الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مطلاً من أفق الأسطورة * ناجح المعموري: الأسطورة تجاوزت الزمان والمكان فتحولت إلى نص إنساني

تم نشره في الاثنين 25 تموز / يوليو 2005. 03:00 مـساءً
مطلاً من أفق الأسطورة * ناجح المعموري: الأسطورة تجاوزت الزمان والمكان فتحولت إلى نص إنساني

 

 
بغـداد - الدستور - وأموري الرماحي: بدأ ناجح المعموري قاصّاً، وأصبح الآن باحثاً من الباحثين المعنيين بالفكر الميثولوجي وما يندرج في إطاره من أبحاث، فأصدر أكثر من كتاب في مجالات بحثه هذا، وكتب من الدراسات ما أثار إليه الانتباه بوصفه واحداً من الباحثين البارزين في هذا المجال.
ولعل عالم القصة، بالعناصر الخيالية الموجودة فيه، وبما يكتنز به من أجواء تخييلية، هي التي قادته إلى السير وراء الأسطورة : بحثاً في المكونات، وتتبعاً للمسـارات.
إلاً أننا هنا سنمضي مع ناجح المعموري في رحلة تَعَرُّفْ إلى هذا الاهتمام، وأهم توصلاته البحثية فيه من خلال هذا الحوار الخاص بـ(الدستور) وكان سؤالنا الأول الذي بدأنا فيه هذا الحوار :
*من خلال اهتمامك بالأسطورة، الفكر الأسطوري. . إلى ماذا توصلت. ؟
ـ يضعنا هذا السؤال في قلب الأصول الفكرية الأولى ويأخذنا سريعاً إلى المجالات الأولى التي تكرسـت فيها الأسطورة نصاً فوق نص لأنها جاءت للإمسـاك بنص أسبق، وأعني به العقائد / الطقوس / الشعائر، ومن هنا حازت الأسطورة على قداستها ولعناصرها الإلهية ومزاولتها في مناسبات دينية خاصة.
الأسطورة طفولة التكوين الثقافي البشري، وهي عتبات الفكر الأولى، وفيها كانت بذرة الفلسـفة والعلم، وباختصار : هي الحاضنة الأساسية / الجوهرية التي كنا فيها وما زلنا، ومن هنا جاءت خصوصية الأسطورة العالية / الفريدة، وأنا لا أستطيع النظر إلى كل شيء في الحياة منذ لحظة البدء وإلى الآن بمعزل عن الأسطورة، وخصائصها ووظائفها، لأن الأخيرة / الوظائف هي المهاد والجوهري الذي أقترح، ومانح نمط العلاقة بين الفكر الأسطوري / العقائد / الطقوس / الشعائر وبين المتلقي، وهنا تبرز لحظة التشاكل الأول وتأسيس الخطاب الثنائي المكون من المرسل / الرسالة / المتلقي. وما يهمنا حسب توصيفات ماكلوهان هو الرسالة، لأنها الجوهر المهم والذي كان يعني الإنسـان / المتلقي، وهو الذي بلّور تراكماً متتالياً، دفع بالمتلقي إلى الالتزام به واعتباره نموذجاً للاتصال المقدس والتبادل الديني، ومن هنا نشأت لحظة جديدة، هي لحظة تكريس الطُقُس من خلال المزاولة ومن بعد تدوينه بالأسطورة.
*وما الدور الذي نهض به الإنسان في هذا ؟
ـ يبدو واضحاً الدور الذي نهض به الإنسان الأول من خلال تكريس الطقس / الشعائر وبالتالي العمل على ترحيلها إلى نص مدوّن بعد ما كانت نصاً علاماتياً / بصرياً، والأسطورة هي الجنس الوحيد المرتبط مع أجناس أخرى، أخذت منها أهم عناصرها وظلت هي ممتدة في الآخر الأجناسي وأعني بذلك الشعر، والذي سأعود إليه لاحقاً.
الأسطورة نص مدوّن / مقدس تتماهى فيه وتشف عنه الشعائر / القصائد / والطقوس لأنها ـ الأخيرة ـ هي المكونات العلاماتية / الصورية المرتحلة إلى التدوين ولكن بواسطة الملفوظات.

* لو أردنا رصد ما قدمته الأسطورة فأين يتعين أكثر ؟
- لقد قدمت الأسـطورة مجالها المقدس / الحيوي للإنسان من خلال الأساطير الأولى التي تحولت إلى أساطير البدء والتي ظل الإنسان محكوماً لها ومأخوذاً بها، فارتبطت به منذ الأزل وإلى الآن، لأن الإنسان المعاصر ما زال يعيد طقوسه ويمارس عقائده الأولى التي عرفتها المراحل الحضارية الأولى، وان حصل عليها تغيير ملحوظ، لكن البنية الأساسية للمعتقد والشعيرة ما زالت واضحة ومعروفة على الرغم من الارتحالات الكثيرة، والاستبدالات الحاصلة فيها، ظلت البنية واضحة وشـاخصة، فالتغيير لا يحصل في البنى ـ كما قال شتراوس ـ وإنما في الخصائص الوظائف التي يلحق بها تغير طفيف تصوغه الإضافات.
* وما العلاقة، كما تراها، بين الإنسان والأسطورة ؟
- ما يهم في العلاقة بين الإنسان والأسطورة الآن، هو العلاقة بين المقدس والإنسان، بين اللغة والإنسان، هذه كلها مترسبات الأسطورة في وعينا المعاصر، وهي الإرث الممتد إلى الآن في الدين والعقائد وبعض الشعائر. ومارست الأسطورة ضغطاً على الإنسان المعاصر الآن وأضفت بعضاً من أصولها الأولى التجربة / البدئية على الأنشطة الاجتماعية والسياسية وصار العديد من وسائل الاحتفاء والاحتفال في حياة العوائل والشعوب هي ذات جذور أسطورية، حصلت عليها إضافات شملت تغيراً في محيطها وظلت محتفظة ببنيتها الجوهرية، في أمثال الأعياد / الميلاد / مناسبات الفرح وتجديد الاحتفال بها وكذلك مناسبات الحزن والندب. ...ألخ.
ولا يمكن لإجابة محكومة بحيز محدد، أي أن تشير إلى ما اقترحته الأسطورة أو لعبته في حياة الفرد والجماعة. . باختصار شديد صار الإنسان رمزاً ومجموعة رموز تسكن رموزاً، والرمز واحد من عناصر الأسطورة الجوهرية. فنحن أساطير نعيش في حاضنة للأساطير، ومهما حاولنا تجريد المكوّن الثقافي في الأطراس الأسطورية فلن نتمكن من ذلك لأنها كامنة في الوعي واللاوعي، وهذا ما يتبدى في الأدب والفن استثماراً للأطراس الأسطورية المغيبة في وعي المبدع.
*وأي دور وجدت الأسطورة قد دخلت على نحوٍ ما في هذا التاريخ وفي رسم توجهات الإنسان فيه ؟
ـ هذا سؤال آخر يتمتع بأهمية فائقة، لأنه يلزم بالتوجه نحو التجسدات الثقافية والفكرية، وتوفر الأسـطورة للباحث فرصة لمعرفة التاريخ المبكر للحضارات ولأنماط الحياة الاجتماعية / السياسية / الدينية فيها، لأن التاريخ عتبة متأخرة في الأسطورة، وهي العقبة الأولى فيه، وسأحاول التركيز كثيراً في الإجابة على هذا السؤال والذي أجد صعوبة في اختزال أو تركيز التفاصيل الكثيرة حول هذا الموضوع. والذي يأخذ الحوار باتجاه فلسفي مثله مثل أغلب الأسئلة وكأن المحاور معني بالفلسفة أكثر من اهتمامه بالأدب، وأعتقد واثقاً بأن الأستاذ المحاور في أسئلته قد أدرك العلاقة العميقة والكامنة في الأسطورة والكاشفة عن الأصول المبكرة فلسفياً وعلمياً لأننا نعرف وبشكل جيد بأن الفلسفة والعلم يمثلان امتداداً منطقياً وموضوعياً للأسطورة، حتى بعض الأجناس الأدبية مثلاً كالشعر والحكاية. ولذا نجد الفيلسوف أفلاطون قد أعلن حربه على الشـعراء لأنهم امتداد منطقي وفني للأسطورة.

* وهل من علاقة بين العلم والأسطورة ؟
- للعلاقـة الوثيقة بين العلم والأسـطورة ومعهما الفلسـفة توفر لهما فرصة النهوض بالهموم الإنسانية وتجاربه ومحاولة اختزال التجربة مع الحياة وبمستوى من الوعي كان ممكناً تفسيره، لكن العلم والفلسفة اهتما بما هو تحليلي المنطوي على تجرئ العالم وإعادة تركيبه، حتى تتوفر فرصة إدراكه ومعرفته ومن ثم فهمه بشكل جيد كما قال الأستاذ فراس السوّاح، وذلك اعتماداً في ذلك على الاختبار والبرهان العقلي عند الفلسفة والتجريبي عند العلم، وتضع الأسـطورة الإنسان بكليته في مواجهة العالم وبجميع ملكاته العقلية والحدسية / الشعورية واللاشعورية، وتستخدم كل المجازات الممكنة من أجل تقديم رؤية متكاملة لهذا العالم، ذات طابع كلاني يعادل تجربة الإنسان الكلانية وغير المتجزئة معه.
هذا التشـاكل الثقافي الموجود بين الأسـطورة كمجال فكري حيوي وبين العلم والفلسفة والأجناس والفنون يأخذنا للإشارة إلى أهم تبديات الأسطورة في التاريخ ومن خلاله إلى المجالات الفكرية والمعرفية.

* هل من مثل لديك على هذا ؟
- نحن لا نستطيع إغفال الفائدة الكبيرة للمفكر المعروف باشلار في دراسته لعناصر نظرية الخيال في المفهوم الفلسـفي وإن اختلف تماماً مع سارتر في هذا التوصيف، إلا أنه أخذ عناصر التكون الديني الأزلي والمبكر في الحضارات الشـرقية وصاغ منها نظريته الخاصة في الخيال وهي العناصر / الماء / الهواء / التراب / الشمس، وهذه العناصر تبديات للخلق الأول، تمثلتها الديانات الشـرقية حصراً ابتداءً من الديانة السومرية وصعوداً للديانات الهند ـ أوروبية، هذه العناصر التي اقترحت لها البنى الذهنية الأسطورية في الشرق أنظمة للألوهية المذكرة والمؤنثة، كما إنه ليس مفهوماً فلسـفياً له جذور عميقة في الديانات البريّة وهو مفهوم ثنائية الذكورة، والأنوثة والصراع المحتدم الذي بين القطبين، السالب / والموجب حتى انتهى في النهاية بانهيار الخطاب الأمومي وصعود الخطاب الذكوري الذي امتد حتى الآن.
من الإفادات الجوهرية والتأثيرات الكبيرة في تاريخ الحضارة الموسوعة الهيجيلية المشهورة عن علم الجمال، ما كانت تكون مرجعاً أسـاسياً في القراءة والبحث والدرس لولا قراءة هيغل المثالية للخطابات الأسطورية في الشرق والشرق فقط، وتوصل إلى أن جمالية العمارة ـ مثلاً ـ مكونة من خصائص أسطورية، كذلك الفن والأزياء والشعر والرسم. ويتكون انطباع مهم لقارئ الموسوعة الهيغلية بأنها ما كانت أن تكون بالشكل الذي هي عليه لولا الأسطورة والديانات القديمة والصراع بين الآلهة وأنظمتها المتمركزة عبر القداسة والتبادل. ولا بد من الإشـارة إلى المجال المهم والحيوي لعلم النفس الذي كان مؤشراً على قطيعة معرفية مهمة تتساوى مع القطائع التي صاغها كل من ماركس / ميشيل فوكو. . قطيعة فرويد ما كانت لولا الوعي العالي للأصول الأسطورية في تاريخ الحضارات، تلك الأصول التي تعامل معها لا بوصفها ميتافيزيقيا وإنما بوصفها مفاتيح لمعرفة وقراءة الفكر البشري / الإنساني واقتراح أنماط من التأويل والتحليل ولذا صارت شواهده العلمية راسخة، معتمدة على النصوص الأسطورية والعقائد والطقوس. من هذه الأمثلة نستطيع تركيز الإجابة والإشـارة إلى أن الفلسـفة أخذت أصولها في الأسطورة وكذلك العلم الذي تجاوز محيطه التجريبي كثيراً في الاشـتغال على الخطاب الميثولوجي وبقاء الأطراس الأسطورية ممتدة في الوعي واللاوعي الإنسـاني بوصفها مسـكوتاً عنه، هذا المـسكوت عنه الذي هو النص الغائب / الحاضر / الممتد عميقاً في التاريخ اليومي للظواهر والتطورات القوية والحادة أحياناً. هذه الانتقالات هي المفجوعة نتيجة للصراع واهتزاز المجالات الفاعلة في المرحلة الحضارية الواحدة، لذا تنزع الأسطورة كل عناصرها البراغماتية الموجودة في مرحلة ما وتحوز على ما هو رمزي وإشاري، لأن وجودها / النص / الطقس / المفتقد محكوم عليه بتلك الوسائل الاتصالية.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش