الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فلسطين تعود للواجهة السينمائية مرة اخرى: محمود درويش يظهر في `موسيقانا` آخر اعمال السينمائي الفرنسي لوك غودار

تم نشره في الثلاثاء 21 شباط / فبراير 2006. 02:00 مـساءً
فلسطين تعود للواجهة السينمائية مرة اخرى: محمود درويش يظهر في `موسيقانا` آخر اعمال السينمائي الفرنسي لوك غودار

 

 

الدستور - جهاد هديب: بدأ الأمر هكذا، يقرأ المخرج الفرنسي الجنسية سويسري الأصل جان لوك غودار كتابا
بالفرنسية يحمل العنوان "فلسطين استعارةً" يقرأ فيه نصا نثريا للشاعر محمود درويش.وبالإضافة إلى قصائد
مترجمة إلى الفرنسية والانجليزية من بينها قصيدته الشهيرة التي تحمل العنوان "خطبة الهندي الأحمر" من
مجموعة النصوص هذه أشاد غودار فكرة شريطه الأخير "موسيقانا".

تضمن بناء السيناريو الذي اشتغله غودار بفانتازياه أن يظهر الشاعر محمود درويش، في هذا السياق أنجز
غودار جانبا كبيرا من شريطه فلقد قُرِأت قصائده من قِبَل هنود حمر من أميركا فضلا عن ثيمات أخرى كثيرة
طرح من خلالها غودار مواقفه السياسية من القضية الفلسطينية على نحو جريء وغير معهود من مبدع ومثقف
فرنسي كبير شديد الإشكالية.









وإن الحديث عن مبدع بخطورة جان لوك غودار وحضوره المؤثر منذ الستينات في السينما العالمية من الطراز
غير الأميركي متناولا القضية الفلسطينية عبر نصوص لمحمود درويش يعتبر اختراقا ليس سهلا وتعبيرا هاما عن
الحضور الذي استطاع تحقيقه مثقف فلسطيني كبير من طراز محمود درويش محمولا على قوة الإبداع والدفق
الكبير لطاقة الخيال فضلا عن عالة القضية الفلسطينية و "سلطة" الحق التاريخي.









في أية حال فإن الكلام إذ يدور على مثقف ومخرج سينمائي كبير ورجل موقف لا يهادن في صدد قناعاته ليس
سهلا هو الذي طرح ثورة العام 1968 قبل حدوثها بعام أو عامين وقام بتصوير مجريات أحداث شريطه ذاك في تلك
الجامعة الباريسية التي انطلقت منها شرارة ثورة الطلبة التي امتداداتها أميركا آنذاك.







والحال هذه من الصعب على المرء، مثلا، أن يصف مبدعا إلى هذا الحدّ وما زال منتجا وإشكاليا حتى الآن
بأنه صار عجوزا مع أنه بلغ الثامنة والسبعين هذا العام.









بدأ غودار الشاب حياته أنثروبولوجيا في ذلك الزمن الذي كان عصرا ذهبيا للبنيوية الفرنسية ولمع فيه كلود
ليفي شتراوس وإلى جواره رولان بارت وميشيل فوكو وسواهما من الأسماء التي لا تزال مؤثرة وملهمة، وإلى
الجيل التالي من هذا النوع ينتمي جان لوك غودار الذي أسهم ببناء ما يعرف بالسينما الجديدة وكان إلى حدّ
كبير ناطقا باسمها.







وليس من الصعب في رأي العديد من نقاد السينما رصد ذلك الخط البياني المتصاعد في تجربة غودار بالتوازي
تماما مع قناعاته الفكرية والسياسية وانفتاحه المدهش على كل جديد وغريب بل وشاذ في الرؤية البصرية
والرؤية الفكرية.








ولعل هذا الولع قد حفز بالبحث السينمائي على نحو ما نصف البحث في أي مجال علمي محض قد بدأ من
الأنثربولوجيا متأثرا بما تركته فيه تلك السينما الروسية الصامتة السابقة على ثورة العام 1917، وذلك
إلى حدّ أن أتى بنظرية فكرية أخرى موازية لما يقول به الاشتراكيون وغيرهم في المونتاج السينمائي وفي
بناء الكادر السينمائي إنما بوصف ذلك موقفا اخلاقيا بالدرجة الأولى وموقفا طبقيا في درجة أدنى، فقد كان
مؤمنا كبيرا بمقولة لينين قائد ثورة العام 1917 التي هي "الأخلاق هي جماليات المستقبل". والتي يبدو
أنها مقولة ما تزال تحفّز مواقفه السياسية.







كان مشوار غودار السينمائي الطويل قد بدأ مع شريطه "اللاهث" العام 1959 والذي فيه كشف عن سينمائي شديد
الجرأة على القوانين الراسخة في فن السينما ولغتها المعتادة وطرائق استخدام الكاميرا وتحريكها وتقصد
إحداث الاهتزاز وحمل الكاميرا باليد الأمر الذي أصبح مألوفا في السينما التي يجري إنتاجها في العالم
كله.








بعد هذا الشريط سوف تتوالى اعمال غودار بل سوف يجري منع احد اعماله التي تناقش فظاعة ممارسات
الكولونيال الفرنسي في الجزائر في السنة ذاتها التي رحل فيها المثقف الشهير فرانز فانون صاحب "معذبو
الأرض" وفي الأعمال الأخرى التالية سوف يستمر إشكاليا إنما مثقفا قارئا نهما ومبدعا غزيرا لا يتوانى عن
إثارة الضجيج والصخب إلى حد الندرة: لا أعرف ما الذي تعنيه "أميركا" بالضبط.









يقول غودار الذي ظل يعيش عصره وينغمس في مشاكله خلال عهوده المتقلبة والمضطربة والمؤلمة طيلة الأربعين
عاما الأخيرة حتى شريطه الأخير "موسيقانا" مع ذلك ظلت سينما غودار واحدة من أكثر تيارات السينما عصية
على التأويل في العالم ما جعلها نخبوية دائما.









وليس بعيدا عن ذلك شريطه الأخير الذي ربما لم تبدأ فكرته من "فلسطين استعارة" فحسب بل إن علاقة قد جمعت
السينمائي إلى الشاعر أثناء إقامة الأخير في باريس حيث يبدو أن "فلسطين" لدى غودار قد تخلصت من الفكرة
المسبقة عنها إلى حدّ كسر الإطار وبناء إطار خاص به إلى درجة قال فيها ناقد سينمائي عربي إنها فلسطين
التي تخصه وتعنيه أي أنها فلسطين التي قام غودار بتأويلها سياسيا من النصوص ومن متابعته حيثيات سياسية
وغير سياسية إنما باشتراطات إبداعية تخص سينماه ومنهجه بالبحث السينمائي.







يأخذ غودار واحدا وأكثر من نصوص محمود درويش ويستدخلها إلى بنية السيناريو ويطلب إلى درويش أن يدخل إلى
الشريط، وهذا ما يحدث بالفعل إنما بعد تأخير للعمل في الشريط استمر لستة أشهر نظرا لانشغالات الرجلين:
غودار ودرويش وارتطام مواعيد وتواريخ واحداث.
وعبر الكثير مما قيل عن "موسيقانا" الذي اعتبره البعض أرقى ما وصلت إليه مخيلة غودار وتجربته فإن ما بدا مثيرا لإعجاب غودار لدى درويش هي تلك النزعة "الطروادية" لدى درويش الذي هو شاعر هوميري، نسبة إلى هوميروس الإغريقي، بالفعل لجهة الإحساس بالرغبة العارمة في قول الحكاية وهذا بالفعل ما يبرر ظهور هنود حمر يقرأون قصيدة درويش خطبة الهندي الأحمر التي ظهرت في ديوان أحد عشر كوكبا عن المشهد الأندلسي.
ويظهر درويش في الشريط لسبع أو عشرة دقائق ليس ممثلا كما تعهد له غودار بذلك وإنما محاورا فتاةً
اسرائيلية تقوم بدورها ممثلة اسرائيلية من أصل فرنسي، وسوف يكون الحوار مما سبق لدرويش أن قاله أو كتبه
سابقا.
يزور محمود درويش باريس مؤخرا في سياق تكريمي يستمر على شكل ندوات وامسيات خاصة وفي مدن فرتسية متعددة
طيلة العام ويُقام عرض خاص للشريط "موسيقانا" بحضور الرجلين: الشاعر محمود درويش والمخرج السينمائي جان
لوك غودار ومع نهاية العرض يسأل المخرج الشاعرَ عن رأيه فيقول الأخير: لم اعرف ماذا تودّ أن تقول؟ فيرد
المخرج: لو عرفت يا عزيزي درويش ما أردت قوله لما كنت أنا غودار الذي صنعه.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش