الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في كلمة الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر في حفل توزيع جوائز نوبل* كان غزو العراق فعلا من افعال قطاع الطرق اظهر الاحتقار المطلق

تم نشره في الأحد 18 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 مـساءً
في كلمة الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر في حفل توزيع جوائز نوبل* كان غزو العراق فعلا من افعال قطاع الطرق اظهر الاحتقار المطلق

 

 
* لفكرة القانون الدولي وقصد منه تعزيز سيطرة امريكا العسكرية والاقتصادية
- ترجمة: ابراهيم درويش
في عام 1981 كتبت الآتي: لا توجد فروق صعبة بين ما هو حقيقي وغير حقيقي، ولا بين ما هو صواب و خطأ، الشيء ليس بالضرورة صوابا او خطأ، قد يكون صوابا وخطأ معا . لا زلت اعتقد ان هذه التأكيدات لا تزال تحمل معنى ولا تزال تصلح للتطبيق في مجال استكشاف الواقع/ الحقيقة عبر الفن.
وككاتب اتمسك بها، ولكن كمواطن لا استطيع. كمواطن يجب ان اسأل: ما هو الصواب وما هو الخطأ؟ الحقيقة في الدراما دائما مخادعة، لن تجدها، ولكن البحث عنها غريزي، والبحث هو ما يدفع المغامرة، والبحث هو مهمتك، واكثر من مرة قد تتعثر بالحقيقة في الظلام، تتصادم معها، او تحصل منها على قبس، شكل او صورة يشير للحقيقة، وفي الغالب لا تشعر انك فعلت. ولكن الحقيقة الحقيقية هي انه لا توجد حقيقة واحدة في الفن الدرامي، هناك اكثر من حقيقة، وهذه تتحدى بعضها البعض، تختفي من بعضها البعض، تنعكس، تتجاهل، تتشاقى، وتتعامى.
في بعض الاحيان قد تشعر انك ملكت الحقيقة بين يديك، وبعدها تتزحلق بين اصابعك وتختفي. وفي العادة اسأل كم هي مسرحياتي التي ولدت، لا استطيع الاجابة، ولا اقدر على تلخيص مسرحياتي، غير اني اقول هذا ما حدث، وهذا ما قالوه، وهذا ما فعلوه.
معظم المسرحيات تولدت من سطر، كلمة او صورة، والكلمة هذه غالبا ما تلحق بصورة، وسأضرب مثالين عن سطرين جاءا بدون ترتيب في رأسي، جاءت بعدها صورة وجئت انا بعدها.
المسرحيتان هما: الرجوع ، و الازمنة القديمة . السطر الاول في الرجوع ماذا فعلت بالمقص؟ والسطر الاول في الازمنة القديمة داكن ، وفي كلتا الحالتين ليس عندي معلومات اضافية .
في الحالة الاولى احدهم كان يبحث عن مقص، ويسأل عن مكانه شخصا يشك انه سرقه.
ولكني اعرف ان الشخص المسؤول هنا لا يهتم بالمقص ولا بالسؤال ايضا. داكن، قد يكون وصفا للون شعر، شعر امرأة وكان جوابا على سؤال. وفي كلتا الحالتين اجد نفسي مدفوعا لملاحقة الامر، حدث هذا بصريا، خفوت بطيء، عبر انعكاسات الضوء. دائما ما ابدأ مسرحياتي باطلاق اسماء حروف على شخصياتي، الف، باء او جيم.
في المسرحية التي اصبحت الرجوع ، رأيت رجلا يدخل غرفة عارية، ويسأل رجلا يجلس على اريكة قبيحة. وشككت ان الف هو الاب وباء هو الابن، ولكن لم يكن لدي اي دليل. تأكد هذا بعد فترة قصيرة عندما يقول باء (ليني) لألف (الذي اصبح فيما بعد ماكس) (دادي، لا تنزعج اذا غيرت الموضوع، اود ان اسألك عن امر، العشاء الذي تناولناه سابقا، ماذا كان اسمه، ماذا اسميته؟ لماذا لا تشتري كلبا، انت طباخ كلاب، بصراحة، تعتقد انك تطبخ الكثير للكلاب ، وعليه ولان باء ينادي الف بدادي كان من السهل علي الافتراض ان من المعقول أنهما اب وابن. (الف) من الواضح انه كان الطباخ، وطبخه لم يكن على ما يبدو يلقى اعجابا كبيرا ـ هل هذا يعني انه لم يكن هناك ام، لم اعرف ولكن كما حدثت نفسي في ذلك الوقت بدايتنا لا تعرف ابدا نهايتنا. داكن، الف، شباك واسع، سماء مسائي، الف رجل. الف لاحقا سيعرف باسم ديلي، وامرأة (ب)، ستعرف باسم كيت تجلس مع مشروبات سمينة او نحيفة؟، امرأة (ج) ستعرف لاحقا باسم آنا، في ظرف اخر من الضوء، تدير ظهرها لهم، شعرها داكن. لحظة غريبة، هي لحظة خلق الشخصيات، والتي حتى تلك اللحظة ليس لها وجود، ما يتبع بعد ذلك، تدفق، غير واضح، وحتى هلوسة، في بعض الاحيان قد تكون انهيار جبل جليد لا يمكن تفاديه، موقع الكاتب موقع شاذ، فهو بشعور ما لا ترحب به الشخصيات، الشخصيات ترفضه، ومن الصعب عليه التعايش معها، ومن الاستحالة تعريفها، وبالتأكيد انت لا تستطيع الاملاء عليها، وبحس ما فأنت تلعب لعبة لا نهاية لها، القط والفأر، لعبة الرجل الاعمى، الطميمة او الاستغماية ، وفي النهاية تجد بين يديك اشخاصا من لحم وشحم، اشخاصا بإرادة وافراد ذوي حساسية خاصة، يتشكلون من اجزاء لا تستطيع التحكم بها و تغييرها. اللغة في الفن تظل وبدرجة عالية عقدا غامضة، رمالا متحركة، منصة قفز (ترامبولين)، حمام سباحة متجمدا. قد يتخلى عنك المؤلف في اية لحظة. ولكن، كما قلت فالبحث عن الحقيقة لا يمكن ان يتوقف، ولا يمكن تعليقه او تأجيله، ويجب مواجهته هناك في موقعه.
السياسة لا تحب الحقيقة
المسرح السياسي يقدم مجموعة مختلفة من المشاكل الشعائرية يجب تجنبها بكل ثمن، الهدفية مطلوبة، ويجب السماح للشخصيات ان تنتفس هواء نقيا، الكاتب لا يستطيع حجرها او تقييدها رغبة في ارضاء ذوقه او موقفه او تحيزه. ويجب ان يكون مستعدا للتعامل معها من اكثر من زاوية، ومن مناظير كاملة وغير مطروقة، يفاجئها في بعض الاحيان، ومع ذلك يجب ان يعطيها الحرية للمضي في الطريق الذي تريده. هذا لا ينجح في كل الاوقات، فالسخرية السياسية لا تلتزم باي من هذه المفاهيم، في الحقيقة فانها تقوم بالعكس، وهو جوهر وظيفتها المناسبة. في مسرحيتي، حفلة عيد الميلاد، اظن اني سمحت لكمّ واسع من الخيارات بالعمل في غابة كثيفة من الامكانيات قبل التركيز على فعل الاذلال.
لغة الجبل تتظاهر بانها لا تتوافر على عملية واسعة، وتبقى متوحشة، وقصيرة وقبيحة. ولكن الجنود في المسرحية يحصلون على بعض المرح منها. الواحد ينسى ان التعذيب قد يصبح عملا مملا، يحتاج الجنود الى بعض المرح للابقاء على معنوياتهم عالية، وهذا ما تأكد، طبعا باحداث سجن ابو غريب في بغداد. لغة الجبل لا تزيد مدتها عن عشرين دقيقة، ولكن قد تستمر ساعة بعد ساعة، مرة بعد مرة، نفس التصرفات قد تتكرر مرة بعد اخرى، ومرة بعد مرة ـ وساعة بعد ساعة. رماد لرماد ، في اتجاه آخر، يبدو لي ان احداثها تدور تحت الماء، امرأة تغرق، يدها تظهر عبر الامواج، تختفي عن مدى النظر، تبحث عن اخرين ولكنها لا تجد احدا، سواء فوق او تحت الماء، ولا تجد الا الظلال، انعكاسات، عوما. المرأة جسد ضائع في فضاء غريق، المرأة التي يبدو انها غير قادرة على الهروب من نهاية مرسومة لغيرها. اللغة السياسية التي يستخدمها السياسيون، لا تغامر او تخطو بحثا عن ارض جديدة لان معظم السياسيين، بناء على الادلة المتوفرة لنا، لا يهتمون بالحقيقة ولكن بالسلطة والحفاظ عليها. ومن اجل الحفاظ على السلطة من المناسب ان تبقى الجماهير جاهلة بالحقيقة، حتى بحقيقة حيواتهم الخاصة، وما يحيط بنا ليس الا قطعة منمقة من الاكاذيب التي نتغذى عليها. كما يعرف كل شخص، فتبرير غزو العراق قام على ان صدام كان يملك اسلحة دمار شامل، بعضها يمكن استخدامه في 45 دقيقة، جالبة معها دمارا شاملا. وقدمت لنا تأكيدات على ان هذا صحيح. ولم يكن صحيحا. قيل لنا ان العراق اقام علاقة مع القاعدة ويتحمل مسؤولية عن مذابح نيويورك في ايلول (سبتمبر) ،2001 وأكد لنا ان هذا صحيح، ولم يكن صحيحا. قيل لنا ان العراق يهدد امن العالم، وأكّد لنا ان هذا صحيح ولم يكن صحيحا. الحقيقة هي شيء مختلف تماما. والحقيقة تتعلق بالطريقة التي تفهم الولايات المتحدة دورها في العالم وكيف تختار ان تجسده. ولكن قبل ان ابدأ بالحاضر، علي ان اعود للماضي القريب، والذي اعني به السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
واعتقد انه من الواجب علينا لتعريض هذه الفترة لنوع من التوثيق على الاقل، وهو ما يسمح به الوقت هنا. كل واحد يعرف ماذا حدث في الاتحاد السوفييتي وفي دول اوروبا الشرقية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية: الوحشية المنظمة، والفظائع الكثيرة، وقسوة قمع حرية التفكير. كل هذه الاشياء موثقة ومؤكدة بشكل كامل. ولكن ما اصبو اليه هنا هو ان مجازر الولايات المتحدة في الفترة نفسها لم تسجل الا بشكل عرضي، علاوة على توثيقها او اعتبارها جرائم.
واعتقد انه يجب التصدي لها وان الحقيقة لها اثر واضح علي الموقف الذي يقفه العالم الان. ومع انها كانت مقيدة، لمدى، بوجود الاتحاد السوفييتي، الا ان افعال الولايات المتحدة في كل انحاء العالم، كانت واضحة، انها قررت ان لديها حرية كاملة أو كارت بلانش لكي تفعل ما تشاء.
في الحقيقة، لم يكن الغزو المباشر، الوسيلة المفضلة لامريكا. بشكل رئيسي، فضلت ما وصفته بالنزاعات ذات الوتيرة البطيئة، وهي تعني ان الناس يموتون بشكل بطيء، ابطأ من ان ترمي قنبلة في ضربة واحدة. وتعني انك تسبب التهابا في قلب البلاد، وانك تقوم بإنبات ورم خبيث وتراقب نمو الغرغرينا، وعندما تقمع الجماهير ـ او تضربها حتى الموت ـ الشيء نفسه الذي يقوم به اصدقاء ـ العسكر والشركات المتعددة ـ يجلسون مرتاحين في السلطة وتظهر امام عدسات التصوير لتقول ان الديمقراطية انتصرت. وهذا ما كان شائعا في السياسة الخارجية في الاعوام التي اشرت اليها.
ماذا حدث في نيكاراغوا
المأساة في نيكاراغوا تظل حالة مهمة: وقررت ان اقدمها كمثال قوي للاشارة لموقف امريكا عن دورها في العالم، امس واليوم. كنت حاضرا اجتماعا في السفارة الامريكية في لندن في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. وكان الكونغرس في الولايات المتحدة يقترب من اصدار قرار فيما اذا كان سيقدم الدعم المالي لقوات الكونتراس في حملتها ضد الدولة في نيكاراغوا. وكنت عضوا في الوفد الذي تحدث نيابة عن نيكاراغوا، وكان اهم عضو في هذا الوفد هو الاب جون ميتكالف. وكان رئيس الوفد الامريكي ريموند سيتز (الذي كان في حينه الرجل رقم 2 بعد السفير، وهو نفسه اصبح سفيرا فيما بعد).
قال الاب ميتكالف: سيدي انا مسؤول عن رعية في شمال نيكاراغوا، وابناء رعيتي يبنون المدارس والمراكز الصحية والثقافية. عشنا بسلام. قبل اشهر قليلة هاجمت قوات الكونتراس الرعية (الكنيسة)، ودمروا كل شيء: المدارس والمراكز الصحية والثقافية. اغتصبوا الممرضات والمدرسات، ذبحوا الاطباء بطريقة قاسية. وتصرفوا مثل الوحوش. ارجوك ادع الولايات المتحدة لسحب دعمها عن هذه الاعمال الارهابية الصادمة.
ريموند سيتز، عنده سمعة جيدة كرجل عقلاني، مسؤول ومقنع. ويتمتع باحترام في اوساط الدبلوماسيين. استمع، وتوقف ثم تحدث بنوع من الحزن: قال يا أبتِ دعني اقول لك شيئا. في الحرب، الابرياء هم الذين يعانون.
كانت هناك لحظة صمت باردة، حدقنا به ولم يرمش له جفن. طبعا الابرياء هم الذين يعانون. اخيرا قال احد الحاضرين: ولكن في هذه الحالة الناس الابرياء كانوا ضحايا مجزرة فظيعة دعمتها حكومتكم، من بين عدد اخر. واذا سمح الكونغرس باعطاء الكونتراس مالا جديدا، ستحدث مجازر من هذا النوع، اليس هذا هو الوضع؟ اليست حكومتك مذنبة بدعمها افعال القتل والتدمير الممارس على ابناء دولة ذات سيادة؟.
كان سيتز متجهما : لا اعتقد ان الحقائق التي قدمت تدعم موقفك. وعندما كنا نغادر السفارة، قال احد المساعدين لي: انا استمتع بقراءة مسرحياتك، لم ارد عليه. لا بد لي من تذكيركم انه في نفس الوقت، ادلى الرئيس ريغان بالتصريح التالي: الكونتراس هم المعادل الاخلاقي لآبائنا المؤسسين.
دعمت الولايات المتحدة الديكتاتور ساموزا في نيكاراغوا لاربعين عاما.
وقام الشعب النيكاراغواي مدعوما بثوار السانديستا بالاطاحة به في عام 1979 في ثورة شعبية حاسمة. السانديستا لم يكونوا مبرأين من الاخطاء.
ولهم حصتهم من الغرور، واحتوت فلسفتهم السياسية على الكثير من العناصر المتناقضة. ولكنهم كانوا اذكياء عقلانيين ومتحضرين. وبدأوا بانشاء مجتمع مستقر وتشاركي، والغوا حكم الاعدام، مئات الالاف من الفلاحين الذين كانوا على حافة الموت عادوا للحياة. واعطيت اكثر من مئة الف عائلة، عقود تمليك اراض، وتم بناء الفي مدرسة، وحملة لمحاربة الامية ادت لانخفاض مستوياتها الى اقل من السبع. وتم انشاء التعليم المجاني والعلاج الصحي المجاني، وانخفض عدد الوفيات بين الاجنة لنسبة الثلث، وتم القضاء على مرض شلل الاطفال. شجبت الولايات المتحدة هذه الانجازات على انها قمع ماركسي ـ لينيني.
وفي نظر الولايات المتحدة، فهذا النظام يقدم مثالا خطيرا، واذا سمح لنيكاراغوا ببناء البنى الاساسية للمجتمع والاقتصاد العادل، واذا سمح لها برفع مستويات العناية الصحية والتعليم وتحقيق وحدة اجتماعية واحترام وطني، فالدول المجاورة لها كانت ستطرح نفس الاسئلة وتقوم بنفس الامر. كانت هناك مقاومة شديدة للحفاظ على الوضع القائم في السلفادور.
تحدثت في البداية عن قماشة منمقة من الاكاذيب التي تحيط بنا، فالرئيس الامريكي وصف بشكل دائم نيكاراغوا على انها قبو مظلم من الديكتاتورية، وقد تعامل الاعلام وبالتأكيد الاعلام البريطاني مع هذا الوصف على انه دقيق وتعليق مقبول. ولكن، في الحقيقة لم يكن هناك سجل عن فرق الموت في اثناء حكم السانديستا، ولم يكن هناك سجل عن التعذيب، لا يوجد سجل عن القسوة الرسمية او العسكرية، ولم يتم قتل القسس في نيكاراغوا.
في الحقيقة كان هناك ثلاثة قسس في الحكومة اثنان من الجزويت وواحد من تبشيرية مارينول. الاقبية/ السجون القمعية كانت في الجانب الاخر، في السلفادور وغواتيمالا. فقد اطاحت الولايات المتحدد بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا في غواتيمالا عام 1954 وقدرت الاحصائيات وقوع 200 الف شخص ضحية للانظمة الديكتاتورية العسكرية المتعاقبة. تم اغتيال ستة من المبشرين الجزويت من ذوي السمعة العالمية في الجامعة الامريكية المركزية في سان سلفادور في عام ،1989 من قبل فرقة من الكاتال التي تدربت في فورت بينينغ، جورجيا، الولايات المتحدة.
ذلك الرجل الشجاع، الاب روميرو، اغتيل عندما كان يقود صلاة عامة. وقد قدر ان 75 الف شخص ماتوا، لماذا قتلوا؟ قتلوا لانهم كانوا يعتقدون ان حياة افضل ممكنة ويجب الحصول عليها. هذا الايمان اعتبر مباشرة شيوعية. ماتوا لانهم تجرأوا على تحدي الوضع القائم، وتحدو الجبل العالي من الفقر، المرض، التخلف والاضطهاد، التي كانت حقوقهم بالولادة. اخيرا اطاحت الولايات المتحدة بنظام الساندينستا، واحتاج الامر لسنوات طويلة من المقاومة الا ان العقوبات الاقتصادية المتواصلة ووفاة 30 الف شخص اثرت على روح الشعب النيكاراغوي، كانوا منهكين وفقراء مرة اخرى. عادت الكازينوهات مرة ثانية للبلاد، لم يعد هناك تعليم مجاني ولا خدمات صحية. رجال الاعمال الكبار عادوا وبانتقام. الديمقراطية، انتصرت.
ولكن هذه السياسة لم تكن مقصورة باي شكل من الاشكال على أمريكا الوسطى، فقد مورست في كل انحاء العالم، ولم تنته، وكأنها لم تكن. دعمت الولايات المتحدة في اكثر من مناسبة وفي الكثير من الاحوال شجعت كل ديكتاتورية يمينية في كل انحاء العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. اشير الى اندونيسيا، اليونان، الاورغواي، البرازيل، الباراغوي، هاييتي، تركيا، الفلبين، غواتيمالا، السلفادور وبالطبع التشيلي. الرعب الذي ساقته الولايات المتحدة على التشيلي عام 1979 لا يمكن ان يمحى او يغفر، لم يحدث، لم يحدث اي شيء، حتى عندما حدث لم يكن يحدث، ليس مهما، لم يكن يهم احدا. جرائم الولايات المتحدة كانت منظمة، مستمرة، انتقامية، بلا ندم، ولكن قلة هم الذين تحدثوا عنها. عليك ان تنسبها لامريكا، فقد مارست تلاعبا اكلينكيا هادئا بالسلطة في كل انحاء العالم، في الوقت الذي كانت فيه تتقنع على انها قوة من اجل الخير العام. كان هذا التلاعب فعلا بارعا، وذكيا، وناجحا في التنويم.
اقول لكم، الولايات المتحدة هي اكبر عرض متجول في العالم، يبدو قاسيا، لا يفرق، يحتقر الاخرين وهو وحشي الا انه ذكي. كمندوب مبيعات فهي لا تنافس احدا. وهي بضاعة قابلة للبيع تحب نفسها. انها الرابح. استمع للرؤساء الامريكيين على التلفاز يقولون الكلمات: الشعب الامريكي او كما في جملة انا اقول للامريكيين، حان الوقت للصلاة للدفاع عن حقوق الشعب الامريكي وادعو الشعب الامريكي للثقة برئيسهم في القرار الذي سيتخذه نيابة عن الشعب الامريكي. انها لعبة بارعة، اللغة استخدمت لكي تبقي علي العقل في سباته.
كلمات الشعب الامريكي تقدم مخدة شهوانية حقيقية للراحة، انت لست بحاجة للتفكير، فقط اجلس وارتح على الاريكة، الاريكة قد تكون كاتمة لتفكيرك وقدراتك النقدية ولكنها مريحة، هذا طبعا لا ينطبق على اربعين مليون امريكي يعيشون تحت خط الفقر ومليوني رجل وامرأة يقبعون في السجون التي تمتد في كل انحاء الولايات المتحدة. لم تعد الولايات المتحدة مهتمة كثيرا بالحرب ذات الوتيرة البطيئة، انها لم تعد ترى اية ضرورة للظهور بمظهر المتردد او المنحرف، فهي تضع اوراقها على الطاولة بدون مفاضلة او خوف، انها، ببساطة لا تلقي بالا للامم المتحدة، القانون الدولي او المعارضة، التي تنظر اليها باعتبارها عقيمة ولا اهمية لها. ولديها ايضا حملها ـ يقف خلفه في القيادة، بريطانيا المذعنة والمثيرة للشفقة. ماذا حدث لحساسيتنا الاخلاقية؟ هل كان لدينا اصلا حاسة؟ ما الذي تعنيه هذه الكلمات؟ هل تعني المصطلح الذي لا يستخدم كثيرا هذه الايام ـ الضمير؟ الضمير لا يتعلق فقط بافعالنا ولكنه يرتبط بمسؤوليتنا المشتركة عن افعال الاخرين؟ هل مات كل هذا؟ انظر الى خليج غوانتانامو، مئات الاشخاص اعتقلوا بدون توجيه تهم لهم وبدون تمثيل او اجراءات قانونية. عمليا هم معتقلون للابد، هذا التركيب يتواصل في رفض واضح لميثاق جنيف بشأن معاملة اسرى الحرب، وليس فقط يتم التسامح معه بل من النادر ان يفكر بها ما يسمى المجتمع الدولي، هذه الافعال الاجرامية الصادمة ترتكبها دولة تقدم نفسها على انها قائد العالم الحر . هل نفكر بسكان خليج غوانتانامو، ماذا يقول الاعلام عنهم؟ يقفزون في بعض الاحيان (لعناوين الاخبار)، لقد وضعوا في ارض حرام لا يمكنهم الرجوع منها. في الوقت الحالي، العديد منهم يقومون باضرابات عن الطعام، يجبرون على تناول الطعام، وبمن فيهم اشخاص يقيمون في بريطانيا، لا شيء جميلا في عملية الاطعام الاجباري هذه، بدون مخدر او مهدئات، انبوب يدخل في انفك والى حنجرتك تتقيأ دما. هذا تعذيب، هل قال عنه شيئا وزير الخارجية البريطاني؟ لا شيء، لماذا؟ لان الولايات المتحدة قالت: ان انتقاد اعمالنا في خليج غوانتانامو يعتبر فعلا يخرق قواعد الصداقة، اما ان تكون معنا او ضدنا، وعليه يا بلير اغلق فمك! غزو العراق.
كان غزو العراق فعلا من افعال قطاع الطرق، كان فعلا واضحا من ارهاب الدولة، اظهر الاحتقار المطلق لفكرة القانون الدولي. كان الغزو فعلا عسكريا عشوائيا أقام اكاذيب فوق اكاذيب، وتحكم بشكل واضح بالاعلام وبالتالي بالرأي العام، فعلا قصد منه تعزيز سيطرة امريكا العسكرية والاقتصادية على الشرق الاوسطـ كحل اخير، كل المبررات الاخرى فشلت في تبرير الفعل الأمريكان ـ كمحررين، والتأكيد القوي للقوة العسكرية المسؤولة عن قتل وتشويه الاف الآلاف من الناس الابرياء. جلبنا التعذيب والقنابل الانشطارية ـ اليورانيوم المنضب، واشكالا لا تحصى من التعذيب، الفق، والتخلف والموت للشعب العراقي واطلقنا عليه جلب الحرية والديمقراطية للشرق الاوسط. كم تحتاج لان تقتل كي تعتبر مجرم حرب وسفاحا؟ مئة الف شخص، اكثر من كاف، هذا ما فكرت به. وعليه، انه من العدالة بمكان تقديم بوش وبلير لمحكمة جرائم الحرب الدولية.
كان بوش ذكيا، فهو لم يوقع على ميثاق انشاء المحكمة، وعليه اذا وجد اي جندي او سياسي امريكي نفسه في قفص الاتهام، فقد هدد بوش بانه سيرسل المارينز لتحريرهم. ولكن توني بلير وقع على الميثاق وعليه فهو جاهز للمحاكمة، وسنعطي المحكمة عنوانه: 10 داوننغ ستريت، لندن. الموت في هذه الحالة ليس مهما، كل من بوش وبلير يتعاملان مع الموت كأمر لا علاقة له بالجانب الخلفي من المحرقة، اكثرمن مئة الف عراقي قتلتهم القنابل والصواريخ الامريكية قبل ان تبدأ المقاومة العراقية، هؤلاء الاشخاص ليسوا مهمين. موتهم ليس موجودا، انهم اشخاص فارغون، ولم يتم تسجيلهم على انهم موتى. ''نحن لا نحصي الموتى'' قال تومي فرانكس، الجنرال الامريكي.
نيرودا وقصف المدنيين
في بداية الغزو كانت هناك صورة نشرت على الصفحة الاولى لصحيفة بريطانية يظهر فيها توني بلير وهو يقبل خد طفل عراقي. طفل ممتن هكذا قال التعليق. بعد ايام قليلة، كانت هناك قصة مع صورة في صفحة داخلية، عن طفل يبلغ من العمر اربعة اعوام فقد ذراعيه. فجر عائلته بالكامل صاروخ امريكي، كان الناجي الوحيد. ''متى سأستعيد ذراعي؟'' سأل الطفل. القصة لم تنشر، حسنا، توني بلير لم يكن ممسكا بذراعيه ولا بجسد اي طفل عراقي مشوه، ولا جثة مدماة. الدم وسخ، انه يلوث قميصك وربطة عنقك خاصة وانت تقدم خطابا مخلصا على التلفاز. الألفا قتيل امريكي هم احراج، لقد نقلوا الى قبورهم في الظلام، الجنائز سرية والمشوهون يتعفنون في اسرتهم، البعض منهم سيظل كذلك حتى نهاية حياته، وعليه فالموتى والمشوهون يتعفنون، ولكن في قبور مختلفة. هذه مقتطفات من قصيدة لبابلو نيرودا، وانا اوضح هنا بعض الامور:
وفي صباح كل ما كان يحترق
في صباح كانت الالعاب النارية
قفزت من تحت الارض،
تأكل البشر،
وبعدها اشتعلت،
نار البارود بعدها
وبعدها الدم
طائرات برجال عصابات وبرابرة
رجال عصابات بخواتم وابهات
رجال عصابات بمعاطف
سود ينثرون الرحمات
جاءت عبر السماء لتقتل الاطفال
وجرى الاطفال في الشوارع بدون اهتمام،
مثل دم الاطفال
ابناء آوى، ابن آوى كان سيتقزز منهم
الحجارة التي كان الشوك البري
سيقضمها ويبصقها
أفاعٍ، كانت الافاعي ستتنكر لها
وجها لوجه معك شاهدت دم اسبانيا
متعملقا مثل المد
ليغرقك في موجة واحدة
من الكرامة والسكاكين. خيانة
ايها الجنرالات
انظروا لبيتي الميت
انظروا لاسبانيا المحطمة
من كل بيت يحترق ينساب الحديد
بدلا من الورود
من كل مفصل
تخرج اسبانيا
ومن الولد الميت، بندقية بعينين
ومن كل جريمة، يولد رصاص
لكي يعثر يوما
على عيون الثور في قلوبكم
ومن ثم ستتساءلون
لماذا اشعاره...
لا تحكي عن الاحلام واوراق الشجر
والبراكين العظيمة في وطنه
تعال وانظر الدم في الشوارع
تعال وانظر الدم في الشوارع
تعال وانظر الدم في الشوارع
فلأكن صريحا فمن خلال استشهادي باشعار نيرودا فانا، باي حال من الاحوال، لا اقوم بمقارنة اسبانيا الجمهوريين بعراق صدام حسين. عدت لنيرودا لانني لم اقرأ في الشعر الحديث وصفا قويا وحدسيا لقصف المدنيين مثل وصفه، قلت في البداية ان الولايات المتحدة الان صريحة كل الصراحة عندما تضع كل الاوراق على الطاولة. هذا هو الوضع. انها السياسة المعلن عنها رسميا الهيمنة الامريكية الساحقة الماحقة (هذه ترجمة للزميل صبحي حديدي) الذي يعني، التحكم بالارض والبحر والجو والفضاء وكل المصادر المعروفة.
تحتل الولايات المتحدة الان 702 قاعدة عسكرية في كل انحاء العالم في 132 دولة، باستثناء مشرف السويد، فقط. لا نعرف، في الحقيقة، كيف وصلوا هناك ولكنهم هناك فعلا. تملك الولايات المتحدة ثمانية الاف رأس نووية، ناشطة وقابلة للعمل. ومنها ألفان في حالة اشعار دائمة، جاهزة للانطلاق في 15 دقيقة. وتقوم (الولايات المتحدة) بتطوير قدرات نووية جديدة، تعرف باسم القنبلة السجادية.
والبريطانيون، المتعاونون دائما، يريدون استبدال صاروخهم النووي، ترايدنت. أتساءل لمن يريدون توجيهه؟ اسامة بن لادن؟ ما نعرفه ان جنون الصغار هذا ـ امتلاك واستخدام الاسلحة النووية ـ هو في قلب الفلسفة السياسية الامريكية الحاضرة. يجب ان نتذكر ان امريكا دائما جاهزة عسكريا ولم تظهر اي اشارات للتخفيف منها. الالاف في امريكا نفسها، ان لم يكونوا ملايين، يشعرون بالغثيان، الاحراج والغضب من افعال حكومتهم، ولكن كما يشير الوضع، ليسوا قوة سياسية منسجمة، ولكن القلق، وغياب التأكيدات، والخوف وهي الأمور التي تزداد يوميا في الولايات المتحدة لن تختفي بسرعة.
اعرف ان الرئيس الامريكي لديه كتاب خطابات متفوقون جدا، واريد، انا نفسي، التطوع للمهمة. واقترح الخطاب القصير التالي الذي يمكن ان يلقيه عبر التلفاز للامة (الامريكية). اراه صارما، شعره مسرح بعناية، جادا، منتصرا، صادقا، احيانا مخادعا، احيانا يفتعل ابتسامة خائفة، جذابا بشكل ما، رجل الرجال: الرب هو الخير، الرب عظيم، ربي خير، ......،........، .....، نحن لسنا برابرة، لا نقطع رؤوس الناس، نؤمن بالحرية، وكذا الرب، لست بربريا، انا القائد الديمقراطي المنتخب من دولة محبة للديمقراطية. نحن مجتمع محبة. اعدامنا بالكرسي الكهربائي حنون، وكذلك الابرة القاتلة. نحن امة عظيمة، لست ديكتاتورا، هو. انا لست بربريا، هو، وهو، كلهم ديكتاتوريون. استند على سلطة اخلاقية. هل تشاهدون هذه القبضة؟ انها سلطتي الاخلاقية، لا تنسوا هذا؟ . حياة الكاتب، قابلة للعطب، هي فعل عار، علينا ان لا نتباكى على هذا.
الكاتب مرهون بخياراته ويلتزم بها. ولكن من الصواب القول، انك معرض لكل الانواء، بعضها ثلجي. وحدك، عاريا، ضعيفا، لا تجد ملجأ، او حماية، الا اذا كذبت ـ في هذه الحالة تقوم باختراع وسيلة حمايتك، ويمكن اعتبار انك اصبحت سياسيا. اشرت للموت، هذا المساء، في اكثر من مرة، والان سأقتطف من قصيدة لي بعنوان موت:.
اين وجد الجسد الميت؟
من وجد الجسد الميت؟
هل كان الجسد الميت ميتا عندما وجد؟
كيف عثر على الجسد الميت؟
من هو صاحب الجسد الميت؟
من كان الاب او البنت او الاخ او العم
او الاخت او الام او الابن للجسد
الميت والمهجور؟
هل كان الجسد ميتا عندما رمي؟
هل كان الجسد مهجورا؟
من هو الذي رماه؟
هل كان الجسد عاريا ام جاهزا
بثيابه للرحلة؟
ما الذي جعلك تعلن ان الجسد ميت؟
هل اعلنت ان الجسد الميت، ميت؟
ما هي معرفتك بالجسد الميت؟
كيف عرفت ان الجسد الميت كان ميتا؟
هل غسلت الجسد الميت؟
هل اغلقت عينيه؟
هل دفنته؟
هل تركته مهجورا؟
هل قبلت الجسد الميت؟
عندما ننظر للمرآة نعتقد ان الصورة التي تواجهنا دقيقة، ولكن ابتعد مليمترا واحدا والصورة تتغير. نحن، في الحقيقة ننظر الي انعكاسات لانهائية. ولكن في بعض الاحيان على الكاتب ان يحطم المرآة، لان الحقيقة في الجانب الاخر تحدق بنا. اعتقد انه على الرغم من كل الاشياء الغريبة الموجودة، فإن الاصرار، الشجاع، الذي لا محيد عنه، والحار، كمواطنين، فتعريف الحقيقة الحقيقية لحيواتنا ومجتمعاتنا، هو واجب حيوي يدور حولنا، وهو في الواقع، فرض. وفي حالة عدم تجسيد هذا الاصرار في رؤيتنا السياسية، لن يكون عندنا امل في استعادة ما فقدناه ـ كرامة الانسان.

عن الزميلة »القدس العربي«
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش