّ تجاهلها وقمعها دائماً. وعندما تقدّم الفلسطينيون والدول العربية الأخرى بشكواهم ضدّ جدار الفصل الذي أنشأه أرييل شارون إلى المحكمة الدولية في لاهاي عام 2004 ـ بالتأكيد وفق تقنية غاندي لطلب العدالة ـ رفضت إسرائيل ببساطة تنفيذ حُكم المحكمة. ولم يعلّق فريدمان على ذلك. (ھھ)في تسجيل لهذه التفاصيل حول "فريق العمل الدولي الخاصّ بالصراع العربي ـ الإسرائيلي ، قالت مجلّة الكوايكرز (طائفة الكوايكرز أو الفرندز ـ المترجم): "لقد انزعجنا لاكتشافنا وجود خيار الترانسفير داخل إسرائيل ـ وهو التطهير العًرقي لأعداد كبيرة من الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة أوالمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل ـ والذي يُناقش الآن بشكل علنيّ من قًبل السياسيين ، والمثقّفين ، والزعماء الدينيين والعديد من قطاعات المجتمع الأخرى... نحن نشجب هذه الفكرة أو أي اقتراح آخر يفشل في احترام القيمة المتساوية لكلّ أبناء الله". (ھ)إذا كان حزب الله هو الذي ساعد في بناء ذلك الممرّ ، فقد نقله الفلسطينيون بالتأكيد لاحقاً للمتمرّدين العراقيين عام 2003 و 2004. وكان الانتحاريون يبرزون يومياً في شوارع المدن الكبرى في العراق ، البلد الذي لم يكن لديه حتى الآن أي سجلّ في تدمير الذات خلال انتفاضاته المتعدّدة ضدّ الحكم الأجنبي. وقد فقدت أرواح المدنيّين في العراق أيضاً قُدسيّتها عند الطرفيْن. وقد يكون الانتحاريون أو قادتهم تعاطفوا مع مئات الأبرياء من الرجال والنساء الذين تحوّلوا إلى أشلاء في الهجمات على القوافل الأميركية والبريطانية ، ومراكز الشرطة والثكنات والفنادق ومراكز قيادة الاحتلال ، إلا أنّهم لم يعبّروا أبداً عن أيّ أسف. لم تكن المقاومة السنّية ، بحسب قول أحد المتحدّثين باسمها ، قلقة أبداً حيال الخسائر المدنية لأنّ المتمرّدين كانوا مستعدّين لدفع أيّ ثمن لتدمير الاحتلال. لكنّ الثورات في حرب العصابات مهما كانت عنيفة فإنها لا تتعدّى الحدود إلّا إذا كانت لدى الأشخاص الذين يرغبون في تبنيها قضيّة...
(ھ)في كوريا ، وهي بلد لديه مخزونه الخاص من الحزن والخيانة ، يترجم هذا الشعور بكلمة: هان han.وقد استنتج كاتب حول كوريا أن ذلك يشبه سوء حظّ كلّ الدول الصغيرة التي تخضع لتجربة الظلم على يد جيران أكبر وأقوى. وقد وجّه الإيرلنديون ترجمتهم لكلمة han نحو الإنكليز ، ووجّه الــــ han البولندي نحو الجيران الروس والألمان الذين قاتلوا لفترة طويلة من أجل السيطرة على الأرض التي تقع بينهما.
(ھ)مثل الجيوش الأميركية والبريطانية ، يعلن الإسرائيليون أحياناً عنواناً إعلامياً لعمليّاتهم لا علاقة له باسم العملية العسكرية الجارية. وهكذا فقد سُمّيت عملية غزو لبنان عام 1982 رسميّاً "عملية السلام من أجل الجليل" ـ أسطورة دعائية بثّها الصحفيون المخدوعون بسرور ـ بينما كان رمزها "عملية كُرة الثلج". بعكس السلام ، يزداد حجم كرات الثلج وقوّتها بينما تتدحرج نزولاً.
(ھ)أظهرت إحصائيات منظمة العفو الدولية أنه في الفترة بين 27 شباط ـ فبراير وحزيران ـ يونيو 2002 التي تضمّنت هجومَين إسرائيليين رئيسيّين وإعادة احتلال للضفّة الغربية ، قُتل حوالي 500 فلسطيني ، سقط العديد منهم خلال مواجهات مسلّحة ومع ذلك فإن 16 في المئة من الضحايا ـ أكثر من سبعين ـ كانوا من الأطفال. ومنذ العمليات الإسرائيلية الأولى في آذار ـ مارس وحتى حزيران ـ يونيو ، قُتل أكثر من 250 إسرائيلياً بمن فيهم 164 مدنياً منهم 32 طفلاً. وقد تم اعتقال أكثر من 8 آلاف فلسطيني خلال هذه الفترة ، استناداً إلى منظمة العفو الدولية ، وكانوا عُرضة لمعاملة سيّئة ، وتمّ تدمير ثلاثة آلاف منزل فلسطيني.
(ھ)غير أن المقاتلين الفلسطينيين الذين صمدوا ستة أسابيع خلال حصار بيروت عام 1982 لم يحظوا بأيّ إعجاب. وقد سألني أحدهم في لبنان بعد شهر: "لماذا لم يقاتلوا؟". (ھھ)قال الإسرائيليون إنه كان مسموحاً لرجال الصليب الأحمر بالدخول إلّا أنهم رفضوا ذلك. وقال الصليب الأحمر إن ذلك غير صحيح. ثم ادّعى الإسرائيليون بأنّ لديهم شريط فيديو يظهر فيه مسؤولو الصليب الأحمر وهم يرفضون العرض. ولكن حين طلبنا رؤية ذلك الشريط فشلت السلطات الإسرائيلية في تقديمه. والقليل من الصحفيين صدّقوا وجوده.
(ھ)أتاح حصار بيت لحم سابقة أخرى عندما استخدم تلفزيون "بي بي سي" BBC للأخبار العالمية ، بسبب عدم قدرته على تغطية القتال حول الكنيسة بآلات تصويره الخاصة ، بشكل متكرّر مقاطع من تسجيلات الجيش الإسرائيلي ـ دون الإعلان عن مصدرها.
(ھ)مُجدّداً من دون طائل: ففي كانون الثاني 2003 ، كان يارون في واشنطن يعرض احتياجات إسرائيل الدفاعية لتبرير طلب 4 مليارات دولار "مساعدة دفاع خاصّة". (ھ)الويل والثبور نصيب أيّ صحفي أو ديبلوماسي يشير إلى هذا الأمر. في عام 2001 اتّهم مركز سيمون ويزنتال في باريس الرئيس السويدي للاتحاد الأوروبي بأنه يشجّع "العنف المعادي لليهود". وكتب المركز في رسالة إلى رئيسة الوزراء السويدية أنه يرى أن تنديدها بإسرائيل "لتصفيتها الإرهابيين" يشبه تماماً حجج الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية والتي كانت تقول بأن قصف خطوط سكة الحديد المؤدّية إلى أوش؟يتز ، كان من شأنه تشجيع مشاعر العداء للساميّة بين الألمان". ورأت الرسالة أن السويد تقوم "بهجوم من جانب واحد ضدّ دولة الناجين من الهولوكوست"... ولكن ماذا عن جريمة الرئيس السويدي للاتحاد الأوروبي؟ لقد تجرّأت على القول بأن "ممارسة التصفيات تشكّل عائقاً في وجه السلام وقد تؤدّي إلى استثارة عنف جديد"... حتى أنها لم تسمّ وحدات القتل الإسرائيلية باسمها: "فًرق الموت". لم يعتذر السويديون. كما أنهم لم يصمّموا سوء استخدام الحقائق التاريخية. ذلك أن الحجج الرئيسية للحلفاء لتبرير عدم قصفهم معسكرات أوش؟يتز وبيركيناو تحدثت عن "مصاعب تقنية" ، والاعتقاد بأن العملية كانت من اختصاص القوة الجوّية السوفياتية ، والاقتناع بأنّ كل القوى كان يجب أن تتوجّه نحو إسقاط ألمانيا النازية ، الأمر الذي كان ليشكّل "الحلّ الإيجابي لهذه القضية". إن الأسباب الأخيرة (الضعيفة والمخزية في ضوء وقائع التاريخ) لم تكن بالطبع لتجعل رسالة مركز ويزنتال إلى ستوكهولم أقلّ ممّا كان مقصوداً أن تكون عليه.
(ھ)كانت الاختلافات في موضوع شارون هذا تبرز في الصحافة الإسرائيلية. ورغم قيام إسرائيل بإرسال مساعدة إنسانية لألبان كوسوفو (وهو تحرّك قال شارون إنه يؤيّده) فقد ظلّ الخوف من أن تنتقل حملة الناتو إلى الشرق الأوسط قائماً. "هناك شيء ما في السؤال الذي طرحه وزير الخارجية أرييل شارون حول ردّ إسرائيل المستقبلي إزاء إمكانية قيام العرب في الجليل بطلب كيانهم الانفصالي".. هذا ما كتبه دان مارغاليت مضيفاً: "يستطيع المرء الافتراض أن إسرائيل لن تتصرّف أبداً مثل الصرب وتقوم بالمجازر فيما يتمّ طرد السكّان بالقوّة عبر الحدود. لكن ما هو بالضبط مستوى الشرّ الذي يسمح للناتو بمهاجمة دولة مستقلّة تقوم بحماية سيادتها؟" وبصفتي صحفياً كان في صربيا في ذلك الوقت ، فقد طرحت السؤال نفسه حول سيادة صربيا ، على الأقلّ لأن الناتو كان قد أدخل فقرة مؤذية إلى مقترحات السلام ما قبل الحرب الموجّهة إلى ميلووفيتش تفرض عليه القبول بقوّات الناتو في جميع أنحاء صربيا. لكن وصف مارغاليت لمجازر صربيا "فيما يتمّ طرد السكّان بالقوة" هو العبارة الصحيحة لوصف تصرّف إسرائيل عام 1948. كان هناك أيضاً انتقاص شبه مقصود للتاريخ في ملاحظة مارغاليت العابرة "أن المجازر ضدّ الألبان التي قام بها سلوبودان ميلووفيتش كانت بشكل ما ردّاً على مجازر الأتراك ضدّ الأرمن... جرائم رهيبة لكنها ليست هولوكوست".
(ھ)في مستند فلسطيني يشرح بالتفصيل موضوع محمود فريح ، البالغ من العمر 17 سنة ، والذي زرع قنبلة لدبّابة إسرائيلية في غزّة ، أشارت الترجمة الإسرائيلية إلى أنه كان بحماية السلطة الفلسطينية. في الواقع ، أشار المستند العربي الأصلي بوضوح إلى أن السلطة الفلسطينية منعت تفجير الدبّابة بقطع سلك الصاعق قبل إقناع فريح بالانضمام إلى قوّات عرفات.
(ھ)لا تربح الحقيقة دائماً في مواجهة الدعاية. أفاد تقرير منظمة العفو لعام 2002 أنه رغم الادّعاءات المتكرّرة بالتعارض ، "لا يوجد تحقيق قضائي معروف حصل حول أيّ من عمليات قتل الأطفال من قًبل عناصر من قوّة الدفاع الإسرائيلي في الأراضي المحتلّة ، حتى في القضايا التي صرّح مسؤولون حكوميون بأن التحقيقات حولها ستنجز". حتى أنه خلال السنتين التاليتين ، شعر مايكل ويليامز ، وهو محرّر في "إندبندنت أون صنداي" Independent on Sunday وجد نفسه قادراً على الإشادة بالحزم الذي تطبّق به إسرائيل أحكام القانون على أعمال قوّاتها العسكريّة..."
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش