الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يقام في المركز الثقافي الفرنسي بالتعاون مع المتحف الوطني: معرض »باماكو« للتصوير الفوتوغرافي.. الالم افريقي في زمن الكولونيال والازمنة التي ت

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 مـساءً
يقام في المركز الثقافي الفرنسي بالتعاون مع المتحف الوطني: معرض »باماكو« للتصوير الفوتوغرافي.. الالم افريقي في زمن الكولونيال والازمنة التي ت

 

 
الدستور- جهاد هديب: الصور التي بالابيض والاسود عندما لا تكون دقيقة تشير الى حرب او نكبة او زلزال فانها تثير المخيلة او تثير مخيلة الذاكرة حتى لكأن المرء يدخل الى الصورة ذاتها ويتحرك في ازمنتها التي هي ايضا ازمنة متخيلة.
ويصير واحدا من شخوصها ويتحرك في ازمنتها التي هي ايضا ازمنة متخيلة اكثر مما انها افتراضية ويحدث هذا عندما يشاهد المرء الصور التي بالابيض والاسود اكثر مما يحدث عندما يشاهد صورا ملونة قد كسرت اطار الوثيقة لتصير شاهدة فالمرء ها هنا لا يستطيع الدخول الى الصورة والتحرك في ازمنتها فهي تخص اخرين في فضائهم بالوانه التي تشير شخوص بعينهم والى هيئاتهم والى اوضاعهم التي تستفز ذاكرة ثقافية اكثر مما انها تخييلية بل تنزلق هذه الذاكرة الى المعلومات المجردة المحصنة التي تقود الى ان يشعر المرء اما باحساس تعاطف او رغبة في الابتعاد او الاقتراب او سوى ذلك.
انها التي تعرض الان في المركز الثقافي الفرنسي وكان افتتاحه مساء اول امس، ففي البدء لم يكن هناك ما يشير الى المصور الفوتوغرافي او الى زمن التقاط الصورة غير انها بشخوصها وهيئاتهم وادواتهم والبيئة التي يتواجدون فيها نقول جميعا انها ترقى الى زمن الكولونيال وفي غير قارة والحياة فيها بعيدة ونائية بل وقادمة من مخيلة غرائبية.
كذلك فان الصور بالابيض والاسود تشير الى ان فكرة مرور الزمن عند الانسان تبقى ملتبسة وتحفر عميقا في الوجدان الفردي اليست الرغبة في تجميد الزمن عند لحظة معينة تعبير عن رغبة موازية تتلخص في بقاء العمر في الزمن الجامد ذاك؟ الا يعني هذا ايضا ان سؤالا بدأ بدوره يطرق بوابة العمر فيما يده تزاحم يد الموت؟
كانت اغلب الصور الاقرب الى فكرة »التذكار« الشخوص بلغوا من النضج عتيا واغلب التي تبدو فيها الحياة الشعبية على طبيعتها كان الشخوص اطفالا او يافعين او شبانا او نساء.
كان جنرال في استعراض عسكري تبدو عليه علامات الهيبة قد خرج من مخيلة ما ركيزية يجاور عائلة في صورة اخرى على الحائط كانت في سيارة في بيارة موز ربما هي في امريكا اللاتينية وربما في افريقيا انها تبدو الصورة مركبة والسيارة قد جيء بها الى هنا باطاراتها الفارغة من الهواء حتى ركاب السيارة بهيئاتهم التي تعود الى الاربعينات او الثلاثينات من القرن الماضي قد جيء بهم الى هنا متفرقين او جماعة كي يصيروا شخوصا سرمديين ويكشف بؤس هذه الصورة صورة تجاورها يظهر فيها عجوز اخفت القبعة ذات الطراز غرب الامريكي ملامحه وقد اعتلى كومة من اعواد الذرة فوق عربة يقودها اثنان من الثيران حتى لكأن العجوز هو واحد من تلك العائلة التي وصلت الى »ماكوندو« قرية ماركيز في مائة عام من العزلة لتكبر بأيديهم قبل ان تحملها الريح وتفرقها في جبال الانديز.
ويظهر تجمهر كبير لعدد كبير من الناس في ما يشبه حديقة عامة ذات اشجار باسقة انهم اوروبيون بلا شك، والارجح ان مثل هذه التجمعات والمقصود لم تحدث مرة اخرى بعد اواخر الستينات غير انه لا يظهر في الصورة ملصق يشير الى »الثورة الجنسية« ولا لافتة تقول هتافا ضد حرب امريكا على فيتنام وتجاور هذه الصورة اخرى لقصر من داخله لا تتحدد هويته الا عبر اللباس التقليدي لخادمين وقفا متقابلين في الروضة كما لو انهما حارسان في باب قصر الخدم هنا من الهند ربما غير ان البيت يعود لارستقراطي انجليزي ذلك ان الزمن آنذاك كان انجليزيا بامتياز اي كولونياليا بامتياز.
اما تلك المجموعة من الصور الكبيرة والملونة فشأن اخر، لم تكن ذاكرة انما وعي حاد، الصورة هنا تجعل المرء لا يتعاطف فحسب بل ينحاز الى الم الآخرين فيرتقي به المه، الصورة تشير وتوحى اكثر مما تفصح انها افريقيا وألمها حيث اكتشف الرجل الابيض نبعا لم ينفد حتى الآن لتجارة العبيد والذهب والماس.
ليست الصور لمريض افريقي بالايدز في كينيا او عن مجزرة في رواندا او لممرضة غربية من الصليب الاحمر تطعم اطفالا يموتون من سوء التغذية والعوز.
جاءت الصور ابسط من ذلك بكثير وهذا ما يجعلها اكثر ايلاما واكثر استفزاز للوعي الحاد، انها صور لعائلة في بيتها وفي بساطتها وانس تقشفها الذي يشبه تقشف المتصوفة.
بيت نظيف وجدران من الخشب وباب من الخشب ايضا ينتهي بقوس اذ يبدو اخضر فانه يذكر بأبواب »البراكيات« الخانقة التي عاشت حتى اواسط الثمانينات من القرن الماضي.
البيت غرفة والجدران لها لون ارجواني يقترب من اللون الذي للافق البحري والى يسار الباب الذي يظل مغلقا جلست امرأة شابة على كرسي بلباس ابيض نقيا يجاورها ابنها واقفا بلباسه الابيض ايضا كانت لهما الحالة ذاتها التي لا مرأة شابة تلتقط تذكارا مع ابنها فيما يكاد يغادر طفولته الى سواها.
والاسرة في هذا المشهد وسواه من مشاهد هذه العائلة الافريقية الملونة بصورها تلك النظافة فالنظافة في مطارح الفقر احتيال علىِ الفقر والعوز، اهذا تقليد اصيل عند فقراء العالم ومنكوبية الصور كلها ايضا فيها شموع حتى لكأن الدمعة التي في عين المرأة الشابة تفتديها الدموع التي تسيلها الشمعة التي كانت يتيمة هكذا امام المرأة الى يمين الباب.
والى الجانب الاخير من الصور التي عادت بالابيض والاسود ومن القناطر ذات الاقواس ومن التعريشة وبياض الجدران يشم المرء رائحة مدينة عربية مغاربية طرازية.. اهي طنجة ام فاس؟ ثم لا تقول الصور الاخرى شيئا سوى اقتطاعات من حياة يومية عربية في حي شعبي واغلب الاطفال الذين فيها كأنما خرجوا من شريط توثيقي الى الشارع للتو وهم بملابس قد خيطت بايدي الامهات والجدات غير ان ما يثير حقا هو ذلك التناغم اللافت للعين في التوازن بين الضوء والظل اذ يغلب احدهما على الاخر.
والى جانب اخر صورة كانت اشارة الى اسم »محمد ديب« اهو الروائي الجزائري الراحل »محمد ديب« الذي كتب بالفرنسية وصاحب الدارة الكبيرة ؟ بالفعل كان هو لما افصحت عن ذلك مطوية المعرض التي اشارت الى ان المعرض يحمل العنوان »باماكو- اللقاء الخامس للتصوير الافريقي الذي يشارك فيه فضلا عن الراحل ديب المصور الفوتوغرافي اندريه الباني من جزيرة الرينيون والمصور الفوتوغرافي تامي بن تيران من المغرب والمصور الفوتوغرافي زويليتو ميشيثو من افريقيا الجنونية.
وتقول مطوية المعرض الذي يستمر حتى الثالث والعشرين من هذا الشهر يقام بالتعاون بين المركز الثقافي الفرنسي والمتحف الوطني الاردني للفنون الجميلة.
على هذا النحو كان الالم كله افريقيا سواء في زمن الكولونيال او الازمنة التي تلته.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش