الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك ـ الحلقة التاسعة والعشرون

تم نشره في الثلاثاء 5 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 مـساءً
«الدستور» تنشره بالتزامن مع كبريات الصحف العربية * «الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة» * روبرت فيسك ـ الحلقة التاسعة والعشرون

 

 
* ابو عمار.. نحن مع السلام العادل.. ولن يستطيع أحد ابادة الشعب الفلسطيني
* زيادة عدد المستوطنات الى 150 ألفاً في مختلف مناطق الضفة
* مجلس الامن: قرار اسرائيل باعتبار القدس عاصمة لها يشكل خرقاً فاضحا لمعاهدة جنيف
رابين يأمر بتكسير عظام الأسرى الفلسطينيين
* من الجوهري أن نثبت أن إسرائيل نكثت عهد كل اتفاق أو تفاهم جرى توقيعه في السنوات اللاحقة
* كان «إعلان المبادئ» الموقّع في واشنطن قائماً على ثلاث كلمات: الأرض مقابل السلام

في هذا الكتاب يروي الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك قصصا عاش أحداثها في مختلف مناطق الشرق الأوسط ويربطها ببعضها بأسلوبه الأخاذ مذكرا القراء بأنه كصحفي في الميدان مجرد مراقب حاد للسلطة وللنزاعات لا كاتب تاريخ. ومن جلال آباد في أفغانستان إلى الخرطوم ، ومن الخطوط الأمامية للحرب العراقية الإيرانية إلى قرية قانا والجنوب اللبناني حيث ذبح العشرات من اللاجئين اللبنانيين ، ومن غزة إلى بيروت إلى كوسوفو ، ينتقل بنا فيسك ببراعة ليربط بين كل هذه الأزمات والحروب التي تشن باسم الحضارة والمثل العليا وحيث يكون الضحايا في معظم الأحيان من المدنيين الأبرياء. إنها شهادة تستحق أن يقرأها كل عربي لأنها تفصح عن تجربة إنسانية بقدر ما هي صحفية تتعلق بمنطقة عانت ولا تزال من لعنة الحروب ويهدد بقاءها صراع دموي لا يبدو أنه قد اقترب من نهايته.

ولمّا شعر عرفات أخيراً بعدم الرضا العميق والمنتشر بشأن اتفاقيات "أوسلو" ، تكلّم عندئذ بأسف وندم قائلاً: "ليست الاتفاقية مُرضيّة لنا. ولكنها أفضل ما استطعنا الحصول عليه أثناء أسوأ ورطة يتخبّط فيها العرب في الوقت الحاضر". وفي غضون ذلك كلّه كان رجال عرفات يُشرفون على الحشود برشّاشات الكلاشينكوف.
وخلال وقت قصير ، انتشر رجال عرفات في غزّة. وكان بعضهم من غزّة: لكنّ كثيراً منهم كانوا من الفلسطينيين الذين لم يشتركوا في المقاومة ، بل كانوا قابعين في بغداد أو القاهرة ، أو منغمسين في حروب لبنان الضروس.
وقد جاءوا الآن إلى هنا ليحكموا غزّة ، محتفظين بخصائص البلدان العربية التي كانوا منفيين فيها. فالجنود والشرطيون الفلسطينيون الذين وفدوا من مصر تبنّوا ذلك المزيج من البيروقراطية العثمانية والغطرسة الاستعمارية البريطانية التي زالت منذ مئة سنة. والفلسطينيون الذين جاءوا من العراق بعد أن قضوا فيه مدّة طويلة ، تعوّدوا الصراخ وإعطاء الأوامر: وأرادوا "أن يستعملوا العصا" ، كما وصفهم أحد الغزّاويين. أما الذين قدموا من لبنان ، فكانوا أكثر مطاوعة ، ومستعدّين لإغماض العين عن المخالفات ، مع تقبّل الرشوة مرّة أو اثنتين. وفي شارع عمر المختار ، كانوا جالسين خارج مخفر الشرطة يعالجون مجموعة من الآلات الطابعة القديمة ، ويحاولون تنظيم تسجيل السيّارات.
وكان الفلسطينيون إذ ذاك يسلًّمون أوراقهم العسكرية الإسرائيلية ، لقاء تسلّمهم وثيقة طُبع في أعلاها: "السلطة الفلسطينية".

رموز الدولة
لكن رموز الدولة وحدها لا تجعل الدولة حقيقة واقعة. وكل من يتجوّل في شوارع مخيّمي "الشاطئ" و"جباليا" في غزّة ، يدرك أن معظم رعايا عرفات في غزّة ـ بنسبة تصل إلى 90% ـ هم غير غزّاويين. لقد كانوا من اللاجئين ـ أو أولاد اللاجئين ـ القاطنين في ذلك الجزء من جنوبيّ فلسطين الذي أصبح الآن جنوبيّ إسرائيل ، والذين سلخوا من عمرهم نصف قرن تقريباً وهم يعيشون في حُفر غزّة وفقرها ، بانتظار أن يفي عرفات بوعده ، ويعيدهم إلى "أشكيلون" أو "بئر السبع". وفي مخيّم "الشاطئ" ، وبعد يوم من وصول عرفات إلى غزّة ، صادفتُ إبراهيم. وهو سائق سيّارة من "الرملة" التي تقع اليوم داخل إسرائيل ، كان يقف أمام منزله الفقير ، يحاول أن يلقي نظرة على عرفات. قال لي: "منذ عشر سنوات ، ذهبت بسيّارتي ومعي أمّي إلى الرملة ، حيث طرقت باب بيتي ، فوجدت فيه عائلة إسرائيلية. دعانا الرجل إلى الدخول مرحًّباً: "أهلاً بكم في بيتي". فبكت أمّي بيتها الذي أُخرجت منه.
إنما كان الإسرائيليون لطفاء ، وفهموا أنه كان دارنا وملكنا.
بعد ذلك بعام توفّيت والدتي. وأنا أدري أننا لن نستعيد بيتنا في مستقبل الأيام. وعلى كل حال ، دمّروه الآن لإقامة بناء جديد: وربّما أحصل على تعويض: وتصريح من الإسرائيليين يفيد بأنهم أخذوا منا بيتنا عام "1948.
وفي مواقع أخرى ، من مخيّم "الشاطئ" تحدّث رجال آخرون قدموا أصلاً من بئر السبع ، ويافا ، والّلد ، عن اعتقادهم فعلاً أنهم سيعودون يوماً إلى هذه البلدات والقرى ـ التي صارت اليوم داخل إسرائيل ـ "بمشيئة الله". ولكن لم يكن ذلك ما يدبّره الإسرائيليون لهم.
لقد كان الإسرائيليون يريدون أن يروا أمام دولتهم "منطقة مستقلّة" منضبطة ـ وقد اختاروا ياسر عرفات للقيام بهذا العمل.
وبعد عدّة ساعات ، وبينما كنت أشقّ طريقي ببطء عبر كُثبان الرمل ، عائداً إلى فندقي الذي لا يكاد يعمل ، تصدّى لي رجلان بثياب عاديّة وسيّارة عاديّة ، بصفتهما من رجال الأمن في منظمة التحرير الفلسطينية ، وسألاني بارتياب وفظاظة: "ماذا تفعل هنا؟ ومن أين أتيت؟ أعطنا أوراقك".

فلسطين
ففكّرت آنذاك بأن "فلسطين" ستكون في نهاية الشوط دولة أخرى بحسب النموذج العربي. ووعد عرفات مستشاريه الاقتصاديين بإصدار طوابع بريدية خلال ثلاثة أسابيع ، وجوازات سفر خلال ثلاثة أشهر.
وقد أخبرني أحد أولئك المستشارين بمزيج من التوق والكآبة أنه "لن تكون هناك مشكلات بهذا الصدد مع الإسرائيليين" ، بينما كان يذرع حديقة الفندق بخطى واسعة ، ويضيف قوله: "وليس للمتظاهرين أهمّية". لقد أصبح الإسرائيليون الآن "أعداء ـ أصدقاء". وكانت تلك وجهة نظر غير اعتيادية.
وبدأ الموظفون الفلسطينيون في منظمة التحرير الفسلسطينية يتكلّمون عن "اليهود الطيّبين" ، الذين يمكن التفاوض معهم ، والإسرائيليين الشرفاء الذين يمكن الوثوق بهم. ولكن ، حالما خرجت من غزّة ، وسرتُ في طريقي عبر إسرائيل والضفّة الغربية ، إلى ضاحية عرفات الأخرى في "أريحا" ، تأكّدت لي المعاملة ذات المستوى المزدوج. فعند تقاطع "أريتز" بين غزّة وإسرائيل ، رأيت سيّدتيْن فلسطينيّتيْن مسنّتيْن ، أُجبرتا على الجلوس على أرض الطريق تحت أشّعة الشمس ، بانتظار التدقيق في أوراقهما ، وأيديهما مرفوعة فوق رأسيهما ، وهما ترجوان الضابط الإسرائيلي أن يسمح لهما بالمرور. كما ألزم شرطي إسرائيلي أحد الفلسطينيين بأن يقف قرب سيّارته لأن أوراقه الشخصية مرّت فترة صلاحها ، وهو يصيح من سوء معاملته.
وقد حافظت "الجيروزاليم بوست" ذلك الصباح كذلك على المستوى المزدوج ذاته في المعاملة. فقد أعلنت في الصفحة الأولى عن جرح يهودي إسرائيلي على يد "إرهابيين" عرب: بينما نشرت على الصفحة الأخيرة مقالاً أصغر عن "متطرّفين يهود" يمكن أن يكونوا مسؤولين عن مقتل فلسطيني عربي.
وقد راقب سائق سيّارة الأجرة التي كنتُ فيها بخوف جماعة من الإسرائيليين الملتحين والمرتدين قلنسواتهم ، وهم يرفعون لافتة عند تقاطع طريق "أشكلون ـ تلّ أبيب" ، تدعو إلى اغتيال عرفات. ومع ذلك ، وخلال أربعة أيام من ظهوره في غزّة ، عاد عرفات إلى ممارسة الحيلة ذاتها من جديد ، في أريحا هذه المرّة. كانت تلك أمور مثل الأحلام ـــــ ياسر عرفات يصل بالطائرة إلى الضفّة الغربية ، ترافقه مروحية عسكرية إسرائيلية: ياسر عرفات يقبض على المذياع بيده اليمنى مثل أحد المغنًّين ، يناشد الجميع أن يستمعوا إليه ، بينما يتدافع مؤيّدوه حول المنصّة في "أريحا المحرّرة": ياسر عرفات يعًدُ "بثورة صناعية" في أقدم بلد في العالم: ياسر عرفات يَعًدُ جازماً "بحكومة" يكون فيها "وزير الشؤون اليهودية" اليهودي العضو الأوحد الذي لا يعترف بدولة إسرائيل. هل بقي هناك شيء يمكن أن يفاجئنا ، ما دام الرجل "الختيار" قد وصل إلى عاصمته المؤذنة بالسقوط؟ لقد أصبحت قسمات وجهه مألوفة ، حتى أننا لاحظنا في آخر يوم من رجوعه الأول إلى فلسطين أن لحيته السوداء والبيضاء تتوافق الآن مع كوفيّته السوداء والبيضاء التي يعتمرها.
وقد أعطته عادة رفع حاجبيه للتعويض عن صغر عينيه ، مظهر الفُقمة البحرية المتفاجئة ، وهي خاصّية التقطها بدقّة غريبة وقاسية فنّانو الجدران الهواة في أريحا.

حشود
أما بالنسبة إلى صوته الخشن ، فقد زادت خشونته بينما كان يناشد الحشود ، حتى اختفى تماماً.
وقد أظهره شعره المُنسدل على جانبيْ وجهه مظهراً مُفرطاً في التأثّر: إذ كان يصرخ: "استمعوا إليّ ، استمعوا إليّ. لقد عدت إلى فلسطين... لا تمسّوا أولئك الناس" ـ كان ذلك توجيهاً للشرطة التي تردّ الحشود. ثم أردف قائلاً: "اهدأوا... اسمعوني ، استمعوا إليّ كما طلب منكم ذلك الدكتور صائب... استمعوا إليّ... في عام 1948 ، قال الإسرائيليون إنهم وجدوا أرضاً دون شعب ، وكانوا شعباً دون أرض... استمعوا إليّ.... واليوم نذكًّرهم أنه لا يستطيع أحد أن يمحو الشعب الفلسطيني... أريد أن أقول لكم إننا مع السلام العادل ، وملتزمون به... أريد أن أعرف مَن يمنع الناس من أن يأتوا إلى هنا ، إلى أريحا اليوم... الوحدة ، الوحدة ، الوحدة... سنصلًّي في القدس ـ إلى أن نصلًّي في القدس ، إلى أن نصلًّي في القدس".
كان من المؤلم نقل خطابه ـ وسماع ذلك الصوت المتداعي ، والإحساس بأفكاره وجُمله وهي تتصادم ـ بينما تتقدّم امرأة ضخمة وتشقّ طريقها عبر رجال الأمن المسلّحين ، وهي تصرخ قائلة إنها تريد أن تعانق "رئيس فلسطين". وقف عرفات مذهولاً ، لكنه لان فجأة ، ورُفعت السيّدة إلى المنصّة ، واندفعت نحوه بسرعة ، فتراجع مذعوراً ، لكنه عاد بابتسامة جامدة ، وطوّقها بذراعيه.
لقد عثر عرفات على مشكلة حقيقية عندما سأل: "أريد أن أعرف من يمنعكم مًن القدوم إلى أريحا؟".
فبعدما خرق الجمهور حواجز الأمن ، واصطدم بالصحافيين والمصوّرين ، صار من الواضح أن الحقل الواقع إلى الوراء فارغ ـ ولا سيّما إذا نظرنا إليه من حيث يقف عرفات على المنصّة فوقنا ـ فلم يأتً لرؤية عرفات نصف سكّان أريحا أو حتى رُبعهم. وسرَت إشاعات بأن الجيش الإسرائيلي قد صدّ قادمين بالشاحنات من الضفّة الغربية ـ وقد أقرّ جندي إسرائيلي في أقرب نقطة مراقبة بأنه أوقفهم ، ثم قال العكس.

رشق السيارات بالحجارة
ولا شكّ في أن المستوطنين رشقوا السيّارات بالحجارة على طريق القدس ـ أريحا. ولكن ، هناك مليون فلسطيني يعيشون في الضفّة الغربية ، دون منع تجوّل يبقيهم في منازلهم. وأولئك الذين تجمّعوا لتحيّة عرفات كانوا أقلّ من الذين تجمّعوا لوداعه في بيروت بعد حصار عام 1982. لقد استنتج معظم الفلسطينيين سبب عودة عرفات. فقد تبع مجزرة الخليل تفجير دامْ لباص إسرائيلي في بلدة "العفّولة" ـ وقالت محطة السي إن إن حالاً إنه هجوم "إرهابي" ـ وطُلب من الرئيس الفلسطيني بوضوح وقف "الإرهاب". وعلى مرّ الأشهر والسنوات ، صارت هذه الحجّة مطلباً دائماً على روزنامة إسرائيل والأميركيين ــ والصحافيين السائرين في ركابهم ـ وصار السؤال نفسه صيغة مبتذلة: هل يستطيع عرفات أن يضبط شعبه؟ أمَّا أن يمثّل شعبه بدلاً من أن يضبطه ، فمسألة لم يتطرّق إليها الصحافيون أو السياسون الغربيون.
كما لم يسأل أحد: هل يستطيع شارون أن "يضبط" جيشه الفوضوي ، عندما يطلق النار على أطفال الحجارة الفلسطينيين أكثر فأكثر بالرصاص الحيّ. وتهيّأت "السلطة الفلسطينية" للقيام بالمثل. فحتى تشرين الثاني ـ نوفمبر ، كان عرفات مشتركاً في مسرحية موازية. فبينما كان شرطيّوه يطلقون النار على الفلسطينيين خلال المظاهرات العنيفة التي نظمتها "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في غزّة ، كان الإسرائيليون يطلقون النار على الفلسطينيين في غزّة والضفّة الغربية. وخلال أيام تقهقر عرفات إلى مطلب ينادي به كل الحكّام المستبدّين عندما تهاجمهم شعوبهم: إذ اعتبر أن خصومه مشتركون في "مؤامرة أجنبية".
الخلاص
وكان ذلك جزءاً أساسياً من قصّة عرفات ـ قوله أيّ شيء لتحاشي مجابهة الواقع المتمثّل بأن الفلسطينيين الذين كرهوا حُكم عرفات كانوا أبناء البلد ، ولم يعترضوا على مبدأ السلام بل على ما رأوه من ظلم مستغرب بادْ في "إعلان المبادئ" ، الذي سارع عرفات إلى توقيعه قبل عام. فاتّهام "الأجانب" هو دائماً ورقة في يد أولئك الذين لا يجابهون هويّة خصومهم.

العذر الاعرج
وقد استعمل الأميركيون مثل هذا العذر الأعرج في الأعوام 2003 2004و 2005و ، عندما واجهوا تمرّداً عراقياً شاملاً. والفخّ الذي وصل إليه عرفات بثقة رسالة الخلاص ، لا بدّ أن يكون قد اتّضح له. فإذا كان قد رفض مجابهة الحركات الإسلامية المعارضة لاتفاق "أوسلو" ، فهذا يثبت أنه لا يمكن الوثوق به لتسلّم مزيد من الأرض ـ حسبما يخوّله الاتفاق.

حرب اهلية
ومن جهة أخرى ، إذا حارب الإسلاميين في حرب أهلية ، فلا بدّ أيضاً من حصول فوضى تثبت أنه رئيس لتلك الفوضى ـ ممّا يشكّل كذلك حجّة جيّدة لعدم إعطائه مزيداً من الأرض. وكلّما زاد انتظار الفلسطينيين لحصول الانسحابات ضعف مركز عرفات. وفي السنوات القادمة انزلق النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلى تفجيرات انتحارية ، وغارات جوّية إسرائيلية ، وإعدامات غير قانونية ، وتدمير بيوت ، وتجريد الفلسطينيين من ملكية الأراضي على نطاق واسع ـ كما ألقت إسرائيل والأميركيون اللوم على الفلسطينيين لفشلهم في "ضبط" العنف ، وقبول صفقة كان يمكن أن تُعطي الفلسطينيين 64 في المئة من 22 في المئة من فلسطين الانتداب ، الجزء الذي تُرك قيد المفاوضة. وهكذا ، قبل أن نبدأ برواية قصّة هذه المأساة والخسارة المعيبتين ، من الجوهري أن نثبت أن إسرائيل نكثت عهد كل اتفاق أو تفاهم جرى توقيعه في السنوات اللاحقة. بحسب اتفاق "أوسلو" ، تُقسم الضفّة الغربية المحتلّة إلى ثلاث مناطق. تخضع الأولى منها (أ) للسيطرة الفلسطينية حصراً ، والثانية (ب) للاحتلال العسكري الإسرائيلي بالمشاركة مع السلطة الفلسطينية ، والثالثة (ج) تحت كامل الاحتلال الإسرائيلي. وفي الضفّة الغربية ، تتألّف المنطقة الأولى (أ) من 1,1 في المئة من الأرض ـ
السكان
أما في غزّة المزدحمة بالسكّان وذات التمرّد والعصيان المسلّح ـ فتقع كل المنطقة تقريباً تحت سيطرة عرفات. والمفترض في نهاية الأمر أن يصبح شرطي غزّة.
أما المنطقة الثالثة (ج) في الضفّة الغربية فتتألّف من 60 في المئة من الأرض ، ممّا يسمح لإسرائيل باستمرار إقامة المستوطنات اليهودية "لليهود" على الأرض العربية. وكان إدوارد سعيد أول من أشار إلى أن عرفات تنازل عن القدس ، ووافق على أن تُناقش قضيّتها في محادثات "الوضع النهائي" فحسب. وبذلك صارت القدس خارج نطاق المناطق المذكورة ، وبقيت بأيدي الإسرائيليين كلّياً.
والحقيقة هي أن اتفاق "أوسلو" ـ نأى عن إمكان إقامة دولة للفلسطينيين ، وسمح لإسرائيل أن تفاوض من جديد بشأن قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة ذي الرقم 242. فبينما طلب القرار 242 انسحاب القوّات الإسرائيلية من الأراضي المحتلّة في حرب عام 1967 ، سمح اتفاق "أوسلو" للإسرائيليين بأن يقرّروا ما هي الأجزاء التي سينسحبون منها من أصل القسم الباقي من فلسطين والبالغ حجمه 22 في المئة.
وقد مثّل التقسيم إلى مناطق هذا النظام الإسرائيلي الجديد. وممَّا لا يصدّق أن الخرائط كانت بيد الإسرائيليين ، ولم تكن لدى الفلسطينيين الخرائط اللازمة ـ عندما جرت مفاوضات أوسلو ـ وقد قرّر الإسرائيليون أي مناطق ستعطى للفلسطينيين فوراً ، وأي مناطق ستبقى قيد المساومة فيما بعد. وفي الواقع ، يُثبت الاستقصاء المفصّل لعام 2000 بشأن الانسحابات الإسرائيلية بموجب بنود الاتفاق ، أن الإسرائيليين لم ينفّذوا أيّاً من هذه الاتفاقات ، منذ مؤتمر مدريد المعقود عام 1991 (ھ).

اتفاق اوسلو
وفي هذه الأثناء ، زاد عدد المستوطنين اليهود المقيمين بطريقة غير شرعية على الأرض الفلسطينية خلال سبع سنوات منذ عقد اتفاق "أوسلو" ، وزاد من 80000 إلى 000 150 مستوطن ـ مع أنه بموجب بنود هذا الاتفاق مُنع الإسرائيليون والفلسطينيون على السواء من اتخاذ "خطوات منفردة".
وقد اعتبر الفلسطينيون بحقّ أن هذا دليل على سوء نيّة ، ولا عجب في هذه الحال عام 1999 ، أن ينبري إدوارد سعيد ، الذي أظهر لسنوات تعاطفاً مع الدور الشجاع الذي مثّله عرفات كممثّل وحيد لشعب مَنسيّ ومسلوب: فيصف إذ ذاك القائد الفلسطيني ليس "كمظهر مأساوي" فحسب ، بل بأنه "يتان" (Pژtain) الفلسطينيين. وكنتُ أسافر من بيروت كل بضعة أشهر عن طريق قبرص إلى إقطاعة عرفات الصغيرة عبر إسرائيل ـ التي ما زالت في حالة حرب رسمية أو فعلية أحياناً ولا توجد إليها خطوط جوّية مباشرة من لبنان ــ وكانت كل من هذه الرحلات تكشف عن قصّتين متناقضتين تماماً: التفاؤل المذهل للمراسلين الأميركيين والغربيين بشأن كون السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني شيئاً مؤكّداً (بالرغم من معاودة وضع "عملية السلام" على الخط باستمرار) ، وتضاؤل كل آمال الفلسطينيين بإقامة دولتهم في يوم من الأيام ، ناهيك بكون عاصمتها في القدس الشرقية. وقد كانت الرحلة إلى غزّة بتاريخ 8 آب ـ أغسطس عام 1995 مجرّد رواية مثل رواية "أليس" أمام المرآة. صاح رجل يلبس قميصاً أبيض: "اسحبوا سيّاراتكم لئلّا نحرقها. أستحلفكم بدم شهدائنا. أن أبا عمار قادم". كان يُطلب من الفلسطينيين أيام زمان أن يقوموا بأعمال مثيرة من أجل دم شهدائهم. ولكن لم يحصل أن استُدعي دم الشهداء ليحلّ مشكلة وقوف سيّارات. كان ذلك بمناسبة عيد ميلاد عرفات السادس والستّين: وقد حُضًّرت له بهذه المناسبة على ميدان السباق قرب الشاطىء ، حفلة كاملة بوجود الجياد المطهّمة العربية التي يركبها أعضاء "الجمعية الفلسطينية للفروسية" التي يكون عرفات أمينها الفخري.
وعندما جاء تتقدّمه سيّارات الشرطة الزرقاء ، وسيّارات الجيب الملأى بالمسلّحين والجنود ورجال الأمن ، يجدر القول إن الرئيس بدا في عمره الحقيقي. لقد كان تعباً ، مرهقاً ، وعيناه منفوختان بسبب قلّة النوم ـ إذ إن الاجتماعات الغاضبة للسلطة الفلسطينية كانت تستمرّ حتى الفجر ـ كما ظهر ضبّاطه الكبار في الرتبة والسنّ ببزّاتهم الباهتة ، وشعار النسر والسيفين المتقاطعين على كتفيّاتهم الباهتة أيضاً ، وكأنهم رجال من الماضي ، يكثرون التدخين ، ويمسًّدون شواربهم باستمرار.

المخلوقات الوحيدة
وفي هذه الحفلة كانت الجياد هي المخلوقات الوحيدة ذات اللياقة في تبخترها وهي تمرّ متقافزة أمام القائد الفلسطيني ، بينما هو جالس على أريكة زرقاء وحمراء تحت ظُلّة يحدًّق في الفضاء فوق البحر الأبيض المتوسط. لقد كان يحاول أن يظهر سعيداً. عانق الأولاد ، وقبَّل فتاة أربع مرّات على خدًّها ، وولداً صغيراً يلبس زيّاً عسكرياً خمس مرّات على خدًّه ومرّة على يده. وكان قد افتتح حديقة الأطفال العامّة التي سمّاها "زهوة" على اسم ابنته المولودة منذ 11 يوماً ـ "حديقة ملاهي فلسطين زهوة" ـ كما سمّيت بخجل: فضلاً عن افتتاح حديقة حيوانات للأولاد ، فيها أسد رثّ الحال ، من أجل الترويح عن أولاد فلسطين. وعندما مرّ الأولاد الكشّافون صفوفاً أمامه ، انتصب وحيّاهم. كما حيّا مُرشدات البنات ، وأعضاء جمعية "كونغ فو" ، الذين يلبسون أردية سروالية سوداء مع عصابات بيضاء حول رؤوسهم ، وطفلاً بهلواناً.
وعندما أقنع الخيّال مطيَّته بأن تنحني أمام رئيس فلسطين ، انتصب عرفات على قدميه وحيّا الحصان. وقد ضحك وابتسم ابتسامات عريضة ، عند رقص "الدبكة" مع الموسيقى ، وعندما قام بعض الممثّلين بمناقشة صعوبات "عملية السلام". وقالوا كجوقة واثقة من نفسها: "حصلنا على غزّة وأريحا بمسعاكم". ثم "سترجع القدس إلينا بجهود أبو عمار" ، بنغمة أقلّ ثقة. وتساءل أحدهم: "هل نبيع هذه الأرض؟". فأجاب رفيقه: "لن أنسى القدس ، أو حيفا ، أو بيسان".
وزمجر الحشد لأن نصف القدس ، وحيفا ، وبيسان كلها واقعة اليوم ضمن إسرائيل ، وليست في غزّة أو في الضفّة الغربية. وأخيراً قبل بدء السباق ، عانق الممثّلون أصدقاءهم القدامى الذين اختلفوا معهم حول السلام ، وتعاهدوا على أن لا يحارب بعضهم البعض ، الآخر أبداً. صفّق عرفات وضحك.
وليت الحياة هنا كانت بهذه السهولة ، وليس من حاجة إلى المحاكمات الأمنية عند منتصف الليل ، وأحكام بالسجن 25 سنة ، والتوقيف بعد حلول الظلام ، هذه الأمور التي أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من الحياة في غزّة لأولئك الذين يختلفون مع عرفات.
ثم افتتح رئيس فلسطين السباق ، بينما كان رجاله يوزّعون سلالاً من الحلويّات الخفيفة على الشيوخ ورؤساء العائلات الذين جلسوا تحت الظلَّة.
أكل الناس وتسابقت الأحصنة. أجل لقد أعطى "الختيار" شعبه خبزاً ولهواً بمناسبة عيد ميلاده. لقد كان عرفات يمارس دكتاتورية صغيرة هنا في غزّة ، بموافقة كاملة من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
فتحت عذر قمع "الإرهاب" ، بالنيابة عن إسرائيل ، صار لديه الآن أكثر من عشرة أجهزة استخبارية فلسطينية متنافسة تحت قيادته ، لا يزايد عليه فيها سوى القادة العرب في بغداد ودمشق.

القيادة الامنية
وقد صدرت قوانين للصحافة تكمًّم الصحافيين الفلسطينيين ، الذين يُستضاف كثير منهم في القيادة الأمنية في مدينة غزّة ، لعقد اجتماعات بعد حلول الظلام مع ضبّاط مخابرات بلباس عادي ينسّقون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية. كان هذا الغطاء الأمني الصلب موجّهاً ظاهرياً نحو حركتيْ "حماس" و"الجهاد الإسلامي" اللّتيْن نفّذتا تفجيرات انتحارية ضدّ الإسرائيليين: ولكنه أرخى سدوله أيضاً على كل وجه من وجوه الحياة في غزّة. وهذا يعني أن عرفات تحوّل إلى مستبدّْ عربي آخر.
فقد كانت محاكم منتصف الليل تحكم على أعضاء مزعومين في "حماس" بالسجن مدداً تصل إلى 25 سنة: بينما توفّي ثلاثة من الفلسطينيين في السجن. وفي نيسان ـ أبريل عام 1995 ، قُتل أسير أُطلق سراحه برصاص شرطة عرفات ، الأمر الذي اعتبره الفلسطينيون إعداماً غير قانوني: ويقال إن جسده أصيب بسبعين رصاصة. وقد تأسّست الآن حول عرفات وحدات "أمن عسكري" ، و"أمن سياسي" ، و"أمن وطني" ، و"أمن وقائي" ، مع استخبارات فلسطينية ، وحرس إمبراطوري مؤلّف من ثلاث منظمات أخرى شبه عسكرية: أمن الرئاسة ، وحرس الرئاسة ، والقوّة 17 ، ووحدة الأمن الخاصّة المسؤولة عن حماية عرفات الشخصية. وبحسب تقاليد عرفات المرعيّة الإجراء ، تم تشجيع رؤساء هذه الوحدات على أن يرتابوا بعضهم ببعض ، وأن يكرهوا بعضهم بعضاً. فالمقدّم محمّد المصري ، الضابط السابق في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مثلاً ، يتعاون مع رئيسه الرسمي اللواء يوسف ناصر رئيس قوّة الشرطة الفلسطينية ، و"الأمن الوقائي" كان بقيادة المقدّم محمد دحلان الضابط الذي عقد صلات حميمة مع الاستخبارات الإسرائيلية ، مع أن رجاله يتألّفون في معظمهم من "صقور فتح" ــ الذين مثّلوا دوراً قيادياً في التمرّد المسلّح الأوّل الذي قام ضدّ الإسرائيليين ـ ومن الذين أمضوا في الأسر الإسرائيلي مُدداً طويلة. وكان على جميع رؤساء الوحدات الأمنية أن يستمعوا كل ليلة إلى حديث عرفات عن واجباتهم والأخطار التي تحيق بدويلتيْه ، في الاجتماع الذي يسمّونه الآن: "المحاضرة". وبدلاً من أن يُدين الإسرائيليون المظاهر المتزايدة للاستبداد على الضفّة الثانية من حدودهم ، عمدوا إلى تقريظ التدابير الأمنية "العرفاتية" الجديدة. وتحوّل الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ، بعد أن أشار إلى "اهتمامه" بالحقوق الإنسانية ، إلى تهنئة عرفات بمحاكمه السرّية التي تُعقد بعد منتصف الليل ـ والتي شجبتها "منظّمة العفو الدولية". أما الاجتماعات السرّية الداخلية لوزارة عرفات التي أفضت إلى توقيف خصومه السياسيين بالجملة ، فقد تجاهلتها الإدارة الأميركية.
تدابير قاسية
ولم تُكتشف اجتماعات وزارة عرفات السرّية إلّا عندما وقّع القائد الفلسطيني سلسلة من التدابير القاسية ضدّ الصحافة بتاريخ 25 حزيران ـ يونيو 1995. ومن أصل خمسين مادّة ، تنصّ المادّة 37 على أنه "يُمنع منعاً باتاً على الصحافيين أن ينشروا وقائع الجلسات السرّية للمجلس الوطني الفلسطيني ولمجلس الوزراء في السلطة الفلسطينية". ومن أجل فهم هذه القوانين الجديدة بخصوص الصحافة ، كان من الضروري زيارة مروان كنفاني المستشار الخاصّ للرئيس ـ رئيس فلسطين طبعاً ـ وهو أخ المناضل (المقتول) غسّان كنفاني. لقد أعلمني أن صحيفة "الوطن" أُغلقت ، بسبب مقالها عن الرئيس. "لكن رئيس تحريرها أوقف لسبب آخر" ـ "نعم ، إنه موقوف الآن ، وتتم مساءلته. كما أغلقنا "الاستقلال" فقد تورّطوا في سوء نقل المعلومات".
ونظر كنفاني إلى شاشة حاسوبه ، كما لو كانت تحتوي القانون ذاته الذي طُبّق على عماد الفالوجي رئيس تحرير جريدة "حماس": فأُخذ من منزله صباح السبت على يد رجال الشرطة الفلسطينية بلباسهم العادي. وكانت خطيئة الفالوجي ، كما يبدو ، أنه نقل خبراً صغيراً على الصفحة الأخيرة عن تقرير نشر في جريدة "الإندبندنت" مُفاده أن عرفات باع شركة فرنسية حقّ استعمال اسم ابنته "زهوة" المولودة حديثاً على منتوجاتها. وفي الواقع ، لم تنشر جريدتي أي تقرير عن الموضوع ، ولكنّ مصدر الخبر لم يكن ذا أهمّية بالنسبة إلى منظمة التحرير الفلسطينية. قال كنفاني بازدراء: "نشرت حماس هذا الخبر لتضعف مصداقية الرئيس عرفات.

رجل كريم
لن يصدّق ذلك أحد. إن الرئيس عرفات رجل كريم ـ ولن يقوم أبداً بمثل هذا السلوك الغبيّ. إن المقصود من هذا الأمر هو النيل من سُمعة الرئيس. أجل ، لقد تكلّمت مع الرئيس بهذا الخصوص. وكان ردّ فعله أقرب إلى الحزن منه إلى الغضب. آمل أن يكون التوقيف مؤقّتاً. وآمل أن يفهم كتّاب تلك الجريدة أن مثل هذا النوع من "الأخبار" ليس له علاقة بما يُسمّى "حقّ الناس في أن يعرفوا". إني مطَّلع على ثلاث وكالات أخبار رفضت نقل القصّة. إن الكتَّاب في صُحف مثل هذه يُضرّون بالأساس الذي تقوم عليه حرّية الصحافة". ثم قال: "ليس لدينا أيّ ممنوعات هنا: نعم هناك محاكم أمن الدولة ، هل تعلم مَن يُربكون ، ومَن المشتكي غالباً؟ الفلسطينيون. أنا لا أحبّهم. لقد مرّروا كثيراً من العبارات ، وبعضها قاسْ. نعم ، هناك قواعد تمنع الجمهور من الحضور. ولكن هذه هي أنظمة تلك المحاكم. وفي الظروف الحاضرة هنا قد تكون بعض قواعدنا غير ديمقراطية. ولكن ألم يكن لدى بريطانيا محاكم استثنائية عندما كانت في حالة حرب؟ نحن تقريباً في حالة حرب ضدّ أولئك الذين لا يريدوننا أن نطبّق السلام هنا. إن الحالة حرجة جدّاً. وعندما يعاقب مليون وربع مليون فلسطيني من أجل عمل قام به شخص (مناضل) أو اثنان ، يتطلّب الوضع تدابير استثنائية. نحن نحاول أن نعاقب أولئك الذين يهدّدون الأمن ، والملكيّة ، وحياة الشعب وحقوقه". وكان ذلك خطاباً بمعنى الكلمة ، آتياً من قًبل المستشار الخاصّ لعرفات.

المبادىء
ولكن ، هناك المزيد أيضاً: "كان "إعلان المبادئ" الموقّع في واشنطن قائماً على ثلاث كلمات: الأرض مقابل السلام. سنفعل كل ما يمكن فعله بشرياً لتلبية حاجات أمن إسرائيل. ولكن عليهم أن يفعلوا ما بوسعهم أيضاً لتلبية حاجتنا إلى الأرض. لقد علم الرئيس عرفات عندما وقّع هذا الاتفاق أن فيه ثغرات كبيرة. وقد مُدح الإسرائيليون لإقدامهم على عقد السلام. وتقاسم رابين مع عرفات جائزة نوبل. ولكن عندما نأتي الآن إلى حقيقة الواقع نجد أن الإسرائيليين يريدون السلام مع الأرض. وإذا أرادوا أن يُبقوا جنودهم في الضفّة الغربيّة لحماية المستوطنات والاحتفاظ بأرضنا تحت مختلف الحجج والذرائع فلن يكون هناك سلام. لقد خاطر عرفات بالكثير من أجل ذلك.
وأخذ على عاتقه كل القرارات الضرورية ، نعم ، حتى التوقيفات ، والقرارات غير المحبّبة شعبياً ، فضلاً عن رفع آمال شعبنا... لقد فعل ذلك لأنه يؤمن بالسلام. إن رؤساء الجمهوريات لا يخاطرون بمثل هذه الأمور ، لكنّ قادة الشعوب يفعلون ذلك ـ وهو قائد.
إنه يريد للعملية أن تنجح ، ولكنه استنفد طاقته ، وهو قَلًق. إنه غير راضْ عن سير عملية السلام". وهذا تماماً ما فكّر فيه الفالوجي. ولذا قمت بزيارة اللواء يوسف ناصر ، قائد الشرطة الفلسطينية ، وبطل الجولان ، ومقاتل من منظمة التحرير في لبنان ، ولاجئ من عام 1948.
وعندما دخلت باب مكتبه ـ بواسطة بطاقة ممغنطة إسرائيلية ـ قابلت ذلك الرجل الكبير بنظّارته ، وابتساماته ، وبزّته الرسمية الأنيقة على جسم بدين ، ويده الندية الممدودة للمصافحة. إنه رجل متفائل. سألني: "كيف ترى أداءنا في السلطة الفلسطينية؟".
فذكرت له التأخير في التطبيق الذي لا نهاية له بشأن الاتفاقات مع إسرائيل ، واستمرار وجود الجنود الإسرائيليين في غزّة ، والتفجيرات الانتحارية ، والموت في السجن ، ولجنة العفو الدولية... قال اللواء مجيباً: "كل معاهدات السلام تُفرض بقوّة النفوذ ، وهذه حال الاتفاقية الحاضرة... ولكن انظر بعد عام 1917 ، حين أعطى "النظام العالمي" اليهود وطناً وقسّم بلادنا. وفي عام 1948 ، خلق "نظام عالمي" آخر دولة إسرائيل ، وألغى الفلسطينيين من الخريطة الجغرافية والديمغرافية. ولكننا استطعنا الآن أن نعيد تمركزنا على الخريطة الدولية ، ونعاود إرساء دعائم هويّتنا كفلسطينيين... لقد أصبحت الهويّة الفلسطينية اليوم دولية ، بالقرارات ذاتها التي أوجدت إسرائيل". فقلت له: "إن ذلك غير صحيح بدليل أن الأمم المتحدة اعترفت بإسرائيل: وليس هناك من قرارات للأمم المتحدة تضمن اتفاق منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل". قال: "أجل ، أجل ، ولكن لن يأخذ أحد على عاتقه تدمير عملية السلام. وللمستوطنين اليهود خياران: إما أن يغادروا الأرض الفلسطينية ، أو أن يصبحوا مواطنين فلسطينيين. فإسرائيل لا تقدر على حيازة السلام والأرض معاً...
غزة
إن الأمور ليست سهلة: وهذا صحيح. ولكنْ هناك واقع: هناك ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون على أرض الضفّة الغربية وغزّة. ولإسرائيل خياران: تحقيق استقلال الفلسطينيين أو الاندماج بهم ـ ولكنها لا تستطيع الاستمرار في سياستها الإمبريالية...". كان ذلك إيهاماً ذاتياً مقصوداً ، تميَّز به عادة الإسرائيليون. إذ إن إسرائيل مدعومة من قًبل القوّة العظمى الوحيدة الباقية في العالم.
لن يختار أحد من المستوطنين اليهود أن يصبح فلسطينياً ، وقلائل منهم سيغادرون الضفّة الغربية. أما مسؤولية "تدمير عملية السلام" فستأتي من قًبل مناهضي إسرائيل من الفلسطينيين ـ مثلما سيحصل في السنوات القادمة ـ عندما تستنكر إسرائيل التفجيرات الانتحارية. قال لي أحد مناهضي عرفات في برودة أُمسية من أُمسيات غزّة الصيفية في آب ـ أغسطس: "إن عرفات يتعرّف الآن إلى المطلوب من كونه الرجل الذي تعتمد عليه إسرائيل. والإسرائيليون يعرفون أنه ديكتاتور ، وأنه كلما حاز نفوذاً داخلياً أوسع ، انصاع لأوامرهم. ولذلك يوافقون على هذا كلّه. إنهم لا يريدون ديمقراطية حقيقية لأن عرفات قد يخسر في الانتخابات ، وقد لا يلبّي قائد جديد رغباتهم. ويحاولون الآن حمل عرفات على أن ينقلب ضدّ سوريا ، عن طريق إقناع منظمة التحرير الفلسطينية بأن تطالب بمرتفعات الجولان كأرض فلسطينية...
وفي هذه الأثناء تستمرّ إقامة المستوطنات اليهودية...". حاولتُ دون جدوى أن أكتشف أصل الاستعمال الصحافي لكلمة "مستوطنات".
فهذا التعبير بطبيعته مطمئن. وله معنى البقاء والشرعية (باللغة الإنكليزية) (Settlements).فكلّ بشريّ يطلب الاستقرار (لا الاستيطان باللغة العربية) ، وأن يكون له بيت. ولكنّ الكلمة المقلقة ـ والأكثر دقّة ـ لمصادرة إسرائيل الأراضي في الضفّة الغربية وغزّة منذ عام 1967 هي كلمة "الاستعمار" (Colonization).فالمستوطنون مستعمرون. وجميع الإسرائيليين تقريباً في الضفّة الغربية يعيشون على أرض غيرهم. وقد يقولون إن الّله أعطاهم الأرض ، ولكنّ أولئك الفلسطينيين الذين يملكون تلك الأرض قانونياً ـ ولديهم أوراق مُلكيّة تثبت ذلك ، منذ أيام الانتداب البريطاني ، ومنذ أيام الإمبراطورية العثمانية ـ أليس لديهم الحقّ في مناشدة الّله.
وقد دعمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سرقة هذه الأراضي ، وصار عدد اليهود الإسرائيليين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلّة يناهز 000 400 نسمة عام 2003 ، بمخالفة واضحة للمادّة 49 من معاهدة جنيف ـ التي تنصّ على أن "الدولة المحتلة لا يحقّ لها أن ترحًّل أو تنقل جزءاً من سكّانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلّها". وخلال المفاوضات الطويلة مع الفلسطينيين ، كان الإسرائيليون يعتبرون دائماً أن إعادة أيّ أرض هي "إعطاء" تلك الأرض من أجل السلام .

الاراضي المحتلة
وكأن الأراضي المحتلّة هي ملك إسرائيلي شرعي ، تستطيع إسرائيل أن تتصرّف فيه ، إذا كانت كريمة. لذا ، من المهمّ أن نتذكر دائماً أن سياسة زرع المستوطنين اليهود في الأرض العربية المحتلّة منذ 1967 جرى دعمها باستمرار وبحماس من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. ومنذ عام 1978 ، كانت إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر تدين تكاثر المستوطنات اليهودية في الضفّة الغربية وغزّة ، وتسأل لماذا يعيش إذ ذاك 9000 إسرائيلي في الأراضي المحتلّة ضمن 13 مستعمرة "غير رسمية" ، عندما أراد مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل أن يقيم كما هو مفترض ، سلاماً مع الرئيس المصري أنور السادات. ثم تكاثرت المستوطنات فبلغت 39 مستوطنة مبنيّة منذ حرب 1967.
وفي تشرين الثاني ـ نوفمبر عام 1978 قامت الوكالة اليهودية برسم خطّة ـ وهنا أستشهد بتقرير "الغارديان" المنحاز إذ ذاك ـ لإسكان (16000) عائلة إسرائيلية في بعض القرى الجديدة التي يبلغ عددها 84 في الضفّة الغربية : فضلاً عن إسكان (11000) عائلة أخرى في القواعد الاستيطانية القائمة... مع العلم أن المشروع يكلًّف ملياراً ونصف مليار من الدولارات الأميركية ، ويُستكمل خلال خمس سنوات ـ وهو الحدّ الزمني المعيَّن لما كان يُقصد أن يكون نهاية "الفترة الانتقالية" للحكم الذاتي الفلسطيني. ويجدر بالقرّاء هنا أن يفهموا أن لغة السلام وآماله في الشرق الأوسط هي تعابير مبتذلة. فهذه "الفترة الانتقالية" لا علاقة لها باتفاق "أوسلو" القادم ، بل تتعلّق بقمّة "كمب دايفيد" بين بيغن والسادات عام 1977 ، والتي لم تعطً أية "استقلالية ذاتية" للفلسطينيين.
وفي أيار ـ مايو عام 1979 ، كان الرئيس كارتر يناشد الإسرائيليين "ضبط" توسّعهم في إقامة المستوطنات ، لأنها "لا تتفق مع القانون الدولي ، وتشكل عقبة أمام السلام". ولكنه عاد فقال: "هناك لازمة تتكرّر من قًبل الإدارات الأميركية المتعاقبة ، تتجاهلها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ، ولكن هناك حدود لما يمكن أن نفرضه على دولة ذات سيادة". وفي كانون الأول ـ ديسمبر من ذلك العام ، قام الفلسطينيون بمظاهرة صامتة ضدّ قرار الحكومة الإسرائيلية نقل مستوطنة إلى الأرض العربية قرب نابلس. وفي هذه المظاهرة ، فرش العرب سجّادات الصلاة على الطريق القريبة. وكان مراسل "التايمز" اللندنية في تلّ أبيب يشير إلى الضفّة الغربية باسمها اليهودي "السامرة". وكان هناك في الواقع نوع من الخضوع الغريب في رواية ما تقوم به إسرائيل من سرقة للأراضي الفلسطينية. ففي 14 آذار ـ مارس عام 1980 مثلاً ، كتب "كريستوفر ووكر" من "التايمز" أن "الاحتكاك زاد بين إسرائيل ومصر حول إقامة المستوطنات في الأراضي المحتلّة ، بسبب قرار إسرائيل بمصادرة حوالى 000 40 متر مربّع من الأرض في القدس الشرقية من أجل بناء ضاحية يهودية جديدة. مع العلم أن العرب يملكون ثُلثي هذه الأرض". لقد كان ذلك فضيحة ، وليس مجرّد احتكاك أو خلاف حول ضاحية ، كما يروَّج له.
وعندما أصدرت إسرائيل في العام ذاته "قانوناً أساسياً" يجعل القدس عاصمة لها ، أعلن مجلس الأمن في الأمم المتحدة بقراره ذي الرقم 476 أن أعمال إسرائيل الرامية إلى تغيير وضع القدس "يشكّل خرقاً فاضحاً لمعاهدة جنيف". ولم يكن لذلك تأثير. وفي شهر آذار ـ مارس من العام ذاته ، أُجبرت آخر عائلة عربية تعيش في الحيّ اليهودي القديم ، عائلة "أيوب حميس التوتونجي" ـ التي يشرف بيتها على حائط المبكى والجامع الأقصى ـ على قبول تعويض عن ملكيّتها ، والمغادرة. قال "التوتونجي معترضاً باللغة العبرية: "إني من القدس: وأريد أن أبقى فيها. عندما يحبّ يهودي القدس ، يعطى لحبّه قيمة روحية. وعندما يحبّ عربي القدس ، يشتبه به بأنه يدعم منظمة التحرير الفلسطينية".
مطالبة اسرائيل
وقد اعترض الكاتب الإسرائيلي "آموس إيلون" على هذا العنف: دون جدوى. وعندما لم يتأثّر العالم "بالقانون الأساسي" الإسرائيلي الذي يدعم مطالبة إسرائيل بالقدس عاصمة لها ، واصلت إسرائيل مصادرة الأراضي ـ 000 40 متر مربّع لمستوطنة تكلّف 000 600 دولار أميركي (أو الضاحية كما سمّتها جريدة "التايمز" مرّة أخرى) ـ في آذار ـ مارس 1989.
والآن ، يعيش 60 ألف يهودي في القدس الشرقية "العربية" ، أي ما يعادل أكثر من نصف السكّان العرب هناك البالغ عددهم 100 ألف نسمة.
وفي العام التالي ، قال إسحاق رابين ، رئيس وزراء إسرائيل ، إنه سيحتفظ بالأراضي العربية المحتلّة لصالح الموجة الجديدة من المهاجرين اليهود السوفيات الواصلين إلى إسرائيل ، شارحاً: "إنّ الزعماء السابقين من حركتنا تركوا لنا رسالة واضحة بأن نحتفظ بأرض إسرائيل من البحر (الأبيض المتوسط) إلى نهر الأردنّ من أجل الجيل القادم...". وحالما أُعلن اتفاق "أوسلو" ، رأى حزب الليكود الإسرائيلي نهاية المستوطنات اليهودية على الأراضي الفلسطينية. وقال بنيامين ناتانياهو رئيس وزراء إسرائيل: "إن هذه الجزر الإسرائيلية ، المنعزلة في بحر منظمة التحرير الفلسطينية ، لن تدوم طويلاً".
ولم يكن عليه أن يقلق. فبتاريخ 27 أيلول ـ سبتمبر عام 1994 ـ عندما كان في الضفّة الغربيّة 140 مستوطنة يهودية موجودة ، وعندما كان عمر اتفاق "أوسلو" سنة واحدة لا غير ـ وافق إسحق رابين رئيس وزراء إسرائيل على بناء ألف شقّة سكنية جديدة في مستوطنة "ألفي مناخي" القريبة من القدس. وعند نهاية عام 1996 ، كانت نسبة 5,86 في المئة من القدس الشرقية قد نُقلت من سيطرة المقيمين الفلسطينيين واستعمالهم: ونُزعت ملكيّة 34 في المئة من القدس الشرقية ، من أجل بناء مستوطنات يهودية.
وأعلنت بلدية القدس عن خطط من أجل بناء 000 70 وحدة سكنية جديدة على مدى السنوات العشر القادمة. ثم جاء فتح "النفق الأثري" بدءاً من حائط المبكى ـ بعناية "إيرفنغ موسكوفيتز" المليونير الذي يملك مستشفيات ونوادي للقمار في فلوريدا ـ ذلك النفق الذي يمرّ تحت القدس الشرقية المسلمة. وقد قامت مظاهرات عنيفة ضد إقامة النفق ، دفعت نفقتها وزارة الشؤون الدينية الإسرائيلية ، وخلَّفت وراءها من القتلى 43 فلسطينياً ، 11و جندياً إسرائيلياً. وفي شباط عام 1997 ، وافقت إسرائيل على بناء مستوطنة يهودية كبيرة جديدة عند "جبل أبو غنيم" ، قوامها 3546 بيتاً ، وسكّانها زُهاء 000 25 إسرائيلي ، خلال المرحلة الأولى من المشروع فحسب.

مستوطنة
وهذه التلّة التي أقيمت عليها هذه المستوطنة تقع خارج القدس الشرقية ـ حيث كان يأمل الفلسطينيون إقامة عاصمتهم. وجرى تجاهل المظاهرات الفلسطينية ، واستعملت الولايات المتحدة الأميركية حقّ النقض في مجلس الأمن لإحباط قرار يدعو إسرائيل إلى وقف عملية البناء. وفي الشهر ذاته ، بدأت وزارة الإسكان الإسرائيلية بيع الأرض التي تتّسع لخمسة آلاف بيت جديد ضمن المستوطنات القائمة في الضفّة الغربية وقطاع غزّة. وقد ادَّعى بنيامين ناتانياهو أنه في مقابل مستوطنة "جبل أبو غنيم" ـ التي غيَّروا اسمها الفلسطيني إلى "هار هوما" ـ هناك مشروع بناء آخر يضمّ 3015 بيتاً للفلسطينيين.وقد شجبت منظمات حقوق الإنسان هذا التصريح الإعلامي غير الصحيح: وأشارت إلى أن الأذون البالغ عددها 18000 الموعود بها منذ عام 1980 لبناء بيوت فلسطينية ، لم يُنفّذ منها بيت واحد بعد 17 سنة. ولم تبخل الولايات المتحدة الأميركية بتشجيعها هذا التوسّع الاستعماري غير القانوني الهائل ـ الذي استمرّ خلال عملية أوسلو للسلام.
القدس
فبتاريخ 18 نيسان ـ أبريل 1977 ، نشرت جريدة "النيويورك تايمز" صفحة إعلانية كاملة موقّعة من قًبل عشرة زعماء روحيين مسيحيين ـ بمن فيهم بات روبرتسن وجيري فالويل ـ وكلّهم يدعمون "استمرار سيادة دولة إسرائيل على مدينة القدس المقدّسة... "ونحن نعتقد أن القدس أو أي جزء منها لن يكون قابلاً للمفاوضة في أيّ عملية سلام.
يجب أن تبقى القدس غير مقسّمة ، كعاصمة أبدية للشعب اليهودي". وتدّعي هذه الرسالة "الروحية" أن إسرائيل "قد أثبتت عملياً إحساسها بشواغل وحاجات المقيمين في القدس ، بمن فيهم الفلسطينيون": وأن حقّ إسرائيل بالقدس كعاصمة ذات سيادة جاء "بأمر إلهي" (ھ).
وتحت حكم "ناتانياهو" بدا أن السلطات الإسرائيلية تريد إغاظة جمهور الفلسطينيين وتقويض وضع عرفات أكثر فأكثر. فعندما اتخذت الأمم المتحدة عام 1977 قراراً يحثّ الدول الأعضاء فيها على "تثبيط" المساعي لبناء المستوطنات على الأراضي العربية ، انبرى الناطق باسم "ناتانياهو" ، "دايفيد بار إيلان" ، لاعب البيانو ، ووصف المقترح بأنه "مُعيب ، ومُفلس أخلاقياً" ، لأنه يتجاهل الأخطار العالمية بينما يُدين ما يسمّيه بخبث "بناء شقق يسكن فيها الشباب زوجيْن زوجيْن". كما أن "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الأميركية عبّرت عن جبن وتحايل إيجابي عندما حثّت إسرائيل في أيلول ـ سبتمبر عام 1997 على "الامتناع عن القيام بأعمال منفردة ، بما فيها ما يدركه الفلسطينيون على أنه توسيع للمستوطنات بشكل استفزازي".
وقد اتضحت معاني هذا الكلام ، فإذا لم يكن استمرار بناء المستوطنات اليهودية على الأرض العربية المسروقة ، خلال عملية أوسلو للسلام ، سوى "ما يدركه الفلسطينيون" على أنه استفزازي ، إذاً ، كيف تدرك الولايات المتحدة الأميركية هذا العمل؟ وعندما لا يبني الإسرائيليون بيوتاً للمستوطنين على الأرض الفلسطينية ، ينصرفون إلى هدم بيوت الفلسطينيين ، فبين توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 ، وشهر آذار ـ مارس عام 1998 ، دمَّرت جرّارات إسرائيل 629 بيتاً ، منها 535 بيتاً في الضفّة الغربية 94و بيتاً في القدس ، ثُلثها خلال حكم حزب العمل والباقي تحت حكم الليكود. وهناك 1800 أمر آخر بالهدم: بانتظار التنفيذ.
هذا الانتهاك بالجُملة لحرمة الفلسطينيين ، المتمثّل بمحاولة إخراجهم بالقوّة من القدس ـ ولا سيّما لأن إسرائيل لا تعطيهم أذوناً للسكن هناك ـ تفاقم أمره عندما اتخذت لجنة وزارية إسرائيلية في نيسان ـ أبريل عام 1999 توصية ببناء 000 116 بيت إضافي للمستوطنين على مدى عشرين سنة قادمة.
وقد عمدت حكومة حزب العمل برئاسة إيهود باراك ــ المعلن عنها أنها أكثر ليبرالية والإدارة الإسرائيلية الأقرب إلى الفلسطينيين منذ حكومة رابين ـ إلى استعمار الضفّة الغربية بأسرع من حكومة ناتانياهو الليكودية بعشر مرّات.
وقبل بدء مفاوضات "الوضع النهائي" بين الإسرائيليين والفلسطينيين بيوم واحد في أيلول ـ سبتمبر 1999 ، زار باراك مستعمرة "معال أدومين" التي صارت اليوم مستعمرة كبرى ـ وأعلن "إننا لن نزيل أية مستوطنة يبلغ عدد سكّانها 25000 نسمة... والتي ساعدت كل الحكومات الإسرائيلية في تطويرها... فكل بيت هنا ، وكل شجرة ، هي جزء من إسرائيل إلى الأبد: وهذا أمر واضح".
وقبل آخر شهر تشرين الثاني ـ نوفمبر عام 2000 ، اكتشفت جماعة الضغط الإسرائيلية ، "السلام الآن" ، أن إدارة باراك كانت تخطط لصرف مبلغ 210 ملايين دولار أميركي على المستعمرات في العام التالي.
وفي جميع الأحوال ، لا يمكن تفادي الإحصاءات الأخيرة المُدينة لإسرائيل. فبين عام 1967 وعام 1982 ، دخل الضفّة الغربية وغزّة 21000 مستعمر. وفي عام 1990 ، صار المجموع 76000 مستعمر. وعام 2000 ، بعد اتفاق أوسلو بسبع سنوات ، وصل عدد المستعمرين إلى 000 383 مستعمر ، بمن فيهم مستوطنو القدس الشرقية المضمومة (ھ).
وبتاريخ 17 أيار ـ مايو 2001 ، شعر رينيه كوزيميك رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولي إلى إسرائيل والأراضي المحتلّة ، بأن من الضروري تذكير العالم بمقتضيات معاهدة جنيف التي تعتبر "إقامة سكّان الدولة المحتلّة في الأراضي التي احتلّتها عملاً غير قانوني ، يوصف بأنه خرق فاضح...

اتفاق اوسلو
كما أن سياسة الاستيطان بحدّ ذاتها تُعتبر في القانون الإنساني الخيًّر جريمة حرب". ومع كل ذلك ، وحتى عندما كان عرفات على فراش الموت عام 2004 ، وكان جدار "الأمن" الإسرائيلي ينهب طريقه عبر المزيد من أراضي العرب ، بقي الاحتلال الإسرائيلي ، واستمرّ نزع ملكية الفلسطينيين. وكان هذا التوسّع الاستعماري الهائل ، أكثر من أي حدث آخر ، يثبت للفلسطينيين أن اتفاق "أوسلو" كان خدعة زائفة ، وكذبة ، وحيلة للإيقاع بعرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية في شرك التخلّي عن كل ما سعوا إليه وصارعوا من أجله خلال أكثر من ربع قرن. لقد كان هذا الاتفاق أسلوباً لتخليق أوهام كاذبة ، وإضعاف الطموح الرامي إلى إقامة دولة للفلسطينيين.
أما بالنسبة إلى المستوطنين فقد كان اتفاق "أوسلو" طبعاً تهديداً للمشروع الاستعماري الذي دعمته الحكومة ، والذين هم جزء منه. وعندما استمرّ إسحق رابين في عمليّة السلام بعد حصول عدّة تفجيرات انتحارية قام بها الفلسطينيون ، صار في نظر المستوطنين جزءاً من "الإرهاب" ذاته الذي مثّله عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية. فبتاريخ 24 تموز ـ يوليو 1995 ، مثلاً ، قتل مفجًّر انتحاري سبع إسرائيليين على متن باص في تلّ أبيب ، وفي 22 آب ـ أغسطس فجّرت إحدى الفلسطينيات نفسها في مؤخّرة باص ، وحوّلت ذاتها مع أربعة ركاب آخرين إلى أشلاء.
وفي ثاني يوم حمّام الدم الثاني ، قال رابين إن ذلك لن يثنيه عن "محاربة الإرهاب الإسلامي المتطرّف ، والاستمرار في المفاوضات" مع الفلسطينيين.
وبعد شهرين بالضبط اتُّهم رابين بأنه "خائن" في تجمّع حصل في القدس وكان ناتانياهو من المتكلّمين الرئيسيّين فيه. ووزّعت منشورات في ذلك التجمّع صوّرت رابين بلباس ضابط نازي: كما أظهر فيديو مسجّل لذلك التجمّع امرأة تطعن بالسكّين صورة لرابين. ولكن سيرة حياة رابين النهائية ، لم تُكتب بعد. وقد لاحظ المؤرّخ الإسرائيلي "آفي شليم" بفطنة أن رابين أنزل بالفلسطينيين عقاباً وألماً أكثر من أي قائد إسرائيلي آخر.
القوة الضاربة
فهو الذي احتلّ الضفّة الغربية ، عندما كان رئيساً للأركان عام 1967. وحاول خلال الخمسة وعشرين عاماً التالية الاحتفاظ بها بالقوّة الضارية "التي أكسبته سُمعته في إسرائيل كسياسي مسؤول وموثوق".
وعندما كان رئيساً للوزراء ، سمح للجنود الإسرائيليين بأن يكسروا عظام المتظاهرين الفلسطينيين ، تلك الممارسة التي استمرّت حتى قام مصوّر إسرائيلي بأخذ لقطة تظهر الجنود الإسرائيليين يكسرون ساقَي أسير فلسطيني. إن استمرار رابين في عملية الاستعمار ، حتى بعد توقيع اتفاق "أوسلو" ، يشير إلى أنه أراد أن يعطي عرفات شرف حُكم تلك المناطق في الضفّة الغربية وغزّة ، حيث لم يكن الإسرائيليون فيها بحاجة إلى الأمن أو إلى مزيد من الاستيطان ـ وهذا تأويل مختلف عن تأويل عرفات. ولكن بتاريخ 4 تشرين الثاني ـ نوفمبر ، وبعد أن أخبر تجمّعاً في تلّ أبيب أن "طريق السلم أفضل من طريق الحرب" ، اغتيل رابين على يد طالب إسرائيلي متديّن يبلغ من العمر 25 عاماً ويسمّى "إيغال آمير" ، أحد المعجبين "بباروخ غولدشتاين" ، قاتل الفلسطينيين في جامع الخليل. وأثناء محاكمته ، قال "آمير" إنه حالما وعى أن هناك شيئاً يمثّل وصية دينية "لم تكن هناك مشكلة أخلاقية.
فلو كنتُ أحرّر الأرض الآن ، كان عليّ أن أقتل الأطفال والأولاد ، كما هو مكتوب في (كتاب) جوشوا".
وإذا غيَّرتَ الدين هنا ، فإنك تكاد تسمع صوت أحد المفجًّرين الانتحاريين الفلسطينيين.
كان التشابه المتوازي سهلاً ، بالطبع. فبينما كنتُ أدفع حسابي لأغادر فندق الملك داوود في القدس باكراً في صباح أحد الأيام ، تمنّى لي سفراً بالسلامة لدى عودتي إلى بيروت ، رئيس المحاسبة في الفندق ، كالعادة. وهو يهودي تقليدي طويل اللحية إلى حدّْ فائق ـ يعتقد أن بيروت هي "مركز الإرهاب". سألني ذاك الصباح عمّا إذا كان شكله يذكّرني بشخص أعرفه ، بقوله: "ألا أبدو مثل بعض أعضاء حزب الله؟" ، شافعاً قوله بابتسامة عريضة.
وكان عليّ أن أعترف أنه يشبه فعلاً بعض المقاتلين المسلمين الشيعة في لبنان. فاللحى لها علاقة بالاتجاه التقليدي ، والأصولية بالمعنى الحرفي للكلمة ، مثل "حجاب" النساء ـ النساء اليهوديات التقليديات ، والنساء المسلمات ، والراهبات المسيحيات ـ وكأنها من معالم الأديان الثلاثة في الشرق الأوسط. وكنت أتساءل: "ما الذي يكمن في تطويل الشعر ، أو تخبئته ، أو كون شعر الرجل رمزاً على الرجولة ، أو شعر الأنثى مصيدة جهنمية للرجال ، أو طول اللحى ، أو أشكالها؟ ولماذا كانت للمسيح لحية دائماً في كل تلك الصور التوراتية؟ ولماذا ينمّي الأئمة الشيعة الشعر حول ذقونهم ، فيجيء كالزغب الأبيض ، أو قصيراً خشناً ، أو متشابكاً: لكنّه معقّد مثل تفسير الكتاب المقدّس ، أو بحث في الفقه الإسلامي يضع الشيخ في مَصفّ الأئمة التراتبي؟ هل قُصد من اللحية أن ترمز إلى الحكمة ، أو الالتزام ، أو الرجولة ، أ
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش