الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نجوم خارج دائرة النسيان * المصادم المشاكس المستفز الذي يخرج عن النص فيسب الكبير والصغير

تم نشره في الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
نجوم خارج دائرة النسيان * المصادم المشاكس المستفز الذي يخرج عن النص فيسب الكبير والصغير

 

 
: يكتبها لـ «الدستور»:عاطف النمر * يوسف شاهين..
لا اختلف مع من يصفونه بانه.. معتوه .. مجنون .. مخبول .. متمرد .. منفلت .. سليط اللسان .. مصادم .. مشاكس .. غامض في افلامه لكنه مباشر في طرح آرائه .. علماني .. ليبرالي .. يتحدث في حواراته بوقاحة تفوق حد الصراحة..عنيف وقاس في مهاجمة خصومه الذين يصفهم بالفاظ حادة ومسميات قاسية واوصاف لاتليق بفنان مفكر كبير ، لا اختلف ايضا مع من يصفونه بالعبقرية والنبوغ ، والريادة والتفرد والتميز ، والحسد على ما يملكه من شجاعة منقطعة النظير ، متجاوزة لكل الخطوط الحمراء في التعبير عن آرائه السياسية والاجتماعية والفنية والفكرية ، وشجاعته في التصدي لكل ما يعتبره نوعا من القهر السياسي والامني ، ونزوله للشارع للتظاهر ، وذهابه للمناطق الملغمة التي لا يهاب نتائجها ، ووقوفه الى جوار الفقراء والمطحونين والغلابة لمناصرة قضاياهم بالفعل والكلمة ، وانقلابه على اعتى واقوى دولة في العالم ليهاجمها بالسينما والتصريحات النارية ، لن اختلف مع هؤلاء او هؤلاء ، من يقفون ضده ومن يقفون معه ، من ينزعجون منه ومن يساندونه ويشيدون به ، ويحسدونه على الحرية التي منحها لنفسه بلا خوف او تردد ، لانه هكذا يكون يوسف شاهين ، هو كل هذا ، من يصفونه بالجنون والخبل وسلاطة اللسان لا يعرفون فيه يوسف شاهين الاكثر عقلانية من الجميع ، ومن يصفونه بالاندفاع غير المحسوب ، لم يكتشفوا فيه روح التمرد والثورة الدائمة التي يعيش فيها وتجعله غير راض على الاطلاق عن كل ما يدور حوله ، يوسف شاهين من يدرسه ويعرفه ويقترب منه سيجد انه يحمل في داخله كل تلك المتناقضات التي يترجمها في اعماله السينمائية وتعكسها تصريحاته وحواراته الصحفية والتليفزيونية بكل صراحة ووضوح وشفافية قد يعتبرها البعض نوعا من الوقاحة لانهم تعودوا على الاجابات المنمقة المهذبة الدبلوماسية ، التي تسعى لارضاء الجميع ، وكسب ود الجميع ، حتى ولو كان ذلك يؤدى لتزييف الواقع وتزيين الوقائع ، يوسف شاهين الطفل والشاب والكهل هو يوسف شاهين الذي لم يتغير ابدا ، ولن يتغير ابدا مهما كانت الضغوط التي تمارس عليه ، او العراقيل والعقبات التي يحاول البعض وضعها وصياغتها للحد من حريته وسلاطة لسانه ، يوسف سيظل ابن الاسكندرية الذي تشرب من البحر ثورته واضطراب حركته ، يسب الوزير من اجل الغفير ، ويهاجم الكبير من اجل المطحون الصغير ، لنختلف معه ما شئنا ، فهو بقدر ما يقبل الاختلاف ، بقدر ما يطلق للسانه العنان لوصف من يختلفون معه بانهم لا يفهمون ، الجمهورلا يفهم اعماله ومع ذلك يراه عبقريا وفنانا عالميا مشرفا للسينما العربية.
(الشاهينية)
لا يمكن لاحد ان يفهم شخصية المخرج العالمي الكبير يوسف شاهين بمعزل عن اعماله السينمائية ، لان كل منهما يشكلان وجهان لعملة واحدة اسمها "الشاهينية" ، يوسف شاهين الانسان والفنان يتمتع بذاتية شديدة ، ولا اقصد هنا النرجسية او الانانية ، انما اقصد الذاتية التي تجعله يرى نفسه في كل شيء واي شيء ، بل انها تجعله يرى نفسه فوق كل شيء ، ولهذه الذاتية جذور في حياته منذ الصغر ، تترجمها رغبته الأولى في ممارسة للتمثيل ، ثم اكتشافه بان الممثل ما هو الا عنصر من عناصر الفيلم ، مثله مثل بقية العناصر والمفردات الاخرى ، التي يتحكم فيها شخص اقوى هو المخرج الذي يحرك الجميع وفق رؤيته ، لهذا اندفع يوسف شاهين بذاتيته لخلع فكرة التمثيل من رأسه لكي يتحول الى الرجل الذي سيصبح فوق الجميع ويحرك الجميع وهو المخرج الذي يطرح رؤيته على الجميع ويلزمهم بها ، ولو راجعنا اغلب افلامه التي بدأت مع مرحلة السبعينيات من القرن الماضي وحتى آخر فيلم قدمه للسينما سوف يتضح لنا بجلاء ووضوح مدى تأثير يوسف شاهين على كل الممثلين الذين عملوا معه في هذه الافلام فجعل منهم صورا كربونية عن شخصيته ، نفس تونات الصوت ، نفس طريقة الآداء التي يتكلم بها ، واضطراب الكلمات على لسانه ، نفس حركته في المشي والاشارة وتعبيرات الوجه ، الكل يوسف شاهين في افلامه ، الكل صورة كربونية منه ، هو يريد ذلك تأكيدا لذاتيته الشديدة ، وترسيخا لمدرسة "الشاهينية" في السينما ، قد يكون هذا عيبا بالنسبة للممثل الذي فقد شخصيته امام يوسف شاهين ، وقد يكون ميزة في يوسف شاهين الذي يفرض بقوة شخصيته على الممثل ان يذوب فيه ، تلك "الشاهينية" هي ما تجعل البعض يدهش من حواراته الصحفية والتليفزيونية الساخنة التي تتسم بالصراحة التي يعتبرها البعض نوعا من الوقاحة ، كثير من صحف المعارضة التي تريد الهجوم على النظم السياسية والحكومة بشكل مباشر تلجأ ليوسف شاهين المندفع الصريح الذي لا يخشى شيئا لتجري معه الحوارات التي تحقق اهدافهم بشكل غير مباشر ، فالمتكلم يوسف شاهين وليس الصحيفة او الحزب المعارض الذي تنتمي له ، في نفس الوقت يحقق يوسف ما لديه من شهوة انتقاد النظام ولعن ابا الدولة البوليسية ، التي تقهر الحرية ، وسب الفساد والرقابة والانتخابات والتزوير والتلفيق والجهل والامية وكل صور التخلف ، وهو لا يدري انه بعد ان يقول كل هذا لا يقترب منه احد ، او يعاتبه النظام ، او يستدعيه لمعاتبته على ما يصرح به من اتهامات وعبارات نارية ، مما ينفي افكار يوسف شاهين عن الدولة البوليسية التي يتحدث عنها ، ومما ينفي الديكتاتورية التي يتهم بها النظام والحكومة التي تتيح له الحرية كاملة في قول ما يشاء دون مصادرة ، وان كان يوسف شاهين يبرر عدم الاقتراب منه بخوف السلطات لانه فنان عالمي واي احتكاك به سوف يؤلب الرأي العام العالمي علي السلطات.
(المشاكس)
تتجلى الذاتية المفرطة التي تربى عليها يوسف شاهين في مواقف كثيرة لا حصر لها ، لكنها تترجم شخصيته التي تتسم بالمشاكسة والمصادمة ، التي تندفع به دائما للسير في الاتجاه المعاكس ، فاذا ما قدمت الحكومة للقضاء قضية الشواذ جنسيا ينبري يوسف شاهين للادلاء بالتصريحات دفاعا عن هذه الفئة المنبوذة التي يرفضها المجتمع ، يتصادم حتى مع من يجرون معه الحوارات التليفزيونية ولا يتورع عن سبهم ووصفهم بالفاظ تتجاوز الخطوط الحمراء ، حتى كبار الفنانين لم يسلموا من قفشاته ولسعاته التي يطلقها بعفوية فتصيبهم في مقتل امام الجمهور ، مما اضطر بعض القنوات الفضائية الى وضع ضوابط في تعاملها معه في البرامج التي تبث على الهواء مباشرة ، بعد العبارات التي تفوه بها في برنامج "البيت بيتك" على شاشة التليفزيون المصري والتي اعتبرها البعض خادشة للمشاعر ، وقد اشارت التقارير الفنيه لبعض الفضائيات الى ضرورة مراعاة الحذر و الحيطة لان يوسف شاهين له اسلوبً خاص فى الحديث ، ينطق دون حساب لاصول و قواعد وتقاليد المجتمع ، لهذا اتفقت اغلب الفضائيات على ان تجري معه الحوارات مسجلة وليست على الهواء مباشرة حتى يتمكن صناعها من عمل مونتاج لها وحذف ما يلزم منها ، وما ان علم يوسف شاهين بتلك الضوابط حتى بدأ في رفض استضافته في تلك البرامج التي تحد من حريته وتحذف كلماته وآرائه ، بالطبع لقد وجدت الفضائيات نفسها في مأزق بعد الذي رواه شاهين في برنامج "البيت بيتك" على شاشة الفضائية المصرية عن قصة تعرفه بام كلثوم التي طلبت منه تصوير اغنية "طوف وشوف" فعلق علي طلبها قائلا "ايه الهبل ده" مما اضطرها ان تقول "ايه ابن المجنونة ده ،"واضاف "و طلعت ورقة من عبها؟" وعندما سأله مقدم الحلقة محمود سعد مستنكرا "ايه .. طلعت ورقة من عبها؟"رد شاهين قائلاً له"انت مال خالتك" ، وفى موضوع آخر قال لمقدم الحلقة "كفاية كده .. انت عامل زى الصرصار" ، وعندما تحدث عن سفره لمدينة رفح رغم منع وزير الداخلية له على حد قوله ، لكنه سافر و قال "عندما حاول الاسرائيليون منعي عملت لهم شيء فيه اباحة" ، و فى اجابته عن سؤال لمقدم الحلقة اذا كان هناك "لسه في حاجات عنده لم تظهر بعد؟" قال "ايوه .. لسه فيه شوية اباحة عاوزاعملها" ، وعندما سألته الفنانة يسرا"انت فاكر اخترتني ازاى يا جو "اجابها" من السرير لو فاكرة" ، تلك هي الذاتية المتعالية التي يتعامل بها يوسف شاهين على سجيته وبعفوية شديدة تضعه وتضع من يتعامل معه في مأزق لا يحسد عليه ، لكنه لا يهتم بردود الافعال او يحسب لها اي حساب ، مصادم دائما لا يتورع عن وصف واحد من كبار النقاد بانه "حمار" لا يفهم ، ووصف آخر بانه يهاجمه لانه لم يلب له المصلحة التي ارادها منه ، ووصف ثالث بانه ناقم يأكل على كل الموائد ، واذا ما سئل عن الجمهور الذي لا يفهم بعض افلامه يتهم الجمهور بالغباء والتخلف ، كل هذه المواقف وغيرها تؤكد ما نحاول توصيله عن "الشاهينية" او الذاتية المفرطة التي يتمتع بها فتشكل ضده جبهة رفض من الاخلاقيين المدافعين عن الفضيلة والقيم ، وتمسح في مقابل ذلك ما لديه من مواقف جادة يقدمها في مناسبات اخرى ، مثل وقوفه الصارم والحازم واعتصامه مع الفنانين ضد القانون المشبوه الذي اراد تحويل النقابات المهنية الى نواد ، ووقوفه الى جوار الفلاحين الغلابة في جزيرة الذهب بالنيل التي اراد رئيس الوزراء طردهم منها لتحويلها لمشروع استثماري ، وهدد يومها بانه سوف يلقي بجسده اسفل الحفارات والجرافات لمنع السلطة من تنفيذ مشروعها ، وهدد ايضا بانه سوف يصور فيلما يفضح فيه هذه الجريمة ، وبلغت جرأته عندما تساءل عن الفرق بين رئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون ورئيس وزراء مصر عاطف عبيد لان الاثنين يريدان طرد الناس خارج اراضهم" ، متناقضات المواقف عند يوسف شاهين تجعل المراقب في حيرة بين دفاعه عن الفلاحين الغلابة ومساندته للشعب الفلسطيني في المظاهرات التي يشارك فيها رغم تجاوزه الثمانين من عمره ، وبين مواقفه في الدفاع عن الشواذ في قضية اللواط الشهيرة ، في النهاية كل هذه المواقف المتناقضة تعلن بوضوح عن يوسف شاهين كحالة فريدة انسانيا وسينمائيا.
(الحلم الامريكي)
اسمه الحقيقي يوسف جبريل شاهين ، من مواليد مدينة الاسكندرية في الخامس والعشرين من ينايرعام 1926 ، تربى في اسرة برجوازية تنحدر من اصول لبنانية من جهة جده لوالدته ، تلقى علومه الأولية في مدرسة "سان مارك" ، وبعدها انتقل الى كلية فكتوريا البريطانية التي زامله فيها الفنان عمر الشريف ، حصل على شهادة تلك الكلية التي التحق بها بجامعة الاسكندرية لمدة عام واحد قرر بعده السفر الى الولايات المتحدة لدراسة التمثيل في معهد "اسادينا" الذي يدرس صناعة الافلام والفنون الدرامية ، درس يوسف شاهين فن السينما في امريكا وربما كان تركيزه على فن التمثيل ، عشق في هذه الفترة كل ما هو امريكي وكان حلم حياته ان يغزو هوليوود على اعتبار ان القائمين على صناعة السينما هناك لا يتقيدون بجنسية اي مبدع سينمائي وانما كل ما يهمهم هو عبقرية الفنان ، ولذلك اعتمدوا على جنسيات كثيرة من اجل تطعيم هذه الصناعة الاستراتيجية من شتي الدول لتجديد دماء السينما الامريكية حتى تظل هي الاقوى في العالم ، نظر يوسف شاهين للاسماء الكبيرة التي استقدمتها هوليوود من بلاد اخرى مثل فريد زينمان وجوزيف مانكوفيتش وجريتا جاربو ، وميلوش فورمان وانجريد برجمان ومارلين دييترتش وويليام وايلر وكيم نوفاك ولورنس اوليفييه وجون شليزنجر وجوزيف فون ستيرنبرج واليزابيث تايلور وغيرهم من عشرات المبدعين السينمائيين من كل انحاء العالم فلماذا لا يكون يوسف شاهين من بين هذه الاسماء وهو لايقل عنهم في الحرفية؟ ، فشل يوسف شاهين في اقتحام هوليوود ، لم تطلبه لاسناد احد افلامها اليه ، لم يكن اليهود وراء ذلك اليهود كما يشيع يوسف شاهين في كثير من احاديثه وافلامه ، فقد فتحت هوليوود ابوابها لعمر الشريف ولم يكن يهوديا ، عاد لمصر ليتعرف على المصور السينمائي ال؟يز اورفانيللي الذي دخل به الي عالم السينما وساعده حتى اخرج فيلمه الأول "بابا امين" عام 1950 ، وبعد عام واحد اخرج فيلم "ابن النيل" الذي شارك به في مهرجان "كان" السينمائي الدولي وحصل عنه على الجائزة الفضية ، كانت ولادته السينمائية قوية وعالمية ، ولغته السينمائية التي عاد بها من الولايات المتحدة غريبة على اللغة السينمائية عند كل المخرجين المصريين في تلك الفترة ، لم تفتح له هوليود احضانها وصدمته لكن علاقته بالولايات المتحدة والثقافة الامريكية كانت اشبه بعلاقةالمرأة التي لم تلق من رجلها سوى التجاهل والازدراء ولكنها ظلت تعشقه حتى ولو في السر ولم يمنعها هذا بان تقذفه بالعن الصفات امام الناس وتبدي له الكراهية المعلنة ، عندما سيطر عليه اليأس من تبني امريكا له واسناد احد الاعمال اليه ارتمى في احضان الاتحاد السوفييتي ووجد الفرصة عندما اسندت اليه مؤسسة السينما اخراج فيلم "الناس والنيل" ، الذي لم يلق رضاء المصريين ولا الشيوعيين ولم يحقق له الاتحاد السوفييتي شيئا من احلامه فلم يقدمه الى العالمية ، لم يكن يوسف يدرك ان الاتحاد السوفييتي لا يعني من الفن الجيد شيئا ما يعنيه في المقام الأول الدعاية الفجة التي تمجد النظام الشيوعي كحل امثل لكل مشاكل البشرية ، لم يجد يوسف شاهين امامه بعد ان تقوض الاتحاد السوفييتي وتمزق سوى اوروبا الغربية ، استطاع ان يستثمر الشبق الاوروبي الى معرفة الشرق ، ادرك يوسف شاهين انه وجد ضالته في فرنسا وقام بمنافسة التونسيين والجزائريين والمغاربة في التقرب الى المسؤولين عن الثقافة في فرنسا في المتاجرة بمظاهر التخلف ، نجح وبعض تلاميذه في مد القناة الخامسة في التليفزيون الفرنسي بافلام تدور حول مظاهر التخلف ، وعندما نضب هذا المعين استغل الصراع المستتر بين اوروبا وامريكا وخيل اليه او اوحي له بعض من حوله انه مفكر عالمي وانه رسول الحرية ومناضل ضد الامبريالية الامريكية في السينما العالمية ولم يجد امامه ما يبرز هذا الاعتقاد سوى الهجوم المباشر على امريكا وتجلى هذا الهجوم بشكل مبالغ في مباشرته في الفيلم الرابع من رباعية سيرته الذاتية التي بدأها بفيلمه الشهير "اسكندرية ليه" وانتهت الرباعية الشهيرة بفيلمه "اسكندرية نيويورك".
(المفكر السينمائي)
المتابع لمسيرة يوسف شاهين السينمائية ، يكتشف انها تعكس التطور الفكري والفني ، والوعي الاجتماعي والسياسي الذي تحمله شخصيتة هذا الفنان ، يمكن تقسيم مشواره السينمائي الى مرحلتين "مرحلة نمو الوعي الاجتماع" ، و"مرحلة تعمق الوعي السياسي" ، حيث انه عندما بدأ يوسف شاهين مشواره السينمائي لم تكن القضايا الاجتماعية والاهتمامات السياسية تعني له الشيء الكثير ، لكنه وجد نفسه يدافع بصدق عن الفلاح المصري في فيلمه "ابن النيل" ، لم يكن شاهين ، في ذلك الوقت ، يفهم مشكلة الفلاح المصري ، او يعي الواقع الاجتماعي والمعيشي الذي فرض على هذا الفلاح اوضاعاً مزرية ، وربما جاء ذلك نتيجة انتماء شاهين الطبقي الى طبقة بورجوازية ، ومع هذا ، فقد كان فيلم "صراع في الوادي" بمثابة صرخة عنيفة ضد الاقطاع ، طرح قضية الصراع الطبقي بين الاقطاع والفلاحين بشكل لم تشهده السينما من قبل ، وبالتالي يمكن اعتبار "صراع في الوادي" بمثابة الخطوة الحقيقية الأولى في مرحلة نمو الوعي الاجتماعي عند شاهين ، وكانت الخطوة التالية بفيلم "صراع في الميناء" ، والذي اهتم فيه ولأول مرة باوساط العمال والبحث في مشاكلهم ، وبفيلم "باب الحديد" ، وصل يوسف شاهين لمرحلة فنية متقدمة ، جعلته اهم شخصية سينمائية في مصر ، رحلة شاهين السينمائية ، تبدأ من الالم الى الوعي الى الالتزام ، فترات تاريخية عاشها بمعاناته الخاصة والعامة قبل مرحلة الثورة والاستقلال في مصر ، الى الحالات التي جثمت فوق فضاء البلدان العربية ، ابتداء من نكسة يونيو 1967 ، مرورا بثورة الجزائر وحرب لبنان والقضية الفلسطينية وازمات وتداخل وتشابك ما عرف بالاحزاب الطليعية العربية ، يوسف شاهين مفكر سينمائي تحريضي لا يكتفي بمراقبة ما يجري لكي يتحرك ، انما يبادر بالفعل السينمائي ليحرك غيره بالتحريض المباشر فكريا ، يوسف شاهين عالم سينمائي وفكري آخر ، انه التاريخ الذي يتواءم مع المرحلة ، يلتصق بها ويحسها ويعيشها ويترجمها ، لكنه في كل هذا لا يقف موقف المتفرج او المراقب ، بل يغوص في همومها وقضاياها واحلامها واخطائها ايضا ، وتتجلى ذاتيته "والشاهينية" التي يتميز بها في كل اعماله التي تجد فيها جزءا من سيرته الذاتية وعلاقته بالاحداث التي يعرضها في افلامه سواء بشكل غير مباشر او بشكل مباشر ، ونرى ذلك في افلام من نوعية "العصفور" و"الاختيار" و"عودة الابن الضال" الذي ناقش فيه قضية اليسار وعودة الرأسمالية ، في فيلم "صراع في الوادي" راودته فكرة محاربة الاقطاع التي قضت عليها الثورة في ما بعد ، وفي فيلم "باب الحديد" دافع عن الطبقة الفقيرة والمسحوقة والمهمشة ، وفي فيلمي "الناصر صلاح الدين" و"الوداع يابونابرت" كان دافعه المواجهة الحضارية ، ليس بين العرب والصليبيين في معاركهم فحسب ، بل بما تحمل هذه المواجهة من مغزى تاريخي ، وبما تعنيه الهيمنة للقوى المعتدية والمغتصبة.
اما في فيلم "العصفور" وقد شاركه في كتابة السيناريو لطفي الخولي فكان يحاول ان يجسد مشاكل ودافع شعب سيواجه الهزيمة ، وهكذا في كل فيلم من افلامه التالية ، هناك فكرة وواقع وانفعال ، هوانفعال الفنان الموجود والذي يريد ان يسأل ويصرخ ويعلن ويحرض ولا يقف متفرجا او معبرا ببرود وحيادية ، وهناك افلام ليوسف شاهين لم تكن بمستوى اعماله السابقة او اللاحقة ، كانت افلام انفعالية متسرعة بلا معنى ، مثل فيلم "فجر يوم جديد" الذي حاول فيه ان يعرض بعض ملامح التحولات الاجتماعية في مصر ، او "بياع الخواتم" الذي ظل لوحة فنية جميلة ابرز ما فيها صوت فيروز واجواء الموسيقا الرحبانية ، و"رمال من ذهب" ، اعتقد ان سبب اخفاق او تراجع او ضعف بعض افلام شاهين يرجع الى الاوضاع السياسية ووضعه الشخصي داخلها ، او على حوافها ، فهذا الفنان المشاغب لا يستطيع ان ينسى تاريخه الخاص ، بل هو يعيش هذا التاريخ بصخب كبيرليعبرعنه وعن تناقضاته وانفعالاته ، وهو لا يخجل من اسراره بل يؤكدها ويعرضها وقد يدافع عنها احيانا ، كما فعل في افلام "اسكندرية كمان وكمان" و"حدوتة مصرية" ، ولانه لا يستطيع ان ينسى نفسه فهو يعتبرها مختبرا ومصفاة للاوضاع السياسية والاجتماعية ولهذا ، تأتي افلامه وكأنها حلقات لتاريخه الشخصي وتاريخ المرحلة العربية الحديثة على السواء ، كثيرون يرون ان يوسف شاهين افسد افلامه عندما تحول الى مفكر سياسي فأصبح لديه حالة من الارتباك في الطرح السياسي الذي يقدمه في افلامه ، خاصة وانه قد يكون طرح ذاتي غير متعلق بالواقع ، او مجرد شحنات غاضبة يريد تفريغها في رؤيته السينمائية وبتكنيكه المعقد الذي لا يصل مفهومه لكل الناس لكني اختلف مع هذا الطرح قليلا ، واعتقد ان يوسف شاهين رتب افكاره السياسية لأول مرة في فيلم "باب الحديد" ، ليس لانه قدم مضامين الصراع بين الاقوى والاضعف ، او ذلك الصراع بين الانسان القاصر ومثاله الاقوى بل قام يوسف شاهين بتأدية الدور الاول بنفسه ، انه الرجل الذي ينشد قوة الآخر ويطمح اليه ولا يستطيع التواصل مع المرأة بسبب عرجه وتعثره في الكلام ، والدلالات السياسية الرمزية في هذا الفيلم الذي ياخذ الطابع الاجتماعي تعطي بعدا لسينما يوسف شاهين التي تتسم بالعمق الشديد في الطرح والتناول ، وفي عام 1969 تعمقت الرؤية السياسية لدى يوسف شاهين في فيلم يعد من افضل افلامه الى اليوم وهو"الارض".
(رحلة الجوائز)
لم يحصد فنان عربي مهما كانت قيمته ما حصده يوسف شاهين من جوائز واوسمة ونياشين رفيعة المستوى تقديرا لفكره السينمائي واعماله التي وصلت للعالمية ووضعت السينما العربية على خريطة المهرجانات الدولية ، فقد فاز بجائزة "التانيت الذهبي" من مهرجان قرطاج عن مجمل اعماله ، وجائزة الدولة التقديرية ، وجائزة مهرجان كان عن مجمل اعماله طوال خمسين عاما ، وحصل شاهين على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الدولي عن مجموع اعماله وعن فيلم "المصير"والتي يعتبرها شاهين اغلى واكبر جائزة تقدم له اثناء مسيرته الفنية ، كما كرمته مدينة زحلة شرق لبنان باطلاق اسمه على احد شوارعها ومنحته وساما رسميا رفيعا هو وسام الارز الوطني من رتبة ضابط وقد اغرورقت عيناه بالدموع وهو يزيح الستارة البيضاء عن اللوحة التي حملت اسمه ونصبت على حافة الطريق الذي سار فيه وهو صبي ويافع عندما كان يمضي فصل الصيف في منزل جدته لوالده وقال "مهما كان الشارع الذي احمل اسمه متواضعا فهو اهم من اكبر وسام" ، وتقديرا لدوره البارز فى الحياة الفنية وريادته للاعمال السينمائية ، منحه الرئيس جاك شيراك وسام جوق الشرف برتبة ضابط وهو اعلى وسام فرنسي يمنح لشخصية غير فرنسي ، وعبر الرئيس الفرنسي خلال الرسالة الخطية الرسمية التي بعث بها ليوسف شاهين عن تقدير فرنسا واحترامها الكبير لفنه ، وكان يوسف شاهين قد سبق له وان حصل على وسام قائد في الثقافة والفنون من الرئيس الفرنسي الراحل متران ، وكرمه مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في اطار تكريم ثلاثة مبدعين من صناع السينما العالميين وسلم وسام المهرجان ، منحته جامعة بروفانس في مرسيليا الدكتوراة الفخرية تقديرا لعطائه الفني وقبلها منح الدكتوراة الفخرية من جامعة باريس والجامعة الاميركية بالقاهرة ، وحصل على اوسكار الفيديو كليب الدولي للاغنية المصورة لريادته في توظيف الاغنية المصورة في اطار درامي بداية من فيلم "بابا امين" الذي اخرجه منذ 54 سنة ، ويعتبر المخرج العربي الوحيد الذي فتحت له فرقة "الكوميدي فرانسيز" ابوابها ليخرج لها مسرحية "كاليجولا" لالبير كامي التي حققت نجاحا جماهيرا ونقديا كبيرا.
وقد شارك يوسف شاهين كعضو لجنة تحكيم عدة مرات في مهرجان "كان" وعدة مهرجانات دولية واخرج عدد من الافلام باللغة الفرنسية منها "وداعاً بونابرت" ، بالاضافة الى مجموعة من الافلام الوثائقية والتسجيلية ، وقد قام يوسف شاهين بالتمثيل في ثلاثة افلام هي "باب الحديد" و "اسكندرية كمان وكمان" و"فجر يوم جديد" ، كما كتب الحوار لعدد من الافلام وهي "اسكندرية كمان وكمان" و"الوداع يا بونابرت" و"عودة الابن الضال" و"الاختيار" وكتب السيناريو ل 11 فيلما من افلامه كان أولها في 1951 وهو فيلم "ابن النيل" من اهمها "صراع في النيل" و"اسكندرية كمان وكمان" و"المهاجر" و "المصير" ، يوسف شاهين متزوج من السيدة"كوليت" منذ عام 1957 و قد استعرض "شاهين" في فيلمه "حدوته مصريه" عام 1982 الحادث الذي تعرضت له زوجته و كانت بالنسبة له صدمه شديدة حتى اننا نجد شخصيه "يوسف شاهين" وحياته الواقعية مسيطرة تماما على اعماله فهو المخرج الذي لم ينفصل يوما عن ذاته في اى عمل من اعماله ، وقد تعرض يوسف شاهين لوعكات صحية في الفترة الاخيرة الماضية واصيب بارتفاع في ضغط الدم والتهاب رئوي وذلك لافراطه في التدخين واجريت له عدة جراحات ، ومع ذلك مازال هو المشاكس المصادم المحرض والمحرك لنفسه وللآخرين.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش