الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قلق الأنثى .. قلق النص * « مزيداً من الوحشة » لبسمة النسور ..قلق وتأمل وبناء سردي مباشر * * د. محمد عبد الله القواسمة

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 مـساءً
قلق الأنثى .. قلق النص * « مزيداً من الوحشة » لبسمة النسور ..قلق وتأمل وبناء سردي مباشر * * د. محمد عبد الله القواسمة

 

 
في عملها الإبداعي الأخير "مزيداً من الوحشة" تقدم القاصة بسمة النسور مجموعة من القصص القصيرة والقصيرة جداً ، تبرز فيها القلق الإنساني ، قلق الأنثى حول علاقتها بالآخر الرجل من ناحية ، وعلاقتها بالمجتمع وتقاليده من ناحية أخرى. ويواكب هذا القلق قلق آخر على مستوى الصياغة القصصية الذي يتمثل في حمى التجريب ، وتعدد البنى السردية.
ففي قصة "الكثير من الخذلان" ينثال السرد على لسان المتكلمة في شكل أقرب إلى الهلوسة أو الهذيان: من ذلك اتهام الجدة لها بالكذب ، الذي تمثل فقط في أنها ماتت دون أن تخبرها بموتها ، ولكنها حدثتها قبل الموت عن شجرة السرو التي نزفت منها دماء كثيرة عندما قطعها جدها ، لقد وجدت فيها معادلاً موضوعياً لأحزانها ، عندما تتهم بأنها قتلت جدتها بالسم ، وأنها تعاني من نوبات الهذيان ، فكان أن حكم عليها بطلاقها من زوجها ونزع ابنتها منها ، ونلاحظ هذا في مخاطبتها ابنتها ، وهي تودعها: "سوف تنزفين كثيراً يا أميرتي.. لكن إياك والأنين" (17ص).
وتبدو مثل هذه الأجواء في قصة "إيضاح قليل" ولكن الخلاف بين القصتين يكمن في وجهة نظر السارد ، فالذي يتولى القص هنا هو الجدة ، ومن وراء الموت ، إنها تخاطب حفيدتها ألا تستدعيها في أحلامها لتشكو إليها ما حدث لها مع زوجها ، فقد تزوجته دون أن تنصاع إلى رأيها في رفضه ، لقد نبهتها إلى أن هناك بلاهة في روحه. خاطبتها: "يبدو لي بلا مخيلة ، لن يمنحك سوى الشقا" (22ص).
يظهر السرد من وجهة نظر الجدة مغايراً للقصة السالفة ، فكأن القصتين قصة واحدة تعرض عن طريق وجهات النظر ، وهي هنا تحمل رسالة إلى المتلقي الأنثى أن تعلو فوق الأحزان التي تغرق فيها بسبب الرجل..
أما قصة "مزيداً من الوحشة" فتتحدث عن حقد المرأة على الزوج عندما يتزوج بأخرى ، فنسمع تلك المرأة ، وهي تحكي عن ذلك الزوج الذي تركها لأنها عاقر ، ولا يخفف موته ذلك الحقد ، وبخاصة أنه يموت على سرير ضرتها ، ويبلغ إحساسها بالوحدة بمقارنتها بوحدته في قبره ، فتخاطبه: "هل أدركت الآن معنى الإقامة في العتمة ، وحيداً ، وعاجزاً ، ومتروكاً" (41ص)
ويبدو إدراك القاصة كثرة الحالات المماثلة لتلك المرأة في المجتمع. من خلال إهداء القصة الذي يحمل عبارة : "إلى نساء كثيرات"
ويظهر الرجل في قصة "جانب من الحضور" السبب فيما تعانيه المرأة من عذابات ، فالزوج يطلق زوجته على الرغم من أنه مصدر التعاسة والملل ، ونرى الأم على غير العادة كأنها تموت بسبب الملل الذي يتصف به ابنها. هكذا تعترف الأم ، وهي على فراش الموت: "يا بني أنت رجل ممل للغاية ثم فاضت روحها على الفور (ص 46)
في قصة احتيالات تعاني شخصية المرأة الأرق فلا تنام إلاّ بعد استخدام المنوم ، وعندما تصحو لا تفارقها الكآبة إلاّ بعد تناول مضادتها. وأزمة الشخصية هنا لا سبب لها غير ابتعاد أولادها عنها ، فقد تفرقوا في بلاد الله الواسعة وتركوا صورهم على الجدران ، على الرغم من أنّها امرأة عاملة ناجحة في أداء عملها ، وتواظب في أوقات فراغها على ممارسة الرياضة في مركز التدريب ، ولم ينجح استخدامها جهاز المشي ذات يوم في تبديد كآبتها وإحساسها بالوحدة ، فيحدث أن تضبط عداد الجهاز ليتوقف بعد ساعة فلم تنتبه إلى توقفه حتى تنبهها صبية إلى ذلك.
في قصة "التماثل إلى الصحو" يتبين للمتلقي في نهاية القصة أن السرد على لسان الرجل فنقرأ: "ما أردت قوله: لست أكثر من رجل شديد الحمق" (35ص) لكن ما يقوله عن تلك المرأة التي يعشقها يصدمنا: فهي ليست جميلة ، أنفها كبير معوج ، وشعرها ليس فاتناً ، وصوتها مثل عجوز ، وهي غير متفائلة ، ولكن هذه الصدمة تخفت عندما نتبين أن بناء القصة يقوم على خطاب مباشر توجهه المرأة إلى ذاتها ، وتهدف إلى أن ترتقي بعواطفها لتلتقي بالرجل الذي يتعشقها "عليك اقتناص اللحظة قبل أن أتماثل إلى الصحو" (36ص). يذكرنا هذا ببيت المتنبي الشهير:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا
أما قصة "بين الحين والآخر" فتقوم على مفارقة عبثية فنادل المقهى مثقف له آراء خاصة في المفكرين والفلاسفة أمثال هيغل وسارتر ونيتشه ، وهو يعاني الملل على الرغم من ثقافته الواسعة ، يلفت انتباهه امرأة تتردد من وقت لأخر إلى المقهى ، كانت تنهمك في القراءة والكتابة ، يفاجأ عندما يذهب إلى مقهى آخر ليطرد الملل عن نفسه أن من تقدم له ما طلبه هي تلك الفتاة نفسها التي يراها من حين لأخر في المقهى الذي يعمل فيه.
وتظهر قصة" ذراعاه المفرودتان على اتساعهما" غيرة المرأة وسذاجتها: فبطلة القصة لم تعبأ بصديقتها تلك الفنانة الفرنسة التي جاءت لتظهر التعاون والفهم للقضية العربية ، ولم تهتم بحديثها عن خطورة الوضع في الشرق الأوسط ، إن ما يسيطر على عقلها سفر زوجها إلى الخارج ، وخوفها من أن تكون هناك في شقته امرأة أخرى..
أما قصة "الخراب الذي أحاق بكل شيء" ، فتظهر في بناء حلمي نذالة الرجل لكنها لا تخفي قسوة المرأة في الوقت ذاته. فإذا كان الرجل قد ترك المرأة وابنتها وحدهما فإن المرأة بدت شديدة القسوة عندما ترسل إليه ابنته ، لتراه رجلاً "عجوزاً مرتبكاً شديد القبح" (66ص). ثم تأتي لاستردادها قائلة لها: "لا تخافي نحن معاً الآن" (22ص) إنهما يتركانه للخراب الذي يحيق به من كل جانب..
كان ذلك قلق الأنثى في القسم الأول الذي احتوى القصص القصيرة من مجموعة "مزيداً من الوحشة" لبسمة نسور. وقد لاحظنا أنّ هذا القلق مبعثه في الغالب الرجل ، ويسايره قلق آخر على مستوى الصياغة: فيتنوّع البناء باستخدام الأحلام والمفارقة والسرد بضمير الغائب والمتكلم ووجهات النظر.
أما في القسم الثاني الذي احتوى مجموعة من القصص القصيرة جداً فيتحوّل هذا القلق إلى غضب شديد على الرجل ، ورثاء موجع لحالة المرأة ، يبدو ذلك واضحاً في العتبة النصيّة التي تتقدم هذا القسم ، وهي بيتان من قصيدة هيلين والمطر من مجموعة محمود درويش" لماذا تركت الحصان وحيداً ". يقول البيتان:
يا له من أنين ،
أنين الذئاب على جنسها
ويتبين لنا أن أسباب هذا الأنين في الغالب يوفرها الرجل للمرأة ، فعبر بناء رمزي نرى الرجل جزاراً في نص "ثغاء" فالجزار يذبح الشياه معتقداً أن مهمته نبيلة "غير أن الثغاء المجروح يؤكد أنّ للشياه رأياً آخر" (72).
ويبدو الرجل "كلباً" في نص"عواء" فالسيدة رئيسة جمعية الرفق بالحيوان تشيح وجهها عن كلب صغير محبوب من أعضاء الجمعية جميعهم ، فيهددونها بالفصل من عملها إذا لم تعامل الكلب معاملة حسنة "لكنها لم تعبأ بتهديدهم وظلت مصرّة على عدم السماح له بالاقتراب ، لأن عواءه فكذا غأصبح مبتذلاً" (74ص) .
ويظهر الرجل إنساناً غبياً وعبداً ذليلاً ، يمثله في قصة" استلاب" ذلك الموظف المتسمر أمام شاشة الحاسوب: فهو ينفذ الأوامر التي تظهر على الشاشة ، ولا يملك حريته بخلاف العصفور الذي يقف على النافذة المقابلة.
وإذا كانت القصص الثلاث السابقة تعكس تأملات فكرية في الحياة تسقطها القاصة على علاقة الرجل بالمرأة ، فإنها تغدو مشاهد سردية وحوارية في قصص أخرى تدين الرجل ، وتظهر المرأة في صورة الإنسانة الغفور دائماً كما في قصص: أدوار ، وصفقة ، واطمئنان ، ونكران. لنقرأ قصة أدوار التي جاءت في سطرين قصيرين: "هو: يواصل ارتكاب الخطايا. هي تواصل الغفران" (90ص)
ولا تكتفي قصة "بهجة" بإدانة الرجل بل تدعو إلى التخلص منه كرمز للاستعباد: فما هو إلا صنم يستحق أن يحطم رأسه بالفأس ، هكذا نفهم ما فعلته المرأة عندما تحيل الصنم إلى قطع متناثرة وتردد ببهجة: "الآن أصبحت حرة ،"(93ص). وتبدو المرأة مخلوقة متسامحة بربته في قصة" صفقة": ففي الحوار الذي تقوم عليه قصة"صفقة" تسأل المرأة الرجل بعد أن دعاها إلى إنهاء علاقتها به: "هل يعني هذا أنك لن تصحبني إلى الرقص هذا المساء" (94ص)
وتحاول المرأة في النص القصصي المعنون بـ"حياة" أن تقترب من عالم الرجل من خلال موقف المفارقة: فقد فقدت الموظفة في محل بيع للكتب والصحف الأمل في صباح مشرق منذ أن لم تلتق ذلك الرجل الذي اعتاد أن يبتاع منها صحيفة الحياة ، وعلى الرغم من أن هذا النص يظهر أهمية الرجل في حياة الأنثى إلاّ أنّه يحيله إلى عامل رئيسيّ في تعاستها ، وإماتة الأمل في نفسها.
كان ذلك قلق الأنثى في القصص القصيرة جداً من مجموعة يسمة النسور ، وقد تركزت أسبابه في الرجل كأنه عدو المرأة الأول ، وضمن تعدد هذه الأسباب تتنوع البنى السردية في هذه النصوص: فهنالك المشهد الحواري والمشهد الحركي ، وهنالك البناء الحكائي ونصوص أقرب إلى التأمل والحكم الفلسفية والشطحات الفكرية.
أخيراً لعل القارئ يتعجب بعد قراءته قصص المجموعة كلها من تعصب الكاتبة الشديد لبنات جنسها ، ويتساءل عن مسوغات هذا الأنين عليهن ، كأنها تبتغي من وراء ذلك بعث حقد نساء الأمازون على الرجل ليطل من وراء الأسطورة الشهيرة..

بسمه النسور مزيدا من الوحشة ، عمان الشروق 2006
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش