الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * * الحلقة الثانية والثلاثون

تم نشره في السبت 9 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك * * الحلقة الثانية والثلاثون

 

 
قصف اسرائيل لجنوب لبنان عام 1996 اودى بحياة 170 مدنيا
هآرتس تنتقد القوة الاسرائيلية المفرطة في سوء معاملة الفلسطينيين
باراك أعد فرقا لقتل قادة منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج
الانتفاضة أدت الى تدني معنويات الجيش الاسرائيلي
ورغم أن العديد من اليهود الأميركيين شعروا بالاضطراب نتيجة تصرّف الحكومة اليمينية الإسرائيلية والمغامرات الدامية التي تورّطت بها إسرائيل في لبنان وفلسطين ، فإن معظمهم لا يحبّذ اهتمام شتيرن بقول الحقيقة وهكذا كان بوش وكلينتون صامتيْن بينما طبّقت إسرائيل نظام الإعدامات ضدّ الفلسطينيين المحكوم عليهم بالموت لدورهم في "حماس" أو "الجهاد الإسلامي" أو أيّ تنظيم آخر يناهض الاحتلال الإسرائيلي للضفّة الغربيّة وغزّة. وليس هناك شيء جديد في حملة الإعدامات التي تتعدّى القانون

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

الفتاة والطفل والحبّ يجب استخدام الدم والدمار أيضاً وكذلك الأشياء المرعبة المألوفة ويجب على الأمّهات الابتسام فقط عندما يحتضنّ أشلاءَ أطفالهنّ المقطّعة من جرّاء الحرب إنَّ الشفقة ، كلَّ الشفقة ، مصدومة بعادة الأفعال الساقطة شكسبير ـ "يوليوس قيصر" كلّما حاولت أميرة حاس شرح مهنتها كصحفيّة إسرائيلية ـ وكصحفيّة من أيّ جنسيّة ـ استذكرت لحظة عصيبة من حياة أمّها. جرى نقل حنّة حاس في قطار ماشية إلى معسكر الاعتقال في برجن ـ بيسن (Bergen - Belsen) ذات يوم من صيف 1944. "ظلّت والنساء الأخريات عشرة أيام في القطار القادم من يوغوسلافيا ، وكنّ مريضات وبعضهنّ يحتضر في الطريق. ثم شاهدت والدتي النسوة الألمانيات اللواتي لا يكدن يُلقين نظرة على السجينات وغدت هذه الصورة أساسية في تشكيل وعيها: تلك النظرة الجديرة بالازدراء ، "نظرة من طرف العين"... وبدا لي المشهد كما لو أنني كنت هناك ورأيته بنفسي". ثم نظرت أميرة حاس إليّ من خلال نظّارتها بينما كانت تتحدّث ، لترى مدى فهمي للمحرقة (الهولوكست) اليهودية في حياتها. شرحت حاس في كتابها المثير "شرب البحر في غزّة" (Drinking the sea at Gaza) بفصاحة لماذا ذهبت كصحافية إسرائيلية للعيش في دُوَيلة ياسر عرفات القذرة المبعثرة. كتبت: "في الختام لم تنبع رغبتي في العيش في غزّة من المغامرة أو من الجنون ، بل من رهبتي أن أكون متفرّجة ومن رغبتي أن أفهم فهماً دقيقاً حتى آخر تفصيل عالماً كان ـ بحسب فهمي السياسي والتاريخي ـ صنيعة إسرائيلية بشكل مكثّف. بالنسبة إليّ ، تجسّد غزّة الرواية الكاملة للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني: إنّها تمثّل التناقض الرئيسي لدولة إسرائيل ـ الديمقراطية للبعض ، والحرمان للآخرين: إنّها وقاحتنا المكشوفة".
القدس
نحن في صيف 2001. تجلس أميرة حاس عند أسفل نافذة منزل زميلي فيل ريفيس في القدس وخلفها تسطع قُبّة المسجد الأقصى المصقولة في ضوء الشمس. فهي تعيش حالياً في "رام الله" وليس في القدس ، مع الفلسطينيين الذين يعتبرهم العديد من مواطنيها "إرهابيين". كانت تُنصت إلى اللعنات الفلسطينية الموجّهة إلى اليهود بسبب فًرَق المصادرة والتجريد من الملكيّة والقتل ، وبسبب المستوطنات ـ ممّا يجعلها من بين أَشجع المراسلين. ويتّصف مقالها اليومي في صحيفة "هآرتس" بإدانة سلوك إسرائيل في إساءة معاملة الفلسطينيين وقتلهم. ولم أدرك مدى الزخم ـ والعاطفة القويّة ـ في عملها إلا عندما كنت ألتقيها. وأبلغتني بالنظرة الثاقبة نفسها التي تريد أن تضمن فهمي: "هناك تأويل خاطئ حول إمكانية أن يكون الصحفيون موضوعيّين.
تصريح
يقول لي الفلسطينيون إنني موضوعية. أعتقد أن ذلك مهمّ لكوني إسرائيلية. لكن أن تكون مُنصفاً وأن تكون موضوعياً ليس الشيء نفسه. ما هي مهمّة الصحافة في الواقع ـ إنها مراقبة السلطة ومراكز السلطة". وفكّرتُ للحظة لو أن الصحفيين الأميركيين كانوا يستمعون إلى أميرة حاس. أولئك الصحافيّون الأميركيون الذين يكتبون تقارير جبانة من الشرق الأوسط ، خائفين من الانتقاد الإسرائيلي ، بحيث يحوّلون القتل الإسرائيلي إلى "هجمات مُحدّدة" والمستوطنات غير الشرعية إلى "ضواحْ يهوديّة". كانت أميرة تكتب كلّ يوم نصّاً حول اليأس ، هو سردّ زمني لا تتخلّى عنه عندما تتحدّث عن حياتها الشخصية. تبدأ من البداية ، بوالدتها وهي يهودية من سراييفو انضمّت إلى مؤيّدي تيتو واضطرّت إلى الاستسلام إلى النازيين عندما هدّدوا بقتل كلّ امرأة في مدينة ستنجي Cetinje في المونتنغرو ، وبوالدها الذي أمضى أربع سنوات في معسكر اعتقال ترانسينيستْريا (Transnistria) في أوكرانيا ، حيث تفشّى وباء التيفوس الذي أدّى إلى مقتل 50 في المئة من اليهود ، وفقدَ أصابعه بسبب الصقيع. وعندما جاء إلى إسرائيل انخرط في العديد من الاضرابات والتظاهرات كناشط شيوعيّ بعد الحرب. وفي بداية الخمسينيّات قامت الشرطة الإسرائيلية باعتقاله وأُحضًر أمام قاضْ طلب معرفة سبب رفضه إعطاء بصماته. "وضع والدي قدمَيه اللتين لا أصابع لهما على مكتب القاضي وقال: "لقد أعطيتُ بصماتي آنفاً". وأضافت أميرة حاس: "جمع أبراهام بين اليهودي القويّ والهويّة العلمانية ، كان اشتراكياً ولم يكن صهيونياً أبداً". تُعتبر قصّة حنّة وأبراهام أساسيّة لفهم أميرة. لقد ناضلا من أجل حقّ المساواة في الشتات "الدياسبورا اليهودية" وأرادا البقاء في الأراضي الأوروبية التي تحوّلت إلى مقابر جماعيّة. وقد عاد العديد من هؤلاء الناس إلى بلادهم بعد الحرب ـ وقبل السكّان هناك محنة اليهود بسهولة.
بلغراد
وعادت والدتي إلى بلغراد كواحدة من مجموعة "دجيلاس ميلو؟ان" الشيوعية. وكان قد نشأ نظام جديد في يوغوسلافيا لكن عندما ذهبتْ للتسجيل كمواطنة في بلغراد ، قالت لها الموظّفة: لكنّك هاجرت. "أترى ، لقد قام الألمان بترحيلها وما زالوا يسجّلون رسمياً أنّ المرحّلين هاجروا. وقد صدّقت الموظّفة أقوال الألمان". كانت تجربة مشتركة. رغم الدمار الكامل ، الذي تعرّضت له عائلات بأكملها من قًبل النازيين ، وكان الفراغ الناشئ عن "الهولوكست" اليهودية صعب الاحتمال. "جاء والداي إلى إسرائيل بشكل ساذج وقد غُرًّر بهما. لقد عرضوا عليهما منزلاً في القدس ، لكنّهما رفضا قائلين: لا نستطيع أخذ منزل لاجئين آخرين. وكانا يقصدان الفلسطينيين. لذلك ترى أنه ليس أمراً مهمّاً أن أعيش بين الفلسطينيين".
أصبحت أميرة حاس صحفية بالصدفة. فقد عاشت قبلاً من خلال وظائف غير منتظمة ـ عملت مرّة عاملة تنظيف ـ وسافرت إلى هولّندا "أحسست هناك بغياب الوجود اليهودي ودلّني ذلك على أمور عديدة ، وبخاصّة حول موقفي من إسرائيل وكوني غير صهيونية. هذا هو مكاني ، إسرائيل ، اللغة ، الشعب ، الثقافة ، الألوان...". تخرّجت حاس في الجامعة العبرية حيث كانت تجري بحثاً عن تاريخ النازيّة والموقف الأوروبي المتعلّق بالمحرقة اليهودية. "كنت عالقة. اندلعت الانتفاضة الأولى ولم أرغب أن أبقى في العمل الأكاديمي في الوقت الذي يجري فيه كل ذلك.
استخدمت الواسطة ، وأنت تعرف هذه الكلمة العربية ، للحصول على وظيفة كمحرّرة في مكتب صحيفة هآرتس ، وهي صحيفة ليبرالية حرّة التعبير ، والصحيفة الإسرائيلية الأقرب إلى صحيفة الإندبندنت. وعندما اندلعت الثورة الرومانية طلبت حاس إرسالها لتغطية الأحداث هناك ـ وكان لديها العديد من الاتصالات من زيارتها لبوخارست عام 1977. وكم كانت دهشتها عندما ، وافقت هآرتس رغم أنه لم يكن قد مضى على وجودها في الصحيفة سوى ثلاثة أشهر.
رومانيا
"عندما ذهبت إلى رومانيا سابقاً ، شعرت أن لديّ مسؤولية فلسفية لتذوّق الحياة في ظلّ هذا النظام الاشتراكي. كان ذلك أسوأ ألف مرّة ممّا تخيّلت. كان هناك ذلك الضغط الرهيب. فالحياة تحت الاحتلال الإسرائيلي ليست أسوأ من الحياة تحت حكم تشاوشيسكو في رومانيا. كانت اختناقاً غير محتمل. وهكذا غطّيت الثورة طيلة أسبوعين ثم عدت إلى صحيفتي. ولم تكن هآرتس تعرف ما إذا كنت قادرة على الكتابة ، وها هي تعلم الآن أنني قادرة. لكنني تعلّمت أيضاً عدم التطلّع الى ما يتطلّع إليه الصحفيون الآخرون". عام 1990 ، انضمّت بدعم من والديها إلى جماعة تُدعى "خطّ الاتصال المباشر للعمّال" وتساعد الفلسطينيين الذين يتعرّضون للغشّ من قًبل أصحاب العمل الإسرائيليين. "وصلتُ خلال حرب الخليج إلى غزّة الخاضعة لحظر التجوّل ـ ذهبتُ لإعطاء الفلسطينيين شيكاتهم من أرباب العمل الإسرائيليين.
عندها بدأت علاقتي الرومانسية مع غزّة. لم يعرف أيّ صحفي إسرائيلي غزّة أو يغطّي أخبارها. وكان رئيس تحرير صحيفتي متعاطفاً جدّاً. وعندما بدأت عملية السلام عام 1993 ـ طلبت وضع علامات اقتباس حول الجملة ـ اقترحت هآرتس تغطيتي لموضوع غزّة. وقال أحد المحرّرين: "لا نريد منك العيش في غزّة". وعرفت فوراً أنني أرغب في العيش هناك". منذ البداية ، استذكرت حاس أن هناك شيئاً قويّاً جدّاً حول التصرّف الفلسطيني ـ كان هناك الكثير من الدعابة والحالة النفسيّة الشخصية في هذه الظروف الصعبة.
وعندما اقترحت أن هذا شيء ربّما عرفتهُ عند اليهود ، وافقت حاس فوراً "بالتأكيد ، أنا يهودية أوروبية شرقية وحياة "الشتل" Shtetl) الحيّ اليهودي في أورويا الشرقية) مغروسة في داخلي. وأعتقد أنّني وجدت مثل هذا "الشتل" وأذكر أنني شاهدت في غزّة لاجئين من مخيّم جباليا ، جالسين على الشاطئ ينظرون إلى الموج. سألتهم عمّا يفعلون. وأجاب أحدهم أنه ينتظر أن يبلغ سًنّ الأربعين ـ إذن لديه من العُمر ما يكفي للحصول على تصريح للعمل في إسرائيل. هذه دعابة يهودية بامتياز". لكنّ حاس لم تجد أيّ دعابة في سياسة المنع الإسرائيلية ، وحصار المدن الفلسطينية وتقويض اقتصاد السكّان وشعبهم. "اكتشفت في أوائل 1991 أن سياسة المنع كانت خطوة ذكيّة من قًبل نظام الاحتلال الإسرائيلي ، نوعاً من الضربة الوقائية ، ووسيلة تضعف بشكل مُذهل أيّ نوع من التحرّك وردّة الفعل الفلسطينية. وكان الإغلاق هدفاً في حدّ ذاته أيضاً: إنّه فصل ديمغرافي ، ممّا يعني أنّ لليهود الحقّ في التجوّل في نطاق فلسطين القائمة. وقد أوصلت سياسة الإغلاق هذا الأمر إلى ذًروته...". وجدت حاس نفسها مُعجبة بالفارق بين الصورة الفلسطينية المعطاة والواقع. "فقد صوّرت الصحافة الإسرائيلية مدنهم على أنّها "وكر دبابير". لكنّني رغبت حقّاً في تذوّق ما يعنيه العيش في ظلّ الاحتلال ـ ماذا يشبه العيش في ظلّ حظر التجوّل ، العيش في حالة خوف من جنديّ.
أردت أن أعرف كيف يكون الإسرائيلي في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي". لقد استخدمت تلك الكلمة ، "تذوّق" ، مجدّداً ، كما فعلت بالنسبة إلى رومانيا في ظلّ الديكتاتورية. قالت إنها لا تزال تفكّر في رحلة والدتها إلى "بيلسن" Belsen:"كانت لديّ تلك الفكرة عن عدم التدخّل ، عدم تغيير أي شيء. ولحُسن الحظّ ، كان هذا يمتزج عندي مع الصحافة".
التغيير
وتتملّك حاس فكرة أن التغيير يمكن أن يحصل فقط من خلال الحركات الاجتماعية وتفاعلها مع الصحافة ـ صيغة غريبة قد تبدو غير منطقية ، لكن ليس هناك شيء غامض حول رسالتها. "فإسرائيل هي بشكل واضح مركز السلطة التي تُملي الحياة الفلسطينية. ولأنني إسرائيلية ، فإنّ من واجبي كصحفية مراقبة هذه السلطة. لقد سُمّيت "مراسلة في الشؤون الفلسطينية" لكنّ التسمية الأكثر واقعية هي أنني خبيرة في الاحتلال الإسرائيلي". وتقول إن ردّ الفعل الإسرائيلي كان عنيفاً جدّاً حيالها. "وصلتني رسائل تقول إنني كنت مراقبة لمعسكر الموت اليهودي لصالح النازيّين في تقمّصي الأول .ثم وصلتني رسالة إلكترونية تقول: أحسنتً ، لقد كتبتً مقالاً عظيماً ـ يحيا هتلر،.
مرض السرطان
وقال لي بعضهم إنهم يتمنّون إصابتي بمرض سرطان الثدي. وقال غيرهم: لن يكون هناك سلام حتى طرد جميع الفلسطينيين". لكنّ العديد من الإسرائيليين طالبوا أميرة حاس بالاستمرار في الكتابة. "لقد ضلّل الناس أنفسهم من خلال الاعتقاد بأنّ اتفاقية أوسلو مشروع سلام ـ لذلك أصبحوا غاضبين جدّاً من الفلسطينيين. وكان جزء من غضبهم موجّهاً ضدّي. لا يذهب الإسرائيليون إلى الأراضي المحتلّة.
لا يشاهدون بأمّ أعينهم. لا يشاهدون قرية فلسطينية أُقيمت مستوطنة على أرضها ، وقرية ليس فيها ماء وتحتاج إلى إذن رسمي لزرع شجرة ، ناهيك ببناء مدرسة جديدة. لا يفهم الناس كيف يفرض انتشار المستوطنات الإسرائيلية السيطرة على الأرض الفلسطينية". وبينما كانت والدتها ترقد وهي تنازع في ربيع 2001 ، كانت أميرة حاس جزعة من احتمال بقائها ضمن الحصار الإسرائيلي لرام الله ، حيث كانت تعيش ، وأن تمضي ساعات لاجتياز بضعة أميال حتى تتمكّن من زيارتها.
الآن ، أصبحت وحيدة. قبل شهرين من لقائنا ، توفّيت المرأة التي علّمتها احتقار الذين ينظرون من طرف أعينهم. حاليّاً ، أصبحت حاس مُلهمة بالنسبة إلى الصحافيين الذين يحاولون قول الحقيقة حول آخر حرب استعمارية عالمية. لقد حاضرت في أميركا ، وشاركت في عدّة حوارات إذاعية ومقابلات ، وكان عملها الذي لا يفتر أكثر ذكاء وتأثيراً.
حالة نموذجية
إنها لحَالة نموذجية أن تكتب امرأة يهودية عن الفلسطينيين بأسلوب أبلغ من أي صحفي آخر. كم هو رائع أن تكون امرأة يهودية أكبر سنّاً ، ولكنّها ملتزمة أيضاً ، من نيويورك ، هي التي تقاتل من أجل العدالة للمدنيين اللبنانيين الذين يعيشون حيث دُمّرت حياتهم في قصف "عناقيد الغضب" الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1996 ، والتي يُعتبر بحثها حول مجزرة قانا أرقى من أيّ شيء كتبه مؤلّف عربي. عندما نزل جدّ إيفا شتيرن من وسيلة النقل في معسكر الإبادة في "أوش؟يتز" عام 1944 ، مع والدتها وخالتيها من العائلة اليهودية المتديّنة ، كان لا يزال يحمل شال الصلاة. وقد حذّره سجين بولّندي أنه سيموت إذا لم يسلّمه ، لكنّه رفض بحسب قول إيفا شتيرن. "عندها أمر ضابط ألماني جدّي بأن يسلّمه الشال بينما كان ينتظر في صفّ الاختيار لغرف الغاز. رفض مُجدّداً. لذلك أطلق الضابط النار على رأسه وهكذا مات".
وفي ردهة فندق في منهاتن الحارّة ، تحدّثت شتيرن بسرعة وبصوت خافت نسبيّاً ، مستذكرة القصّة الرهيبة التي روتها لها والدتها حول رحلة العائلة من تشيكوسلوفاكيا إلى أوش؟يتز. "كانت في سنّ السابعة عشرة وحاولت إنقاذ إحدى شقيقاتها الصغار بحملها بين يديها. لكنّ سجينة أخرى أبعدتها عنها وأعادتها إلى شقيقتها لأن الجميع سيُقتلون إذا شاهد المدعو منجيل المرأتيْن مع طفل. وهكذا تمّ اختيار شقيقتها وأولادها للموت. ونجت والدتي. قُتل سبعون فرداً من عائلتها على الأقلّ. ونُقلت إلى معسكر اعتقال را؟نسبروك Ravensbruck وأُطلق سراحها فيما بعد من قًبل الجيش الأحمر. وقد كان لحادثة الطفلة تأثير كبير. وأستطيع القول بنزاهة إن والدتي لم تنم طيلة خمسين عاماً". لكن طريقة وفاة جدّها أهارون هيرش ـ المفكّر التلمودي البالغ من العمر عشرين عاماً والذي أُعدم بعدما رفض تسليم شال الصلاة ـ هي التي رسمت حياة إيفا شتيرن. فتحت شتيرن ملفّاً كبيراً على المقعد المجاور وعملت على لجم غضبها بألم. كان عنوان الملفّ: عملية إسرائيل "عناقيد الغضب" ومجزرة قانا. وكان هذا العمل من صنعها وهو مزيج من التقارير الجديدة والصور حول قصف إسرائيل عام 1996 الذي أدّى إلى مقتل 170 مدنياً لبنانياً ، منهم 107 في قانا بينهم 55 طفلاً. وجّهت شتيرن إصبعها بغضب إلى إحدى الصور ، التي تظهر جنوداً إسرائيليين يقفون أمام دبّاباتهم على الحدود اللبنانية ، ويقول كلام الصورة: "أوقف الجنود الإسرائيليون لفترة وجيزة قصفهم وذلك لإحياء ذكرى يوم الهولوكوست" ونظرت شتيرن إليّ بحيث أستطيع رؤية مدى غضبها. وسألت: "ماذا كان جدّي ليقول عن ذلك؟ ماذا كان تفكير هؤلاء الإسرائيليين بينما كانوا يضعون شالات الصلاة؟ هل كانوا يصلّون: "أبانا الذي خلق الجنّة ، ساعدني في قتل أكبر عدد ممكن من العرب؟" أيحقّ لهم الآن أن يقتلوا دون أن يشعروا بأي ذنب؟" تعتبر لفظة "أرابوشيم" Arabushim عبارة عُنصريّة لكلمة عرب باللغة العبرية وقد استُخدمت لاحقاً في مقابلة أجرتها صحيفة إسرائيلية من قًبل جنديّ مدفعيّ أطلق النار على قاعدة الأمم المتحدة في قانا.
المغامرات
وقد ضمّنت شتيرن ملفّها ترجمة إنكليزية لمقابلة في صحيفة كول هائير Kol Ha'ir ، ومجموعة من الوثائق أرسلتها إلى الأمم المتحدة ، وإلى الوفد اللبناني للأمم المتحدة وإلى كبار الصحفيين الأميركيين في نيويورك. كانت تأمل إقناع الأخيرين بإحياء الذكرى الأولى لمجزرة قانا. كان شعورها بالمهانة شجاعاً وفريداً.
ورغم أن العديد من اليهود الأميركيين شعروا بالاضطراب نتيجة تصرّف الحكومة اليمينية الإسرائيلية والمغامرات الدامية التي تورّطت بها إسرائيل في لبنان وفلسطين ، فإن معظمهم لا يحبّذ اهتمام شتيرن بقول الحقيقة.
لكنّها كانت مثابرة: "تحرّكت مشاعري ببطء. كانت لديّ مشكلة دائماً مع الطاعة المطلقة للسلطة ـ لذلك كنت أقع دائماً في سلسلة من المشاكل. وعندما فكّرت في الفظائع التي ارتكبها الإسرائيليون ، شعرت بواجب التكلّم كوني دافعة ضريبة أميركية ويهودية أميركية. إذا كان من الممكن تحميل الألمان العاديّين الذين يعيشون في ظلّ القمع الكلّي مسؤولية الجرائم التي ارتكبها النازيّون بسبب عدم رفع أصواتهم ، فكم هو حجم مسؤوليتنا نحن الذين نعيش في بلد يسمح بحرية الكلام؟ إذا كان الألمان العاديّون مذنبين بعدم الكلام ، فنحن أيضاً مذنبون بسبب صمتنا حول قانا لأننا لا نعيش في حالة خوف من فًرق الموت. ما أقوم به ليس شجاعة ، وإنما هو عمل جيّد يجب القيام به. ولو تكلّم عدد كافْ من الألمان الصالحين في ذلك الوقت لكان من الممكن ربّما تفادي حدوث الهولوكوست. بالطبع لا ، لكنّني أعلم أنني سدّدت ، كدافعة ضرائب ، ثمن القذائف التي سقطت على قانا. وبناء عليه إذا بقيت صامتة ، فلن أكون أفضل من أولئك الألمان. لقد ادّعت إسرائيل أنها ممثّلة للشعب اليهودي.
حقوق الانسان
ومن المهمّ للعالم معرفة أنهم لا يتحدّثون باسم يهود العالم. إنهم لا يمثّلونني بشكل واضح. إذن لديّ واجب الكلام". كانت إيفا شتيرن تعمل سكرتيرة في مؤسّسة قانونية في منهاتن ، وهي درست في مدرسة بنات بروكلين الدينية وقد حصلت على تشجيع في حملتها من نعوم شومسكي أكثر فلاسفة ولغويي أميركا غضباً وشهرة ، ومن المؤلّف الناجي من غيتو وارسو السابق إسرائيل شاحاك الذي كانت تحفظ قصّته عن إسرائيل عن ظهر قلب. "كتب أن أيّ مساندة لحقوق الإنسان بشكل عامّ من قًبل يهودي لا تتضمّن دعماً لحقوق الإنسان لغير اليهود الذين خُرقت حقوقهم من قًبل الدولة اليهودية تُعتبر مُحبطة مثل دعم حقوق الإنسان من قًبل ستاليني. وقد أثّر ذلك بي فعلياً".. كان والد شتيرن ، حاييم ، يهوديًّا هنفاريًّا نجا أيضاً من معسكر الاعتقال. "كانت والدتي ابنة عمّه وقد تزوّجا عام 1949 وولدت أنا بعد ذلك بسبع سنوات. ما زال والداي حَيّين ويعرفان مشاعري تجاه الفظائع الإسرائيلية. ولديهما مشاعر متناقضة إلى حدّ ما في هذا الشأن. فهما يعتقدان بأنني على حقّ في إدانة ذلك. ونتيجة ما عانياه فإنهما يعتقدان أن العالم بمُجمله مُعادْ للساميّة ولذلك عندما يحصل عمل إرهابي ضدّ الاسرائيليين لا يضعانه ضمن سياق الصراع العربي ــ الإسرائيلي. إنني أندّد بقوّة بأيّ هجوم إرهابي. لكنّ والديَّ يريانه من منظور أنّ العرب معادين للساميّة ، ولذلك هناك عمل إرهابي. أرفض التنديد بوالديّ بسبب مشاعرهما. ومن ذلك مثلاً أنهما يعتبران الألمان كلّهم نازيين لأنهما لم يصادفا إلا نازيّين خلال تجربتهما. وبالنسبة إلى معظم الفلسطينيين ، فإن معظم اليهود الذين عرفوهم من اليهود الظالمين. ومن المؤكّد أن الفلسطينيين لم يصادفوا في مخيّمات اللاجئين أيّ يهودي جيّد ومبدئي". لكنّ محاولة إيفا شتيرن إقناع الصحفيين الأميركيين إحياء ذكرى مجزرة قانا قوبلت بالتجاهل. ولم تنشر أيّ صحيفة أميركية رئيسيّة واسعة الانتشار فقرة أو تقريراً إخبارياً موجزاً حول قيام الأمم المتحدة في لبنان بإحياء الذكرى الأولى لحمّام الدم. وبعكس إيفا شتيرن ، ظلّ الصحفيون الأميركيون صامتين وكذلك رؤسائهم. وقد شجّعت مجلّة المؤسّسة القانونية في منهاتن موظّفيها على الكتابة عن اهتماماتهم خارج أوقات العمل ، فكتبت شتيرن قصّة مؤثّرة حول تحقيقاتها المتعلّقة بقانا وبمجزرة عام 1982 ضدّ الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا. إلا أن مسؤولاً في المؤسّسة رفض نشر مقالها بحجّة أنه حسّاس ويمكن إساءة فهمه. بعد فترة قصيرة من لقائي إيفا شتيرن ، وصلت رسالة إلى بريدي في بيروت من نًزار هنداوي. هل تذكرون الاسم؟ كان هنداوي هو الفلسطيني الذي أعطى يوم 17 نيسان ـ أبريل 1986 صديقته الإيرلندية البريئة والحامل آن ماري مورفي قنبلة لتحملها على طائرة العال في مطار هيثرو في لندن. وكان يمكن أن يؤدي انفجار القنبلة التي تزن 5,1 كلغ من السيمتكس إلى تدمير الطائرة وقتل جميع ركّابها بمن فيهم خادمة الغرف الشابّة التي صدّقت أن هنداوي سيصل إلى إسرائيل بعد أيّام قليلة للزواج بها. وكان قد طلب حماية رجال الأمن السوريين في لندن قبل أن يقرّر تسليم نفسه. وقد حُكم عليه بعد ستة أشهر في أولد بايلي Old Bailey بالسجن خمساً وأربعين سنة ، وهي أطول عقوبة في التاريخ الجنائي البريطاني. لذلك ، كانت رسالته إليّ تحمل عنوان سجن صاحبة الجلالة "وايتمور" في كامبريدج شاير . كانت رسالة مهذبة لكنّها تحمل مغزى واضحاً: "إذا كان يمكن إطلاق سراح قتلة منظّمة إيرا (الجيش الجمهوري الإيرلندي) IRA المعتقلين لجرائم سياسية فعندها يجب إطلاق سراحه.
قضية سياسية
وقد كتب بلغته الإنكليزية الضعيفة: "قضيّتي سياسيّة كما تعلم ، لا أحد يذهب لتفجير طائرة ركّاب لأسباب شخصيّة. وأعتقد أنه لو لم تكن الطائرة إسرائيلية ولم تكن في بريطانيا لما عوقبت بهذا القدر الذي يُعتبر الأطول في تاريخ بريطانيا المعاصر". لم تكن مشكلتي الأولى في رسالة هنداوي سياسية. لقد اكتشف العديد من رجال إيرا ، وكذلك القتلة شبه العسكريين البروتستانت في إيرلندا الشمالية ، إحساساً عميقاً بعدم الراحة والندم حيال الأفعال الرهيبة التي ارتكبوها. وحتى العجوز غاستي سبنس ، أوّل القتلة من جماعة الموالين للإنكليز ، فقد خرج من السجن مسيحيّاً تائباً. وحتى الآن ، لم أجد أي إشارة ندم في رسالة هنداوي إليّ ، ولا حتى أدنى دليل على أنه يشعر بالندم على ما حاول القيام به. كانت فقرة ، "لا أحد يقوم بتفجير طائرة ركّاب لسبب شخصي" ، مرعبة. وقد كتبت في صحيفة الإندبندنت أن تصنيفه لقوى الشرّ واضح جدّاً. فهو يقول إن نسف طائرة لأسباب شخصية ـ إذا افترضت أنه كان يكره الركّاب ـ عمل لا يُغتَفر. ولكنّ الأمر غير ذلك إن كانت الأسباب سياسية ، أي في حال كان الركّاب وحتى صديقته الحامل آن ماري مورفي لا أهمّية لهم عنده... مشيراً إلى قضيّته الشخصية بأنّها تاريخية. تابع هنداوي: لم أُفاجأ. فبالنسبة إلى السلام الإيرلندي الذي تسانده غالبية الشعب في بريطانيا وإيرلندا ، فإن السياسة التاتشريّة القديمة بتجريم كلّ الأشرار قد سقطت. كان هناك أطفال قتلة ، وزوجات قتلة ، وقتلة من المافيا ، ورجال مأجورون يجب أن يبقوا في السجن ، وهناك سياسيّون قتلة ومأجورون قتلة ذهبوا الآن إلى ديارهم. أحببنا ذلك أم لا ، هكذا تنتهي معظم الحروب. هناك نوع من التجاوز للذنوب. فالرجال الذين لقّبناهم بالإرهابيين ـ جومو كينياتا ، مناحيم بيغن ، الأسقف مكاريوس ، جيري آدامز ، ياسر عرفات ـ لديهم عادة غريبة في التحوّل ، إلى حدّ البروز لاحقاً وهم يجرون محادثات في داوننغ ستريت ، ويحتسون الشاي مع الملكة إليزابيت أو يُجرون أحاديث ودّية في البيت الأبيض. لكن أين يترك هذا كلّ السجناء من الحروب الأخرى؟ نظريّاً ، يمكن أن يؤثّر اتفاق السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي على قضيّة هنداوي. لكنّ السلام أصبح الآن ميتاً ، وقد أشار هنداوي بشكل مثير إلى اعتقاده بأنه كان يعمل لصالح السوريين (ھ).
لم أردّ مباشرة على رسالته. لكنّني كتبت مقالاً حول رسالته قلت فيه إنني أريد "الحصول على معلومات أكثر عن نزار هنداوي الحقيقي" ـ وكيف لرجل (مهما يكن مَن يعتقد أنه يعمل لصالحه) أن يعطي قنبلة لصديقته الشابّة التي تحبّه ، المرأة التي تحمل طفله ، مع معرفته أنّ ذلك يعني هلاكهما وهلاك جميع من معهما. أرسلت لهنداوي نسخة من المقال.
رسالة
وبعد أكثر من ثلاثة أشهر وصلتني رسالة أخرى منه. كانت غاضبة وتنمّ عن انزعاج ، وقد كُتبت من أعماق أحاسيس الإذلال التاريخي. فالهنداوي على الرغم من ضعف لغته الإنكليزية قام بمحاولة لإعادة تمثيل الخيانات في الشرق الأوسط مستخدما لغة المجاز ليصف نفسه (التي كان يلومها بقسوة) على أنها كانت أداة "الإرهاب" الذي دعا فرنسا وبريطانيا إلى إنهاء انتدابهما وإلى خلق دولة إسرائيل... قالت الرسالة: "اعتقدتُ أن من المفيد لك أن تعرف أكثر قليلاً حول نزار هنداوي الحقيقي... يبدو لي أنك لم تعثر على ذلك القليل... أنا نزار هنداوي الذي دعا أباطرة بريطانيا وفرنسا إلى المنطقة العربية ـ الشرق الأوسط ـ لتقطيع الحلوى ولتعليم العرب كيفيّة لعب الكريكت. لكنّ النقطة الأهمّ لهذه الدعوة هي إيجاد أو ملء "أرض بلا شعب بشعب بلا أرض". وهكذا ، أحضر إمبراطور بريطانيا في أوروبا "شعباً بلا أرض إلى أرض بلا شعب". وهكذا أُعطيت لذلك الشعب مجّاناً قطعة الأرض التي أسموها "إسرائيل". لكن استمرّت لعبة الكريكت لفترة طويلة وكانت تحتاج إلى وقت لكي تنتهي. ولقد ذهب الحَكم إلى الأبد.
وقف اللعبة
هل تعتقد أنه ربّما يعود لوقف اللعبة؟ تلك اللعبة التي كنت مؤسّسها أنا نزار هنداوي ، مؤسّس وقائد عصابة هاغانا ، وأرغون وشتيرن ، المنظّمات الإرهابية ، وبأوامري المباشرة انطلقت حملة من الإرهاب والعنف التي استهدفت بشكل خاص المدنيين... أمرتُ بتفجير فندق الملك داود في القدس ممّا أدّى إلى مقتل حوالى 90 بريطانياً. أمرت بغزو لبنان وبيروت الغربية وقمت بمجازر مخيّمات صبرا وشاتيلا. وهاك بعض المعلومات الإضافية لك يا عزيزي السيّد روبرت فيسك حول نزار هنداوي المسؤول عن قتل وتعذيب واختفاء أكثر من 4 آلاف شخص في تشيلي وليس الجنرال أوغستو بينوشيه. أنا المسؤول عن إبقاء العقوبات ضدّ العراق... الآن تستطيع فهم نزار هنداوي وأعماله الشريرة". إن استخدامي لكلمة "الشرّ" ، وقبل أن يتمّ تحوير معناها من قبل جورج بوش الابن ، قد أزعج هنداوي. لكن ليس هناك أدنى شكّ في مغزى هذه الرسالة. يَجري سجن المجرمين الصغار مثل هنداوي لفترة خمسة وأربعين عاماً. لكنّ المجرمين الكبار ـ مناحيم بيغن ، بينوشيه ، بريطانيا وفرنسا بتاريخهما الاستعماري ـ يفلتون بجرائمهم. وهناك فقرة من رسالته المكتوبة بخطّ يده يثني فيها على "سوريا الكبرى" ، الولاية العثمانية التي كانت تضمّ أراضي فلسطين وسوريا الحالية ـ الشام ـ بلاد الشام ـ التي وجدت "قبل أن أرسل الدعوة إلى حكّام بريطانيا وفرنسا".
مأساة
كتب أنه فخور بحبّه لسوريا: وأنهى هنداوي رسالته بالتعبير عن حبّه للرئيس السوري حافظ الأسد. هناك الكثير ممّا أرغب في معرفته حول هذه القضيّة. ومن ذلك: لماذا صرّح محامي الدفاع عن هنداوي ، جيلبرت غراي ، في محاكمته عام 1986 بأنّ دولة أخرى قد تتّخذ إجراءً ما إذا حُكم على هنداوي (وهذه كانت ملاحظة قال القاضي السير وليم مارس جونز ، الذي حكم على المتّهم بخمسة وأربعين عاماً سجناً ، إنها ما كان يجب أن تُقال أبداً". هل كانت الدولة المفترضة سوريا؟ ولدى طبيبْ نفساني الكثير ليقوله أيضاً حول رفض هنداوي مناقشة موضوع "الفتاة والطفل والحبّ" لأن ذلك بالتأكيد هو الحلّ لمُجمل هذه المأساة. إنّ ما يواجهه هنداوي هو المأساة السياسية للشرق الأوسط ـ (وغباء عالم يُعاقب المجرمين الصغار بالسجن 45 عاماً ، لكنّه يسمح في الآن نفسه للذين كانوا مسؤولين عن القتل الجماعي بالبقاء أحراراً) وليس النتاج المباشر والواضح لضميره الأخلاقي. أجل ، أنا في انتظار هنداوي ليطلعني على موضوع "الفتاة والطفل والحبّ". وكذلك آن ماري مورفي أيضاً التي أجرت أوّل مقابلة صحفية بعد 18 عاماً من محاولة هنداوي تهريبها وطفلها غير المولود بعد على رحلة العال في مطار هيثرو مع قنبلة... وقد اشتكت في تلك المقابلة من أنّ هنداوي حصل على مساعدة قانونية لطلب مراجعة لعقوبته: "ذلك الرجل هو شرّ مطلق. أنت تتحدّث عن رجل لم يُظهر أبداً أيّ ندم أو أعرب ولو لمرّة عن أسفه... ماذا عن حقوق الإنسان بالنسبة إلى جميع الأشخاص الذين كانوا على متن الطائرة وحاول قتلهم؟ لقد حملني بين يديه وقبّلني على وجنتي. وفي المرة التالية التي رأيته فيها ، قال إننا سنتزوج. وبهذا ابتسم ووقف هناك مودّعاً. حمل الحقيبة طيلة الوقت إلى المطار ومن ثمّ أعطاني إيّاها بينما كنت أستعدّ للدخول. تركني في المبنى رقم 1 للمغادرة مدّعياً أنّ رحلته تنطلق من المبنى رقم 3. أتذكّر مروري بالكلاب البوليسية وبنقطتَي تفتيش قبل أن يطلب حارس منّي الوقوف جانبا للحظة. وعندما فتحوا الحقيبة ونظروا ما بداخلها انهار كلّ عالمي". إذا كان عليَّ دخول عالم هنداوي ولست متأكّداً أنني أريد ذلك ـ وأنا في انتظار رسائل أخرى من سجن وايتمور حول هذه المسألة ـ فهل أجد المنطق نفسه الذي استخدمه إيغال أمير ، قاتل رابين ، الذي سيشير إلى سًفر يوشع لتبرير كيف أنه "إذا غزوت أرضاً ، عليك قتل الأطفال والصغار،؟
المتفجرات
أليس هذا هو التفكير نفسه ـ أو الافتقار إليه ـ الذي يسمح لانتحاري فلسطيني بأن يرى ضحيّته قبل ضغط الزرّ وتفجير المتفجّرات؟ يقوم الانتحاري بالقضاء على حياته لكن لديه الخصوصية المرعبة في النظر إلى القتلى اللاحقين ، الجنود أو ـ لنتكلّم بصراحة ـ أطفال محلّ البيتزا الإسرائيليين أو الفتيات في الحافلة اللواتي سيختفَين من هذا العالم. حاول الإسرائيليون والبيت الأبيض التقليل من العنصر المدمّر للانتحاريين ووصفوهم بغباء ، "بالمفجّرين القتلة" ، وهو وصف يُعتبر سخيفاً ، لأنّ كل المفجّرين ، أكانوا انتحاريين أم لا ، هم قتلة. والفارق هو أنّ الانتحاري لا يقتل نفسه فقط ـ هكذا يصبح شهيداً بالنسبة إلى المجموعات الفلسطينية. لكنّه في النهاية قاتل. إنهم يشاهدون الذين سيقتلونهم. إنهم يمسكون بأيديهم ، بشكل ما ، حياة الأبرياء وموتهم. ويعود الخيار إليهم للضغط على زرّ التفجير. لكنّ هنداوي لم يكن يخطّط بالطبع للضغط على أيّة أزرار. كانت آن ماري مورفي هي الزرّ. وإذا أردنا تصديق رسائله إليّ ، فإن التاريخ كان هو المفجّر. أنا أقف في غُبار مخيّم اللاجئين الفلسطيني ورُكامه في خان يونس في بداية عام 2001 ، ويشير دفتري إلى تاريخ 15 نيسان ـ أبريل مع الكلمات التالية: لو أنّ هذا حصل في أيّ بلد آخر لكان فضيحة وإهانة. "كتبت في تقريري إلى الإندبندنت تلك الليلة: "لو دمّر الفلسطينيون عن قصد منازل 200 إسرائيلي ، لعنى ذلك: بربرية ، إرهاباً ، وتحذيرات جدّية لعرفات من الرئيس الأميركي الجديد جورج بوش الابن لكبح العنف. لكن كان اليهود هم مَن دمّر منازل 200 فلسطيني على الأقلّ في غزّة صباح أحد الفصح عام 2001 ، وقاموا بجرف أثاثهم وملابسهم ومواقد الطبخ والسجّاد والفراش مع ركام حظائرهم بحيث بدت ناحية من خان يونس كأنّها ضُربت بهزّة أرضيّة. وهذه الأمور بالطبع لم تكن إرهاباً ، كانت أمناً. جلس المسنّون كالتماثيل بين أنقاض منازلهم التي دمّرها الإسرائيليون. وقد طُرد العديد منهم مثل أحمد حسن أبو رضوان (75 سنة) من بيوتهم في فلسطين ـ بالنسبة إليه من بئر سبع ـ عام 1948 ، والآن تمّ حرمانهم للمرّة الثانية من قًبل الأشخاص أنفسهم بعد 53 سنة ، وهذه المرّة برعاية أرييل شارون. ربّما كان من المستحيل وَصْمُ التاريخ بالعار. فما حصل في خان يونس ـ رغم إرفاق الإسرائيليين تخريبهم بالكلام عن الأمن ـــــ كان وصمة عار. كان ذلك تدميراً لبيوت ـ لنسمّه تدميراً داخلياً ـ على نحو لا سابق له حيث تمّ إرسال مجموعة من الجرّافات لسحق هذا الجزء من خان يونس عند البحر حيث ـ وفقاً للجيش الإسرائيلي ـ أُطلقت عيارات باتجاه جنود الاحتلال. وعندما انطلقت الآليّات من الطريق عند الشاطئ بعد منتصف الليل ، هرب آلاف الفلسطينيّين من أكواخهم ومنازلهم وهم ينتحبون. فرّ العديد منهم إلى أقرب مسجد ، حيث استخدموا مُكبّرات الصوت وطلبوا من جيرانهم حمل السلاح والمقاومة. وأمام المفاجأة الظاهرة للجيش الإسرائيلي ، فإن هذا هو ما قام به الجيران.
الجرافات
وعندما رُفًعت البنادق في وجه الجرّافات ، هُرعت دبّابتان إسرائيليتان على الأقلّ على الطريق نفسها وبدأت بإطلاق القذائف على أقرب الأبنية. وبرزت طائرة هيلكوبتر "أباتشي" من الظلمة وأطلقت صواريخ على تلك الأبنية. وكما يتذكّر المسنّ أحمد حسن أبو رضوان وعائلته بوضوح فقد تحرّكت فجأة من الظلمة جرّافة مع فصيلة من الجنود الإسرائيليين وعندما رفعت مًجرفتها إلى أعلى مستوى أطلق الجنود النار. استمرّت المعركة المسلّحة أربع ساعات وأدّت إلى مقتل فلسطينيين وإصابة ثلاثين بجروح ، اثنا عشر منهم بحالة خطرة ، وبينهم فريق تصوير من "رويترز" كانوا يصوّرون عندما انفجرت قذيفة على الحائط الذي كانوا يقفون خلفه. لقّن أرييل شارون (الجرّافة الكبرى) الفلسطينيين درساً آخر. ولكن إذا شقّ المرء طريقه عبر رُكام 35 منزلاً ، فسرعان ما يدرك أن الدرس الذي فهموه لم يكن هو الدرس الذي أرادته إسرائيل. وقد أوضحت مريم أبو رضوان ، ابنة عمّ المسنّ أحمد ، بفصاحة: "لم تعد عندنا حياة بعد الآن. هذا تدمير لحياتنا. دعوهم يقتلونا ـ رجاءً دعوهم يقتلونا ـ ونحن نستطيع الموت هنا.
ودعوا الإسرائيليين يموتوا أيضاً. لا أحد يكترث لنا ـ لا دول عربية ولا دول أجنبية. كان أحد القتيليْن يُدعى رياض إلياس ، وهو ضابط أمن فلسطيني ، وقد قُتل وهو يقاوم الإسرائيليين.
مستشفى ناصر
والثاني هو هاني رزق ، وكان معروفاً منّي كعامل تنظيفات في مستشفى ناصر المحلّي ، المستشفى نفسه الذي أُخذت إليه جثّته قبل دفنها بعد ظهر الأحد. وعلى أحد أسرّة المستشفى يرقد المزارع إبراهيم عامر البالغ من العمر 35 سنة ـ أُصيب في ظهره وجنبه برصاص الأسلحة الرشّاشة من الهيلكوبتر بينما كان هارباً ـ متألّماً من جراحه. قال إنه رأى رزق يركض في الشارع "عندما أصابت زخّة من رصاص الهيلكوبتر حائطاً وارتدّت عليه وأصابته ـ كانت في جسمه 12 رصاصة على الأقلّ". هل كان الفلسطينيون يطلقون النار على الإسرائيليين من هذه المنازل؟ ولو سألت أيّاً كان وسط هذا الركام لقال إنه لم يشاهد أحداً ، وهذا ليس كالقول بأن لا أحد أطلق النار من هنا. كان ذلك أكثر من نسبيّ ، فقد كانت العملية الإسرائيلية هجوماً متعمّداً ضدّ المدنيين. كان أحمد حسن أبو رضوان ، مثل العديد من أولاد عمّه ، مزارعاً بدويّاً عندما تقدّم الإسرائيليون باتجاه منزله في بئر سبع عام 1948 حيث عاش مع والده حسن ووالدته شيماء وأخوته الأربعة. ومنذ ذلك الحين ، عاش فقيراً في خانيونس ، وكان ينام في منزله المؤلّف من سبع غرف مع زوجته فاطمة وأولادهما وأحفادهما البالغ عددهم 23 شخصاً عندما سمع صوت الجرّافات الإسرائيلية. قال: "ما حصل لي الآن هو ما حصل لي منذ خمسين عاماً. أشعر بحالة من الغضب. السلام الآن؟ لا أعتقد ذلك. لقد أغدق اليهود الكثير من الوعود لنا لكنهم لا يحافظون على وعودهم". وكالمعتاد ، أُطلقت العيارات النارية في الهواء في تشييع الجنازتيْن بعد ظهر الأحد. وقبل ثلاث ساعات ، تمّ دفن وائل الحواتر الطبيب العسكري الفلسطيني ، الذي سقط ضحيّة لهجوم الليلة السابقة الذي قامت به طائرة هيلكوبتر على ما أسماه الإسرائيليون "قاعدة بحريّة فلسطينية" ـ وبالطبع ليست لدى الفلسطينيين بحريّة أو سفن ـ وهكذا بدأ النهار وانتهى بالتقليد المألوف في غزّة: بالجنازات. ولا حاجة إلى القول إنّ السيّد بوش ظلّ صامتاً.
بوش
وهكذا كان بوش وكلينتون صامتيْن بينما طبّقت إسرائيل نظام الإعدامات ضدّ الفلسطينيين المحكوم عليهم بالموت لدورهم في "حماس" أو "الجهاد الإسلامي" أو أيّ تنظيم آخر يناهض الاحتلال الإسرائيلي للضفّة الغربيّة وغزّة. وليس هناك شيء جديد في حملة الإعدامات التي تتعدّى القانون. وعندما ذهب الإسرائيليون وراء أبو جهاد ـ خليل الوزير ـ في تونس عام 1988 ، استخدموا حوالي 4 آلاف رجل لاغتياله. فقد كانت هناك طائرة "أواكس" فوق تونس ، وسفينتان حربيّتان في المتوسّط وطائرة "بوينغ "707 للتزوّد بالوقود وحوالى أربعين رجلاً للنزول إلى الشاطئ ومحاصرة منزل نائب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ، وأربعة رجال وضابط لقتل ضحيّتهم. وقد روى لي جهاد الوزير ، ابن أبو جهاد ، الذي يعيش الآن في غزّة مع الانتفاضة الثانية ، بالتفصيل كيف تمّ إعدام والده. "قاموا أوّلاً بقتل الحارس الذي كان نائماً في الخارج داخل سيّارته ـ ثمّ قتلوا البستانيّ والحارس الثاني. وكان والدي يكتب في مكتبه فتوجّه إلى الردهة حاملاً مسدّسه. وأطلق رصاصة واحدة قبل إصابته. تتذكّر والدتي كيف تقدّم كلّّ من الرجال الأربعة نحوه وأفرغ مخزناً من الذخيرة من سلاح أتوماتيكي بوالدي ـ كما لو كان ذلك نوعاً من الطقس الديني. ثم تقدّم ضابط يضع قناعاً أسود وأطلق النار على رأسه للتأكّد من موته". وقد أصبحت فًرق القتل الإسرائيلية أرخص الآن: رُقاقة كمبيوتر تُشغّل القنبلة في هاتف خليوي ، أو عميل من العائلة ، أو رذاذ من الشعاع على سقف سيّارة لإنذار طائرة أباتشي إسرائيلية لإطلاق صاروخ هلفاير Hellfire على السيّارة الفلسطينية. إنه اغتيال بعيد المدى. وإنها حرب دولية غير قانونية كان الفلسطينيون أنفسهم متّهمين بها في الماضي. ففي مرحلة السبعينيّات ، كان العملاء الإسرائيليون وعملاء منظمة التحرير يقتل بعضهم بعضاً في أوروبا وفق سياسة الردّ والردّ المضادّ ممّا أغضب قوّات الأمن الأوروبية. وفي بيروت ، تورّط اثنان من الإسرائيليين في قتل زعماء فلسطينيين وهما إيهود باراك وآمنون شاحاك. وقد أصبح شاحاك قائداً عسكرياً إسرائيلياً في لبنان عام 1982. في حين أن إيهود باراك الذي أصبح رئيساً للوزراء هو مَن يُعيد الآن إطلاق فًرق القتل. ولدى "حماس" و"الجهاد" قتلة خاصّون بهما ، ويقتل انتحاريّوهما المدنيين والجنود على السواء ، والضحايا المجهولون هم أكثر من ضبّاط المخابرات الإسرائيلية. لكنّ القتلة الإسرائيليين يقتلون أرواحاً بريئة أيضاً. فقد أدّى هجوم هيلكوبتر على مقاتل فلسطيني عام 2001 إلى تمزيق امرأتيْن فلسطينيّتيْن أشلاء ولم يقدّم الإسرائيليون اعتذاراً. وقد اعترف ابن أخي فلسطينيّ اغتاله الإسرائيليون في نابلس لاحقاً للسلطات الفلسطينية بأنه هو مَن حدّد مكان عمّه للإسرائيليين. وقال للمحقّقين: "قالوا لي إنهم كانوا سيعتقلونه فقط. ثم قاموا بقتله". وعندما أعطى أرييل شارون الأمر بقتل مسؤول من حماس في غزّة ، قامت طائرة إسرائيلية بقصف مجمّع سكنيّ ممّا أدّى إلى مقتل 17 مدنياً بينهم تسعة أطفال. ووصف شارون الهجوم بأنه انتصار على الإرهاب. ويعتقد جهاد الوزير ، وهو باحث اقتصادي في غزّة الآن ، أن الأشخاص الذين يستبعدون استهدافهم ، يجدون أنفسهم الآن عُرضة للهجوم. "هناك جهاز مشترك بين الجيش الإسرائيلي ومخابرات سلاح الجوّ والموساد والشين بيت ، يعمل معاً ، ويغذّي الجميع بالمعلومات. يستطيعون عبور الخطوط بين المنطقة ج والمنطقة ب في الأراضي المحتلّة. وهم يقومون بعمليّاتهم عادة عندما تكون معنويات جيش الدفاع الإسرائيلي منهارة. عندما قتلوا والدي ، كانت معنويات الجيش الإسرائيلي في أدنى مستوياتها بسبب الانتفاضة الأولى. لذلك ذهبوا إلى عمل استعراضي ليظهروا مدى عظمة مقاتليهم. والآن تُعتبر معنويات جيش الدفاع الإسرائيلي متدنّية بسبب الانتفاضة الثانية". يهتمّ ضبّاط الأمن الفلسطينيون في غزّة بالمنطق الكامن وراء عمليات القتل الإسرائيلية. وقد أبلغني أحد المسؤولين الفلسطينيين: "يجتمع رجالنا مع رجالهم ونحن نعرف ضبّاطهم وفعاليّتهم ، أقول لك بصراحة ، هم فاسدون وغير منضبطين مثلنا وكذلك قُساة. وعندما استهدفوا موكب محمّد دحلان بينما كان عائداً من مباحثات أمنيّة ، تحدّث دحلان إلى وزير الخارجية بيريز وقال له: "انظر ماذا يفعلون بنا ، ألا تدرك أنني مَن أخذ ابن شارون لمقابلة عرفات؟". ويفهم جهاد الوزير بعض منطق فًرق الموت: "لديها بعض التأثير لأننا مجتمع مرتبط بسلطة الأب ونؤمن بفكرة الشخصية الأبويّة. ولكن عندما اغتالوا والدي ، لم تتوقّف الانتفاضة ، صحيح أنها تأثّرت ، لكن فشلت كلّ الأهداف السياسية للاغتيال ، وعوضاً عن إحباط معنويات الفلسطينيين فقد عزّزتها. يقولون إن هناك الآن مئة فلسطيني على لائحة القتل.
اسلوب القتل
كلا ، لا أعتقد أن الفلسطينيين سيطبّقون أسلوب القتل نفسه ضدّ المخابرات الإسرائيلية. ذلك أن الجيش يُعتبر مؤسّسة ، نظاماً ، واغتيال ضابط يؤدّي إلى استبداله". كان قُتل معارضين سياسيين أو عسكريين ضمن عمل خبراء إسرائيليّين في لبنان حيث يتمّ قتل قادة الثوّار اللبنانيين بانتظام بواسطة عبوّات ناسفة مخبّأة أو غدراً من قًبل فًرق القتل التابعة لشين بيت كما حصل في قضيّة مسؤول أمل في قرية بدياس بعد استجوابه. وكل ذلك باسم الأمن (ھ).
أعود إلى مفترق طرق عيّوشه والاشتباكات. تتساقط الحجارة على سطح سيّارات الجيب الإسرائيلية وتسقط على الطريق وتصطدم بالأعمدة المعدنية للوحات الدعاية الملقاة أرضاً منذ وقت طويل. شاهدت جنديّاً شابّاً يفتح باب سيّارة الجيب كلّ دقيقة أو أكثر ويسدّد بندقيته بعناية ثم يطلق النار وينسحب إلى الداخل. كان يقوم بذلك كلّ نصف ساعة ثم يعود وينظر إليّ. سألني: "من أين أنت؟ ربّما التقينا في حانة ، أو على الشاطئ ، أو تصادفنا في مكتب أحدهم".
رحلة
من بريطانيا، ابتسم الجندي ابن الواحد وعشرين عاماً: "أنا من كوينز ، نيويورك. والآن أنا على مفترق طرق عيّوشة رام الله. مجرّد رحلة، هذا أكثر مرحاً من كوينز". مرح؟ هل أسمعه جيّداً؟ مرح؟ "حسناً ، على الأقلّ أنت هنا لا تتعرّض للإصابة بينما تنتظر على الإشارات الضوئية". وابتسم. "اسمي إيلان". واستمرّت الحجارة تتساقط على الأسطح المعدنية لسيّارات الجيب. انطلقت قنابل الغاز عبر السماء الحارّة باتجاه الشباب المختبئين خلف هيكل حافلة ، مستخدمين مقاليع ـ أستطيع رؤيتهم بوضوح عبر الدخان ـ لإعطاء حجارتهم زخماً.
رصاص مطاطي
كان الإسرائيليون يطلقون رصاصا مطّاطيّاً معظم الوقت ممّا جعل أُذنيّ تطنّان ـ كان طنين الأذنين من الأسلحة العراقية الممزوجة بالبنادق الإسرائيلية أعلى صوتاً من أيّ إطلاق نار في أفلام هوليوود التي على ما يبدو أخذ إيلان السيناريو منها. تراجعت إلى الخطّ عند الإشارات الضوئية. بالطبع ، هناك إمكانية أكبر للموت عند الإشارات الضوئية في الضفّة الغربية منها في نيويورك. قال إيلان: "إسرائيل مكان عظيم". لكن هذه ليست إسرائيل. وتهيّأ لي من خلال مراقبة هؤلاء الشبّان في لباسهم الأخضر الساخر أنهم قد مارسوا طقسهم الديني. وضع جنديان قنابل غاز في بنادق زملائهم. وأشار جندي لزميله إلى شابّ يركض فأطلق هذا طلقة باتجاهه. وتحرّكت سيّارة إسعاف نحو الشاب الملقى الآن على الأرض. ثمّ أصاب أحد الجنود شابّاً آخر في ظهره. ثمّ وصل النقيب شاي في سيّارة جيب أخرى لمراقبة المشهد المزعج (وهو يعمل محاسباً في تلّ أبيب) مع سائقه (موظّف التأمين ، عندما لا يراقب رماة الحجارة في رام الله)...
حيفا
وفي مؤخّرة الجيب ، يجلس طالب إدارة أعمال مغربي الأصل واضعاً بندقيته على رُكبتيْه ، وهو يناقش السياسة بفرح مع "شاي" المهتمّ أكثر بالزواج بصديقته بعد ستّة أشهر من نتيجة العرض المسرحي اليوم في عيّوشة. كانت النقاشات مألوفة. يومئ "شاي" برأسه ـ إنه يصف المواجهة الحالية بالطقس الديني ـ لكنه يعتقد بأن الجيش الإسرائيلي لا يستطيع "إفساح المجال"؟ إفساح المجال؟ لكن هذه ليست إسرائيل. خاطرت بتقديم فكرة هرطوقيّة مُفادها أنه خلال عشر سنوات ستعود إسرائيل إلى ما وراء حدود 1967 (ولا أعتقد بذلك الآن) ـ ووافق شاي بذهول. لكنّ الطالب في الجيب لم يوافق. "إذا انسحبنا من هنا ، نُظهر أننا ضعفاء. عندها سيطالب العرب بكلّ إسرائيل وسيحاولون استعادة حيفا وتلّ أبيب". إنّه الجدل المملّ نفسه الذي كنت أسمعه من الجنود الإسرائيليين في لبنان. إذا بقينا فنحن أقوياء. وإذا غادرنا نحن ضعفاء. يفهم الهرب أسلوب القوّة فقط. وفي وقت ما ، أشار شاي نحو رُماة الحجارة وقال: "إنهم حيوانات". فسألت: لماذا؟. "لقد شاهدت ماذا فعلوا بجنودنا في مركز شرطة رام الله". أجل لدى كل إسرائيلي تلك الصورة محفورة في ذهنه. ليست صورة الأطفال المسحوقين ولا صورة محمّد الدرّة الذي سقط قتيلاً تحت وابل من الرصاص الإسرائيلي ، بل صورة القتل الوحشي لاثنين من جنود الاحتياط الإسرائيلي. وتوجد على الإنترنت صور كثيرة لوجهيهما المشوّهين بشكل بشع. وقد شاهدها العديد من الجنود. وقال شاي: "إن إعلامكم مسؤول جزئياً عن هذه الصور. وتجعلون هذا المكان ساحة حرب نتيجة للحجارة وإطلاق النار". أجبت: "لكنّ شارون هو مَن فعل ذلك. شارون هو الذي ظلّ يُبلغ العالم أن إسرائيل تحت الحصار وأنها تعرّضت للاعتقال من "الإرهاب الدولي". تلقّى شاي على هاتفه الخليوي اتصالاً من عائلته. قال: "إنهم على الشاطئ حيث يجب أن نكون". وبدا لي أن هؤلاء الجنود لديهم خيار في الحياة. يستطيع شاي أن يكون على الشاطئ ويستطيع الجندي في مؤخّرة الجيب أن يكون برفقة صديقته. لكنّ الفلسطينيين في الجانب الآخر من خطّ النار لا يستطيعون الذهاب إلى أيّ مكان. إنهم مسجونين وتحت حصار حقيقي. وكان تدهور مستوى العيش عملية متزايدة تماماً كما تحرّكت الحرب بشكل متزايد من الألم إلى حمّام الدم. أليس هذا هو ما حدث في حرب الجزائر 1954 ـ ؟1962 لقد بدأت تلك الحرب كإزعاج ـ قُطعت الأشجار لإغلاق الطرق وخُرّبت سكك الحديد وألقت الجموع الجزائرية الحجارة على القوّات الفرنسية ـ وانتهت بوابل من القذائف ومجازر القرى. كان هناك الكثير من عمليات التعذيب أيضاً قادها شخصيّاً ضبّاط فرنسيون كبار.
اعدام
وحصلت عمليات إعدام جزائريين من قًبل جزائريين. ولذلك أيضاً تحوّلت الانتفاضة الفلسطينية نحو الفوضى. من رُماة للحجارة إلى انتحاريين ومن قنّاصة إلى طيّارين انتحاريين. ويتعرّض الفلسطينيون يوميّاً للتعذيب على يد ضبّاط إسرائيليين في المجمّع الروسي في القدس. ويخضع الفلسطينيون بانتظام وبشكل علنيّ لعمليات تصفية لتعاونهم مع العدوّ. في أواخر تموز ـ يوليو 2000 ، أطلق الإسرائيليون صاروخاً على مكتب مسؤول حماس في نابلس. وأدّى انفجار الصاروخ الأميركي الصنع بالطبع إلى مقتل طفليْن فلسطينييْن. وقد طالب مئة ألف محزون بالثأر. وحدث أن سائق باص إسرائيلياً يُدعى مناش نورييل توقّف لإصعاد شاب فلسطيني في السابعة عشرة من العمر وهو في طريقه من القدس إلى كريات شمونة.
الشرطي الاسرائيلي
وقد اشتبه السائق بالشابّ ولاحظ أسلاكاً ظاهرة من الحقيبة التي يحملها فتعارك معه في الباص بينما كان 46 راكباً يراقبون بذهول. كانت الحقيبة تحتوي على ثلاث قذائف هاون عيار 81 ملم ومتفجّرات كانت ستقتل كلّ راكب في الباص. وأبلغني الشرطي الإسرائيلي خارج بوّابة دمشق أنه "إذا لم يحصل ذلك اليوم فهو سيحصل غداً". سألت الرجل: "لكن إذا كان الردّ الفلسطيني حتميّاً فلماذا إذن قُتل مسؤول حماس في نابلس". تململ وقال: "إنها حرب ونحن نعرف ما هي الحرب. لا داعي للقلق فالمكان هنا آمن من لندن" لكنه ليس كذلك. تُعتبر القدس مدينة أوهام. وعد أرييل شارون شعبه هنا بالأمن وجلب لهم الحرب. على الطريق الرئيسي إلى معال أدونيم داخل حدود إسرائيل البلدية غير الشرعية ، يقود الإسرائيليون بسرعة تفوق مئة ميل في الساعة. وفي المدينة القديمة ، يوجّه الجنود الإسرائيليون والمدنيّون الفلسطينيون الشتائم بعضهم إلى بعض أمام عدد من السيّاح المسيحيين المذهولين. إنّ حبّ المسيح لا يساعد على تهدئة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وقد وصف جدعون ساميت الأمر بصدق في صحيفة هآرتس: "تبدو القدس مثل بوسنة ستنشأ. وقد أصبحت الطرق الرئيسية داخل الخطّ الأخطر قاتلة وأصبحت ضواحي العاصمة معرّضة مثل رامات راشيل إبّان حرب الاستقلال". ويبالغ ساميت بعض الشيء ، إذ تبدو الحياة أكثر خطورة بالنسبة إلى الفلسطينيين منها إلى الإسرائيليين. إرهاب ، إرهاب ، إرهاب. ويبلغنا شارون: "أقترح أن نردّد لأنفسنا ليلاً ونهاراً أنه لن تكون هناك مفاوضات مع الفلسطينيين حتى الوقف التامّ للإرهاب والعنف والتحريض". لكنّ ذلك لا يعني أن على فًرق القتل الاسرائيلية التوقّف عن الاغتيال بالثقة بالنفس ذاتها أو أن على المستوطنيين الإسرائيليين التوقّف عن قتل المدنيين الفلسطينيين. إن الانتحاريين الفلسطينيين هم وحدهم الذين يجب أن يتوقّفوا عن قتل الإسرائيليين الأبرياء. وقد وضع محامْ فلسطيني نسخة من صحيفة "وال ستريت جورنال" أمام نظري. وصرخ بي: "إنّ صحفكم تؤسّس لمعاناتنا". كنت أرغب في التنصّل من أيّ ارتباط ممكن مع صحيفة مانهاتن اليمينية "تمّت تصفية الإرهابيين الأعداء جرّاء سوء أعمالهم... إنها حرب في وضح النهار... بارعة ولكنها ليست أقلّ فتكاً".
الضغط الجوي
العدوّ؟ تمّت تصفيته؟ لا إشارة في الــــ "وال ستريت جورنال" إلى مقتل الطفلين في الهجوم على مكتب مسؤول حماس. أوّلاً حدثت تغيّرات في الضغط الجوّي ، ثم كان صدى قصف دبّابة. نظرت من النافذة عبر سهل كيدرون إلى قبّة الصخرة التي تشعّ بالأنوار فوق المدينة القديمة. لقد مضى وقت طويل على المغيب لكنّ الحرب الإسرائيلية الفلسطينية صارت الآن صوتاً مألوفاً في القدس بينما تقصف الدبّابات بيت جالا. قبل ساعات قليلة حاول الإسرائيليون اغتيال مروان ديريّة وهو عنصر من القوّة 17 في رام الله ، فأطلقوا صاروخين أرض ـ أرض على سيّارته في شارع بوغنقيلا المكتظّ وأخطأوه في المرّة الأولى ـ ممّا أعطى ديريّة الوقت الكافي للخروج من سيّارته ـ وأصاب الصاروخ الثاني السيّارة.
محاولة اغتيال
وعلى الفور اعتبر الإسرائيليون ديريّة إرهابيًّا قيادياً. هل أوقفت محاولة اغتيال ديريّة الهجمات الفلسطينية في بيت جالا؟ وإذا كان الأمر كذلك ، فماذا يعني هجوم طائرة هيلكوبتر إسرائيلية على مركز شرطة فلسطيني في مدينة رفح في قطاع غزّة؟ بعد وقت قصير من وصولي لرؤية حُطام سيّارة ديريّة في رام الله ، أطلق الإسرائيليون النار بشكل مباشر من معسكر عسكري كبير ومستوطنة غير شرعية على التلّة المجاورة.
بعدها قام فلسطيني بالردّ. عُنصر من حماس؟ من الجهاد الإسلامي؟ شابّ يقود سيّارة سوداء مرّ بسرعة قرب إحدى قواعد الجيش الإسرائيلي الرئيسية في تلّ أبيب وأمطر بالرصاص مجموعة من الجنود كانوا يستعدّون للذهاب إلى الغداء. إنه مثل الإسرائيليين يحاول قتل أعدائه. أصاب عشرة رجال بجروح قبل أن يطلق مسلّح إسرائيلي النار على رأسه فيصطدم بعمود إنارة. كانت تلك أوّل محاولة اغتيال بالسلاح من قًبل الفلسطينيين داخل إسرائيل منذ سنة، وهذا عنصر جديد آخر يُضاف إلى الحرب.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش