الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وداعا أيها المغني الجوال* فخري صالح

تم نشره في السبت 2 آب / أغسطس 2003. 03:00 مـساءً
وداعا أيها المغني الجوال* فخري صالح

 

 
قبل ثلاثة أيام من دخوله في غيبوبته الدماغيةأحضر لي الشاعر الراحل محمد القيسي قصائد وفصولا من رواية جديدة كان يهيئها للنشر لدى دار الآداب في بيروت. القصائد وكذلك فصول الروايةتتحدث عن تجربة القيسي الشخصية، عن حكاياته وتأملاته في الحياة والثقافة والوجود، ولذلك يسهل على من عرف القيسي أن يشير بيده إلى الشخصيات التي أعاد صياغتها وتشكيلها في عمله النثري الأخير الذي لم يقيض له أن يظهر أثناء حياته.
كان القيسي محبا للحياة متعلقا بالعيش على عكس ما كان يوحي في كلامه أو كتابته الشعرية أو النثرية. وفي لقائنا الأخير حدثني عن بيته الذي اشتراه حديثا وأنه يفكر أن يبني في الحديقة غرفة يجلب إليها كتبه التي لا زالت تقبع في الصناديق في بيت ابنه البكر فراس. كان الرجل يهيء لحياة جديدة إذن ولم يكن يفكر بموته التراجيدي المبكر بعد معاناة مع الغيبوبة التي تلبسته طوال الأيام العشرة الأخيرة ومنعته من تجواله اليومي في شوارع المدينة التي كثيرا ما شهده أهلها ماشيا مثل أي رياضي مثابر على قسطه اليومي من المشي.
أتذكر تجوالنا معا، هو ويوسف عبد العزيز ويوسف أبو لوز وعمر شبانة وإبراهيم أبو هشهش، في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، في شوارع عمان. ننحدر من رابطة الكتاب في جبل اللويبدة إلى قاع المدينة ثم نصعد إلى جبل عمان متحدثين في تجوالنا عن الشعر والثقافة وأحوال السياسة في العالم العربي. وكان القيسي، الذي يكبرنا سنا ومقاما ثقافيا، متحمسا للحياة أكثر منا جميعا، مستعدا للتجربة، راغبا في تذوق حلاوة العمر كل لحظة. من خلاله، وبصحبته وتوجيهه ومساعدته، تعرفناعلى الحياة الثقافية العربية، وانطلقناللنشر في الصحافة العربية في بيروت ودمشق وبغداد؛ وكان هو يواصل الكتابة والعيش وكأن العمر ممتد إلى آخر الزمان.تنقل بين عواصم عربية وغربية عديدة؛ عاش في الرياض والكويت والقاهرة ودمشق وبيروت ولندن ورام الله، ثم عاد ليستقر، قبل ذلك وبعده، في عمان ويقضي فيها آخر أيام العمر.
ما كان يفكر بهذا الرحيل المبكر الذي غافله وغافل أصدقاءه ومحبيه. صحيح أنه أسر مرة لصديقنا محمد العامري أنه لن يعيش ليبلغ الستين من العمر. وها قد تحققت نبوءته، لكنه ما كان هو نفسها ليصدقها لأن رغبته العارمة في الحياة كانت أكبر من كل النبوءات، أكبر من العذابات والرحيل، أكبر من البعد عن مسقط الرأس الذي توارى منذ كان القيسي في الرابعة من العمر في حضن أمه حمدة التي فقدت زوجها وتشردت حاملة طفليها إلى مخيم اللجوء في الجلزون.
لقد ارتاحت القدمان الساعيتان في كل أرجاء الأرض أيها الصديق، أنطفأت الحياة لكن حبها ما زال ينبض في كل ما كتبت، في شعرك ونثرك، وسردك الذي ملت عليه في السنوات الأخيرة ليمكنك من كتابة ما لا تستطيع كتابته من سيرتك.وداعا أيها العزيز.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش