الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يشارك في امسيات جرش الشعرية: شربل داغر: فيَّ ناقد يعمل حتى حينما لا أكتب الشعر

تم نشره في الأربعاء 6 آب / أغسطس 2003. 03:00 مـساءً
يشارك في امسيات جرش الشعرية: شربل داغر: فيَّ ناقد يعمل حتى حينما لا أكتب الشعر

 

 
الشاعر اللبناني شربل داغر يعتبر من الاسماء الابداعية الفاعلة والحاضرة في الساحة الثقافية اللبنانية والعربية فهو على الصعيد المهني يعمل استاذا للأدب العربي في جامعة (البلمند) - شمال لبنان وعمل في الصحافة اللبنانية والعربية وعلى الصعيد النتاجي حصل على شهادتين للدكتوراة حول الشعرية العربية من جامعة السوربون وله العديد من الاعمال الشعرية نذكر منها - تخت شرقي - وحاطب ليل - وله العديد من الدراسات حول علم الجمال وفن التصوير العربي. وقام عدد من الفنانين العرب باستيحاء شعره من خلال معارض تشكيلية عربية، وهو من شعراء قصيدة النثر البارزين وأحد ابرز المنظرين لها.
مهرجان جرش يستضيف الشاعر داغر وعلى هامش مشاركته في جرش التقته »الدستور« وكان هذا الحوار.
* نتاجك الأخير مختارات شعرية صدرت في القاهرة مؤخرا عن »دار شرقيات للنشر والتوزيع«، وهي بعنوان »غيري بصفة كوني«: ماذا تمثل هذه المختارات بالنسبة إليك؟
- هذه المختارات وقفة شعرية في مسار، وإن لبت في صدورها الحاجة الى تقديمي الى جمهور مصري يعرفني متقطعا ومتفرقا، تبعا لنشر مجموعاتي الشعرية المختلفة في غير بلد عربي، وخارج مصر. الا ان صدورها يتيح وقفة مع الذات قبل القارىء، مع النتاج، في نوع من المراجعة اللازمة لقولي الشعري، في تقطعاته وتواصلاته. ذلك ان اقدم قصيدة منشورة في الكتاب ترقى الى العام ،1972 وكانت نشرت في حينها في مجلة »مواقف«، وترقى القصيدة الاخيرة الى مجموعة »حاطب ليل« التي صدرت عن »دار النهار للنشر« في العام 2001.
إذن، هناك ثلاثون سنة متواصلة، متقطعة، من الشعر، من الانهمام الشعري، يشملها ولا يشملها هذا الكتاب. ذلك انه تم الاحتفاظ بقصائد وأسقط بعضها الآخر، فضلا عن قصائد أخرى لم تكتب أساسا، أو عبرت أمام عيوني الشاخصة في حينها الى غير الشعر. ذلك أن الرغبة في الشعر، او انقطاعها، هي التي أملت التوجه إليه، لا غير ذلك، طالما أنني لم أتعامل مع الشعر تعاملا وظيفيا، أشبه بالارتقاء في سلك مهني، او بالانتساب الى أعيان الشعر ورتب الشعراء. فالشعر يبقى هوايتي المجانية، وإن أعاملها بتشدد صارم إذ أقدم عليها. وهي هواية لا تزيد الحاجة إليها - على ما تحققت - إلا بالقدر الذي تزداد فيه عزلتي بين أهلي، أو بعيدا عنهم.
لا يسعني بالمقابل نقد تجربتي الشعرية، وأنا الذي قلت بأن قارىء القصيدة هو القارىء الأول لها، لا الثاني. ذلك أن الشاعر يبقى في القصيدة وإن ينتهي منها، إذ أن إقباله عليها، ولا سيما بعد وضعها، يجعله في أوضاع متداخلة مع أخيلة وأطياف ومواعيد مفاجئة تتقاطع فيها، فيما يقبل القارىء عليها إقبال المكتشف، أيا كان القارىء وأيا كانت لحظة القراءة، إذا أن فعل القراءة لا يعدو كونه فعلا تملكيا للقصيدة، بما فيه التخلي عنها، أو الانقطاع عن قراءتها.
* أتكون في ذلك قد بلغت مرحلة الرضى في قناعتك، أو في قناعة من حولك؟ ألا يعتبر هذا مسمارا في نعش العملية الابداعية؟
- أوافق ولا أوافق مثل هذا الرأي، وفي آن. ذلك أنني أخشى أو أحذر من الجانب الادهاشي الذي يقوم عليه تعيين الشعر في قولك: الموت المحتم لمن لا يسكنه قلق الخلق الدائم. ويبدو الامر كما لو ان الشاعر منتج ادهاشات متمادية، متلاحقة، وهو أقرب في ذلك لان يكون صاحب مفرقعات نارية في الشعر، يعنيه صدم القارىء وحسب، في نوع من التوتير المتلاحق لعملية الشعر. وهو استغراق في الشكلانية الصرفة، في الهباء الجمالي الذي تفضي اليه المفرقعات بعد دقائق قليلة على انقضاء مفاعيلها القوية والتالفة.
إلا أنني، في الوقت عينه، أخشى التكرار نفسه، مثلما عبرت ذات يوم عن رأيي في شعر نزار قباني في سنواته الاخيرة، حيث قلت عنه: »نزار قباني يقلد نزار قباني«. وهو قول يؤكد على مكانة الانتاج الحاصل، وعلى حدود بلوغه في آن. هذا الوصول لم يعرفه أحد مثل نزار قباني، اذ ان جملته، لو التقطتها في شارع من دون توقيع لعرفت أنها من صنيعه، إلا أنه بدل ان يجددها، راح يستهلكها في أيامه الاخيرة ويستعيدها. هذا بخلاف ما فعله ويفعله شاعر مثل محمود درويش إذ تغير في »الجدارية«، ويتغير في قصائد جديدة له غير منشورة حتى انه يبدو فيها اقرب الى مناخات بعض »قصيدة النثر«.
* وماذا عنك؟
- كنت أسعى للتهرب من الاجابة، اذ انني اتجنب الحديث عن شعري، وأنا ناقد ودارس أكاديمي. لنقل إنني لا استحسن الحديث في الشعر عن الرضى، بل أفضل الكلام عن توصلات، أي عن تجريب أدوات في الكتابة الشعرية، وعن تجديد وسائل التركيب النحوي وتوسيع الدلالة. فالشعر اختبارات في ميدان اللغة على انه ميدان الوجود ايضا، وهي اختبارات تنحو الى التجديد حكما، اي الى قول غير مطروق. وهو ما تقوله اللغة أساسا، لا موضوعات الشعر، ذلك ان الشاعر يعمل باللغة، مثل النحات بالحجر، والمصور بعجائن اللون. فهناك من يعتقد بأن تجديد الشعر يقوم على التزام قضية، من العمال او التحرير او اليوميات العابرة وغيرها، فيما لا تقوم قضية للشعر الا بما تستطيعه اللغة أساسا.
* يقول معظم الشعراء: أحب القصيدة التي لم تأت بعد. ما تقول في هذا الطرح؟
- هذا قول لا يعني شيئا، وإن يردده شعراء كثيرون بعد أدونيس، وهو الذي ردده بدوره بعد مالارميه. فهو قول يلزم الشاعر بالتجديد، ويؤجله في آن، ما يعفي الشعر المنتج من النقد، من جهة، وما يمحض الشعر عموما صفة الخلق المتجدد، من جهة ثانية، هكذا ينعم الشاعر واقعا، بحسنات الجدة، المرجئة تصريحا والمحصلة لصيت الشاعر واقعا، وينعم الشعر بحصانة وإن يتم تأجيلها لوقت آخر.
هذا يرسم صورة مستجدة في أدبياتنا عن الشاعر: صورة قلقة، متسامية، إلا أنها تسعى للتخلص، للتملص من التاريخ، من المسؤولية الشعرية والثقافية التي يضطلع بها أي شاعر.
* هل تفضل ان تكون أنت ناقد نفسك قبل ان ينقدك الآخرون؟ وهذا يدعوني الى التساؤل: هل في داخلك من يتربص بك؟
- طبعا هناك من يتربص لي فيّ، من دون ان اتبين فعلا من أنا منه، ومن هو مني. وأنا في ذلك بخلاف المتنبي، الذي كان من فرط إحساسه بأنويته، يتخيل نفسه واحدا أكيدا، بل ومنيعا، تنهال عليه الشرور والمصائب والنوازل من خارجه، ويقوى عليها. نفسي أكثر ارتباكا، وفيها جلبة لا تنجلي حواراتها في صور منسقة. فيها أصوات تتحاور وتتنابذ ايضا، ويخلي الواحد أحيانا مكانه للآخر. صوت الناقد هو أحد هذه الاصوات، الذي قد يعلو او يخبو، أو يختفي حين تستبد بي غواية الشعر الى حدود نسيان أي شيء خارجها.
الشعر، بما فيه شعري، مطروح على النقاد بعدي طبعا، وما أجيزه أو لا أجيزه لنفسي فيه، قد يجيزه او لا يجيزه غيري من النقاد. لهذا لا يحل نقدي او يبطل نقد غيري لشعري. إلا أن في ناقدا يعمل حتى حين لا أكتب الشعر، وأقرأه لغيري وحسب. هذا الناقد ينقر بدوره، يفحص الاندفاعة، ويصوب ويشطب ويعدل، في عمليات شديدة الخفاء أحيانا، وإن تعرف بعض أسباب اليقظة النقدية. عمليات تجعلني أقرب الى المصور في محترفه، يقترب من اللوحة ويبتعد عنها، لكي يعمل عليها من جديد، وينصرف عنها ليعود إليها، من دون أن يعرف أحيانا لحظة الانتهاء منها.
هذا ما طلبت الاجابة عنه، ذات يوم، عند فنان صديق، شفيق عبود، في باريس فقال لي: أحيانا أدخل الى المحترف، فأجد اللوحة المنصوبة فوق الحمالة المسندية منذ أيام قد انتهت، فيما كنت قد تركتها من دون أن أنهيها فعلا. أحوال الانتهاء من القصيدة عديدة ومختلفة، إذ أنني أنتهي من قصائد، قصيرة واقعا، بمجرد كتابتها، فيما يبقى غيرها معلقا شهورا قبل أن يجد مستقره. وجود القصيدة هوائي، رقيق، شفاف، هش، إلا أنه حين ينتظم فعلا يقوى بما يقوم عليه ويبدو في قوة غريبة لا أقوى على زحزحة فيه، ولا على تبيل. ذلك أن القصيدة تلتم غالبا على سر تكوينها مثل محارة.
* ما درجة الثقافة العربية في مخزون الشاعر شربل داغر؟ وهل تؤمن بالتمثل الغربي للشاعر الشرقي؟
- لا يمكنني قياس هذه الدرجة، الا أنني أتحقق منها، أنا مثل قراء ونقاد لشعري، خاصة وأنني لا أنكر الثقافة في الشعر. بخلاف غيري، ممن يعولون على فجائية الشعر، أو على انبثاقيته غير المحسوبة، كما لو أنه يستطيع ان يخرج من مبان ومعان هي غير مباني ومعاني الشعر في زمنه. كما أظن بأن عددا من الشعراء يعولون كذلك على تجريبات الحياة نفسها بوصفها معين الشعر الجوهري والحقيقي من دون غيرها. وهناك غيرهم ممن يتنكبون عن قراءة كتاب واحد، فيما يتحصل الشعر في القراءة وإثرها، حتى ان بعض القصائد تكاد تكون »تقليبا« لغيرها.
بقدر ما أنا متجذر في لغتي، أستقصي فيها وأتحرى عما يلبي رغباتي في التعبير، فأنا أشم وأذوق حيثما يحلو لي. ولا يعنيني هذا الكلام عن الشرقي والغربي، وإن كان له معنى في سياقات أخرى، طالما أنني أهجس بالبحث عن الآخر، أي آخر، واجدا فيه أناي المفقودة، المكملة، أو المقلوبة. ففي نفسي هواء وأصوات متحصلة او تهب علي من انحاء بعيدة ومختلفة، فكيف لي أن أمنع هبوبها، وقد جعلت من الهبوب ايقاعا لكلامي!
* متى يمكننا ان نميز تماما بين قصيدة النثر والقصيدة المترجمة؟
- سؤال جميل وموفق، وإن كان يستعيد بعضا من انتقادات التقليديين لقصيدة النثر. إلا أنني لا اجد حرجا من وجود علاقة بين قصيدة النثر والقصيدة المترجمة، مثلما لم يتحرج سليمان البستاني من أن تكون ترجمته للإلياذة منظومة، ولا نقولا فياض او غيرهما من شعراء التجديد الأوائل، الذين أوجدوا صلات لازمة وحيوية بين شعرهم والشعر الأجنبي، بلغ فيهم حد الترجمة نفسها.
علينا ألا ننظر الى قصيدة النثر بمثل هذه النظرة الارتيابية، التي لا تقبل عداها واقعا وتنظر اليه بعين الوافد الغريب. أن أي نظرة تاريخية حقة للشعر العربي الحديث بعهوده المختلفة، تظهر لدارسه - وهو ما فعلته في غير دراسة وكتاب - بأنه تجدد بفعل عوامل تغرب وتفاعل عديدة مع نماذج شعرية اجنبية عديدة. وهو ما يصح في قصيدة النثر كما في قصيدة التفعيلة وغيرها من تجارب التجديد التي سقطت من الاستعمال اليوم.
قصيدة النثر ليست القصيدة الركيكة، من جهة، والقصيدة المترجمة ليست القصيدة الركيكة، من جهة ثانية، مثلما يوحي بذلك السؤال. فهناك من النماذج، في الحالتين، ما يسقط هذا التعميم: أدونيس، في ترجمته لقصيدة سان جون برس »ضيقة، هي المراكب«، أنتج ترجمة أجمل من شعره في تلك الحقبة. الى ذلك، هناك من الشعر العمودي وغيره ما يندرج حكما في اللغة الركيكة، مثل الكثير من الشعر الوطني والقومي وغيره.
الى هذا، علينا ألا نغفل عن حقيقة كون الشعر العربي - وهذا يصح في غيره من شعر العالم - بات يعايش أوضاعا جديدة باتت فيه الخلاسية، او التناص مسألة لازمة حكما في الشعر: قلة من الشعراء لا تتقن لغة أجنبية الى جانب لغتها الأم، وقلة أقل منها من لا تقبل على قراءة واستعذاب شعر من خارج دائرتها الشعرية. وما نغفل عنه ايضا هو ان تجديد الشعر بات مطلوبا في صورة أكثر إلحاحا من الماضي، وهو ما يتمثل في تبديل اللغة في صور متمادية، حتى ان البعض بات يطلب منها ركاكتها في صورة عمدية.
* وماذا تقول في هذا الدعوى الشعرية؟
- الشعر الركيك بات هدفا عند بعض كاتبيه، ولم يعد الشعر انهاكا، اذا جاز التصوير، لطاقة التعبير في اللغة، مثلما كان له أن يكون. شعراء طالبوا بقصيدة التفاصيل، وغيرهم باللغة التالفة، مخاصمين ما اعتبروه عهد الفصاحة الجديد في الشعر العربي. وهم في ذلك محقون، الا انهم انقلبوا على منتقديهم ووقعوا في الفخ عينه، اي التعويل الشديد على اللغة، لذاتها: هناك طالبوا بقسم من اللغة، وهنا كذلك اذ طالبوا بقسمها اليومي والعامي والمهلهل. هؤلاء وأولئك لا يزالون أسرى الفهم الاعجازي القديم للغة العربية، أي كونها صاحبة تحققات لغوية خارقة، تتأتى من ممارسة اللغة نفسها، او من قسم منها. وهذا ما وقعت فيه بعض قصائد النثر، حيث أنزلت لغة الشعر الى اسقط الاحوال الكتابية ما أفقدها جماليتها وتعبيريتها، وما منعها كذلك من تجديد اللغة نفسها، وهو من أغراض الشعر.
لا يؤتى الشعر من فاسد اللغة، الا اذا طلبنا اجراء عرض ساخر او تربوي من ذلك. الى هذا يجدد الشعر حياة اللغة، ولا يزيدها إتلافا وتكرارا وموتا.
* قليل جدا من يجمعون بين النقد والشعر، فمن ينصب نفسه ناقدا على نفسه يقع في الذهنية، خاصة وأننا لا نتعامل مع الشعر بالوحدات القياسية في زمن تنزاح فيه الكلمات من المعجم: ما رأيك في هذا القول؟
- لا أعرف ما اذا كان الجمع بين النقد والشعر حسنا أم رذيلا في حد ذاته. هذا ما أنا عليه، وأتدبر أمري معه. أحسب أن في هذا فائدة ينتفع منها شعري، حين أعمل يد الرقيب في التشطيب والتشذيب والتسوية وغيرها من عمليات الضبط والربط، كما كانت تسمى. أما الوقوع في الذهنية فيشبه البلادة الرتيبة نفسها حين يقع فيها الشاعر، أي أنها ليست شرا قائما بنفسه. فالشاعر صانع مثل غيره من الصانعين يعمل على مصنوعاته، ويراقب ويعاين مقدراته في التجديد، أو في ابتكار سبل جديدة في الصنع، سواء عنده أو عند غيره. فقلة قليلة من القصائد تنزل مبرمة، منتهية، في ضربتها الأولى.
ولهذا العمل المتمادي على القصيدة لذة مخصوصة، لا تقل في إثارتها عن لذة الوضع الأولى. إذ أنني في هذا العمل أتكشف جوانب خافية في اللفظ، في التركيب، بل أتدبر أحيانا شبكات جديدة من الدلالات تتلابس وتتداخل مع غيرها فتتيح للقصيدة الواحدة غير قراءة ممكنة.
* كثيرون من الشعراء يقعون في التكرار نظرا لعدم القراءة: هل تقرأ ثم تكتب؟ ما المعادلة بين أن تقرأ وأن تكتب؟
- المعادلة زئبقية، تتراوح بين حالة وأخرى. ذلك أنني إذ اقرأ أكتب بالضرورة، ولكن في صورة غير واعية أو واعية كذلك، بمعنى التنبه الشديد لما أقرأ والتفكير فيه، وربما تسجيله على ورقة، بما يعني التملك الثابت له، وادخاله في تناسج لازم، له أن يظهر في القصيدة بعد وقت. وهي أحوال من التناص المطلوب او الضمني وغيره.
فالشعر معاودة لازمة، إلا أنها تطلب التجديد. معاودة تنطلق من التكرار، من المعروف، من المسبوق، على أنها تجيل النظر فيه، تفحصه. هذا لا يعني عدم التمييز بين القراءة والكتابة كعمليتين متباينتين، على الرغم من التعالقات المفيدة والحيوية، ولا سيما لكتابة الشعر. إلا أنني أطلب القراءة لذاتها، كفعل ثقافي، بل كفعل من التسلية، من النزهة، من نسيان الكتابة، في نوع من العطلة. إلا أن هذه القراءة، هي للكتابة، مثل العطلة لأيام العمل، أي تجدد الحيوية والإقبال والرغبة في العمل.
* تمت ترجمات عديدة لشعرك الى الفرنسية والانجليزية والألمانية، فماذا تقول عنها، وقد خبرت الترجمة الشعرية في غير كتاب لك؟
- عليك أن تتوجه بالسؤال الى هؤلاء المترجمين، فلهم الأحقية بالجواب. وإذا كان لي أن أجيب فأقول بأن القارىء عموما، إذ يقرأ، يقوم بعملية تملك للنص الذي يقبل عليه. وهذا يصح في الترجمة كذلك، وإن سعت الى الامانة، اذ ان المترجم يتقيد ويلزم نفسه بضرورة نقل النص الى لغة أخرى، هي الفرنسية أو الانجليزية، ولكن عبر لغته هو، أي خبرته وملكته فيها، أي بألفاظه هو وبعملياته الكتابية المخصوصة على النص.
لهذا يحلو لي، عند قراءة بعض قصائدي المترجمة، التوقف عندها والتعرف عليها، اذ تبدو غريبة وأليفة في آن: غريبة مثل قصيدة أخرى، وأليفة مثل العلاقة بالشبه لا بالأصل.
* وماذا عن عمل أكثر من فنان عربي على نقل قصائد لك الى لغة التصوير؟
- هذا ما قام به واقعا غير فنان عربي، مثل البحريني جمال عبدالرحيم، والعراقية هناء مال الله، واللبنانية ايتيل عدنان، والمصري محمد فتحي أبو النجا، وعملوا في تجاربهم الفنية المختلفة على تدبير علاقات متنوعة ومختلفة بين القصيدة والعمل التشكيلي. هي أعمال اشتغلت بدورها على النقل، على الترجمة، على ايجاد علاقات مع نص - أصل، أو منطلق للعمل الفني، ولكن بوسائل أخرى، غير اللغة، هي لغة التصوير نفسها من أشكال وألوان.
مع هذه الاعمال الفنية زادت الغربة طبعا، ولكن اتسع في الوقت عينه نطاق التأويل. وهو ما يجدد أسس النظر الفني الى النص الشعري، ويفتحه على فضاءات فاتنة ومثيرة.
* كما صدر لك في الربع المنصرم كتاب بعنوان: »اللوحة العربية بين سياق وأفق«، فماذا تقول فيه؟
- هو مسعى جديد في توفير تاريخية ما للفن العربي الحديث، بالعودة الى سياقات انتاجه وقبوله وتداوله في البيئات، فضلا عما يثيره هذا التداول من اشكاليات مع الماضي الفني او مع قبول الجماعات له، بالمعنى الاجتماعي والاعتقادي وغيره. في الكتاب مساع تاريخية لا تكتفي بملاحظة سير الفنانين وأدلة المعارض، بل تتوقف عند التكوينات التاريخية التي جعلت الذوق ينقلب ويتغير او يتقبل انماطا اخرى وهو ما ادرجته في النطاقين، العثماني المتأخر والاستعماري.
كما توقف الكتاب لمعالجة ودرس تجارب تشكيلية عربية واسعة، مثل استعمال الحرف في التصوير العربي الحديث، او ادخال العمل النحتي الى الميدان العمومي، ولا سيما في الساحات. وهي تجارب عربية واسعة تكشف عن مصاعب قبول البيئات العربية لمثل هذه الفنون، في نوع من المعاداة لها، أو التحوير المشدد لها.
كما عالج الكتاب مسائل نظرية شائكة، ولا سيما في الخطاب الفلسفي عند هايدغر وديريدا، حول أصل العمل الفني، مشددا على ان الفن لا يتعين في ماهية سابقة على تعاملات البشر معه، وإنما يتعين الفن في بلوغ صفة، هي قيد التنافس والتباري بين البشر أنفسهم.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش