الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

آداب المفتــــي فـــي الاســـلام

تم نشره في الجمعة 14 تموز / يوليو 2006. 03:00 مـساءً
آداب المفتــــي فـــي الاســـلام

 

 
أ. د. علي محي الدين القرة داغي
ذكر العلماء هذه الآداب ، وأطالوا النفس فيها ، بل ألفوا فيها عددا كبيرا من الكتب منها آداب المفتي والمستفتي لأبي القاسم الصميري (ت ه386ـ) ، وأدب الدين والدنيا لأبي الحسن الماوردي (ت ه450ـ) ، وكتاب الفقيه والمتفقه لأبي بكر الخطيب البغدادي (ت ه643ـ) ، وأدب المفتي والمستفتي للحافظ المعروف بابن الصلاح الشهرزوري (ت ه643ـ) ، وأدب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي للامام النووي (ت ه676ـ) ، واعلام الموقعين للامام ابن قيم الجوزية (ت ه751ـ) ، وأدب المفتي للسيوطي (ت ه911ـ).
فقد شبه الامام احمد رحمه الله المفتي والعالم بالطبيب فقال: (الدنيا داء ، والسلطان داء ، والعالم طبيب ، فاذا رأيت الطبيب يجر الداء الى نفسه فاحذره) وقال ايضا: (لا ينبغي للمفتي ان يفتي حتى تكون له نية ، وكفاية ووقار وسكينة وقوة على ما هو فيه ومعرفة به وبالناس).
وقد شرح العلماء ذلك فقالوا: يجب ان يكون له نية واخلاص اي يقصد بفتواه الارشاد وبيان حكم الله دون رياء ولا سمعة ، لأن الأعمال بالنيات ، وان الله تعالى لا يقبل الا ما هو خالص لوجهه الكريم ، وانه اذا لم تكن له نية لم يكن له نور ، ولا على كلامه نور.
وان يتصف بالحلم لأنه سيد الأخلاق ، ومن خلاله تكون فتواه دقيقة ، وكذلك السكينة والوقار فهما من اخلاق الأنبياء عليهم السلام ، والمفتي من ورثة الأنبياء فيجب ان يتخلق بأخلاقهم ، قال بعض السلف: (ما قرن شيء أحسن من علم الى حلم.. وخيار الناس من أولي العلم والحلم) فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله ، وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات ، فالحليم لا يستفزه أهل الفسق ، ولا يستخفه الذين لا يعلمون ، ولا يقلقه أهل الطيش والخفة والجهل ، بل يظل وقورا ثابت الجأش مالك النفس ، فبالعلم تتكشف له الحقائق ، وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه ، و الصبر على نتائج فتواه.
وكذلك الكفاية من الرزق والقناعة بما آتاه الله تعالى حتى لا ينسبه الناس الى التكسب بالعلم وأخذ العرض عليه وحينئذ تسقط هيبته ، فقد كان لسفيان الثوري شيء من المال وكان لا يتروى في بذله ، ويقول: (لولا ذلك لتمندل بنا هؤلاء).
وكذلك معرفة الناس وأحوال المستفتين ، لانه من خلال علمه بهم يميز بين الصادق الذي يطبق شرع الله ، و المحتال الذي يريد ان يستفيد من الرخص ، او المخارج الفقهية ، فلو سأله فاسق في جواز الخلوة بالمحارم عليه ان يأخذ بسد الذرائع في حين لو سأله متق عادل لافتاه بالجواز ، وهكذا.
ونحن هنا نذكر جملة من هذه الآداب للمفتي بايجاز شديد :
1 - ان يكون ظاهر الورع مشهوراً بالديانة الظاهرة والصيانة الباهرة ، وان يكون ثقة مأموناً متنزها عن اسباب الفسق وخوارم المروءة ، فقيه النفس ، سليم الذهن ، رصين الفكر ، صحيح التصرف والاستنباط متيقظاً ، لا يخاف في الله لومة لائم من السلطان او العامة ، فقد قال الزهري في حق سعيد بن المسيب: (كان عند الناس قدر كبير عظيم لخصال: ورع ونزاهة ، وكلام بحق عند السلطان وغيره ومجانبة للسلطان ، وعلم لا يشاكله علم احد و رأي صليب وعزة لا يكاد يراجع.
2 - ان يكون قوي العقيدة والشخصية لا تؤثر فيه قرابة ولا عداوة ، وجر نفع او دفع ضر ، قال الشيخ ابن الصلاح: (لأن المفتي في حكم مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان كالراوي لا كالشاهد ، فتواه لا يرتبط بها الزام).
3 - لا يفتي غير الفقيه: ذكرنا في السابق طبقات المفتين من المفتي المستقل (اي المجتهد المطلق) الى المجتهدين في المذاهب ، وفي جميع المذاهب لا يجوز ان يفتي غير الفقيه ، يقول النووي وغيره ممن تحدثوا عن هذا الموضوع: (هذه اصناف المفتين... وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب ، وفقه النفس ، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم ، ولقد قطع امام الحرمين وغيره بأن الاصولي الماهر المتصرف في الفقه لا يحل له الفتوى بمجرد ذلك ولو وقعت له واقعة لزمه ان يسأل عنها) وذكروا كذلك بأنه يجوز لمن حفظ كتاباً او اكثر ان يفتي وقال جماعة من الفقهاء: يحرم على المقلد ان يفتي في النوازل والوقائع المستجدة التي لا يجدون فيها آراء لأئمة المذاهب.
والراجح ان من ليس مجتهداً ولا قادراً على الترجيح حسب الشروط السابقة يكون آثما باصدار الفتاوى.
4 - حرمة التساهل في الفتوى ، وجواز الترخيص: قال النووي وغيره: (يحرم التساهل في الفتوى ، ومن عرف به حرم استفتاؤه ، فمن التساهل ان لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر.
ومن التساهل ان تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة او المكروهة ، والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه ، او التغليظ على من يريد ضره).
وهناك فرق بين هذا التساهل المذموم ، والترخيص المشروع فالتساهل يأتي اما من جهل ، او من اغراض ونيات فاسدة ، او من أخذ بالحيل المحرمة والمكروهة ، اما الترخيص فيأتي من الفقه العميق والغرض الصحيح لايجاد مخارج شرعية لمشاكل الناس ورفع الحرج عنهم في امور دينهم ودنياهم في ظل الأدلة المعتبرة ، يقول الامام النووي: (وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل ، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان: (انما العلم عندنا الرخصة من ثقة ، فأما التشديد فبحسنه كل احد). ولكنه مع ذلك فلا يجوز له تتبع الرخص لأجل الرخصة ، دون دليل معتمد.
5 - ينبغي ان لا يفتي في حال تغير خلقه وانشغال قلبه مثل الغضب والجوع والعطش ، والحزن الغالب والفرح المفرط والمرض المؤلم وكل حال يشتغل قلبه ويخرج عن حد الاعتدال.
6 - لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا عن مذهب معين ان يعتمد الا على كتاب موثوق في ذلك المذهب ، بل لا ينبغي له ان ينقل رأي امام من كتب مذاهب اخرى ، فلكل مذهب من المذاهب المعتبرة كتبه المعتمدة التي لا ينبغي الاعتماد على غيرها.
7 - ان تكون فتواه واضحة مبينة جازمة مفهومة بلغة العصر.
8 - لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة او المكروهة وان لا يعين على المكر والخداع ، ولذلك ينبغي ان يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم ، ولا ينبغي له ان يحسن الظن بهم ، بل يكون حذراً كيساً حكيماً فقيهاً بأحوال الناس.
9 - احترام أهل التخصص: اولى فقهاؤنا هذه المسألة عنايتهم حتى ذكروا ان الفقيه اذا سئل عن آية فيها حكم شرعي بينه وأجاب عنه ، ثم يحول السائل في بقية ما يتعلق بها الى المفسر ، قال الصيمري ، والخطيب ، : (اذا سئل فقيه عن مسألة من تفسير القرآن فان كانت تتعلق بالاحكام أجاب عنها كمن سأل عن الصلاة الوسطى ، والقرء ، ومن بيده عقدة النكاح ، وان كانت ليست من مسائل الأحكام كالسؤال عن الرقيم والنقير والقطمير والغسليم ، رده الى أهله ، ووكله الى من نصب نفسه من أهل التفسير). وهذا تنفيذ لأمر الله تعالى في الرجوع الى أهل الذكر والخبرة فقال تعالى: (فسئلوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) وقال تعالى في وجوب الرد الى أهل الاستنباط: (ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ، بل ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبين ان بعض صحابته لديهم تعمق في بعض العلوم اكثر من الاخر ، حيث تبين ان افرضهم زيد ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ وهكذا.
10 - عدم استعمال لفظ التحريم فيما هو مجتهد فيه وعدم اسناد الحكم الى الله تعالى والى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فكان السلف الصالح لا يسندون الحكم الاجتهادي الى الله تعالى ، وكانوا ايضا يتورعون عن استعمال لفظ التحريم الا لما ثبتت حرمته بنص صريح ، وانما هم يستعملون لفظ الكراهة فيقولون: أكره كذاك ، يقول ابن القيم: (ولكن لا يجوز ان يقول لما أداه اليه اجتهاده ولم يظفر فيه بنص عن الله ورسوله: عن الله حرم كذا ، وأوجب كذا ، وأباح كذا ، او ان هذا هو حكم الله ، قال ابن رضاح: ثنا يوسف بن عدي ، ثنا عبيدة بن حميد ، عن عطاء بن السائب قال: قال الربيع بن خيثم: إياكم ان يقول الرجل لشيء: ان الله حرم هذا او نهى عنه ، فيقول الله: كذبت لم احرمه ولم انه عنه ، او يقول: ان الله احل هذا ، او امر به ، فيقول الله لم أحله ، ولم آمر به» وقد روي عن مالك انه قال في بعض ما كان ينزل به فيسأل عنه فيجتهد فيه رأيه: «ان نظن الا ظنا وما نحن بمستيقنين». وقد قال ابن مسعود: (عسر رجل يقول: ان الله امر بكذا ، ونهى عن كذا ، فيقول الله له: كذبت ، او يقول: ان الله حرم كذا ، او أحل كذا ، فيقول الله له: كذبت).
بل الاحاديث الصحيحة تدل على ان الأمير اذا حاصر حصنا لا يجوز له ان ينزل عدوه على حكم الله حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا بعث اميرا على سرية ، او جيش اوصاه بتقوى الله في خاصته نفسه ، وبمن معه من المسلمين خيرا وقال: (.... واذا حاصرت اهل حصن فأرادوك ان تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم ، فانكم لا تدرون ما حكم الله فيهم ، ولكن انزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم).
وكان هذا هو منهج الخلفاء الراشدين وعلماء السلف جميعا رضي الله عنهم فقد روي انه كتب كاتب بين يدي عمر رضي الله عنه: (هذا ما أرى الله امير المؤمنين عمر ، فقال لا تقل هكذا ، ولكن قل: هذا ما رأى امير المؤمنين عمر بن الخطاب).
وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن امر الناس ، ولا من مضى من سلفنا ، ولا ادركت احدا اقتدى به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام ، ما كانوا يجترؤون على ذلك ، وانما كانوا يقولون: نكره كذا ، ونرى هذا حسناً ، فينبغي هذا ، ولا نرى هذا ، ورواه عنه عتيق بن يعقوب.
وما نراه اليوم من بعض الباحثين والكتاب في التساهل في اطلاق لفظ الحرام على ما ثبتت حرمته بالاجتهاد منهج غير سليم ، وكذلك اسناده القطعي الى الله تعالى في الاوامر والنواهي للأمور الاجتهادية غير صحيح ، لذلك على المفتي ان يحتاط في استعمال المصطلحات ويكون حذرا فلا يستعمل لفظ الحرام ، الا على ما ثبتت حرمته بنص من الكتاب والسنة ، وكذلك لاي قول: هذا ما أوجبه الله تعالى ، او حرمه ، بل يقول ، يظهر لي كذا ، او أكره ، او نحو ذلك ، ولذلك كان السلف يستعملون لفظ «المكروه» لما هو محرم بالاجتهاد وليس بالنص القاطع ، وأما استعمال لفظ «الكفر» فلا يجوز له قطعا الا لمن صدر منه الكفر البواح.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش