الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * الحلقة السابعة والثلاثون

تم نشره في الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * الحلقة السابعة والثلاثون

 

 
مطالبة جبهة الانقاذ بجمهورية اسلامية اكسبتها ثقة 26 مليون جزائري
«الانقاذ» طورت نمطا من اللحى والسراويل القصيرة وحظرت تناول المعزين اطعمة خاصة ،
مقتل بوضياف في الجزائر.. و«الجهاد الاسلامي» تعلن عن حرب شاملة ،
التناقضات بين الحقائق والحكومة الجزائرية الخائفة من الحرب الاهلية ،
كانت الجزائر دائماً مدينة مُستولى عليها أكثر من كونها محبوبة من قبل الذين
لا يملكونها
ففي عام 1930 ، قامت فرنسا بحلّ أوّل مجموعة استقلالية جزائرية في القرن العشرين ـ نجمة شمال أفريقيا ـ التي سمّى زعيمها مصالي الحاجّ نفسه «الوطني الإسلامي» وأصدر صحيفة أسـماها «الأمّة» للتبشــير
بــــ «الصحوة الإسلامية»

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

الجبهة الإسلامية
كان مؤيّدو الجبهة الإسلامية للإنقاذ يشرحون سبب غضبهم ببساطة. لقد تمّ تشجيعهم على المشاركة في هذه الانتخابات. ولقد ردّد الغرب تكراراً أن السلطة تأتي عبر صناديق الاقتراع أكثر منها عبر الثورة ـ إسلامية أو غيرها ـ وقد لعبت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأمانة البطاقة الديمقراطية ، والتزمت بالقوانين ـ وارتكبت خطأ كسب الانتخابات. لم يكن ذلك ما يريده النظام أو مؤيّدوه الغربيون. كانت فرنسا مسرورة بمنع كابوس الكارثة الإسلامية على الساحل الجنوبي للمتوسّط. ولم يكن الأميركيون راغبين في رؤية ثورة إسلامية أخرى تسير على خُطى إيران.
فهذا كثير بالنسبة إلى الديمقراطية. بالطبع ، لم يكن الأمر بهذه السهولة. وذلك أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ تصرّفت بدون مسؤولية. فقد أدّت مطالبتها المتكرّرة بجمهورية إسلامية إلى حصولها على تأييد 26 مليون جزائري عليها تمثيلهم عندما تتسلّم السلطة.
ويمكن أن يكون تسليمها بمبدأ العدالة ـ وإيمانها غير القابل للنقاش بخطّها الإسلامي بكل قوانينه الشرعية الاجتماعية ـ رائعاً ، وكذلك تمسّكها بالتاريخ.
وقد أبلغني رجل دين شابّ من الجبهة الإسلامية للإنقاذ خارج مسجد باب الواد: "كل شهدائنا ضدّ الفرنسيين ماتوا من أجل الإسلام. كانت حرب الاستقلال نضالاً إسلامياً". وكانت هذه عقيدة بويعلي. في الواقع ، لم يكن الكيان السياسي للجزائر مهدّداً بالطريقة المثيرة للشفقة التي أظهرها الشاذلي بن جديد في مقابلته التلفزيونية.
فقد كان الدستور الجزائري مصمّماً بحيث أنه حتى لو سيطرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على البرلمان فلن تكون قادرة على الاستيلاء على الحكم. لأن الرئيس كان هو من يختار الوزراء ـ والوزراء هم مَن يحدّدون البرنامج السياسي. وإذا رُفض البرنامج مرّتين من قًبل المجلس النيابي ، تجرى انتخابات عامّة جديدة. بعبارة أخرى ، تستمرّ الحكومة نفسها ـ التي يؤيّدها الجيش ـ في السيطرة على الجزائر. ولذلك لم ترغب السلطات مرّة أخرى في التفاوض مع المعارضة. وذلك أنهم لا يريدون الديمقراطية إلا إذا استطاعوا أن يكونوا هم الرابحين. وأرادوا سجن مناوئيهم مؤقّتاً.
الدور الدستوري
وبعد ثلاثة أيام من إعلان الحكم العسكري ، أعلنت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أن الجيش اعتقل 53 من أعضائها ـ بمن فيهم ثلاثة نجحوا في الجولة الأولى من الانتخابات ـ. تبنّى حشّاني بذكاء الدور الدستوري ، مقترحاً أن يشكّل كل النواب البالغ عددهم 231 ـ بمن فيهم 188 عضواً من الجبهة الإسلامية للإنقاذ انتخبوا في كانون الأول ـ ديسمبر في الجولة الأولى ـ مجلس نوّاب متوازناً وقال: "يجب البدء بعمل سياسي" ، غير أن كلمات حشّاني تم تجاهلها بظهور عمّار براميه ، وهو رئيس فريق الجزائر الرياضي الوطني ، في مؤتمره الصحفي الذي عرض فيه رواية غير سارّة حول اعتقاله والمعاملة السيّئة التي تلقّاها على يد الجيش يوم 13 كانون الثاني ـ يناير.
وصرّح بأنه اقتيد إلى وزارة الدفاع في مدينة الجزائر لأنه تم التعرّف عليه في مهرجان للجبهة الإسلامية للإنقاذ ، وأُجبر على خلع سرواله قبل تعرّضه للضرب بوحشية. وقال: "هدّدوني باغتصاب زوجتي إذا أبلغت أحداً بما حصل.
وأنا أُبلغ ذلك للصحافة حتى يعرف الشعب الجزائري أيّ نوع من الأشخاص يحكموننا". لكن أيّ نوع من الأشخاص ساندوا الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ من الخارج ، تُعتبر مُجمّعات باب الواد السكنية أقفاص عصافير ، نوافذها مستطيلة صغيرة محشوّة بأغطية الأسرّة الجافّة والفرش القديمة ، ومؤلّفة من ثمانية طوابق ، وهي ثلاثون مجمّعاً تصطفّ جنباً إلى جنب ، جدرانها الخارجية متّسخة ، ويقطنها أكثر من 3500 شخص يعيش كل عشرة منهم في غرفة.
ثكنات
تمشي في الردهات الكئيبة الرمادية ، فاقداً السمع من صراخ الأطفال ، وتستطيع مشاهدة أسرّة متراكبة من الأرض حتى السقف في كل غرفة كما لو أن السكّان يعيشون في ثُكنات ، وهم كذلك من الناحية المنطقية. وقد شُيّدت مراكز شرطة حديثة في الأحياء خارج باب الواد ، وأصبحت قوّات الأمن جيش احتلال دائم. فليس مستغرباً والحال هذه أن السكّان هناك لم يعتبروا الجمهورية الديمقراطية الشعبية ، شعبية أو ديمقراطية.
وكانت شعارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ في شهر كانون الثاني ـ يناير البارد والرطب من عام 1992 على كل حائط.
تحدّثت إلى صاحب محلّ مُلتحْ عمره 39 عاماً ، يرتدي كنزة رمادية قديمة وينتعل حذاء ـ آثر أن يبقى مجهول الاسم في ظلّ القانون العرفي المخيف ـ أشار إلى الشرق باتجاه مطار الجزائر ، حيث سيصل محمد بو ضياف رجل حرب الاستقلال الكبير بعد 28 سنة من المنفى في المغرب وقال: "لماذا أنتم الأجانب مندهشون لأنّنا اقترعنا للجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ لو كنت في المطار ومعي مسدّس لقتلت بوضياف.
كيف يجرؤون على فرض هذا الرجل العجوز علينا بعد انتصارنا الانتخابي؟ ماذا يريد منا؟ لم أسمع عنه أبداً حتى قالوا إنه سيكون القائد الجديد للجزائر".
وليس متوقّعاً أن يعرف صاحب المحلّ بوضياف. فقد كان عمره تسع سنوات عندما غادر الفرنسيون الجزائر وأطلقوا سراح بوضياف من السجن. مع 70 في المئة ممّن هم تحت سنّ الخامسة والثلاثين من مواطني الجزائر البالغ عددهم 26 مليون نسمة ـ 44 في المئة تحت سنّ الرابعة عشرة ـ لا يستطيع سوى ربع السكان تذكّر حرب العصابات ضدّ فرنسا.
لكنّ تحوّل الجزائر نحو الإسلام كان مُلتبساً. فالعلم الجزائري يتضمّن هلال الإسلام ، والكلمات الأولى من القرآن مطبوعة فوق البند الأول من الدستور الجزائري. وينصّ البند الثاني على أن "الإسلام دين الدولة".
لكنّ الصحوة الدينية التي اختبرها ملايين الجزائريين خلال العقد السابق لا تحمل أيّ تشابه بين الموالاة الشكلية لجبهة التحرير الوطني الحاكمة والعقيدة.
حرب عصابات
وقد ذكر أعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ أنهم بدأوا بتطبيق الإسلام فعلياً قبل عشر سنوات ـ عام 1982 ـ عندما فرّ بويعلي وبدأ حرب عصابات ، وعندما ظهرت مجموعة جديدة من الدعاة الشباب في مساجد الجزائر ، وهم رجال رفضوا الحفاظ على التكتّم السياسي في مواجهة سوء الإدارة الاقتصادية للحكم. وفي المقابل أمّن هبوط أسعار النفط والفقر المتزايد للشباب الجزائري صعود الأصولية ـ لذلك رفضت الجبهة الإسلامية للإنقاذ عبارة الأصولية باعتبارها اختراعاً غربياً. على سبيل المثال ، قال لي "عقلي" في "مسجد كابول" في بلكور إن حضور المقاتلين السابقين الذين حاربوا السوفيات في أفغانستان هو السبب في تسمية المسجد باسمه الحالي.. وتذكّر متى بدأت عقيدته الدينية بالتأثير على حياته. "بدأتْ مناقشة الإسلام في أواخر السبعينيّات ، في المقاهي والطرقات ـ وأيضاً في الحانات ـ وقد ملأت فراغاً في المجتمع الجزائري. كان شعبنا يزداد فقراً. وكنت أفكّر دائماً في الجمهورية الإسلامية كحلم ، وأصبحت حقيقة بالنسبة إليّ. يُبلغنا الغرب أن مشاكل العالم الثالث اقتصادية ، لكنني أدركت من خلال الإسلام أن ذلك غير صحيح ، وأن على الشعب في الواقع أن يتغيّر".
كان "عقلي" عالم بيولوجيا. ويميّز الافتتان بالعلوم معظم تفكير الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، وكان كثير من أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ من المثقفين مهندسين متخصّصين وتقنيّي اتصالات. وبدون استثناء ، أفردت كلّ مكتبة في مدينة الجزائر قسماً خاصّاً للأدب الإسلامي ، وإلى جانب كلّ قسم هناك رفوف للأعمال العلمية. وكان جميع مرشّحي الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى الانتخابات النيابية في كانون الأول ـ ديسمبر من المتخرّجين ، وخمسة عشر منهم علماء. وفي جمهورية إسلامية جزائرية ، ستكون الحكومة على الأرجح بقيادة تكنوقراط وليس رجال دين.
وزعم مؤيّدو الحزب أن الإسلام والعلوم ليسا متوافقين فحسب بل متكاملان ، فالاثنان يحملان الحقيقة المطلقة والفهم المطلق. يمكن للعلوم أيضاً أن تُستخدم للتضليل. ففي تموز ـ يوليو 1991 ، هرّبت الجبهة الإسلامية للإنقاذ جهاز ليزر إلى داخل الجزائر بواسطة حقيبة دبلوماسية لسفارة عربية وكتبت ليلاً في السماء على الغيوم فوق المدينة كلمة "الله أكبر" ، وزعم العديد من الحاضرين أنهم شهدوا معجزة. لكن لم تكن الجبهة الإسلامية للإنقاذ حزباً رجعياً. ولم يستطع رجل آخر من باب الواد (وهو عاطل عن العمل ومجهول الهويّة مجدّداً ، بما أنّه توقّع بحقّ حرباً أهلية واعتقالات واسعة) إخفاء غضبه إزاء محاولات الرئيسيْن السابقيْن بومدين وبن جديد قمع الشعور الديني العميق.
بناء المساجد
قال: "ظنّوا أنهم يستطيعون الحفاظ على ولائنا ببناء المساجد ـ عشرات المساجد في جميع أنحاء الجزائر وجامعات إسلامية أيضاً في مدينَتي الجزائر ووهران. وبدأت زوجة بن جديد تظهر في الصور مرتدية الحجاب قبل أن تختفي من المشهد العلني.
لكن أنت لا تحبّ الإسلام بسبب بناء المساجد ، وعلينا ممارسة عقيدتنا في حياتنا اليومية. كنّا نجد الشجاعة عندما كان داعية ، داعية مناضل ، يتقدّم ويتخلّى عن التقيّة في الثمانينيّات. كان اسمه مصطفى بويعلي. وقد قتلته الشرطة". بويعلي. كان ذلك قبل فترة طويلة من مقابلتي عائلة بويعلي أو إجرائي بحثاً عن حياته. كانت تلك إحدى المرّات التي سمعت فيها باسمه. وكانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ قد نفت قيامها بأي دور عسكري. ومع ذلك ، كانت هناك تقارير تفيد بأن عدّة خلايا مسلّحة موجودة بشكل حرّاس حول مقارّ الحركة. وقيل إن إحدى المجموعات مؤلّفة من أبناء القبائل الذين قاتلوا في أفغانستان.
وثمّة مجموعة أخرى يُعتقد أن اسمها لواء القدس. لكنّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ لن تتحدّث عن ذلك. "لا تستفزّ أحداً ، ابقَ هادئاً. لن يحدث عنف" ، كان هناك حوالي 30 ألف مصلّْ في الشوارع الضيّقة ، المحطمة ، حول مسجد السنّة المصنوع من الخشب وهم يطيعون التعليمات حرفياً بحيث لا يكادون يتبادلون الحديث عندما ينهون صلاة الجمعة.
باب الواد
وقد أبلغ الشيخ عبد القادر حشّاني أتباعه ـ كان الألوف منهم جالسين على حُصر في الطرقات وعلى الأرصفة في باب الوادـ أن خمسمائة شابّ على الأقلّ اعتُقلوا من قًبل الشرطة والجيش. وعلى طول الشاطئ ، كان رجال شرطة مكافحة الشغب بخُوَذهم الواقية والهراوات في أيديهم منتشرين منذ أربع ساعات. ولقد شاهدت شابّاً مُلتحياً في الخامسة عشرة من العمر على الأرجح ، يصرخ مُحتجّاً بينما كان مسحوباً من ياقته على الطريق السريع خارج مقرّ قيادة شرطة الأمن ، وكان كلامه شاكياً وغاضباً. ثم دفعه شرطي شبه عسكري إلى داخل باص صغير ممتلئ بشباب مُلتحين. بدا الأمر وكأنّ الشرطة تحاول استفزاز الحشد الكبير.
لكن بالنسبة إلى حشاني فإن تخلّيه عن خطبته سوف يُعتبر انتصاراً لمحمّد بو ضياف. ومع أن هذا كان لا يزال في المغرب ، بعد أن تمّ تعيينه رئيساً لمجلس الدولة الجزائري ، فقد أعلن أنه لن يسمح "باستخدام الإسلام للاستيلاء على البلاد".... وبالمناسبة كرّر حشاني ـ الذي كان صوته يرتفع من عشرات مكبّرات الصوت عبر الشوارع المتداخلة ـ ادّعاءه أن بوضياف رئيس غير دستوري ، زاعماً أنّ المتحدّثة باسم الإدارة الأميركية أعطت موافقتها على النظام الجزائري الجديد.
جمهورية إسلامية
يبدو أنها المرّة الأولى في التاريخ التي يُعلن فيها اسم مارغريت توتويلر في مسجد جزائري. لقد خطّط نظام جورج بوش العالمي الجديد بعد حرب الخليج لانقلاب بوضياف بُغية منع إقامة جمهورية إسلامية. وهو ما أكّده حشّاني. كان الجمع الساجد باللباس القرمزيّ والأزرق يستمع بصمت مُطبق وبانتباه شديد بحيث كان من الممكن سماع الصلوات من المساجد الأخرى بين كلمات حشّاني التي تتردّد في فضاء المدينة. من خلال مراقبة هذه الآلاف من الوجوه بنظراتها الحادّة والدموع ـ دموع حقيقية ـ التي تتساقط طواعية على وجوههم بينما هم يصلّون ، يستطيع المرء السؤال فقط ما إذا كان باستطاعة بوضياف المسنّ مواجهة هذا الهدف الجامع ، المخيف والحسّي. أبلغ بوضياف مواطنيه قبل ساعات قليلة: "الجزائر مهدّدة ، سأفعل كل ما بوسعي لحلّ مشاكل الشباب... الإسلام في هذا البلد ملك للجميع ، وليس لفئة قليلة... سأدعو الله أن يوحّدنا ويخرجنا من هذه المحنة".
لكن في مسجد السنّة ، كان جمهور حشّاني يدمدم أيضاً بدعوات مُخلصة. همس أحد مؤيّدى الجبهة الإسلامية للإنقاذ بينما كان يراقب شرطة مكافحة الشغب في أسفل الشارع: "الإسلام سينتصر ، سوف يموت بوضياف ورجال الحكومة ، وسوف يذهبون إلى الجحيم".
لم يقل ذلك بمجرّد الكلام بل بتصميم كما لو كان يستطيع تأكيد مصير أولئك الذين يتمنّى زوالهم. لم يكن جميع أولئك الذين احتشدوا في شوارع باب الواد مؤيّدين للجبهة الإسلامية للإنقاذ. فقد كان على بعض الشرفات المصنوعة من الحديد فتيات بدون حجاب ، شعورهنّ طويلة فوق أكتافهنّ وفي معاصمهنّ بعض الأساور. كنّ جريئات يرفضن القبول بما يمكن أن يطلبه منهنّ العديد من الرجال في أحيائهنّ دون وجل في دولة إسلامية.
ولقد تجاهلهنّ آلاف الرجال من الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذين اختاروا عدم النظر إلى الشرفات ، ولم يكترث المصلّون أيضاً عند مغادرتهم بإلقاء نظرة على الجنود المزوّدين بالخُوَذ ودروع مكافحة الشغب أمامهم والذين يقفون قرب حواجز التفتيش ذات الأسلاك الحديدية الشائكة.
لقد تمت محاصرة منطقة باب الواد من قًبل قوّات بوضياف وشرطته ، بحسب تسمية حشاني ، ولكن يبدو كما لو أن سلطة بوضياف الغائبة هي المحاصرَة. مدينة الجزائر ، الجزائر البيضاء. إذا كانت جدرانها البيضاء ملطّخة بالرطوبة الآن ، فقد مارست جاذبية غير عادية على كل الذين وصلوا إلى المدينة. كانت شبيهة بمكان كنت تعرفه من عالم سابق. وكانت طرقاتها ذات الطبيعة الجبلية والفيلّات المغلقة والأشجار ـ وحتى رائحة السمك في المسمكة في آخر الرصيف الفرنسي القديم ـ تنتظر كلّها زيارتك. كتب وزير الحرب الفرنسي إلى إمبراطوره يوم 14 تشرين الأول ـ أكتوبر 1827 بعد الهجوم الخاطف على القنصلية الفرنسية قائلاً: "سيّدي ، هناك حرب مع الجزائر.
المدينة المتوسّطية
كيف يمكن أن تنتهي بطريقة مفيدة ومجيدة لفرنسا؟". كانت الجزائر دائماً مدينة مُستولى عليها أكثر من كونها محبوبة من قبل الذين لا يملكونها. وبعد أن سيطر جيش بن بلا المنتصر عام 1962 ، هاجم قلب هذه المدينة المتوسّطية الناعم بتشييد الأبنية الإسمنتية من الطراز الاشتراكي والمكاتب الواسعة التي تهزأ من باريس الصغيرة ، وسط جادة هوس في المدينة القديمة التي استثمرها الفرنسيون طيلة 132 سنة. يذكّرني التجوال في أنحاء المدينة القديمة بتلك الزيارة الأولى التي قمت بها لفرنسا مع بيل وبيغي عام 1956. آنذاك كانت شوارع القرن التاسع عشر الفخورة الجامدة ، والشوارع المليئة بالحُفر ، والسيّارات المبعّجة ، ومجاري الصرف الصحّي المهترئة والنتنة ، ومحطّات سكّة الحديد بجدرانها الحجرية المقطّعة وسقوفها المرتفعة الشديدة الانحدار وأيضاً عربات سكّة الحديد الرخيصة غير المطليّة بجوانبها المعدنيّة الفضّية المحزّزة ، مرآةً لمدن المقاطعات الفرنسية في أواخر الخمسينيّات ، المزيّنة فقط ببيوت ما بعد الحرب ، تلك الحرب الرديئة التي خاضتها الجمهورية الرابعة.
بدا الأمر تقريباً وكأنّ الزمن توقّف عندما كان المليون جزائري فرنسي من ذوي الأقدام السوداء يتكدّسون كالقطعان على متن طائرات شركة عبر الأطلسي المصادرة على عجل والتي نقلتهم إلى فرنسا قبل ثلاثة عقود.
فندق السان جورج
في فندق السان جورج ، كان المضيف يصل كلّ صباح حاملاً إفطاراً فرنسياً تقليدياً مؤلّفاً من عصير برتقال وكرواسّان وإبريق فضّي من القهوة. لكن لا يأتي العصير الآن من بساتين البلاد المثمرة وإنما من عُلبة إيطالية بديلة ، ومذاق الكرواسان مثل الكرتون والقهوة لا طعم لها البتّة. ربّما كان هذا ما يحصل عندما تصبح حضارة بلد محصورة في صناعة مدنية لم تعد تملكها. لا تزال المكتبات تبيع أعمال زولا وجيد وكامو ، وهذا الأخير من ذوي الأقدام السوداء ، وقد كتب روايته المميّزة "الغريب" في الجزائر. ولا يزال بعض كبار المؤلّفين الجزائريين يكتبون بالفرنسية ، وبشكل نموذجي. وكتب أكثر المؤلّفين شهرة ، رشيد ميموني ، أحدث رواياته "مشقّة العيش" ، Une peine ˆ vivre ، في منفاه الطوعي في فرنسا ، وتدور الرواية حول الديكتاتورية وحبّ السلطة وقوّة الحبّ. قُم بزيارة لمطعم "برنيه" في شارع "بوردو" تجد الزبائن يناقشون رعبهم من الحكم الديني وخوفهم على ديمقراطيّتهم المقصومة الظهر ، على الطريقة الباريسية الفرنسية. ولائحة الطعام باللغة الفرنسية وليس العربية ، والصحن اليومي ستيك بالفلفل. والنبيذ الأحمر المفضّل جزائري ، واسمه مشروب الرئيس Cuvژe du Prژsident ، الذي اتخذ معنى جديداً منذ استقالة بن جديد .
مطبعة حكومية
كان الصحفيون من صحيفة Algژrie Actualitژ ، وهي واحدة من ثلاث وسبعين صحيفة جزائرية جديدة ـ تُطبع كلّها في مطبعة حكومية ممّا يجعل من السهل إغلاقها ـ محتشدين حول طاولة يدخّنون ويشربون البيرة. وهم ينظرون إلى خطر الجبهة الإسلامية للإنقاذ بافتتان المثقّفين. وإحدى توريات هذا الحزب أنه يستخدم الحروف الأولى لاسمه بالفرنسية.
(FIS) قال رئيس تحرير الصحيفة زواوي بن عمادي: "هناك أمر واحد عليك فهمه حول الجبهة الإسلامية للإنقاذ. إن الحركات الإسلامية هي وحدها القادرة على تحطيم أنظمة الحكم القائمة في العالم العربي.
لكن مَن هم هؤلاء الناس؟ ما هي هذه الملابس الغريبة التي يرتدونها؟ إنهم يُطلقون لحاهم ويعتمرون الطواقي البيضاء ويرتدون سراويل قصيرة ليظهروا ولاءهم لجبهة الإنقاذ الإسلامي. لكن لدينا ملابس وطنية جميلة في الجزائر. لدينا البُرنس ، والجلباب الحريري الكبير.
من أين جاء هذا اللباس الغريب الخاصّ بهم؟" كان بن عمادي ، رجلاً قصيراً ، كستنائيّ الشعر يلبس نظّارة كبيرة ، وهو حليق الذقن ، يرتدي سترة رياضية ويضع ربطة عنق ، ويبدو شبيهاً باشتراكيّ فرنسي.
وعندما عاد إلى مكتبه الكائن في مبنى من القرن التاسع عشر على بعد مئة متر من المطعم تنمّ سقوفه العالية وطلاؤه الأصفر اللامع وأرضه الفُسَيفسائية المحطّمة عن نوع من الذوق الرديء ، أحضر له محرّر ثانوي الطبعة الأولى لافتتاحية اليوم التالي وتفحّص بن عمادي النسخة بتركيز رجل دين. كتب: "من يوم إلى يوم ، يفترض أن يصبح الريف الجزائري "الجزائر المعادية للبربر على الطريقة الأفغانية" ، علينا تغيير ملابسنا ، وعادات طعامنا ، وتقاليدنا ، بما في ذلك طُرق دفن موتانا... والنتيجة: هروب بالجملة للطبقات الوسطى ، من الذين قدّموا خدمة كبيرة لحياتنا الوطنية".
مسجد القبّة
زرت مسجد القبّة أثناء صلاة الجمعة ووجدت الأجوبة عن بعض أسئلة بن عمادي. صحيح أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ضدّ الكحول ، وضدّ الغناء في الأعراس ، وضدّ تناول المعزّين أطعمة خاصّة في اليوم الأول والسابع والأربعين بعد الموت ، وضدّ تلاوة صلوات في المآتم. وصحيح أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ طوّرت نمطاً من اللحى والسراويل القصيرة. ومن المفترض أن ترمز هذه الأخيرة إلى رغبة المسلم الصالح في الوضوء قبل الصلاة من دون أن يمسّ الماء أسفل الرداء. لكن تلاحظ على رؤوس المصلّين بينما هي ترتفع وتنخفض مئات القبّعات الأفغانية ، تلك القطعة من القماش الملفوفة التي تغطّي رأس المقاتلين المجاهدين. وبالنسبة إلى الارتباط الأفغاني ـ الملاحظ وغير المعترف به بشكل كافْ من قًبل بقيّة الجزائريين ـ فهذا أمر حيوي لإظهار التعاطف مع الإسلاميين. اركبْ سيّارة أجرة في باب الواد ترَ المغزى واضحاً ، للسائق وأصدقائه لحى. وتروي أحاديثهم الارتجالية القصّة. قال السائق: "أردنا الذهاب إلى أفغانستان للقتال. إن الغالبية هناك من المسلمين السنّة وليس من المسلمين الشيعة. والأهمّ أنهم يحاربون ، يريدون دولة إسلامية. إن الحزب الإسلامي جيّد جدّاً. نريد القتال لصالحهم. لقد ذهب عدّة مئات من أصدقائنا إلى أفغانستان للقتال. والآن تحاول حكومتنا منعهم ، وجرى اعتقال جزائريين وثلاثة فلسطينيين في مطار الجزائر لدى عودتهم من أفغانستان. من السهل الذهاب إلى أفغانستان. نذهب إلى ذلك المبنى للحصول على تأشيرات". كنّا في جادة سويداني بو جمعة ، نمرّ قرب مكتب سيّىء الطلاء عليه لوحة حديدية غير مطليّة مكتوب عليها: "سفارة باكستان". اشتكى قلب الدين حكمتيار ، زعيم الحزب الإسلامي ، من فتور حماس الحكومة الجزائرية المفاجئ تجاه حركته. لكنّ الخطر الحقيقي لحرب الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أفغانستان ليس دينياً. وإنما هو التعلّم من جمهورية إسلامية فعلية. والأكثر جدّية أن شبابهم يتعلّمون كيفية القتال.
رشّاشات الكلاشينكوف
في أفغانستان ، يتعلّمون استخدام رشّاشات الكلاشينكوف ، ومدافع الهاون وحتى الدبّابات ـ يمكنهم تعلّم قيادة دبّابات 55T 26T أنواع الدبّابات نفسها التي يستخدمها الجيش الجزائري. صرخ رجل جبهة التحرير الوطني المسنّ: "فاشيّون". إنه رجل لطيف ولا يراوده الشكّ حول ضرورة حرمان الجبهة الإسلامية للإنقاذ من مكسبها القوي ، ألا وهو انتصارها الديمقراطي الحقيقي في الجولة الأولى من الانتخابات. نجلس الآن إلى مائدة طعام ، ونتحدّث إلى رجال ليست لديهم هواجس أخلاقية حول وقف محرّك الديمقراطية من أجل مصالح النظام العامّ. شربنا النبيذ الأحمر ، وكان لديهم عصير برتقال. وتم تقديم الطعام ـ الشوربا الجزائرية ـ
من قًبل مضيفين يرتدون بدلات. كان مضيفونا يتكلّمون الفرنسية بطلاقة ، وبدأت كلماتهم تنساب ببطء عندما أصبحوا أكثر غضباً. قال رجل جبهة التحرير الوطني العجوز: "تريدون الحديث عن الديمقراطية ـ كان طالباً عند بدء حرب الاستقلال ـ لكنّ هذا ليس درس فلسفة بالنسبة إلينا. إذا وصلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى السلطة سوف تنشب حرب أهلية في الجزائر. سوف يحدث حمّام دم رهيب. علينا التعامل مع مشكلة حقيقية. يمكن أن تفكّر كم هو رائع أن تقوم جمهورية إسلامية في الجزائر. ويا له من أمر ديمقراطي، لكن لا يمكننا السماح بحصول حرب أهلية. لدينا مسؤولية تجاه بلدنا وتجاه شعبنا". تنقّل مرافقه الشابّ عبر معادلات هذا المبدأ. "فمن أصل 26 مليون جزائري ، حصلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على 2,3 مليون صوت فقط في كانون الأول ـ ديسمبر 1991.
كان هناك مليون ورقة انتخاب غير صحيحة ومليون أخرى تعبّر عن تراجع في الأصوات. ففي الانتخابات البلدية عام 1990 ، حصلت جبهة الإنقاذ الإسلامي على 3,4 ملايين صوت. ألا يمكننا لهذا السبب رؤية مدى انخفاض التأييد؟ فمن أصل 13 مليون ناخب مسجّل ، شكّل انتصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ في كانون الأول ـ ديسمبر 23 في المئة فقط من مجموع السكّان
. كيف كان يمكن السماح لهم بكسب جولة ثانية من الانتخابات؟ يريد هؤلاء الناس جمهورية إسلامية حقيقية وشعبنا لن يقبل ذلك. سيكون رجال الجبهة الإسلامية للإنقاذ ديكتاتوريين.
النخبة الليبرالية الديمقراطية
إنهم يستخدمون أسلوب النازيّين". إنّها تورية مطلقة ورهيبة. والوضع معكوس في بقيّة العالم العربي. ففي مصر ، وسوريا ، إن النخبة الليبرالية الديمقراطية هي التي تندب الافتقار إلى الديمقراطية في بلادها ، وجموع الكادحين المسلمين الواسعة التي تعاني من تبعاتها بصمت. في الجزائر عام 1992 ، كانت حركة شعبية إسلامية هي التي طالبت بالديمقراطية بينما كانت الطبقة الوسطى المثقّفة تطرح أسباباً معقّدة لوقفها. كانت المأساة أن بو ضياف ربّما كان على حقّ.
فلم تظهر الجبهة الإسلامية للإنقاذ أيّ رغبة في التسامح مع ملايين الجزائريين الذين لا يرغبون في إقامة في جمهورية إسلامية ، وهم من الطبقة الوسطى المولعة بكل ما هو فرنسي ولا يستطيع العديد منهم التحدّث بالعربية بطلاقة ، ومن سكّان المدن من النساء المتحرّرات ومن جماعات المسلمين البربر ـ 25 في المئة من السكّان ـ الذين يتحدّثون اللغة الأمازيغية وليسوا عرباً. يوم 23 كانون الثاني ـ يناير ، قدّمت محطّة الإذاعة الثالثة الجزائرية للموسيقى الشعبية صورة مُنصفة لسياسة الحكومة. كان الخبر الأول في نشرة أخبارها التي تُذاع كلّ ساعة ، الطلب الدولي الذي قدّمه رئيس الوزراء للحصول على 8 مليارات دولار من القروض لتخفيض البطالة في البلاد البالغة 20 في المئة ولدعم الموادّ الغذائية. وبعد الحدث مباشرة ، ورد خبر قصير حول اعتقال عبد القادر حشّاني. كانت خطّة الحكومة واضحة. تشجيع الشعب ، والحديث عن أوقات اقتصادية جيّدة قادمة ، وإيلاء قمع الجبهة الإسلامية للإنقاذ اهتماماً ثانوياً ، نتيجة غير سارّة وضرورية لغباء هذا الحزب في كسب 188 مقعداً في المرحلة الأولى من الانتخابات.
وعلى أيّ حال فقد جرى اعتقال حشّاني بناء على أوامر الجنرال خالد نزار وزير الدفاع بسبب دعوته الجيش الجزائري إلى التمرّد ضدّ الحكومة.
الجيش الشعبي الوطني
لقد فعل حشّاني ذلك قبل يومين فقط من اعتقاله. وقد تسلّمتُ نسخة عن الدعوة العاصفة الموجّهة إلى "الجيش الشعبي الوطني" والموقّعة بخطّ يد حشّاني. واستناداً إلى قانون الطوارئ ، تحرّكت قوّة الشرطة والجيش إلى داخل مكاتب صحيفة "الأخبار" اليومية التي نشرت النداء الرسالة واعتقلت الصحفيين العاملين في الصحيفة.
وجرى اعتقال حشّاني شخصيّاً من قًبل رجال شرطة باللباس المدني بينما كان يقود سيّارته في حيّ بلكور في مدينة الجزائر ونُقل إلى سجن بليدا لينضمّ إلى عبّاسي مدني وعلي بلحاج الزعيمين الرئيسيين للجبهة الإسلامية للإنقاذ. في تلك الأثناء ، أعلن رئيس الوزراء سيّد أحمد غزالي أنه لن يسمح في المستقبل بأيّ خُطب ذات طابع سياسي في مساجد البلاد ولن يسمح بتظاهرات في محيط المساجد. وكالعادة ، كانت هناك سوابق تاريخية وراء هذه الاعتقالات الأخيرة. ففي عام 1930 ، قامت فرنسا بحلّ أوّل مجموعة استقلالية جزائرية في القرن العشرين ـ نجمة شمال أفريقيا ـ التي سمّى زعيمها مصالي الحاجّ نفسه "الوطني الإسلامي" وأصدر صحيفة أسماها "الأمّة" للتبشير بــــ "الصحوة الإسلامية". وقد جرى سجن الحاجّ لمحاولته إعادة تشكيل جمعية منحلّة وحُكم عليه لاحقاً بالسجن سنة في سجن فرنسي "لتحريضه الجنود على عصيان الأوامر بُغية خلق فوضى". يتحدّث الناطق باسم الحكومة الجزائرية يومياً عن الهدوء والأمن.
وفي الشوارع ، يتحدّث أصحاب المحلّات عن الانفجار القادم. شعرنا جميعاً باليقين المطلق أنك لا تستطيع إلغاء الديمقراطية دون إثارة العنف. يوم 20 كانون الثاني ـ يناير ، قُتل عريف في الدرك الجزائري. كان العريف عمّاري عيسى (43 سنة) متزوجاً وأباً لأربعة أولاد. وقد قامت جموع الشباب بإلقاء الحجارة على نقاط التفتيش العسكرية خارج مدينة الجزائر وكان على الجنود إطلاق عيارات تحذيرية في الهواء لتفريقهم. وعندما طلبت بعض الإيضاحات حول موقف الحكومة أجاب أحد المسؤولين إجابة فظّة قائلاً: "أيّ إنسان يستطيع قتل شرطي. الناس يقتلون الشرطة من نيويورك إلى نيبال. إنه عمل إجرامي وينعكس على أيّ حال بشكل سيّىء على الجبهة الإسلامية للإنقاذ. في كلّ مرّة يُقتل شرطي ، تخرج قريته في جنازته وينقلب الناس ضدّ الجبهة الإسلامية للإنقاذ". إنها إذاً قضية إجرامية فقط.
الولايات المتحدة
وليست أمراً لا يمكن حدوثه في الولايات المتحدة. لكن لا أحد يُعلّق الانتخابات في أميركا. والعريف عيسى لم يُقتل من قًبل المافيا. وخلال ثلاثة أسابيع ، حصلت مواجهات طيلة سبعة أيام بين الشرطة ومؤيّدي الجبهة الإسلامية للإنقاذ ـ يُعتقد أن خمسين شخصاً قُتلوا خلالها وجُرح مئتان ـ مما دفع مجلس بو ضياف الذي يسيطر عليه العسكريون إلى إعلان حالة الطوارئ. وفي أزقّة مدينة الجزائر ، انتشرت دعوات سرّية إلى "حرب مقدّسة" ضدّ سلطة بو ضياف.
وكانت قيادة جبهة الإنقاذ الإسلامي في غالبيتها قد أصبحت قَيد الاعتقال ، وتمّ إغلاق المقرّ الرئيسي للحزب في مدينة الجزائر واعتُقل حوالَي ستّين من أئمّة المساجد. حصل الانهيار بأسرع ممّا توقّعنا. وفي مكان ما من مدينة الجزائر يوم 15 شباط ـ فبراير 1992 ، وسط منزل هادي بوزناد المحروق ـ بين ملابس النوم النظيفة والأسلاك الكهربائية المحترقة ، والدرج الحجري المشوّه ـ كانت تكمن الحقيقة.
الجزائريات المحجّبات
كانت النساء الجزائريات المحجّبات يبكين في الأزقّة الضيّقة خارج المنزل وهنّ على يقين من أنهنّ عرفن ما حدث. لذلك كان ابن عم هادي بوزناد يحمل فانوساً بيده اليمنى بينما يروي كيف احترق القاطنون الأربعة الأبرياء بصاروخ أطلقه الجيش الجزائري. هذا هو حال الحكومة الجزائرية التي أعلنت أن جنودها هاجموا المنزل فقط لأن طلقات نارية أُطلقت عليهم من المبنى. يمكنك رؤية المشاهد نفسها في بلفاست أو الضفّة الغربيّة ، لكن تداعياتها في مدينة الجزائر أكثر خطورة ، لأن التناقضات بين الحقائق هنا ترمز إلى الهوّة بين الشعب والحكومة الخائفة من الحرب الأهلية.
هل يصدّق الناس أن هادي بوزناد وأصدقاءه كانوا شهداء أم إرهابيين؟. يقع منزل بائع الفاكهة في وسط المدينة حيث تنساب الدرجات الحجريّة المتعرّجة بين الجدران الخشبية والطينية وحيث تقود الممرّات الضيّقة إلى المنازل ذات القُبب القديمة المدفونة بين الطبقات المسكونة بحيث تبدو تقريباً تحت الأرض. لا أحد يجادل في أن خمسة رجال كانوا في المنزل في الساعات الأولى من اليوم السابق.
القبعات الحمراء
ولا أحد يجادل في أن المظلّيين الجزائريين ـ شاهد الجيران قبّعاتهم الحمراء في الظلمة ـ كانوا يحاصرون منزل هادي بوزناد الصغير في وقت ما بين الساعة الثانية والثالثة بعد منتصف الليل. هنا ، مع ذلك ، تصبح الحقيقة مراوغة نوعاً ما. قالت الحكومة إن الجنود وقعوا في مرمى النيران من المبنى ، لكنّ المدخل منخفض جدّاً بحيث لا يظهر من أقرب ممرّ ولا توجد نوافذ مواجهة للممرّ الوحيد الذي يمكن أن يسلكه الجنود. هناك فجوة فوق الباب ، ناتجة على ما يبدو عن قذيفة صاروخية. وكانت الحكومة مسرورة بالإعلان أن خمسة مناضلين من الجبهة الإسلامية للإنقاذ قتلوا في الداخل. حدّد طريقك في الظلام على الدرجات الحجرية في الداخل وفي غرفة تضمّ عدّة أسرّة بعضها فوق بعض تجدْ ابن عمّ هادي بوزناد. لا أسماء متوفّرة لدى الشاب الملتحي ، المفكّر الذي وصل عند الصباح. قال: "كانوا جميعاً أبرياء. لم يحصل أيّ إطلاق نار. كان الرجال نياماً. لقد تزوّج ابن عمّي مؤخّراً وزوجته حامل في شهرها الرابع. عندما وجدنا القتلى كانوا مشوّهين. لقد احترقوا كلّياً". كانت هناك مراسلة إذاعة فرنسية ، وضعت المذياع أمام وجه ابن العمّ وسألت بحدّة: "هل تقول الحقيقة؟".. لستُ متأكّداً أنه كذلك ، لكن ليست هذه طريقة يُعامل بها رجل فقد قريبه للتوّ.
والوقت غير مناسب لكي يمارس الصحفي فنّ التحقيق القاسي هنا في منزل القتلى. لكن لا أحد يستطيع تفسير لماذا لم تكن الزوجة الحامل والقريبات الأُخريات في المنزل في ذلك الوقت. وصل رجل آخر ، صهر هادي. قال: "كان بإمكان السلطات أخذهم أحياء. كان المنزل محاصراً. لكنّ الجنود اقتحموه وقتلوا رجلاً في الممرّ ثم ألقوا قنبلة داخل الغرفة. كان اثنان من الرجال القتلى ممدّديْن على الأرض. كانوا جرحى سابقاً". جرحى سابقاً؟ هل كان هذان الرجلان بين المهاجمين الذين قتلوا ستّة رجال شرطة في المدينة الأسبوع الماضي ، وجُرح أحدهم على الأقلّ عندما هرب؟ "قطعاً لا"، قال الصهر على الفور: "جُرحوا خلال التظاهرات" لكنّ الجنود عرفوا بوضوح أن الجرحى كانوا هناك. لقد تعرّضوا لخيانة. وأقرّ الصهر بأسف "أنّ أحدهم أبلغ الجنود بأن الجرحى كانوا هنا". ثم وصل الرجل الملتحي ، وقال بصوت رقيق ، خطير: "كان انتقاماً من قًبل الجيش ، عندما دخلوا المنزل ، صاح أحد الجنود: سنفعل بكم ما فعلتموه بنا في غيمار. وهي المركز الحدودي حيث قتل المسلّحون المسلمون أكثر من 15 جندياً جزائرياً عام 1991.
كانت المسألة واضحة بالنسبة إلى الرجل الملتحي الواقف في الظلّ متمتماً بعبارة انتقام: "بالطبع كان بإمكانهم أخذهم أحياء. لكن أرادوا قتلهم جميعاً بمن فيهم الجرحى. لا يمكننا أخذ جرحى مُلتحين إلى المستشفى لأنهم سيُعتقلون ويُعذبون. لذلك كانوا مختبئين هنا". في الخارج ، في الأزقّة ، تجمّع العديد من النسوة وهنّ يبكينَ بهدوء ، وانضمّ إليهنّ عشرات من الشباب الحذرين. شقّ التاريخ طريقه بلطف نحونا ، كما بدا دائماً في الجزائر ، وسأل أحدُ الرجال إذا كنّا نعرف مغزى هذا المنزل ، فعلى بعد ثلاث مئة متر فقط في الشارع الرهيب نفسه ، يقع منزل "شهداء" آخرين.
معركة الجزائر
ففي ذلك المنزل الآخر فضّل مقاتلو جبهة التحرير الوطني ـ بمن فيهم الهارب علي لابوانت بطل معركة الجزائر ـ وبعض أطفالهم التحوّل إلى أشلاء على يد المظلّيين الفرنسيين عوضاً عن الاستسلام. وفي وقت مبكر من صباح 14 شباط ـ فبراير 1992 ، عاد حُماة من جنسية مختلفة إلى المدينة وولًدت أسطورة أخرى. لا أحد اكتشف كم من الملائكة يمكن أن يرقصوا في طرف المشبك. لكنّ سؤالاً مُلحّاً رمى بثقله بين مؤيّدي الجبهة الإسلامية للإنقاذ يوم عاد بوضياف إلى الوطن: كم من الوقت تستغرق حلاقة لحية رجل؟ في صالون حلاقة عليّ في آخر شارع رحموني الطيّب ، يستطيعون حلاقة ذقن إسلامي في خمس دقائق. لكن كما قال لنا المالك ابن الخمسة والسبعين عاماً ، يتحدّث رجال الجبهة الإسلامية للإنقاذ كثيراً أحياناً خلال الحلاقة الضرورية. وهذا يمكن أن يطيل مدّة الحلاقة إلى عشر دقائق لكنها تكلّف 15 ديناراً جزائرياً فقط ، أي حوالي 60 سنتاً أميركياً ، وهي جديرة بالسعر لتجنّب الاعتقال العشوائي والسجن. من أجل ذلك فإنّ الرجال الشجعان وحدهم هم الذين احتفظوا حتى الآن باللحى الطويلة التي كانت حتى أسبوع مضى رمزاً للجبهة الإسلامية للإنقاذ. وهكذا كانت للتغيير الجذري تبعات سياسية خطيرة ـ وحتى عسكرية ـ بالنسبة إلى الحكومة الجزائرية.
فمن خلال حلاقة ذقونهم ، تحوّل الإسلاميون إلى العمل السرّي. يكمن الدليل على أرض عليّ ، كومة من الشعر البنّي والأسود الكثيف ، سجّادة من الفرو البشري ، الذي يلقيه بسرعة في الزبالة بمًقشّة صناعية. كان عليّ يخشى إعطاء اسم عائلته لكنّه كان فخوراً في الإعلان عن عمله بينما كان واقفاً أمام محلّه حيث كانت قطّتان رماديّتان تصدران خريراً تحت ضوء الشمس. لم تلعب صنعته أبداً دوراً بارزاً من قبلُ في سياسات الجزائر. قال: "حلاقة ذقن تشبه قيادة الطائرة" أو... ـ وهنا بدا مزيج من السخرية والمكر في ابتسامته ـ أن الأمر يشبه كتابة مقال. توجد المهارة بأيدينا. أقوم يومياً بحلاقة خمس ذقون مع أنني لم أستطع فتح المحلّ يوم الجمعة الفائت بسبب إطلاق النار. لكنّ معظم هؤلاء الناس يحلقون لحاهم في المنزل".
بحكمة أيضاً. ولكن بالنسبة إلى الاستخبارات الجزائرية فإن زوال اللحية خلق مشكلة أخرى ، فمن أجل التسكّع في الشوارع زيّن معظم عملائهم وجوههم بلحى طويلة. ومنذ أسبوع تقريباً اشتهر عميل أمن مُلتحْ يرتدي قميصاً طويلاً بأنه قبض على إمام جامع قرب مسجد باب الواد. وفي مركز الشرطة المحلّي قام العميل بحلاقة النصف الأيمن من لحية الإمام مضيفاً ـ استناداً إلى الداعية ـ "سوف نقبض عليكم جميعاً في النهاية". إنه عمل واعد الآن فحلّاقي الجزائر العاصمة حصلوا على أرباح إضافية. طُلب من سكّان مدينة الجزائر القيام بترحيب صاخب بالمبذّر العائد.
لكن عندما وصل محمّد بو ضياف الطويل ، والضعيف والمسنّ ، إلى المطار الذي يحمل اسم خصمه السابق والمكروه هوّاري بومدين ، كان هناك عدد قليل من سائقي سيّارات الأجرة ، والصحفيين ومسؤولي جبهة التحرير الوطني لاستقباله. وجاءت إشارة الحماس الوحيدة من ثلاث مجموعات من البربر في لباسهم البنّي التقليديّ وقفوا على مقربة من قاعة الوصول وضربوا بفرح على الطبول أمام عيون الشرطة السرّية. تم اقتياد بوضياف عبر الشوارع الخالية إلى مكتب الرئاسة الخالي حيث قبل المنصب غير الدستوري لرئيس مجلس الدولة ويده على القرآن.
المسار الديمقراطي
وقد وعد بمتابعة ما أسماه "المسار الديمقراطي" من دون أن يشرح كيف يمكنه القيام بذلك في حين لم يعد العمل الديمقراطي ـ مثل الرئاسة والبرلمان ـ موجوداً. طُرحت الأسئلة من قًبل الصحافة على متقاعد مسنّ عمره 72 سنة ، كان حتى شهر مُنصرم صاحب مصنع طوب مغربي.... و طيلة ساعتين ، أثبت محمّد بوضياف صلابته: رجل أعقف الأنف ، امتصّ أضواء الكاميرات مثل نور الشمس ، معنّفاً الصحفيين الذين تجرّأوا على الحديث عن القمع ، داعياً الدول الغربية لمساعدة الجزائر في وقت الحاجة. وندّد بأسلافه في الحكم ، طالباً الخضوع للقانون ، واعترف بسجن ستة آلاف شابّ جزائري على الأقلّ في معسكرات اعتقال صحراوية ـ عمل آخر منسوخ عن الاعتقال في أيام الاستعمار الفرنسي ـ وزعم أن احترام الديمقراطية يجب أن لا يؤدّي إلى دمار الديمقراطية (ھ).
المؤسّسة السياسية
وخلال أربعة أيام ، قُتل خمسون متظاهراً إسلامياً على يد الشرطة في المدن الجزائرية. وقد سُجن عبدالقادر مغني ، أهم مرشّحي الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، وكان قد انتخب في كانون الأول ـ ديسمبر ، وهو الرجل الذي ربّما كان قادراً على إعادة مناقشة موقعه في المؤسّسة السياسية ، وحتى الحديث مع الحكومة. لكن بوضياف لم يكن راغباً في الحديث مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ . كان هناك شكّ متزايد في الجزائر أن مجلس الدولة يفضّل دفع الجبهة الإسلامية للإنقاذ نحو ثورة مسلّحة ـ وهكذا يثبت أن الحزب لم يكن مهتمّاً أبداً بالسياسات الدستورية وأن إلغاء انتخابات كانون الثاني ـ يناير منع انقلاباً من قًبل الإسلاميين لا من قًبل الجيش. بالتأكيد بدأ يظهر العديد من مجموعات المسلّحين السرّية. ودعت منظّمة سمّت نفسها "الأمناء على العهد" إلى الجهاد ، مدّعية أنه استمرار لحرب الاستقلال على طريقة بويعلي.
وركّز بو ضياف غضبه على هدفين: الجبهة الإسلامية للإنقاذ والفساد الذي دفع العديد من الجزائريين إلى اليأس من الديمقراطية التي وعًدوا بها. وقد استهزأ منه أوّل أهدافه وقتله الثاني. وعندما قُتل بوضياف ، في 29 حزيران ـ يونيو 1992 ، فهمنا ذلك جميعاً بشكل خاطئ. كنت في موسكو ، جالساً في غرفة الفندق المطلّة على حائط الكرملين بعد عودتي من حرب نغورني ـ كاراباخ على طرف أرمينيا عندما رنّ الهاتف وكان على الخطّ من لندن هارفي موريس الذي كان لا يزال محرّر الأخبار الدولية. قال بحساسيّته المعتادة: "لقد تغلّبوا على بو ضياف. يبدو أن أصدقاءك المسلمين فعلوها". وصدّقته.
في الواقع ، اعتقدنا جميعاً عندما سمعنا أن ثلاث طلقات أردت بو ضياف قتيلاً بينما كان يخاطب اجتماعاً عامّاً في مدينة عنّابة الشرقية الجزائرية أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ـ أو مجموعة مسلّحة متعاطفة مع الحركة ـ نفّذت التهديد بالقتل الذي نطق به العديد من المسلمين. وقد أنذرت منظمة واحدة على الأقلّ ، هي الجهاد الإسلامي ، بأنّ حرباً شاملة ضدّ الحكومة الجزائرية ستبدأ يوم 30 حزيران ـ يونيو.
ووعدت بقتل ألف شرطي وجندي ـ لذلك كتبتُ منذراً في الإندبندنت: "لكنهم ضربوا في يوم مبكر وقطعوا عوضاً عن ذلك البنية الكاملة للسلطة الحاكمة التي أُسّست لتدميرهم".
جهاد إسلامي جزائري
لم تكن لديّ أيّ شكوك في هويّتهم ، ولم أسأل نفسي لماذا لم نسمع أبداً من قبل عن جهاد إسلامي جزائري مع أن الاسم استُخدم من قًبل مجموعات أخرى في لبنان وفي الأراضي الفلسطينية المحتلّة في الضفّة الغربيّة وغزّة. لم أستطع العودة إلى دفاتر ملاحظاتي الجزائرية ـ لأنها كانت في بيروت وكنت في موسكو ـ التي ربّما دوّنت فيها بعض المؤشّرات على معاداة بوضياف ، ليس من قًبل الجبهة الإسلامية للإنقاذ فقط وإنما أيضاً من قًبل الأعضاء الأغنياء في السلطة ، وحتى في أوساط العسكريين الذين خافوا من حملته المعادية للفساد. وعندما عدت إلى مدينة الجزائر بعد أسبوعين ، اكتشفت فقط أن هناك دليلاً متزايداً على أن الرئيس المسنّ ربّما لم يقتل في النهاية من قًبل الإسلاميين. ففي الأسابيع التي سبقت مقتله ، صنع بوضياف أعداء علمانيين أقوياء داخل الجزائر ـ واحد منهم على الأقلّ مرتبط وفقاً للتقارير بالرئيس السابق الشاذلي بن جديد ـ وحتى أرملة بوضياف تعلن الآن أنها لا تصدّق أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ارتكبت الجريمة. بعد أقلّ من ثلاثة أسابيع على جريمة القتل ، أُقصيَ وزير الداخلية الجنرال نزار الرجل الثاني القويّ في مجلس دولة بوضياف ـ من قًبل رئيس الوزراء الجديد بلعيد عبدالسلام لخطأ في الأمن.
بعض الخطأ. قُتل بوضياف على يد أحد حرّاسه ، الملازم المبارك بو معرفي. كانت كاميرات تلفزيون الدولة تسجّل خطاب الرئيس لحظة مقتله وأُعلن في الخبر أن بومعرفي عمل وحده. وقد أطلق رصاصتيْن على رأس بوضياف والثالثة في ظهره. وما لم يكن معروفاً في حينه أن حملة الرئيس لمكافحة الفساد أصابت أساساً جنرالاً متقاعداً في الجيش الجزائري ورجل أعمال بارزاً ومعاوناً للشاذلي بن جديد في المدينة الجنوبية تامانراست. وقبل أيام فقط من اغتيال بوضياف ، اغتيل ضابط كبير مسؤول عن أحد التحقيقات بشكل غامض.
اشاعات
كذلك كانت هناك شائعات تفيد أن بوضياف ـ على غرار السابقة التي وضعها ديغول في التفاوض مع جبهة التحرير الوطني ـ كان يحاول فتح حوار خاصّ مع المسؤولين المعتدلين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وقد أثبتت زيارة هادئة لأحد المعارف في التلفزيون الجزائري الرسمي أن مقطعاً من تسجيل فيديو مقتل بوضياف حُذف من قًبل السلطات. وادّعى شهود عيان في عنّابة أن أربع كاميرات تلفزيونية منفصلة سجّلت الحادث لحظة الاغتيال. كان المقطع ، الذي شاهده العالم ، والذي يمكن رؤية بوضياف فيه يلقي آخر كلماته ثم يقع ميتاً على الأرض والدم على صدره ، ملغى. وكان مصدري واضحاً. صوّرت الكاميرات اللحظة الفعلية للاغتيال واقتطعوا المشهد عندما أصابت الطلقات بوضياف.
وأظهر الشريط دماغه ينفجر عندما أصابته الطلقات في رأسه ـ لا يمكنك عرض شيء فظيع على التلفزيون. وهذا شريط آخر يظهر اعتقال بومعرفي. في هذا الشريط قال بومعرفي أمام الكاميرا: "قتلتُ بوضياف مع علمي بماضيه البطولي وأنه كان رجلاً صالحاً. لكنه لم يفعل ما فيه الكفاية ضدّ المافيا وعارض خيار الشعب. لا أنتمي إلى أيّ حزب سياسي لكنني أنتمي إلى الحركة الإسلامية".
كان بومعرفي واثقاً جدّاً من نفسه ، واثقاً ـ تحدّث جيّداً وكان موهوباً ـ بحيث خشيت السلطات أن يصبح بطلاً إذا عُرض الشريط على التلفزيون. إذا كانت هذه الرواية صحيحة ، عندها يكون الإسلاميون متورّطين في اغتيال بوضياف.
لكن الظروف المحيطة باعتقال بومعرفي كانت محيّرة ـ خاصّة إذا صدّقت السلطات فعلاً أنه قاتل أصولي ـ وجاء في رواية أخرى أنه استطاع الفرار من قاعة مؤتمر عنّابة وفي وقت لاحق استسلم بهدوء للشرطة. والمستغرب ، أن الجيش ـ الذي حاكم زعماء الجبهة الإسلامية للإنقاذ في محكمة عسكرية مصحوبة بدعاية في بليدا بعد أسبوعين ـ رفض تحمّل بومعرفي المسؤولية ، وادّعى عوضاً عن ذلك أنه يجب محاكمته من قًبل محكمة مدنية.
السجن المدني
علماً بأن بومعرفي كان مسجوناً في السجن المدني في عنّابة ـ وهي للمصادفة ، موطن الشاذلي بن جديد ـ بينما استطاع الصحفيون المحلّيون الحصول على معلومات قليلة حول حياته. كان عمره 26 سنة. وسرت اشاعات أنه كان حارس الرئيس بن جديد. وكان قد تدرّب على عمله ضمن وحدة الأمن الرئاسي من قًبل الدرك الإيطالي .Carabinieri لم يكن الخوف بادياً على بوضياف في الأشهر التي سبقت اغتياله مع العلم أنه لم يكن محبوباً. وقد فاجأ الرجل المسنّ جبهة التحرير الوطني ، وقيادة الجيش التي ساندته في الأساس ، عندما أمر في أيار ـ مايو باعتقال اللواء المتقاعد مصطفى بليوسف الذي أُدين أمام محكمة عسكرية بإساءة استخدام أموال الدولة. كذلك أمر بوضياف باعتقال رجل أعمال مرموق بتهم الفساد. والرجل بحسب ما زعموا كان متورّطاً في التجارة غير المشروعة بالموادّ الغذائية المدعومة والتهريب.
قوّات الأمن
وكان أحد الضبّاط الذين كُلّفوا إجراء التحقيق ملازماً في قوّات الأمن ، وقد اغتيل في أحد شوارع الجزائر قبل أيام فقط من اغتيال بوضياف.
وصف معلّق صحفي جزائري اغتيال بوضياف "بالمخرج الجزائري" وألمح إلى أن تفاصيل مقتله ربّما طُمست مثل اغتيال المرتدّيْن في جبهة التحرير الوطني محمّد قدير الذي قُتل في أحد شوارع مدريد عام 1967 ، وكريم بلقاسم الذي قُتل خنقاً في فرنكفورت عام 1970. وذكّر ليث زغلاني في صحيفة "الوطن" اليومية بأن تفاصيل مقتل وزير الخارجية الجزائري محمّد بن يحيى ـ الذي أُسقطت طائرته مع الوفد المرافق فوق الحدود العراقية ـ الإيرانية عام 1982 خلال محاولة لوقف الحرب ـ بقيت سرّية لحماية مصالح البلاد العليا". حصل ذلك على ما يبدو لحماية صدّام حسين ـ لكنّ هذه رواية أخرى.
المافيا
أصبح شائعاً الآن في الجزائر ربط اغتيال بوضياف بالمافيا ، وهي عبارة غامضة استُخدمت للإشارة إلى الطبقة الاجتماعية والسياسية التي اغتنت على حساب الوطن خلال حكم الشاذلي بن جديد طيلة 12 سنة. وقد ادّعى رئيس وزراء سابق هو عبد الحميد الإبراهيمي أن رُشًى بقيمة 28 مليار دولار ـ ما يوازي ديون الجزائر الخارجية ـ دُفعت لمسؤولين حكوميين خلال عقد من الزمن ودخلت في الفولكور الشعبي. وزعم مؤيّدو بوضياف أيضاً أنه كان هناك تحالف بين المافيا والحركات الإسلامية. ومع ذلك فإن الشيء الوحيد الذي يريدونه ، يجب أن لا يحصلوا عليه أبداً.
"نطالب بمعرفة كلّ الحقيقة حول اغتيال شهيدنا محمّد بوضياف ـ ارفعوا أيديكم معي وقولوا إنكم تريدون الحقيقة". انسابت العبارات فوق كومة التراب وأكاليل الزهور التي ترقد تحتها البقايا المخترقة بالرصاص للرئيس المقتول. وقد رفع رفاق بوضياف من المناضلين القدامى ـ المسلّحين ورجال المدفعية والمراسلين الذين حرّروا منذ أكثر من ثلاثين عاماً بلادهم من رجال ماسّو ـ أيديهم اليمنى قرب الضريح وقالوا بحزم وبصوت عال: "نريد ذلك". يمنح العمر الاحترام واللطف تجاه أكثر الرجال والنساء فظاظة. فقد بدا عمر بوداود بشعره الأبيض ورأسه المطأطئ احتراماً للزعيم الميت ، مثل جندي آخر مسنّ.... من ذلك النوع من الشخصيات المنحنية التي يمكن أن تراها يوم الأحد في مراسم إحياء ذكرى حربْ بريطانية. والحال أن بوداود كان الرجل الذي قاد جبهة التحرير الوطني داخل فرنسا ، والذي دبّر تفجير خزّانات الوقود وانحراف قطار عن خطّه في كايني ـ سور ـ مير" وقتل أربعة من رجال الدرك الفرنسيين في ليون ، وقاد محاولة اغتيال الحاكم العامّ للجزائر جاك سوستيل. هل يستطيع رجال يحملون إرثاً دموياً توقّع الحقيقة؟ كان هناك أيضاً أبو بكر بلقائد ، وهو على سبيل المثال ، مناضل قديم من أجل الحرية ، ورفيق لبوضياف في سجن "فريم" عام 1956 ، وكان يندب الفرص الضائعة للجزائر: "كان في المنفى ، بعيداً عن المؤسّسة قبل أن يصبح رئيساً. جاء إلى هنا لتحديث بلدنا ، ليمنحنا مساراً واضحاً. أجل ، أتمنّى أن نعرف الحقيقة عن استشهاده. لكن هل نعرف؟ هل نعرف من قتل كنيدي؟ هل نعرف؟". أمّا السيدة بوضياف فقالت إنها لا تعتقد للحظة واحدة أن جبهة الإنقاذ قتلت زوجها. كانت ترتدي لباساً أخضر وأبيض وتغطي معظم وجهها بنظارّة شمسية ، وقد وقفت قرب كومة التراب ، ثم حضنت بلقائد وانتحبت بين ذراعيه متجاهلة الشاهد الرخامي إلى جانب قبر زوجها والمكتوب عليه: "هوّاري بومدين 1932 ـ "1978.
رفض بوضياف عرض بومدين أن يصبح رئيساً بعد التحرير عام 1962 لأنه لم يرغب أن يكون شخصية رئيسية ، وعارض بومدين في منفاه المغربي. كانت هناك قبور أخرى مشابهة في الصفّ نفسه مثل قبر بوضياف ، تحتوي محاربين مُكرّمين ، كُتبت أسماؤهم على شواهد قبورهم دون تعليق أو تكريم شفوي ، ويحتاج المرء إلى كتاب مذكّرات أو تاريخ لفهم معانيها. كان هناك العربي بن مهيدي (قتلته قوة المظلّيين الفرنسية في آذار ـ مارس 1957) ، وفرحات عبّاس (نفته جبهة التحرير الوطني) ، وعبّان رمضان (اغتيل بوحشية ـ خُنق على الأرجح ـ عام 1957 من قًبل زملائه في جبهة التحرير الوطني قرب طنجة) ، وكريم بلقاسم ، الضحية المقتول في فرانكفورت ، وآيت حمّوده حمروش وسيّد الحواس (من قادة جبهة التحرير الوطني في الولاية الرابعة ـ قطاع بويعلي ـ قُتلا كلاهما على يد الفرنسيين عام 1959).
ومع وجود عظام عديدة محطّمة بالرصاص وأعناق مكسورة داخل هذه المقابر ، هل يستطيع أحد توقّع معرفة الحقيقة حول الشهيد الجديد في المقبرة؟. هكذا كانت المطالبة بالحقيقة الشفّافة والمكتشفة في المقبرة الرطبة في العالية. لم يوجّه أحد إصبع الاتّهام إلى أحد بالطبع. لم يلم أحد الإسلاميين أو المافيا أو جبهة التحرير الوطني القديمة. وقفت مجموعة من الجنود خلف القبور وبعض رجال الشرطة باللباس الأزرق ومجموعة من الشبّان الملتحين الذين يرتدون سراويل الجينز ويحملون رشّاشات ومخازن ذخيرة في أحزمتهم ، من أجل الأمن بالطبع ، وكانوا شبيهين بالحرّاس الشخصيّين الذين أمّنوا حماية محمّد بوضياف في عنّابة ، والذين أطلق أحدهم النار على رأسه وظهره. كان موت بوضياف اللحظة التي أصبحت فيها حرب الجزائر وحشيّة.
بي بي سي
وكانت محطة تلفزيون بي بي سي توجّه تحذيراً لمشاهديها حول ما تسمّيه عرضاً مثيراً ، عندما ترغب في عرض فيلم منفّر. وها أنا أوجّه إلى القرّاء بالطريقة الصحيحة التحذير نفسه قبل الإبحار في صفحات هذا الكتاب التالية الملطّخة بالدم. فخلال سنتيْن ، حصلت مأساة واسعة غير مصرّح عنها في أنحاء الجزائر ، طبيعتها ـ ثورة من قًبل الإسلاميين المسلمين الذين حُرموا من النصر الانتخابي ـ معروفة جيّداً ، لكنّ أبعادها ازدادت بشكل مرعب يومياً مع إراقة دماء على مستوى لا مثيل له منذ الاستقلال عن فرنسا. وبحلول عام 1994 ، تمّ رسمياً تسجيل أربعة آلاف عملية موت عنيف ، وكانت مناطق واسعة من الجزائر تسقط كلّ ليلة تحت سيطرة تنظيم عسكري متماسك جدّاً ، "الجماعة الإسلامية المسلّحة". إذا كانت السنتان السابقتان قد شهدتا إعادة للحرب الجزائرية المتوحّشة من أجل السلام ضدّ فرنسا ، فإنّ حمّام الدم الذي انطلق الآن يشكّل سابقة رهيبة للاحتلال الأنغلو ـ أميركي للعراق بعد عقد من الزمن. كانت عائلات قوّات الأمن ـ وفي بعض الحالات الضبّاط أنفسهم ـ قد أصبحت مُجبرة على الانكفاء كلّ ليلة إلى داخل المجمّعات الحكومية تأميناً لسلامتهم الشخصية. وبالرغم من المعارك الضارية ضدّ الإسلاميين كان الجيش الجزائري والشرطة شبه العسكرية غير قادرين على حماية العدد المتزايد من الضحايا الذين كانوا يُذبحون بوحشية ـ كانت عبارة مذبوحين دقيقة جدّاً. كان العديد من الذين قتلهم الإسلاميون مقضيّاً عليهم بواسطة السكاكين ومتروكين في مستوعبات القمامة أو على جوانب الطرق ورؤوسهم شبه مفصولة عن أجسادهم. وكان الأساتذة والصحفيون والجنود والمقاتلون الإسلاميون ورجال الشرطة والمسؤولون الحكوميون المحلّيون يذبحون يومياً. وغدت مفكّراتي حول الزيارات المرعبة التي قمت بها للجزائر مليئة بتفاصيل عمليات القتل الواضحة والفظيعة. يوم 27 كانون الثاني ـ يناير 1994 ، كان رجل عاطل عن العمل عمره 24 سنة في قرية قصر البخاري مذبوحاً كلّياً ورأسه ملقًى على درج قاعة سينما مهجورة. قال قاتلوه في بيان مُلصق على جدران القرية: "أمثولة لكلّ مَن يخرق مبادئ الإسلام". وعشية انعقاد مؤتمر وطني للأحزاب السياسية (لا حاجة إلى القول إن جبهة الإنقاذ استُبعدت عنه) ضُرب شرطي حتى الموت أمام مجموعة من الأطفال في عنّابة. وعشية انتهاء المؤتمر ، اغتال الإسلاميون سبع مدنيّين في ولاية جيجل ، أحدهم فرحات شيبوت (دكتور في التاريخ) الذي أُعدم أمام والديه وزوجته وطفليه. وكالعادة ، كان العالم الخارجي أكثر اهتماماً بضحايا الحرب الأجانب منه بالضحايا المحلّيين ، وهي حقيقة تلقّفها القتلة بذكاء.
التأشيرات
وتنفيذاً لوعدهم بإعدام كلّ مواطني الدول الصليبية ارتفع عدد ضحاياهم في أوائل كانون الثاني ـ يناير 1994 إلى 26 قتيلاً أجنبياً في الجزائر. وأدّى مقتل امرأة فرنسية مسؤولة في القنصلية إلى وقف كلّ التأشيرات إلى فرنسا. وتلا اغتيال مونيك آفري مقتل ريمون لوزوم وهو تونسي يهودي عمره 62 سنة كان يعيش في مدينة الجزائر طيلة ثلاثين سنة. وكان لوزوم اختصاصيّ نظّارات ، تزوّج بامرأة مسلمة وكان يسعى للحصول على الجنسية الجزائرية ، ولعب دور ضبّاط فرنسيين في سلسلة أفلام حول حرب الاستقلال.
وقد أصيب بعياريْن ناريّيْن في رأسه في شارع ديدوش مراد في وسط مدينة الجزائر. لم يكن التمرّد الإسلامي مُحتكراً للقتل. ففي أواخر 1993 كانت مجموعة حقوق الإنسان الجزائرية أوّل من أعلن أن الحكومة كانت تستخدم فًرق الموت في صراعها ضدّ الإسلاميين. وقدّمت رسالة مُعترضة للمخابرات الفرنسية حول هجوم الشرطة الجزائرية على معقل إسلامي الدليلَ على أنّ ضابطاً أعطى أوامر لرجاله بعدم أخذ أسرى. وفي كانون الأول ـ ديسمبر 1993 ، قتل إسلاميون ـ وهنا ربّما كان علينا البدء بوضع علامات اقتباس حول تلك الكلمة ـ اثني عشر مجنّداً في معسكرهم قرب سيدي بلعباس. وفي أوائل كانون الثاني ـ يناير 1994 ، تم توقيف جندي عند نقطة تفتيش روتينية للشرطة خارج مدينة الجزائر ، وعندما قدّم إذن الجيش بالمرور تمّ ذبحه على الفور.
كانت نقطة التفتيش مزيّفة وكان المسلّحون عنده متنكّرين بلباس الشرطة. أو هل كانوا كذلك فعلاً؟ أصبحت هذه الحواجز المزيّفة ظاهرة متكرّرة وتقترب من العاصمة كلّ أسبوع. وأصبح كل شيء واضحاً بسرعة للصحفيين القلائل الذين كانوا ما زالوا يسافرون إلى مدينة الجزائر وتبيّن لهم أن القتلة كانوا أحياناً رجال شرطة حقيقيين ـ يعملون للحكومة نهاراً وضمن حركات التمرّد ليلاً.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش