الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * * الحلقة الثانية والاربعون

تم نشره في الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * * الحلقة الثانية والاربعون

 

 
خلافات وتناقضات بين القيادتين العسكرية الامريكية والبريطانية بالسعودية ،
كيف سرق لص حقيبة وجهاز كمبيوتر من سيارة بريطانية تحتوي على خطط موجزة لحرب الخليج؟
الامريكيون قدموا لصدام المعلومات والاسلحة البيولوجية بالتعاون مع الالمان لمهاجمة ايران
إن القوّة العسكرية ، مع كلّ العذاب المتوقّع والخسارة البشرية التي ستنتج عنها تُعتبر بكلّ المقاييس أفضل أخلاقيًّا من الخسارة البشرية التي ستنتج عن نزاع نووي مستقبلي في الشرق الأوسط
إذا كان صدّام يستطيع الاستيلاء على مدينة خاوية مثل الخفجي ويعتبرها نصراً ، فإنه يخسر العديد من الرجال لاجتياح مدينة لا أهميّة لها

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

وفي المغرب حصلت تظاهرات مؤيّدة للعراق. وتحوّلت الجموع في الجزائر إلى تظاهرات عفويّة وهي دائماً بمثابة تهديد في العالم العربي عندما تكون حقيقية ومن تدبير الحكومة لدعم العراق. وقد رُسًمت على الجدران الضخمة صواريخ صدّام حسين التي هدّد بإلقائها على إسرائيل والتي سيطلقها عليها خلال شهور.
على مقربة من حدود الكويت ، اكتشفَت وحدة العمليات الخاصّة الحادية والعشرين ـ وهي قوّة سرّية أمضت الوقت في استطلاع اللاجئين الكويتيين وشعارها شيطان من الغبار يظهر من خلال العاصفة الرملية ـ أنّ هناك مناطق واسعة من الكويت غير موجودة على خرائطها.

القوافل الأميركية
فقد بنت الثروة المتدفّقة في الكويت شوارع جديدة ومدناً أخرى بسرعة أكبر مما يستطيع أيّ رسّام خرائط تسجيلها.
ليلاً ونهاراً ، كانت القوافل الأميركية الكبيرة تنشط على الخط السريع السادس باتجاه الحدود الكويتية بمدرّعاتها ومدافعها وناقلات الجند ومعدّات بناء الجسور والدبّابات وشاحنات الذخيرة وسيّارات الجيب والدوريات. كان هناك سرب من طائرات الهليكوبتر الخضراء القاتمة ، ينساب فوق الرمل ويتبع الطريق شرقاً وهو ينوء تحت ثقل المدفعية والصواريخ والمولّدات وحتى البيوت الجاهزة التي يحملها. ودى الجيش المتقدّم إيقاع خالص وطاقة وجدّية في التصميم ، لا يستطيع أيّ مدير في هوليود إنتاجها. في نهاية تشرين الأول ـ أكتوبر كانت القوّة المتعددة الجنسيّات منتشرة عبر الصحراء وكانت الأرض ممهّدة ومغطّاة بآلاف السيّارات المدرّعة ومراكز القيادة ومواقع الصواريخ والمعسكرات ، ومواقع مدفعية مموّهة بأسطول من الجرّافات التي تقيم تحصينات في الصحراء. كان غبار مئات الطرق العسكرية يملأ الجوّ ، بينما يجلس عشرات الألوف من الجنود المفترض بهم المدافعة عن السعودية.
كم من الوقت يستطيع بوش وتاتشر الادّعاء أنّ هذا هو جلّ ما يتمّ القيام به.
كان هناك العديد من الجيوش العربية المسلمة منتشرة عبر الصحراء السعودية لتشكّل الأساس الروحيّ لــــ "لتحالف" ، وكانت بمثابة دليل على أنه ليست هناك عملية أميركية من أجل النفط وأنّه ما من تضحية كبيرة بالنسبة إلى الغرب. عندما ظنّت النساء السعوديات أن الوجود الأميركي في المملكة يمثّل حريّة جديدة ، تظاهرن في الرياض ضدّ منع النساء من قيادة السيّارات ، وظلّت واشنطن صامتة عندما عوقًبن.
وعرضت البي بي سي شريط فيديو لجنود بريطانيين في الصحراء يحتفلون يوم الأحد بالذكرى السبعين لانتهاء الحرب العالمية الأولى حتى لا يشعر السعوديون بالإهانة لرؤية إقامة صلاة مسيحية على الأرض الإسلامية ، وقد طُلب من الجنود الأميركيين عدم ارتداء الصلبان أو نجمة داود بشكل علني.

الشرطة الإسرائيلية
عندما قتلت الشرطة الإسرائيلية 19 شاباً فلسطينياً في تظاهرة القدس في تشرين الأول ـ أكتوبر ، ردّت الصحافة السعودية والعربية الأخرى على عملية القتل ووصفتها بالمجزرة ، وهي كانت بالفعل مجزرة ، وقد وصفها وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر بأنها "مأساة". في حال أقدم جنود بلد عربي على قتل 19 يهودياً ـ وكم مرّة يجب على المرء إجراء هذه المقارنات؟ ـ هل كان بيكر وصف الأمر بالمأساة؟ هل كان أحدهم فعل؟ عندها ، لكانت الوكالات تحدّثت بحقّ عن المجزرة ولكان تمّ تحجيم العرب بدعوتهم إلى ضبط النفس. لم يحصل رابط على الإطلاق.
وكيف نستطيع بهذه السهولة التخلّي عن الحلفاء العراقيين السابقين ـ الرجال الذين ساندناهم بقوّة في غزوهم لإيران ـ وتحويلهم إلى أعداء؟ كنت مصدوماً في تلك الليلة الباردة في الصحراء مع أفراد فرقة الخيّالة الملكية الإيرلندية الذين يعود تاريخهم القتالي إلى أكثر الكوارث البريطانية مأساويةً (ھ)،
أخذني المجنّد كيفن ستيفلي ـ الذي لم يتحدّث أبداً إلى سعودي ، ولكنه استنتج بذكاء أن الأمر يتعلّق بالنفط وليس بالديمقراطية ـ إلى دبّابة شالنجر خلف الكُثبان وكنت أحبّ التسلّل إلى هذه العوالم الخاصّة.
رافقته في الدبّابة وصعدت إلى البرج متعلّقاً بالكوّة كالحيوان الذي يلتصق بالرمل. اكتشفت أن ستيفلي يتولّى قيادة سفينة كاملة. مالت دبّابة الشالنجر ذات البرج العالي وانحرفت نحو الصحراء مثل سفينة كبيرة تغطي صناديق الذخيرة مقدّمتها.

رذاذ ماء بحري
وانساب الرمل من النتوء مثل رذاذ ماء بحري كان محتّماً علينا مثلما هو محتمّ وجود خطّ مستوْ على خارطة ملاحة خارطة بحرية.
لكن عندما يجلس الجنود في معسكراتهم حول النار في الليل ، كانوا يحبّون الجلوس باتجاه الغرب بعد غياب الشمس بفترة طويلة ، لأن الأعداء العراقيين كانوا في الغرب.
كانت عقليّتهم وعقليّتنا طبيعية بقدر ما كانت مُعدية. منذ عشر سنوات تقريباً ، وربّما حتى اليوم ، كان العراقيون يدخلون مدينة خرمشهر الإيرانية متقدّمين فوق أنقاض المنازل المحترقة تحت قصف المدفعية.
وكنت مع هؤلاء العراقيين. حينها كنّا نتقاسم معاً الأخطار نفسها ، ونختبئ في المواقع العسكرية ذاتها.

الكوماندوس العراقيون
وقد وضعنا ، جون سنو وأنا ، ثقتنا بهؤلاء الكوماندوس العراقيين والرائد الذي ساعد في إنقاذ البريطونيّين على متن سفينة التنّين في نهر شط العرب. كانوا أصدقاءنا وجزءاً منّا.
عندما انطلق جون في مهمّته الإنقاذية الليلية الخطرة إلى السفينة ، لم يكن هناك أدنى شكّ في مَن نكون، نعم هم كانوا عندئذْ نحن. والآن ونحن جالسون مع هؤلاء الجنود البريطانيين ، أصبحنا نحن هم.
وكان المجنّد ستيفلي يتساءل إذا كانوا سيلقون قنابل كيميائية علينا. وبدون شكّ اعتقدت أنه في مكان ما عبر ذلك المحيط الكبير والمخيف أمامنا في الرمل الذي لم يكن في الواقع يتجاوز 300 كلم ، كان هناك بعض قُدامى حرب خرمشهر بمن فيهم الرائد الذي شكرناه بحرارة ، جون وأنا ، منذ عشر سنوات.
إذا نسينا إنسانية العراقيين ، كان من السهل أيضاً بالنسبة إلينا تجاهل مشاعر السعوديين وانفعالاتهم ، أولئك الذين سيطلق وجودنا العقال لتأزّمات في مجتمعهم.
وخلال هذه الأشهر الأخيرة قبل تحرير الكويت ، غالباً ما أصبح السعوديون لاعبين صغار في مأساتنا ، لوردات مساعدين يفترض بهم التفوّه بعبارات التأييد والولاء المناسبة تجاهنا والكراهية للقيادة العراقية.
عندما أكّد وزير الدفاع الأمير سلطان بن عبد العزيز أنه لن يحصل أيّ هجوم من الأراضي السعودية ضدّ الأخوة العراقيين ، استدعى الرئيس بوش السفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان لتفسير هذا التحوّل عن المخطط. وحصل انزعاج مماثل عندما صرّح الأمير سلطان في أواخر تشرين الأول ـ أكتوبر بأن السعودية إذ ترى أن على العراق الانسحاب من الكويت ، فإنها سوف تساند أيّة مطالبة عراقية مُحقّة بأراضْ في الإمارة. في أواخر تشرين الثاني ـ نوفمبر 1990 ، تلقيت اتصالاً في فندق الظهران من إمام مسجد قريب كنت من وقت لآخر خلال الأشهر السابقة أمّر للحديث معه.
عندما وصلت إلى المدرسة الفارغة قرب المسجد ، كان الشيخ منفعلاً بشكل واضح حول موضوع كان يناقشه مع مجموعة من الرجال الملتحين المتوسّطي العمر كانوا يجلسون بلباس أبيض في غرفة خلفية. اعتقدت أنه يريد مناقشة احتمالات الحرب ، لكنّ ما سأله كان: "متى سيرحل الأميركيون؟".

المئذنة الإسمنتية
لم يكن الشيخ راديكالياً. كانت خُطبه التي تبثّ عبر مكبّرات الصوت من المئذنة الإسمنتية قرب جامعه ، تردّد الحاجة إلى الهدوء في أثناء الأزمة. "لكنّهم الآن هنا منذ أكثر من ثلاثة أشهر ولم يحصل شيء. وقالت حكومتنا إن الأميركيين سيرحلون عندما تنتهي الأزمة. صدّقنا ذلك ، ولا نزال. لكن أعتقد أننا نصدّق ذلك لأننا نريد تصديقه". سمع الشيخ كلّ الإشاعات. كان رجال الأعمال في جدّة يتبجّحون بصمت أنهم أمّنوا عقوداً مدّتها خمس سنوات لتأجير أراضْ للقوّات العسكرية الأميركية المتمركزة في المملكة. وفي الظهران قيل إن الأميركيين أخذوا عقوداً لسنتيْن على مواقف السيّارات والمخازن وتسهيلات النقل. وكانت سفن الشحن الأميركية تُحضر معدّات بناء وأسلحة. بالنسبة إلى الأميركيين والإنكليز الغرباء لم تكن العادات والتقاليد الخاصّة بالمجتمع السعودي واضحة.... كانت الصحافة السعودية تعلن بملل تصميم الرئيس بوش على طرد صدّام من الكويت.
وعندما زار بوش السعودية في تشرين الثاني ـ نوفمبر 1990 ، قام المتعهّدون المحلّيون بنشر إعلانات على صفحات كاملة في صحف الرياض تمتدح قراره إرسال قوّات أميركية للحفاظ على السلام والحرية وحمايتهما والدفاع عنهما في هذا الجزء من العالم. لكن الشيء الآخر الأكثر أهمّية هو أن هذه الرسائل سُمعت الآن في السعودية.

انتفاضة حماه
وكان المئات من اللاجئين السوريين الفارّين من انتفاضة حماه التي قُمعت بقسوة عام 1982 عندما سحق جيش الأسد الثورة السنّية المتوحشة ، يعيشون الآن في السعودية وقد أثّرت ذكرياتهم تأثيراً عميقاً في أعضاء الطبقة الدينية.
وقد قام الداعية سليمان العودة بطبع خطاب مسجّل معروف بــــ "سقوط الأمم". فبينما تحدّثت خطبته الاحتفالية ظاهراً عن أسباب انحلال الأمم ، عرّفت الفساد ومحاباة الأقارب وفقدان حرية التعبير وعدم وجود مجلس شورى استشاري ، على أنها أسباب رئيسية للانهيار الوطني.
وقد فهم المستمعون فوراً أنه كان يتحدّث عن آل سعود. وبعد فترة قصيرة من حظر الشريط ، أعلن الملك فهد للمرّة الثالثة في بضع سنوات أن خطط إنشاء مثل هذا المجلس باتت في مراحلها النهائية. وقد ألغى العودة ، الذي كان عميد جامعة محمد بن سعود في القصيم ، خطبته في أوائل أيلول ـ سبتمبر 1990 وجرت مصادرة تسجيلات الخطبة على الفور (ھ).

الفلسفة المسيحية
إزاء ذلك استمع السعوديون فقط إلى أمرائهم ، والوعود التي لا تنتهي حول الحرية والحماية من قبل الزعماء الغربيين ، وتصريحات الذين يعرّفون الفلسفة المسيحية كعربة لجعل أي حرب مستقبلية مقبولة.
وقد أعلن أسقف كانتربري أنها ستكون حرباً عادلة بينما تحدّث أساقفة آخرون بالتفاهة نفسها التي ستستخدم لشنّ الغزو غير القانوني على العراق عام 2003. وأعلن الأسقف إدوارد نورمان عام 1990 ( وهو عميد معهد كنيسة المسيح في كانتربري) أن العراق يحتاج إلى تدمير ، كونه يشكّل تهديداً نوويًّا ، بينما يستمرّ كدولة يمكن أن تكون مساهمتها بالنسبة إلى العالم والمجتمع العربي قيّمة جدّاً.
وكتب لاحقاً: "إن أسلحته النووية ستكون جاهزة. ولدى العراق القدرة على إطلاقها... إن القوّة العسكرية ، مع كلّ العذاب المتوقّع والخسارة البشرية التي ستنتج عنها تُعتبر بكلّ المقاييس أفضل أخلاقيًّا من الخسارة البشرية التي ستنتج عن نزاع نووي مستقبلي في الشرق الأوسط.
إن خسارة أرواحْ في الحرب الآن سوف تحول دون خسارة الملايين من البشر بعد بضع سنوات ، وهذا بالتأكيد استنتاج مسيحي خالص... إن مجتمعاً يضع الرفاهية المادّية والبشرية فوق صناعة قًيَم أعلى وأكثر استمرارية ليس تصوّراً سامياً وهو على أيّ حال تصوّر سيتخطّاه الذين يؤمنون حالياً بقًيَمهم".
بعيداً عن تبريراته غير العادية المشابهة للحرب القادمة والتي هي واحدة ضدّ العراق ، فإن القسم الثالث من هذا البحث الجزئي تحدّث عنه أسامة بن لادن ، لكن هناك طرافة أخرى موازية لغزو العراق عام 2003 وهي تتمثل في العلاقة غير المتساوية بين واشنطن ولندن. وفيما حمل الدعم الذي عبّرت عنه مارغريت تاتشر ، ولاحقاً جون مايجور ، لتحرير الكويت قليلاً من التذلّل ، فإن الحماس الروحي والنفسي الذي أبداه طوني بلير لغزو العراق ، ودور بريطانيا كخادم مطيع لصانع القرار العسكري في واشنطن ، كانا واضحين قبل بدء الحرب عام 1991 بفترة طويلة.

الوحدة المدرّعة
ميدانياً بدا التحالف الأنجلو ـ أميركي مؤثّراً. كان ضابط اتصال الوحدة المدرّعة متمركزاً الآن في الصحراء في مقرّ القيادة التكتيكي للجنرال ميخائيل ميث ، قائد فرقة مشاة البحرية الأولى الأميركية.
وقامت قوّات البحرية الأميركية والبريطانية بتدريبات دفاعية وهجومية بإشراف القائد البريطاني العميد باتريك كوردنغلي.
وقد ناقش اللفتانت جنرال سير بيتر دولابيلير القائد الأعلى للقوّات البريطانية في الخليج مجموعة من السيناريوهات الهجومية مع شورازكوف في الرياض ووافق عليها. وسوف تلعب الدبّابات البريطانية دوراً رئيسياً في العمليات الهجومية البحرية الأميركية. ولقد حان وقت الخلاف ، وسوف تفقد بريطانيا قدرة اتخاذ القرار.
ذلك أن التخطيط شيء والتنفيذ شيء آخر. وسوف تحوّل القيادة القومية في زمن الحرب ، القوّة المتعدّدة الجنسيّات إلى فوضى. وقد ناقش دولابيلير موقع بريطانيا في شبكة القيادة والمراقبة خلال زيارة للسعودية قام بها وزير الدفاع البريطاني توم كينغ يوم 14 تشرين الثاني ـ نوفمبر حين اعترف بالدور الرمزي للسعوديين والدور العسكري للأميركيين. "القائد الأعلى هو الأمير سلطان ، صلاحيّاته وصلاحيّات الجنرال شوارزكوف تتفق مع احتياجاتي في ما يتعلّق بالخدمات التي يشترك فيها الإنكليز. إن القوّات البرّية والجوّية البريطانية تحت السيطرة التكتيكية للأميركيين) (ھ)".

القيادة الأنجلو ـ أميركية
وبحسب مصادري فقد لوحظ ضمن القيادة الأنجلو ـ أميركية أن العلاقة بين البريطانيين والأميركيين لم تكن متقاربة أو موضع ثقة متبادلة كما أُريد للعالم أن يعتقد.
كان ذلك واضحاً بشكل خاصّ عندما وصلني نبأ خلال عطلة الميلاد في باريس مفاده أن لصّاً سرق حقيبة وجهاز كمبيوتر يحتوي على خطط موجزة لحرب الخليج من سيّارة للجيش البريطاني في أكتون غرب لندن.
واستناداً إلى مصدر معلوماتي ، كانت المستندات بحوزة ضابط كبير في الجيش البريطاني ، كُشف لاحقاً أنه القائد دايفيد فاركهار ، ضابط العديد التابع للسير باتريك هاين ، الرئيس المباشر لدولابيلير ، وقد أخذها السارق من السيّارة بينما كان فاركهار متوقفاً لمشاهدة سيّارة مستعملة في معرض أكتون. وقد رمى اللصّ المستندات التي وجدت بعد بضع ساعات ، بينما احتفظ بالكومبيوتر لبيعه ، غير عابئ بأنه يحتوي على معلومات عسكرية. ولكنّ أخطر ما في ذلك هو أن البريطانيين لم يبلغوا الأميركيين بالسرقة.
أرسلتُ إلى صحيفة الإندبندنت قصّة غير عادية ، لأبلغ فقط أن الحكومة البريطانية أصدرت "التعميم"D حول المعلومات على أمل منع وصولها إلى الصحافة ، وأن رئيس التحرير ماتيو سيموندز وافق على الالتزام بالطلب وإبقاء القصّة سرّية.
كان سيموندز أحد المؤسّسين الثلاثة لصحيفة الإندبندنت وكان من الشخصيات الأكثر مغامرة في تاريخ الصحافة البريطانية ، وقد أنشأ صحيفة لا تخضع لسلطة بارونات الصحافة أو الحكومة.

حماس رومنسي
ولم يخضع أندرياس ويتام سميث أبداً للضغط ، لكن سيموندس الذي بدأ يُظهر حماساً رومنسيّاً مربكاً للحرب فشل في إدراك أن التعميم D لم يُصدر بشكل أساسي لأسباب أمنية بل لمنع الجانب الأميركي من المعرفة بالسرقة. لذا أبلغتُ الموضوع إلى زميل لي في صحيفة يرتش تايمز الصادرة في الجمهورية الإيرلندية ، وغير المعنية بإثارة الانتباه ، عندها ضجّت الإدارة العسكرية ونشرت على الفور التقرير حول السرقة. وقال أندرياس لي عندما عاد إلى المكتب من إجازته وعند عودتي إلى السعودية: "ما كنتُ لأسمح للتعميم D بإيقافنا". وقد كشف ذلك عن شرخ مهمّ في إدارة صحيفتي ، شرحه أندرياس بنفسه في صحيفة الأحد بعد مضيّ ستّ سنوات. وإن الشيء الوحيد الذي ندم عليه بحسب قوله هو: "أنّ سيموندز أقنعه بوجهة نظره حول حرب الخليج المخالفة لوجهة نظري. أتمنّى لو أنني أدرت سياسة الصحيفة على نحو جعلها مناهضة للحرب ، لكن ماتيو والجميع أقنعوني بعدم القيام بذلك لأنهم لا يوافقون على وجهة نظري".
والأمر الأكثر أهمية ، كان تأكيد مبلّغي أن السبب الحقيقي للتعميم D كان إخفاء السرقة عن حلفاء بريطانيا الأميركيين. واعترف دولابيلير De la Billiڈre في تقييمه الشخصي لحرب الخليج بأن الأميركيين تُركوا في حالة جهل من قًبَل البريطانيين وأنّ الإفشاء الذي صدر في الأيريش تايمز والذي كان ليظهر في الإندبندنت لو كانت الأخيرة تحت رئاسة تحرير مغايرة في ذلك الأسبوع ـ سبَّب الارتباك السياسي نفسه الذي تسبّبه الصحف عادة في مجال الكشف: "لقد وضعني هذا الخبر في موقف شيطاني مُحرج.
بماذا كنت لأبلغ نورمان شوارزكوف؟ لو لم أقل شيئاً ، لكان بالتأكيد سمع عن السرقة من مصدر آخر. ولما كان الأمر بهذه الأهمّية الكبيرة ، اقترحت أن يسافر بادي هاير لإبلاغ الــــ CinC شخصياً ، وهذا ما وافق على القيام به.

وزارة الدفاع
في الوقت نفسه سافر معي رئيس الأركان في وزارة الدفاع السير ريتشارد فينسينت إلى واشنطن لإبلاغ كولن باول بدرجة خطورة الحادث بمجمله ، ودرجة نسفه للعلاقات الأنجلو ـ أميركية".
بدا شوارزكوف مرتاحاً للأخبار استناداً إلى دولابيلير مع أن مذكّرات الأخير الحديثة تكشف سرّاً صغيراً آخر بقي مخفياً عن واشنطن حتى الآن، فحسب دولابيلير إن الطبخة رقم 2 "Cock up No2 جاءت عندما طُلب مني إبلاغ نورمان شوارزكوف أننا معه حتى النهاية مهما حصل ، واكتشف فيما بعد أن الوزراء البريطانيين لن ينتدبوه ـ أنظمة التدخّل - لإرسال الطائرات للردّ السريع على أية ضربة عراقية وقائية" (ھ).
جاء عيد الميلاد هذه المرّة وأنا في حالة اضطراب.. لقد كان صديقي وزميلي تيري أندرسون لا يزال رهينة في لبنان بيد رجال يطالبون بإطلاق سراح سجناء حزب الدعوة في الكويت ـ ذلك في حال كان هؤلاء لا يزالون في السجن. وبما أنني كنت قادراً على الإبقاء على بعض الاتصالات مع تيري عبر خاطفيه ، سافرت إلى نيويورك لأتحدّث مع رئيس تيري في الأسوشيتد برس ، لويس.
دى. بوكاردي ـ وهو رجل صغير أنيق لديه عادة غريبة في التحدّث مع زوّاره على أنغام الموسيقى التي يرفعها عالياً في مكتبه ـ ومع صديق تيري دونالد. س. ميل الثالث ، كما كنّا نسمّيه ، وهو كان مصوّر تيري في بيروت. وقد أخذني إلى عشاء لا يُنتسى تناولنا خلاله ديكاً روميّاً في صالة قوس القزح في مبنى GE في مانهاتن.

دعوات عشاء
ومع ذلك أقول (للذكرى) إنه مثل معظم دعوات عشاء ميل في بيروت ، كان من الصعب تذكّر الجزء الأخير من ذلك العشاء. وعلى الرغم من أنه لم يكن رقيقاً كما كان في أيام الحرب السريعة في لبنان ، كانت لدى ميل المقدرة المربكة على جذب أجمل المضيفات عندما يدخل المطعم: تأثير يبدأه بابتسامة ماكرة.
وكان يقول عندما نجلس: "فيسكي ، ستكون هناك حرب ، والولايات المتحدة الأميركية القديمة سوف تكسب كالعادة" ، أتذكر لبنان؟ ، أتذكر الفوضى الهائلة التي كانت؟ ، حسناً أنا متأكّد أننا سنفعل الشيء نفسه في العراق أيضاً". ربّما كان يتكلّم عن أحداث سوف تقع بعد 13 عاماً ، غير أنه بالنسبة إلى عشرات الآلاف من العراقيين ـ على الأقلّ نصف مليون إذا أردنا تضمين عاقبة المرحلة الطويلة لحرب 1991 ـ فإن تقديراته كلّها ستكون دقيقة جدّاً.
كان ميل مسافراً أيضاً إلى الخليج لتحرير الكويت ـ ولم نشكّ في أن ذلك سيحصل ـ وشربنا الشمبانيا معاً وأمامنا مبنى الإمبايرشيت يشعّ بألوان العلم الأحمر والأبيض والأزرق ، ومركز التجارة العالمي يشعشع على قمّة منهاتن.
اتفقت أنا وميل على أن تأثير التحرّكات الأميركية في الشرق الأوسط مصيره في نهاية الأمر أن يطارد العرب ، وتحدّثنا أيضاً حول هذا العشاء غير العادي ، لكننا لم نخمّن أن الانفجار سوف يحدث بعد أقلّ من 11 سنة وعلى بعد أقلّ من أربعة أميال. عدت إلى سعودية باردة الطقس ، رطبة وموحشة. لقد عبر الثلاث مئة لاجئ كويتي الحدود منذ فترة طويلة ، وقلّص العراقيون عدد مواطني محافظتهم التاسعة عشرة الأصليين إلى ثُلثي ما كانوا عليه قبل الغزو.

الأسلحة الكيميائية
لقد قدّم لصدام الأميركيون المعلومات والأسلحة الكيميائية (بالتعاون مع الألمان) وزوّده الروس بمعظم المدرّعات ، لكنّ السعوديين قدّموا المال بسخاء.
توقّفت قليلاً لبضع ثوانْ عند الــــ 80 سنتاً الموجودة في نهاية الفاتورة ، وهي إضافة توحي أن ذهنية غريبة الأطوار تعمل في وزارة المالية السعودية. دعاني أحد ضبّاط الهجرة السعوديين في مطار الظهران إلى العشاء في خيمته الصحراوية التي بدت مكاناً جيّداً لمراقبة رمال السلام تنفذ في جنيف (إشارة إلى فشل محادثات اللحظة الأخيرة في جنيف ـ المترجم).
صبّ محمد الشاي الساخن المُحلّى ، وقام عبدالله بتوزيع أطباق الموز والعنب والجزر. وظهر جيمس بيكر على شاشة تلفزيون بالأبيض والأسود في إحدى زوايا الخيمة العربية التي كانت مكاناً جيّداً لسماع الأخبار.
كنّا هناك محاطين بستة سعوديين بلباسهم الأبيض والبنّي وكوفيّاتهم ، متمدّدين على سجّاد ملوّن ، مُتّكئين على سروج جمال نأكل الدجاج المليء بالتوابل والشيش كباب ، بينما العبور إلى الحرب يجري أمامنا. عندها نظر بيكر فجأة نحونا وتلفّظ بهذه الكلمات الهامّة: "بكلّ أسف أيها السيّدات والسادة" ، كلمات مجوّفة مرعبة ، كان يجب أن ترعبنا جميعاً ، لكنّ السعوديين نظروا إلى الشاشة بالاهتمام نفسه الذي أبدوه لاحقاً لوضع شريط فرقة راقصة.

الشاشة القديمة
وعندما أعلن وزير الخارجية الأميركي وصورته تصعد وتهبط على الشاشة القديمة الكبيرة ، حكمه القاتل "خلال ستّ ساعات لم أسمع شيئاً يوحي إليّ بأيّة مرونة عراقية من أيّ نوع". فقط ، الشقيق الأصغر لمحمّد اهتمامه ، ورفع يديه إلى مستوى كتفيه على شكل رجل يستسلم ، ثم قال: "إذن ستكون هناك حرب ، ماذا يمكن أن نفعل؟".
ربّما كانت هذه هي الطريقة التي تنظر بها القبائل إلى الكوارث منذ مئات السنين ، متمدّدين على سجّاد ، يقطعون أرجل دجاجة ، بحماية سقف من القماش. كان موقد من الفحم مثبتة أرجله بقوّة في التراب يتوهج أمامنا.
وقام محمد وعبدالله بتوزيع المزيد من الشاي والفاكهة ، وأبدى الآخرون اهتماماً أكبر ببيكر الآن. قال خالد ، وهو شاب ضعيف بلحية خفيفة: "عندما يبدأ ذلك سوف أحزم أمتعتي وأرحل".
جهّز محمّد تلفزيونه بلاقط من صنع محلّي ، يلتقط بثّ السي إن إن المباشر من غرفة المؤتمر الصحفي في جنيف.
كانت الإشارة ضعيفة ، لكننا كنا نستطيع قراءة كلمات: "أوتيل إنتركونتيننتال ـ جنيف" على اللوحة أمام بيكر والاستماع إليه يشرح لماذا لا يستطيع القبول بالربط بين أزمة الخليج والصراع العربي ـ الإسرائيلي ، بالنسبة إلى رجل غربي كان كلام بيكر منطقيًّا. فبعدما أكّد الأخير أن العراق يواجه 18 دولة ، إضافة إلى الولايات المتحدة قال: "الخيار الآن بيد القيادة العراقية".
لكن عندما ظهر وزير الخارجية العراقي طارق عزيز على شاشة التلفزيون جذبت لُكنته العربية انتباه الجميع في الخيمة الصغيرة ، وكانت كلمات بيكر بشكل ما أقلّ إقناعاً ، ليس لأن الحقّ إلى جانب العراق ـ الجميع يوافق أن صدّام حسين كان رجلاً سيّئاً ـ لكنّ بيكر أميركي وعزيز عربي مثل السعوديين الستة. سألت محمّد لماذا كان السعوديون لفترة طويلة أصدقاء صدّام المقربين؟ هل وثقوا به فعلاً وبوزير خارجيته طارق عزيز؟ ألم يصدّقوا التقارير حول استخدام العراق للغاز السامّ في الحرب ضدّ إيران؟ أو كانوا أصدقاء فقط لأن صدّام عربي ، أو بشكل أدقّ عربي قويّ ، قوّته مُهابة ومحترمة أيضاً؟ فجاء ردّ عبدالله: "أُبلغنا في صحفنا ـ من حكومتنا ـ أنه كان رجلاً جيّداً.
الحكومات تقول دائماً ما تريد وعلى شعبها أن يفهمه. هذا ما حصل ، لم نُبلغ بالحقيقة" ، ثم توقّف لبضع ثوانْ وقال: "لكن سوف أفعل أي شيء تطلبه مني حكومتي". هنا دخل أحد السعوديين إلى الخيمة ومعه صينية عليها زجاجات الويسكي ، ربّما نصف دزّينة ، وقام محمّد بصبّها في أكواب صغيرة.
لم أستطع تصديق ذلك: ويسكي جاك دانيالز ، وجوني ووكر ، وجينسون ابتسم محمّد وقال: "صادرناها من مسافرين يحاولون تهريب الكحول عبر المطار". لقد شرب الضيوف كمّية كبيرة من الكحول وكانوا يعبّون المشروب كما لو أنه عصير وليس كحولاً. السعوديّون لا يعرفون كيف يشربون.
أدركت أن هنالك خطأ ، عندما سألت عبدالله إذا كان يعتقد حقيقة أن الأميركيين سيغادرون السعودية ، عندها وقف خالد فجأة وأعلن بغضب: "لن أبقى في هذه الخيمة هنا ، إذا استمررت في هذه المناقشة". كانت لحظة قاتمة ومتوتّرة كما لو أن الكارثة التي ظهرت على تلك الشاشة المرتعشة دخلت أخيراً عقول السعوديين الستّة محدثة نوعاً من الفوضى في الخيمة. وسأل محمّد ما إذا كان يجب أن يحصل الأكراد على دولة ، فردّ خالد وقد احمرّ وجهه: "لماذا يجب أن يحصلوا على دولة؟".

الخيمة
غادر الخيمة بالفعل ورداؤه يتأرجح في أثره حتى خرج محمّد وأقنعه بالعودة. وصل رجل آخر مع زوجته ، وهذا خرق غير متوقّع للعُرف والتقليد ، الذي يسمّيه العديد من السعوديين الأخلاق. كانت امرأة سوداء الشعر ، تبتسم بلطف ولا ترتدي الحجاب ، لكنّها جلست بصمت إلى جانب زوجها في زاوية من الخيمة ، واضعة شالاً أسود على كتفيها. تحدّث الرجل بنشاط ، وكان محمّد يؤكّد طيلة الوقت أنه لن يغادر بيته إذا ما حصلت الحرب. وسأل: "إلى أين أذهب؟، ، ما هو المقصود؟ الحرب يمكن أن تصل إلى أيّ مكان".
على الشاشة كان دان راثر يبلغنا الآن بحتمية الحرب ، ويتحدّث عن قصف واسع للقوّات العراقية ، وضربات جوّية مدمّرة ، وشلّ للقدرة العسكرية العراقية ، وأنا جالسّ بين هؤلاء السعوديين ، بدت لي كلماته مُشينة وغير طبيعية.
كان رجلاً غربيّاً ، يتحدّث بطريقة عشوائية عن احتمال الموت العنيف لآلاف العرب المسلمين على يد أميركا. وكان السعوديون يستمعون إلى ذلك بانزعاج كبير وكذلك فعلت أنا. كانوا كمن يبدأ بالتهام الثمار السامّة وهو على وشك اختبار نوايا قاتله.
كان يمكن أن يتحدّثوا عن ذلك ما لم يتسلّل من خلفنا عبر الجدار الأخضر الهشّ للخيمة ، هدير صوت طويل ، مستمرّ ومتزايد تدريجياً بعمق وزخم.
عرفنا جميعاً ماهيّته. كان هديره يدخل كلّ جزء من الخيمة مُضعفاً صوت راثر وجاعلاً الصورة تقفز بتوتّر حتى صُمّت آذاننا ، وكنّا جميعاً نألف هذا الصوت الصادر عن إحدى طائرات النقل العسكرية س5 C5 للرئيس بوش في مرحلة اقترابها الأخير من أقرب قاعدة على مسافة 30 متراً فوق رؤوسنا مالئةً خيمتنا الضعيفة بضجيجها.

الحدود الكويتية
في الأيام الأخيرة قبل المجزرة كانت القيادة على الطريق السريع إلى الحدود الكويتية لا تزال ممكنة. كانت أيام صخب وسخرية. وكانت سحب الغبار تخيّم على طول الشاطئ وتنفث الدخان الأبيض الذي يتصاعد بطريقة ودّية من المداخن في محطّة الطاقة الكويتية. كنت تستطيع رؤية ذلك بكل وضوح من الحدود السعودية ، حيث المحطّة العاملة ببياضها الباهت والمدخنتيْن التوأميْن ما زالت تزوّد بالكهرباء الجنود العراقيين المحتلّين والمواطنين الأسرى على الجانب الآخر من الحدود. ودلّ ذلك على أن الأوضاع طبيعية ، والحياة مستمرّة بشكل اعتيادي. في أسفل التلّة عند مركز الجمارك المهجور ، وجدت باكستانياً على عتبة دكّانه ، حيث الرفوف نصف فارغة قال لي أن لا مجال لإعادة التخزين.
وعند زاوية الملعب قرب البحر ، وقف رجل بلباسه الأبيض مع زوجته المتشحة بالسواد وابنهما الضعيف.
وإن تمّ استثناءهم من المشهد ، قد يبدو لك هذا اليوم مثل أيّ يوم ممطر في الجبهة البحرية في "مارغات" أو جزيرة "كونَي". ولا أثر لنصف مليون جندي عراقي على الجانب الآخر للحدود. وعلى هذا الجانب يوجد رجل غربي ضخم بنّي الشعر في سيارة بيك آب رجلّ من العصر الفيتنامي ، غير قادر على إخفاء كرشه تحت الجاكيت ، ينظر نحو الكويت ممثّلاً النصف مليون أميركي وحلفاءهم. تجوّلت في الخفجي ، لكنّ حقيقة النزاع العربي غائبة عن الذهن.
لقد هرب معظم النساء والأطفال ، وكان بعض الجنود السعوديين يُجرون مكالمات مع عائلاتهم من مركز البريد المحلّي ، وعلى جهاز التلفزيون في قاعة الانتظار في فندق شاطئ الخفجي يُعرض فيلم حربي يتابعه شرطي بانتباه. كان عليَّ القيادة عبر الطريق الفرعية قبل أن أجد دورية من الجيش الأميركي مؤلّفة من ثلاث سيّارات ، كان جنودها يرتدون الخوذات ، ويجلسون على مقاعد عالية في العربات المصفّحة ، ويحترمون حدود السرعة ويتوقّفون عند الإشارات الضوئية.

محطة الطاقة الكويتية
لمدّة شهور راقبت المدرّعات تعبر الطريق السريع: أصبح المشهد مألوفاً مثل محطة الطاقة الكويتية ، بحيث اكتسب ديمومته. يمكنني التصوّر أنه لستّة أشهر أخرى وحتّى لفترة سنة ستظلّ الدبّابات والمدافع تتقدّم على هذا الطريق ، وسيظلّ هذا البوش يهدّد بطرد العراق من الكويت ، وستظلّ محطة الطاقة تنفث دخانها الأبيض كما لو أن الاستعدادات للحرب أبديّة كالصحراء.
في اليوم الذي سبق بدء شوارزكوف قصفه للعراق ، كتب إلى زوجته في 17 كانون الثاني ـ يناير 1991: "أصدرت للتوّ الأوامر الرهيبة التي ستجعل الوحش يخسر".
وكان الصحفيون الأميركيون مُحبطين تقريباً ، ومثل الصحافة البريطانية ، كانت الصحف الأميركية الكبرى تروي لقرّائها الدرجة التي أصبحت فيها الحرب حتمية بالفعل ، وأن بعض الردّ أصبح إجبارياً ، وأن القتال سيكون سهلاً. كان يوم ك ""K بالنسبة إلى محرّري العناوين مساعداً. فبينما كان بيكر وعزيز يتباحثان ، ساد شعور شبه واضح من عدم الراحة في أوساط بعض خبراء الإعلام الأميركيين. لقد اتضحت المخاوف على السلام ، لكن عندما اعترف بيكر بالفشل كانوا فرحين. وارتفعت آمال الحرب.
لم يكن ذلك مجرّد سخرية فقد حذّر مراسل إذاعة أميركية مُستمعيه في الأسبوع الأول من كانون الثاني ـ يناير بأن أزمة الخليج تسير نحو التسوية.
وعلى غرار بطل شوميكر ، الجنرال بيتون ـ الذي انتهى ممجّداً جمال الحرب ومشكّكاً بأهوال السلام ـ ووضع العديد من المراسلين أنفسهم في حالة ذهنيّة حيث السلام غير أخلاقي والحرب تمثّل الصلاح. ولا يبدو لأوّل وهلة أن هناك مكاناً في الحرب الجديدة للمراسلين المراقبين.
علمنا جميعاً أن القصف الجوّي للعراق سوف يبدأ ، بعدما رفض صدّام الموعد المحدّد من الأمم المتحدة للانسحاب من الكويت.

تصادم السلاح المسيحي ـ الإسلامي
لذا عندما رنّ هاتفي في الساعات الأولى من 17 كانون الثاني ـ يناير ، وأبلغني صحافي شابّ من الدوام الليلي لصحيفة الإندبندنت أن قناة السي إن إن تنشر الصور الأولى للقنابل التي تتساقط على بغداد وسألني متى يمكنني التسجيل؟ أبلغته أنني أشاهد الصور نفسها في الظهران ، وأننا كنّا نعلم بأن القنابل ستتساقط هذا الصباح ، وقلت: القصّة الحقيقية ، أن أقوى الجيوش المسيحية متمركزة الآن لقتال أكبر قوّة عسكرية في العالم الإسلامي.
لذا "متى تستطيع التسجيل؟" سأل الصوت مجدّداً. أجبته: لقد بدأت تصادم السلاح المسيحي ـ الإسلامي كان على الصفحة الأولى في اليوم السابق. لكنّني توجّهت إلى قاعدة الظهران الجوّية ، وكانت الطائرات الأميركية تنطلق أسراباً وتقصف بشدّة تاركة أثراً ذهبياً وأرجوانياً من الأنابيب العادمة في السماء. وشكّل ذلك مشهداً تلفزيونياً جيّداً.
نفحة من الألوان تتسلّل إلى أضواء مقرّ السي إن إن الخضراء الباهتة في بغداد ، المضادّ لصواريخ الطائرات البعيدة المدى. في الساعات الأولى لذلك الصباح ، انطلقت 12 طائرة قاذفة سعودية من قاعدة جوّية في المقاطعة الشرقية لمهاجمة العراق.
وقد اتّخذ الملك فهد شخصياً قرار إرسال طائرات التورنادو في طلعات ، وأيّد الرئيس بوش هذا القرار علماً بأن هذه الطائرات كانت جزءاً من مشروع اليمامة السعودي ـ البريطاني. لم ينتبه أحد لهذه الحقيقة ، ولم يورد أيّ مراسل أن 11 طائرة من أصل 12 عادت عند الفجر وصواريخها ما زالت ملتصقة بالأجنحة. وأفاد طيّاروها أنهم فشلوا في تحديد أهدافهم.

الصحراء العراقية الغربية ،
وقد أفرغت الطائرات الــــ 12 حمولتها فوق الصحراء العراقية الغربية، لكن هل ضلّت طريقها حقّاً؟ في اليوم التالي ، انطلقت 6 طائرات تورنادو يقودها سعوديون من القاعدة نفسها وفشل الطيّارون في إلقاء حمولتها من القنابل ، وجرى تقديم الطيّارين إلى الصحافة. فالمهمّ الإيحاء بالتالي: كان السعوديون يقاتلون ، وكان الرئيس بوش يستطيع الادّعاء أن القوّات العربية وكذلك الغربية في حالة حرب ضدّ العراق. كان عليك النظر إلى طائرات التورنادو.
كما شرح لي طيّار سعودي قبل الخروج في الطلعة الثالثة ، "لكن عندما يهاجمك أخ لك فهو عدوّ ، وصدّام عدوّنا الآن". أو هكذا بدا ، وبعد يوم من بدء القصف ، كانت تسمية هذا الهجوم الخاطف حرباً تدفع هامش الحقيقة أبعد في هذه المرحلة. وقد قال الملك فهد شخصياً إن المعركة تشكّل "سيف الحقّ وصوته" ، وإن الله "سيمنح النصر لجيشه".
لقد التزم آل سعود الآن بشكل مُبرم بالقوّات العسكرية الغربية ، وأصبح الملك فهد القائد الأعلى للقوّات المشتركة ، وهي واحدة أخرى من الصفات الطريفة التي كان من المفترض أن تختبئ وراءها القوّة الأميركية التي لا تُقهر ضمن التحالف.
واعتقد السعوديون أنهم أسكتوا انتقاد الطبقة الدينية للأميركيين ، من خلال السماح لرجال الدين بالتعبير عن غضبهم حول القضايا الداخلية ، مثل قيادة النساء للسيّارات ، والعمل بسخاء كمضيفين للعائلة الحاكمة الكويتية القلقة.
مع تقدّم الحرب ، أصبحت صور تحرّك القاذفات عبر الأجواء السعودية والكويتية روتينية.

استديوهات التلفزيونات
وقد اكتشف الذين لم ينضمّوا منا إلى تسهيلات النقل السيّئة السمعة أن ثمّة اختلافاً لا ينسجم بسهولة مع ما يعرفونه في استديوهات التلفزيونات برجالها الأكثر وطنية وجنرالاتها السابقين المملّين ، ونماذج دبّاباتها وحُفرها الرملية عديمة الحياة. وكان لدى نقاط التفتيش السعودية العسكرية أوامر بمنع الصحفيين من السفر نحو الحدود إلا إذا كانوا مسجّلين بالنقل العسكري والرقابة.
لذلك قمت مع مجموعة من المراسلين الفرنسيين والمصوّرين المتمرّدين بارتداء اللباس المموّه الواقي من الغاز الذي دفعت ثمنه صحيفة الإندبندنت لمراسليها ، ووضعتُ على رأسي خوذة حديدية بريطانية.
كانت الخوذة هديّة من الرائد آلان بارنز وهو عضو مدرّب عالي الرتبة في جهاز تدريب الجيش البريطاني ، وقد أخذت معي في رحلتي طيلة النزاع ديوان شعر من مجموعته عن الحرب العالمية الأولى ، مسروقاً على الأرجح من مكتبة الجيش. ارتدى الفرنسيون ملابس قتال لجيشهم الوطني غير مُتقنة الصنع لم تفعل سجائر "جيتان" المتدلّية من شفاههم السفلى سوى تعزيز تغطيتهم.
بينما أنا كنت في لباسي المضادّ للغاز سيّئ التهوية وخوذتي من طراز كوماندو بارنز ، أبدو مثل ضابط اتصال مُمًلّ. كان مفتاح النجاح كما اكتشفنا بسرعة هو التقدّم من كل نقطة تفتيش دون النظر إلى الجنود الذين يحرسون الطريق ، وقد أثبت فقدان اللياقة عندنا أننا جنود حقيقيّون. حين وصلت إلى الخفجي بهذه الطريقة ، كانت المدينة الحدودية السعودية قد تبدّلت ، وارتفعت أعمدة من الدخان العالية تصل إلى 3 كلم فوق الطرقات المهجورة.
وقد وجدت 40 قذيفة مدفع من عيار 130 ملم ، أطلقت من وراء مجموعة من الأشجار على الجانب الكويتي من الحدود.
وكانت ألسنة اللهب تتأجّج ، حول قاعدة من الدخان داخل مستودع تخزين لشركة النفط العربية ، بألوانها القرمزية والصفراء مستفزّة الرقيب البحري الأميركي بيل وليامز ورجاله التسعة الواقفين على الرمل يقومون بتفكيك لواقط أجهزة الراديو الطويلة المدى بدون حماسة لدخول المدينة .
كان هناك جهاز راديو يبثّ من خلف سيارته الجيب صوت مراسل من واشنطن مادحاً السجلّ المسلكي للقوّة الجوّية الأميركية.
كان المجنّد رافي سابا ، وهو شاب في العشرين من العمر من كولومبوس ـ أوهايو يتحدّث بلُكنة يوركشاير غير متّزنة ـ وقد أمضى طفولته في شيفيلد ـ مهتمّاً بالراديو أكثر منه بالبرهان على أن العراقيين يمكن أن يضربوا مرّة أخرى. قال: "فُقدت طائرة واحدة فقط في ألف طلعة ، يمكنكم أن تحطّموا هذا الرقم؟".

أنبوب النفط
كان الرقيب وليامز لا يزال يراقب النيران المتصاعدة من أنبوب النفط ، وطبقة الدخان التي كانت تنتشر الآن إلى مسافة 150 كلم في البحر.
وسأل: "لا أحد يعالج أمر النيران ، هل يفعلون؟" ، كنّا أنا ورفاقي الفرنسيون قد قمنا بجولة في الخفجي ولذلك كنّا نعرف أكثر ممّا تعرف قوّات البحرية. قلنا: كلّا ، لم يستدعً أحد فرقة الإطفاء".
في الواقع لم يكن في الخفجي أحد ليرفع جهاز الهاتف للاتصال ، فقد فرّ الجميع ، عائلات صاحب صالون الحلاقة ، وصاحب المخزن الباكستاني ، ومديرو مطاعم المدينة الثلاثة. وقد اكتشفنا للتوّ سرّ الخفجي غير السارّ ، فقد كانت شوارعها الواحد تلو الآخر تحمل آثار الهلع ، وثمّة ملابس مُلقاة في وسط الطريق ، سقطت من الشاحنات أو السيّارات ، وبقيت سيّارة ليموزين مفتوحة ، وسيارة شرطة متروكة على الطريق الرئيسي وباب سائقها مفتوح.
وعندما قدنا مباشرة نحو الحدود الكويتية على مرمى من نيران العراقيين ، وجدنا مدافع الجيش السعودي متروكة ، وتحصيناتهم الرملية فارغة ، وخيَمهم مهجورة ، وكان هناك فقط دورية حرس وطني سعودي وحيدة ، مؤلّفة من ثلاثة رجال ملتحين يرتدون قبّعات حمراء ، تُركت لتمثّل المملكة السعودية. كانوا رجالاً فخورين ، قاموا بتحيّتنا لأنهم كانوا فرحين لرؤية وجوه صديقة قريبة من المواقع العراقية. وكان من الصعب معرفة عدد العراقيين خلف الأشجار ، لكنّ قذائفهم توزّعت عبر المدينة بخطّ مستقيم قرب مركز الجمارك الفارغ ، وعبر حائط حديقة إلى منتصف الطريق ، حتى أصابت في الجولة الأخيرة أنبوب النفط ووسمت هذا المكان بعمود من الدخان. بعد فترة وجيزة من القصف ، شاهدنا طائرة هليكوبتر تمرّ بمحاذاة الشاطئ وتطلق صاروخين بين الأشجار ، فتوقّفت المدفعية عن القصف. كانت تبدو حرائق أخرى في العمق داخل الكويت.
وعلى مسافة حوالي 25 كلم منا ارتفعت طبقة كثيفة من الدخان: عدة كيلومترات في الطول والعرض تصاعدت في سماء الشتاء الباهتة ، وربّما كان ذلك مخزن ذخيرة أو وقود ضربه الأميركيون.

بوصلة
كان الفرنسيون جيّدين في الصحراء فقد خدم بعض رفاقي من المراسلين الفرنسيين في الجيش في أفريقيا واستخدموا بوصلة للتحرّك بعيداً عن الخط السريع والقيادة عبر الرمال لتجنّب نقاط التفتيش الأميركية التي لن تخدعها ملابسنا العسكرية. وفي وقت لاحق قصفت طائرة ميراج فرنسية مراسل صحيفة ريدز Raids الفرنسية العسكرية ولم تنفجر القنبلة. لذلك أخذ المراسل القنبلة غير المنفجرة على ظهر الجيب ، إلى قاعدة جوّية فرنسية للاحتجاج. كان الرمل الرطب يلتصق بعجلات سيّارتنا وقد حوّل الطرق إلى حلبات تزلّج موحلة ، وكان الجنود يشعرون بالبرد. وكان جنود الفرقة البرّية الممكننة الأميركية الرابعة والعشرين يجلسون على عرباتهم بمعاطفهم الواقية من المطر ، يضربون جوانبهم طلباً للدفء. وعبر الوحول كان البريطانيون محتشدين في شاحناتهم مع أغطيتهم أو جالسين في خًيَم حول مدافىء تعمل على الزيت. لا أحد يستطيع التصديق أن الحرارة تهبط إلى درجة الصفر في الصحراء السعودية.
كانت العاصفة تأتي من الجنوب الغربي مندفعة فوق الكتل الرمادية المُخضلّة ، والمنخفضات السبخة محوّلةً طرق الإمداد المغمورة بالنفط إلى أفخاخ موت. وكانت سيّارة هامفي متوقفة على الرمال غير قابلة للتمييز بعد اصطدامها بشاحنة. وهناك دبّابة أميركية كبيرة M1A1 مقلوبة رأساً على عقب في الصحراء برجها وخزاناتها نصف مدفونة في الوحل ، وفوق هيكلها الكبير جندي وحيد يراقب.
ومن بعيد في الصحراء ، كنّا نستطيع سماع تلقيم وتفريغ بطاريات المدفعية التابعة للبحرية الأميركية التي كانت تقصف العراقيين. لكنّ عملية تجميع جيوش الحلفاء ـ غريبة السرعة التي بدأنا فيها باستخدام كلمة حلفاء ، كما عشية يوم النصر ـ تُعزى في معظمها إلى السيناريوهات المريحة والفعّالة التي وضعها القادة العسكريون الأميركيون والبريطانيون في الرياض.

مراكز القيادة
وقد تأخّرت عمليات التجمّع على طرق الإمداد إذ حصل ازدحام لستّ ساعات في الوحول حول مراكز القيادة. وكان العديد من الضبّاط الشبّان يقودون وحداتهم إلى الخطوط الأمامية بدون خرائط. كما أن المستشفى الميداني البريطاني الثاني والثلاثين الذي توجّه بكامله إلى الحدود الكويتية لم تكن لديه أية خريطة ، وكان الطاقم يحاول إيجاد مساره من خلال آخر دورية سعودية إلى الشرق من الخفجي ـ إلى أحضان القوّات العراقية مباشرة ـ إلى أن أبلغنا نحن مجموعةً من جنود القوّات الخاصّة الأميركية التي أعادتهم عن طريقهم. كانوا محظوظين لأنهم لم يوجدوا في الساعات الأولى من يوم 30 كانون الأول ـ ديسمبر عندما قامت قافلة عراقيّة من الدبّابات وناقلات الجند المصفّحة بالإبلاغ أن هدفها غير محميّ ، فعبرت الحدود ودخلت الخفجي من الغرب مستولية على المدينة ، وفي عمليّات أخرى منفصلة إلى الجنوب الشرقي قتلت 12 جندياً أميركياً بالضبط بعد أسبوعين من إعلان الأميركيين أن تحرير الكويت قد بدأ ، كانت القوّات الأميركية تقاتل الآن وتموت لتحرير زاوية من السعودية،
ولم يكن مقصوداً أن يكون الأمر بهذه الطريقة. وفي الوقت الذي وصلت فيه إلى طرف الخفجي صباح اليوم التالي كانت على الحدود سحابة نفطية كثيفة مدافع الــــ 155 ملم الأميركية تطلق قذائفها على الطرقات حول مستودع النفط.
وجدتُ الرقيب البحري جون بوست وهو رجل طويل كثيف الشارب يسجّل النيران المعادية القادمة على جهازه المغطّى بالرمل قرب المدافع الأميركية. بينما كانت قذائف الهاون تنفجر داخل المدينة وترتفع من أماكن سقوطها بقعة بيضاء ضعيفة من الدخان. ورغم السحابة السوداء ، برز برج مائي مكسور محطّم بفعل القذائف لأن أحدهم استنتج أن العراقيين وضعوا نقطة مراقبة متقدّمة على قمّته. قال سكوت: "لا أعرف لماذا تركنا العراقيين يذهبون إلى داخل الخفجي منذ البداية ، لكنّ هذه عملية سعودية والعراقيون ما زالوا هناك ـ ربّما كان هناك 200 جندي. يقال إنهم قوّات خاصّة عراقية ، أعتقد أن لدى السعوديين عدّة مئات من الأسرى وقد أحصيت 12 باصاً محمّلاً بهم حتى الآن مع حرّاس سعوديين على جوانب الباصات. لكنّ العراقيين مقاتلون. طيلة الليل كانت ألسنة اللهب تنتشر فوق الخفجي ، وفوق المدافعين الأشدّاء عنها. تسلّلت دبابة هاريير إلى الشرق وقصفت قرب الشاطئ.
اتصلنا بفندق شاطئ الخفجي ليرحّب بنا جندي عراقي أعلن تأييده للقومية العربية ، وأصدر عدداً من الشتائم عبر المذياع. أمّا الرقيب بوست الذي يتمتّع بخبرة 14 سنة في جهاز البحرية فقد أومأ برأسه واتّكأ على سيارة الهامفي وهي نسخة عن سيّارة الجيب التي أدخلها الأميركيون إلى المعركة للمرّة الأولى وكان على متنها جهاز إطلاق صاروخ تاو.Tow كانت هذه أسلحة ستصبح جزءاً من القوّة الأميركية في العقد القادم.
وكالمعتاد ، كان هناك راديو يعمل في أعلى السيّارة ، ناقلاً مزيجاً من موسيقى البوب والتي يستمتع بها جنود المارينز والتي تتنافس مع أزيز نيران المدفعية ـ وأنباء جديدة عن 300 قتيل عراقي في الخفجي 500و أسير ، ممّا أسعد المارينز أكثر.
كان السعوديون يقاتلون في المدينة يساندهم جنود من جنسيات أخرى عرفنا بسرعة أنهم قطريون ـ وبعضهم جنود باكستانيون معارضون لحكومة قطر ـ وعلى الخط السريع رأيت ناقلة ضخمة تحمل حُطام دبّابة قطرية مصابة بقذيفة في محرّكها الموجود في المؤخّرة. كان هناك قصف آخر ، فأومأ الرقيب بوست برأسه مجدّداً وقال: "تلك طائرات 52ب B 25 تلقي بقنابلها فوق الكويت ، هل تستطيع تصوّر كيف تكون الحال تحتها،". كلا ، إذ كان من المستحيل تخيّل المذبحة الحاصلة عبر الحدود تحت تلك السحابة السوداء. وقبل ساعات ، في الليل على بعد 240 كلم سمعت هزّة أرضيّة بسبب طائرة 52ب.25B وقد ردّدت الصحراء الصوت الأقوى والأعمق لسقوط برميل بعيداً كل دقيقة ونصف.
كان العراقيون يموتون على بعد 25 كلم فقط وبالمئات ، لكن السعادة العارمة بالقوة أعطت الأميركيين بهجة معيّنة ، وكما قلت في تقرير تلك الليلة فإنها "سوف تكسبهم مزيداً من الأعداء في الشرق الأوسط في السنوات القادمة".
على الأرض كان الجنود أكثر واقعيّة. نظر الكابتن جون بورث ، قائد بوست ، إليّ بعيني رجل رأى فقط بضعة كيلومترات من الأرض حوله ، وقال: "إذا كان صدّام يستطيع الاستيلاء على مدينة خاوية مثل الخفجي ويعتبرها نصراً ، فإنه يخسر العديد من الرجال لاجتياح مدينة لا أهميّة لها. أنا متأكّد أننا لو كنا أكثر اهتماماً للأمر لكنّا فعلنا الكثير" ربّما، لكنّ الخفجي تعني الكثير لأنها في السعودية ، وهي إحدى مدن المملكة الكبرى.

الهجوم العراقي
قد أشار شوارزكوف إليها باحتقار وبشكل خاطئ على أنها قرية عندما أبلغ في البدء عن الهجوم العراقي. كانت مدينة ، وكان على الحلفاء بشكل رئيسي الإعلان عن استرجاعها ، الأمر الذي قام به رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور بعدما طرد مارغريت تاتشر من داوننغ ستريت ، وفي الوقت الذي كان العراقيون لا يزالون يقاتلون في الشوارع. في النهاية ، كان يجب أن يكون هناك انتصار سعودي شهير. "فشهداء الخفجي" ـ الثمانية عشر جندياً من الجيش والحرس الوطني الذين قُتلوا في عملية استعادتها ـ هم مكرّمون من قًبل الأمير عبدالله "كرمز للقًيَم والشجاعة في أذهان الأجيال القادمة": وما حقّقوه هو شرف كبير لوطنهم وعائلاتهم. وأهمل التلفزيون السعودي ذكر أن هذا الشرف لم يكن ضرورياً لو دافع الجنود السعوديون والأميركيون عن الخفجي منذ البداية. ولكانوا جنّبوا الناس أيضاً مشاهد الفيديو التي تصوّر جثث شهداء المملكة المتفحّمة والممدّدة في رماد ناقلاتهم. رغم دمار المدينة التي عاد إليها سكّانها لم ألمح أيّة فرحة. وقد سألنا أصحابُ المحلّات: "لماذا لا يحرّر الأميركيون الكويت الآن؟" وبالمقابل كانوا يشاهدون على شاشات التلفزيون تدمير العراق. وعندما حاولت أن أشرح لمستورد ملابس سعودي أن تحرير الكويت سيسبقه قصف ، كان ردّه فورياً: "لكنّ الجسور والكهرباء والنفط في العراق والناس في المستشفيات.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش