الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك *الحلقة الاربعون

تم نشره في الثلاثاء 19 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك *الحلقة الاربعون

 

 
كنيدي دعا الى ضرورة استقلال الجزائر خلال الحرب ضد الفرنسيين
منظمة العفو الدولية تدعو الى اجراء تحقيق حول العثور على 12 مقبرة جماعية في الجزائر عام 1998

وبينما كان الجنرال خالد نزار ، أحد قادة الانقلاب العسكري عام 1992 ووزير الدفاع السابق ، يقوم بزيارة لفرنسا عام 2001 للترويج لكتابه الجديد حول الجزائر ، فتحت محكمة فرنسية تحقيقاً ضدّه ـ بطلب من أقارب الضحايا ـ حول تعذيب المعتقلين

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.
منظمة العفو الدولية
وعندما اتهمت منظمة العفو الدولية تقرير الأمم المتحدة بأنه هزيمة كاملة ، كذّب عطاف التهمة بشدة. وقد تصرّفت لجنة أوروبية سابقة للأمم المتحدة باهتمام أقلّ تجاه دليل التعذيب والقتل من قًبل السلطات الجزائرية. وخلال ثماني عشرة ساعة في مدينة الجزائر ، لم تغادر أبداً الدور والمكاتب الرسمية للسلطات الجزائرية. وحثّ نائب رئيس اللجنة الأوروبية ، مانويل مارين ، الأوروبيين على "التصرّف برويّة" ، ولم تكن هناك أسئلة حول التعذيب أو الحاجة إلى تحقيق دولي في ما يتعلق بالمجازر. وقبل بضعة أيام ، أبلغ وزير الخارجية الإيرلندي مستمعي الإذاعة أن الوقت قد حان "لتوقّف الدخلاء عن مهاجمة الجزائر عن بُعد".
وقد عبّر عن الشعور نفسه الرئيس الفرنسي جاك شيراك. فعندما سُئل ماذا باستطاعة فرنسا القيام به لوقف المجازر أجاب: "لاشيء من خلال التدخّل. علينا إيجاد وسيلة للعمل بفعالية من الخارج".
كانت تلك سياسة تلائم السلطات الجزائرية تماماً. كانوا متلهّفين لقبول الأسلحة الفرنسية والمعدّات العسكرية لخوض حربهم الأهلية لكنّهم رفضوا أيّ مطالب بإجراء تحقيقات على قاعدة أن ذلك سيشكّل تدخّلاً في شؤونهم الداخلية. ولفترة من الوقت ، صدّق أكثر مثقّفي فرنسا شراسة ، برنارد هنري ليفي ، موقف السلطة الجزائرية.
ضحايا المجازر
وقال إنه أمر مُشين وإهانة لذكرى ضحايا المجازر أن يُطرح السؤال مَن كان يقتل من في الجزائر ـ لأن من الواضح أنّ الأصوليين المسلمين هم الملامون. بهذه الطريقة المشينة والمخزية تجاهل ليفي الآلاف من ضحايا التعذيب الحكومي.
وقال عبد الحميد الإبراهيمي وهو رئيس وزراء جزائري سابق يُتّهم الجيش بقتل 31 من أقاربه في المديه إنه "يرفض إجراء تحقيق دولي" ـ يدافع ليفي والمثقفون الفرنسيون الآخرون عن النظام بنفي مسؤولية العسكر في هذه المجازر.
الدبلوماسيون الأميركيون
ظلّت الولايات المتحدة بعيدة عن التدخّل في الشؤون الجزائرية ، لحماية العديد من الدبلوماسيين الأميركيين في مدينة الجزائر الذين أعطوا بعض الشابّات الجزائريات تأشيرات مقابل خدماتهنّ. ورغم قيام الجزائر بتقديم مساعدة مالية لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 ـ أرسلت أسلحة بقيمة 20 مليون دولار عن طريق الاتحاد السوفياتي ـ كانت البلاد مؤيّدة دائماً لأميركا. وخلال أزمة الصواريخ الكوبية ، كان بن بلا في نيويورك وحمل رسالة سرّية إلى فيديل كاسترو من الرئيس جون كنيدي ، يحذّره فيها من خطورة المواجهة مع السوفيات.
ولم ينس بن بلّا أن كنيدي كان يدعو وحده في الكونغرس إلى استقلال الجزائر خلال الحرب ضدّ الفرنسيين. لكن كان لادّعاءات السلطات الجزائرية المتكرّرة بأنها تحارب إرهابييّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ تأثيرها. فقد حاولت وزارة العدل الأميركية ترحيل المتحدّث باسم الجبهة الإسلامية للإنقاذ أنور هدّام ـ الذي تحدّث عن الحاجة إلى السلام والمصالحة في مؤتمر روما ـ واستخدمت عشرات التقارير الواردة في الصحافة الجزائرية التي تُشرف عليها الحكومة ، كما عمدت إلى تحريف مضمون مقالاتي في الإندبندنت.
ورغم أن وزارة الخارجية الأميركية اعترفت بأن هناك دليلاً مُقنعاً على قيام قوّات الأمن الجزائرية بعشرات عمليات القتل دون محاكمة وأنها عذّبت المعتقلين وأساءت إليهم ، فقد استندت وزارة العدل بشكل واسع على مؤيّدي السلطة الجزائرية في ملفّها ضدّ هدّام المتعلّق بالجرائم ضدّ الإنسانية والتي لم يكن هدّام مسؤولاً شخصياً عن أيّ منها.
الصحف الأميركية
وقد أوردت إحدى الصحف الأميركية عمليات القتل الجماعي للمقاتلين الإسلاميين التي قامت بها قوّات الأمن متسلّلة عبر المنطقة الغربيّة المدمّرة خلال المجازر الأخيرة ، دون السؤال كيف قُتًل هذا العدد الكبير في مدّة وجيزة ـ وقد ورد ذلك في الأسوشيتدبرس يوم 11 آذار ـ مارس 1998 ـ وأقنعت قرّاءها بتصديق أن ذبح المدنيين شجّع بطريقة ما الجزائريين على دعم السلطة التي كانت مسؤولة جزئياً عن عمليات القتل.
وعلى ما يبدو ، هذا ما اكتشفه جون لانكستر في الواشنطن بوست عام 1997 من "أن العنف أدّى إلى تعزيز ردّة فعل معاكسة ضدّ المناضلين وحتى بين الذين دعموا في وقت ما قضيّتهم".
وقد وردت إشارة عرضيّة واحدة في مقاله تشير إلى أن السلطات ربّما كانت متورّطة في المجازر. في أواخر التسعينيّات ، عندما أصبح تورّط الجيش الجزائري في عمليات القتل موضع شكّ بشكل واسع ، قامت البحرية الأميركية بمناورات مع السفن الحربية الجزائرية في المتوسّط بينما كان الدبلوماسيّون الأميركيون يتشجّعون لزيارة مدينة الجزائر.
وحلّ روبرت بلّيترو ضيفاً على الحكومة الجزائرية عام 1996. وفي عام 1998 ، أرسلت وزارة الخارجية الأميركية شخصية بارزة إلى العاصمة الجزائرية هي مارتن أنديك ، الرجل الرئيسي في فريق مبادرة سلام الرئيس كلينتون للمحادثات الإسرائيلية ـ الفلسطينية ومدير سابق للأبحاث في أكبر مجموعة لوبي إسرائيلي في واشنطن. وبشّرت الإذاعة الجزائرية بوصول أنديك بالإعلان أن السياسات الأميركية قد تغيّرت الآن وأن البيت الأبيض قرّر دعم الصراع ضدّ الإرهاب وأن الكونغرس الأميركي ندّد مرّات عديدة بالجماعات الإسلامية المسلّحة. أمام اللامبالاة بالطبيعة الحقيقية للمجازر ـ ومَن يمكن أن يكون مسؤولاً عنها ـ شعر المسؤولون الجزائريون الآن بالقدرة على استبعاد مسؤولية قوّات الأمن عن الفظائع بشبه ارتياح. وقد اعترف رئيس الأركان الجزائري والمستأصل الرئيسي الجنرال محمّد لمعاري بدماثة أنه: "ليس مستحيلاً في الوضع الذي كنا فيه ، أن تكون قد حصلت تجاوزات من قًبل أفراد تصرّفوا بعكس أوامر رؤسائهم".
وجاءت قفزة أبعد داخل أعماق عدم الإحساس من وزير التعليم العالي السابق عبد الحقّ بريرحي الذي أعلن عام 1998 أن مقارنة الاغتصاب في مركز شرطة مع الاغتصاب من قًبل إرهابي في الجماعات الإسلامية المسلّحة منافية للأخلاق. لم تكن الجماعات الإسلامية المسلّحة بحدّ ذاتها صنيعة السلطة الجزائرية ، مع أن أصولها الأفغانية غير واضحة.
"القاعدة"
ولمّا كان ألوف الجزائريين قد سافروا للانضمام إلى المجاهدين المعادين للسوفيات ، وقدّم بعضهم الدعم لأسامة بن لادن ـ فقد قابلتُ جزائريين من "القاعدة" خلال زياراتي لبن لادن في أفغانستان ، وجلست إلى جوارهم عام 1997 بينما كان المذنّب الشهير يحلّق فوقنا قرب معسكر بن لادن.
وأفاد أحدث بحث أن يد السلطة كانت حاضرة هناك أيضاً. وأُفيد الآن أن الأمن العسكري الجزائري أرسل رجاله إلى أفغانستان لمتابعة مراقبة الجزائريين الأفغان الذين شرعوا في الجهاد ـ طارحين كمقاتلين مسلمين عند عودتهم إلى الجزائر فكرة الجيش الإسلامي الذي سيدخل حتماً البلاد لخوض صراع ضدّ أعدائه الاشتراكيين الفاسدين.
كان اختراق عناصر الجيش الجزائري قد تحقّق في مرحلة سابقة. وعندما قُتل زعيم الجبهة الإسلامية المسلّحة جمال زيتوني ، في كمين للجيش الجزائري على ما يبدو ، أعلنت السلطات بزهو أنها حققت نصراً استراتيجياً ضدّ أعدائها الإرهابيين.
لقد انتقل ابن مزارع الدجاج البالغ من العمر 29 سنة والذي عمل في محلّ والده في مدينة الجزائر قبل أن يقع تحت تأثير مصطفى بويعلي إلى العمل السرّي عام 1991. وقد أُنيطت به ، بحسب زعمهم ، قيادة فرقة كتائب الموت التابعة للجماعة الإسلامية المسلّحة ، وأصبح أمير التنظيم عندما توفّي زعيمه السابق شريف غصمي عام 1994. وقد ادّعى زيتوني شخصياً مسؤوليته عن خطف طائرة الخطوط الجوّية الفرنسية وعن موجة هجمات القنابل في فرنسا عام 1995 ، وألّف كتاباً من 62 صفحة ـ من المحتمل أنه كُتب من قًبل رفاقه ـ "حول واجبات المقاتلين المؤمنين".
لكن استناداً إلى الجماعة الإسلامية المسلّحة ، طُرد زيتوني من الحركة يوم 15 تموز ـ يوليو 1996 وحوكم على نشاطاته. كان بيان من مجلس شورى الجماعة الإسلامية المسلّحة هو الذي أعلن وفاته في اليوم التالي ، مضيفاً أن عنتر زوابري تسلّم القيادة.
الجماعة الإسلامية المسلّحة
لذلك يمكن السؤال هل قتل الجيشُ زيتوني أو تمّ إعدامه من قًبل الجماعة الإسلامية المسلّحة؟ أو أن الفرضيّتين ترجعان إلى الشيء نفسه؟ فعلى سبيل المثال ، اتهمت الحكومة الجزائرية زيتوني بالمسؤولية عن قطع رؤوس الرهبان الفرنسيين السبعة من دير تبهرين عام 1996. لكن بعد سنتين ، أثبت تحقيق مطوّل في صحيفة "لوموند" أن قوّات الأمن الجزائرية كانت متورّطة في عمليات القتل بعد تعرّضها لوشاية من قًبل المخابرات الفرنسية ـ عمل أدّى إلى استياء قائد زيتوني الذي كان ضابطاً سابقاً في القوّات العسكرية الخاصّة الجزائرية. وأشار المقال نفسه إلى أن الدبلوماسيين الفرنسيين يعتقدون أن القنبلة التي أدّت إلى مقتل بيار كلافري أسقف وهران ربّما وضًعت من قًبل السلطات الجزائرية ـ لأنه عَلًمَ بالمفاوضات السرّية بين السلطات الجزائرية والفرنسية حول قضية خطف الرهبان.
وقد وصل عدد الجزائريين الذين قُتلوا في هذه الحرب إلى 200 ألف شخص عام 2002. واغتال الجيش عنتر زوابري خليفة زيتوني ، ـ مشوّهاً جثته كلّياً هذه المرّة مع رصاصة في الرأس كبرهان. لكنّ جماعات حقوق الإنسان الدولية نفّذت الآن المهمّة التي تهرّب منها كلّّ من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ـ وكذلك الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية الأخرى ـ بشكل معيب جدّاً: فقد اتهمت هيومان رايتس واتش Human Rights Watch السلطات الجزائرية بأعمال خطف وتعذيب وإعدامات بدون محاكمة قضائية.
وبعد سنة ، فعلت منظمة العفو الدولية الشيء نفسه معدّدة ثلاثة آلاف ضحيّة ـ وردت أسماء مجموعة صغيرة منهم في تحقيق سابق نشرته الإندبندنت اغتيلوا من قًبل السلطات بمن فيهم عمّال المستشفيات والموظّفون وطلاب المدارس وأمناء عامّون ومزارعون ومحامون.
وبينما كان الجنرال خالد نزار ، أحد قادة الانقلاب العسكري عام 1992 ووزير دفاع سابق ، يقوم بزيارة لفرنسا عام 2001 للترويج لكتابه الجديد حول الجزائر ، فتحت محكمة فرنسية تحقيقاً ضدّه ـ بطلب من أقارب الضحايا ـ حول تعذيب المعتقلين. وغادر نزار فرنسا بعدما أقفل التحقيق (ھ).
وقد أوصلت انتخابات متتالية في الجزائر ، مخصصة كلّها لتعزيز فكرة أن البلاد حافظت على ديمقراطيتها رغم سيطرة العسكر ، وجهاً آخر قديماً من قيادة جبهة التحرير الوطني هو عبد العزيز بوتفليقة إلى سُدَّة الرئاسة. وأدّت سياسة بوتفليقة في العمل للسلام والتفاهم الأهلي إلى حصوله على 3,98 في المئة في تصويت على الطريقة الصدّامية ـ استفتاء لم يستطع الغرب مجابهته ـ وجرت تظاهرات واسعة النطاق عندما تحوّل التمرّد البربري في تيزي أوزو إلى انتفاضة شعبية ضدّ الفقر والفساد. وأراد أن يتناسى الجزائريون ما فعلوه بعضهم ببعض ـ بما في ذلك ما فعلته الحكومة ضدّهم ـ والتمتّع بالرفاهية بعدما اختار العسكر سبعة رؤساء وزراء وأربعة رؤساء جمهورية منذ عام 1992.
السلطة
لكنّ دلائل الحرب القذرة في الجزائر تراكمت ضدّ السلطة. وعندما نشر ضابط القوّات الخاصّة الجزائرية السابق حبيب سويدا كتابه "الحرب القذرة" في باريس عام 2001 ، كان يُفترض أن يُحدث كارثة . فقد كانت المرّة الأولى التي يُصرّح فيها ضابط باسمه الكامل ـ وصورته ـ ليظهر في الصحافة. كتب الضابط: "شاهدت زملاء يحرقون صبيّاً في الخامسة عشرة من العمر حيّاً. رأيت جنوداً يقتلون مدنيين ويزعمون أن جرائمهم ارتُكبت من قًبل الإرهابيين. شاهدت عقداء يقتلون مشتبهاً بهم بدم بارد. شاهدت ضبّاطاً يعذّبون إسلاميين حتى الموت. شاهدت العديد من الأشياء. ولا أستطيع البقاء صامتاً بعد الآن". وذكر أسماء وتواريخ وأماكن ـ على الأمل الضعيف المتبقّي أن تجري يوماً ما محاكمة هؤلاء المسؤولين بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
سجن الشعبَ
وكتب القاضي الإيطالي فريناندو في مقدّمة الكتاب أنه "كان في الجزائر دائماً تمركز خفّي للسلطة... سجن الشعبَ وقام بتصفية مناوئيه". ليس هناك دليل أكثر إدانة ضدّ النظام. وقد عرف الفرنسيون صحّة ذلك ـ وكذلك عرف قرّاء الإندبندنت البريطانيين أن الجزائريين الذين تحدثوا بشجاعة إلينا قالوا الحقيقة ـ لكن كان الأمر مشابهاً للحقيقة الكامنة وراء الحرب العراقية عام 2003.
كانت الأكاذيب والمعلومات المغلوطة والمبالغات الفاضحة والتحريف المقصود مفهومة كلّياً من قًبل الذين اهتموا بمعرفتها ـ كانوا يشكّلون الأغلبية في أوروبا على الأقلّ ـ لكنّ العالم الرسمي تجاهل الدليل ، فلم تتجاوب فرنسا الرسمية مع اعترافات الملازم سويدا ، واستمرّت في دعم النظام الجزائري ـ كما فعلت الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي. ورأت بريطانيا الرسمية عدم المصداقية ودقّة الدليل حول تورّط الجيش في المجازر. عام 2004 ، دعت منظمة العفو الدولية إلى تحقيق حول اكتشاف 12 مقبرة جماعية على الأقلّ في الجزائر منذ عام 1998 ، كان آخرها يوم 29 تموز ـ يوليو "لتبيان الحقيقة حول هذه المجازر".
الصحراء الجزائرية
تجاهل العالم دعوة منظمة العفو الدولية. وفي الوقت نفسه ، بدأت القوّات الخاصّة الأميركية عملياتها في الصحراء الجزائرية الجنوبية ضدّ القاعدة ـ بالتعاون مع القوّات الجزائرية. وبات الأشخاص المشتبه بهم في ارتكاب جرائم حرب يعملون الآن مع الأميركيين للقضاء على أولئك المسؤولين عن جرائم ضدّ الإنسانية. وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن هذا التعاون العسكري جزء من "الحرب ضدّ الإرهاب".
الهوامش
(ھ) هناك نظريات كثيرة حول أصل عبارة.pieds noirs كتب أليستر هورن في كتابه حول تاريخ حرب الاستقلال الجزائرية ، أن العبارة جاءت من الأحذية المطلية بالأسود التي كان ينتعلها الجيش الفرنسي ، أو من الفكرة الفرنسية أن الشمس الإفريقية أحرقت أقدام المستعمرين فأصبحت سوداء. ومؤخّراً ، أبلغني جزائري أن الاسم أُعطي للمهاجرين الإسبان الفقراء الذين عاشوا في حيّ من أحياء العاصمة المغربية الرباط والذين اتُّهموا أنهم لا يغسلون أقدامهم أبداً. وعندما انتقل الفرنسيون إلى المنطقة نفسها ، ورثوا الاسم ثم أحضروه معهم إلى الجزائر.
(ھ) كان الحركيون أتباعاً من الجزائريين الموالين للجيش الفرنسي الذين خانهم أسيادهم عام 1962 وتركوهم وراءهم ليُقتَلوا على يد أبناء وطنهم ويُطردوا للعيش في البؤس في جنوب فرنسا.
(ھ) ليست هناك لغة تحمي السياسيين من التجاوزات الوهميّة عن الديمقراطية والإسلام. وأترك للقرّاء اكتشاف الأكاذيب في المقتطفات التالية من المؤتمر الصحفي لبو ضياف في مدينة الجزائر في 16 شباط ـ فبراير 1992 ـ الذي أجراه بالعربية والفرنسية ـ وأيضاً تفاؤله الوهمي وعدم فهمه لما دفع العديد من الجزائريين لدعم الجبهة الإسلامية للإنقاذ. قال: "كان من الضروري وقف العملية الانتخابية بهدف حماية الديمقراطية. تمّ إيقاف العملية الانتخابية لأنها أصبحت تمثّل خطراً على الجزائر. لكنّ حالة الطوارئ لا علاقة لها بأيّ تقييد للحرّيات الأساسية. الوضع يتحسّن يوماً بعد يوم. لقد سئمت الجزائر من جماعات الإرهاب والشكّ... في الإسلام ، التسامح والتفاهم والاعتدال تتماشى كلّها مع الديمقراطية. لا يستطيع إسلام منغلق يعود إلى القرن الثالث عشر أو الرابع عشر العمل مع الديمقراطية. في إيران ، هل هناك ديمقراطية أم لا؟ أترك ذلك لكم لتقرّروا... الناس لا يُعدمون هنا. إذا اتّبعنا مبدأ الانتخاب ، نعدم الجزائر... يجب على الإسلام أن لا يتبنّى التطرّف. يجب أن تكون المساجد مكاناً للوعظ ، للراحة والاعتدال. للدين مكانته ، لكنّ الديمقراطية هي مسار نحو مجتمع عصري يتضمّن التعدّدية السياسية".
(ھ)عام 1995 ، اعترفت الحكومة الجزائرية رسمياً بأن 15 ألفاً من مواطنيها قُتلوا وأنّ هناك ستّة آلاف جريح و 2143 عملية تخريب. في الواقع ، يُعتقد أن عدد القتلى الحقيقي وصل إلى ما يقارب 75 ألف شخص.
(ھ)كان ماسّو يُسدي النصيحة فقط ـ فيما كانت الحكومة الفرنسية تقدّم مساعدة جدّية للجيش الجزائري. وخلال معظم عام 1994 ، كانت فرنسا ترسل طائرات هيلكوبتر ، وأجهزة رؤية ليلية للمراقبة الجوّية للمخابئ الجبلية ومعدّات أخرى معظمها عبر شحنات جوّية عسكرية فرنسية إلى مطار الجزائر. وقيل إن ابن مسؤول حكومي فرنسي يدير شركة أمنية خاصة خارج باريس ، باع معدّات قيمتها ملايين الفرنكات لقوّات الأمن الجزائرية ـ كما باع الأميركيون طائرات هيلكوبتر لصدّام خلال الحرب الإيرانية العراقية على قاعدة أنها ستُستخدم لأغراض مدنية ـ متجنّبين بذلك تحقيقاً قانونياً من قًبل لجنة وزارية فرنسية داخلية لمراقبة الصادرات العسكرية)CIEEMG( ، وقد جُهّزت طبعاً بصواريخ وعدسات ليلية لتصبح أسلحة هجومية. وكان الفرنسيون يستمعون أيضاً إلى البيانات العسكرية الجزائرية في سفينة شحن سابقة ، تبحر على طول الساحل الجزائري ومجهّزة بطاقم مؤلّف من عناصر الإدارة العامة للأمن الخارجي DGSE ، المخابرات الفرنسية) ورقمها. 646A وكانت السفينة البيضاء تراقب القوّات الجزائرية في جبال الأخضرية.
وكان عملها خاضعاً بشكل متزايد لاعتراضات طائرات سلاح الجوّ الفرنسي وضبّاط المخابرات داخل السفارة الفرنسية في مدينة الجزائر. وعشية عيد الميلاد 1994 ، اختطف مسلّحون إسلاميون طائرة للخطوط الجوّية الفرنسية في مطار الجزائر ، وبعد إعدام عدّة مسافرين طاروا بها إلى مرسيليا للتزوّد بالوقود وهدّدوا بتحطيمها في برج إيفل. ولم يكن الأمر المفاجئ متعلّقاً بعملية الخطف التي حصلت بل باستمرار رحلات الخطوط الجوّية الفرنسية إلى بلد انحدر فيه مستوى القانون والنظام وحيث أصبح مجرّد ذكر اسم فرنسا حكماً بالإعدام على المواطنين الفرنسيين الذين لا يزالون في الجزائر. ولم يسأل أحد ما إذا كان المسلّحون ينوون الطيران للاصطدام ببرج إيفل جدّياً ـ أو أن خططهم ربّما ألهمت خاطفين آخرين في المستقبل ، كان لديهم مشاريع أكثر طموحاً تورّط فيها ركّاب طائرات نقل وأبنية عالية.
(ھ) كان شهر رمضان 1994 الأكثر حزناً بشكل خاصّ بالنسبة إلى المثقفين الجزائريين. فقد قُتل الكاتب الدرامي عبد القادر علّولة ، مدير المسرح الوطني في وهران وهو في طريقه لإلقاء محاضرة درامية. بعد أربعة أيام ، أصيب عزيز صماتي وهو منتج تلفزيوني إصابة بالغة وهو مقعد الآن. وفي أيلول ـ سبتمبر من تلك السنة قتل مسلّحون شابّ حسني أهمّ مغنّي موسيقى الراي. وكان لتهديد البربر بإعلان الحرب على الإسلام الأثر في إنقاذ حياة المغنّي لينوس متوب ، وقد أطلق سراحه بعد 15 يوماً على اختطافه. ومن خلال اتهامهم المثقّفين بالاستخفاف وبإهانة الدين الإسلامي ، اعتبرت الجماعات المسلّحة الوسط الفني ـ وليس بدون مبرّر ـ خطّ المواجهة الأمامي للحرب الثقافية ضدّ قيام جمهورية إسلامية. وكان أشهر المؤلّفات كتاب رشيد ميموني عن "البربرية بشكل عام والأصولية بشكل خاصّ"... وكان الإعلان الوحيد حول موته في شباط ـ فبراير 1995 أنه مات نتيجة عوارض طبيعية. وفي مصر ، كان الكتّاب أيضاً عُرضة للقتل حيث اغتيل الكاتب فرج فودة ، وقامت جماعة إسلامية بطعن الكاتب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في القاهرة لكنها فشلت في قتله. وقد شرح كريم الراوي ، الكاتب المصري الذي قدّم الكثير لحركة حقوق الإنسان في القاهرة أن الصراع الإسلامي هو بشكل محدّد ثقافي بطبيعته ، "لأن الإسلام هو دين الكتاب ، والقرآن هو كلمة الله الناطقة باللغة العربية ، وبناء عليه فإن اللغة العربية هي اللغة المحكية لكل يوم واللغة المقدّسة... وحين تكون كاتباً يعني أن تكون مؤلّف نصوص وتدّعي حقيقتها الأمر الذي ليس بالضرورة هو الحقيقة الوحيدة للنصّ المقدس. لهذا السبب فالكتّاب هم الهدف وليست كلماتهم فقط".
(ھ)لم يكن البريطانيون وحدهم هم الذين يرحّلون الجزائريين إلى بلادهم لإعدامهم. فقد قامت السلطات البلجيكية بترحيل زعيم شابّ من الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، هو بن عثمان بوسرية ، إلى الجزائر يوم 15 تموز ـ يوليو 1996 بادّعاء كاذب أنه لن يكون في خطر إذا عاد. وبعدما حاول مرّة أخرى الهرب من الجزائر ، اعتُقل وهو يحاول عبور الحدود الليبية ومات في سجن الشرطة في مستغانم. وأفاد تقرير للشرطة أنه انتحر بإلقاء نفسه من مكتب قوّات الأمن بينما كان ينتظر المحاكمة.
(ھ)في دليلها الكاذب بامتياز ، اقتبست الحكومة الأميركية مقالاً لي في الإندبندنت ـ كُتب في الجزائر يوم 8 آذار ـ مارس 1995 ـ حيث أوردت أن صور المثقفين الجزائريين القتلى "كافية لكراهية الإسلاميين ، ولاحتقارهم ، وحرمانهم من أيّ صفة إنسانية ناهيك بحقوق الانسان ـ وتلك كانت بالطبع النيّة ـ بحيث تنسى كم هو عدد الأشخاص الذين اقترعوا لصالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات التي ألغتها الحكومة". وقد فشلت وزارة العدل الأميركية في اكتشاف السخرية في السطر الأخير ـ والمعنى الضمني الواضح الذي أظهرته الصور كجزء من الحملة الدعائية الحكومية الجزائرية. وكان التوثيق الأميركي غير متقن أيضاً. فقد كانت عناوين صحيفتين جزائريتين على الأقلّ مهجّاة بشكل خاطئ ـ وليست هناك إشارة لتشديد السلطة الجزائرية على طبع الصحف الجزائرية أخبار الإرهاب وفق تعليمات السلطة. وقد أوردت عدّة مقالات المجازر التي شجبتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وبعدما كتبت عن سوء استخدام الإدارة الأميركية لمقالاتي في الإند ندنت ، اختفت كل إشارة إليها بشكل غامض من لائحة وزارة العدل الأميركية للتهم الموجّهة ضدّ هدّام.
(ھ)يوم 16 كانون الأول ـ ديسمبر عام 2004 ، اعترف محقّق معيّن من الحكومة الجزائرية أن عناصر في جهاز الأمن الجزائري قتلوا 5200 مدني. قال فاروق كسنتيني: "عملاء للسلطة بهذه الأعمال غير القانونية بشكل فردي. كانت الحرب رهيبة وكانت هناك خروقات. لكن السلطة بحدّ ذاتها لم ترتكب أيّ جريمة". وبعد أسبوعين ، أبلغ كسنتيني وكالة "رويترز" أن عملاء للسلطة قاموا بتصفية 6146 مدنيّاً.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش