الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وصفت بموسوعة الحياة الروسية وعرضت كأوبرا في بيروت هذا العام ... ملحمة »يفيغيني أونيغين« لبوشكين تترجم لأول مرة بالعربية في عمان

تم نشره في الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2003. 02:00 مـساءً
وصفت بموسوعة الحياة الروسية وعرضت كأوبرا في بيروت هذا العام ... ملحمة »يفيغيني أونيغين« لبوشكين تترجم لأول مرة بالعربية في عمان

 

 
الدستور ـ تيسير النجار

ترجمة وافية لملحمة (يفيغيني أونيغين) تصدر في عمان مؤخراً وبعد جهد أربع سنوات متواصلة للمترجم الاردني عبد الهادي صالح الدهيسات ، ملحمة ما زالت تحظى باهتمام عالمي ويمكن ان تكون من ابرز الأحداث الثقافية في عمان بل في العالم العربي ، وعن نصها كانت قد شاركت فرقة (أوبرا هليكون) الروسية في مهرجان البستان الموسيقي الدولي في جبل لبنان للمرة السادسة لتؤدي أوبرا بيتر تشايكوفسكي الرومانسية (يفيجيني أونيجين) في بداية هذا العام والتي قدمت باللغة الروسية مع ترجمة بالإنجليزية على شاشة صغيرة علقت في أعلى المسرح.
وقد استمد تشايكوفسكي (1840 -1893) الذي يعد بطل تطور الموسيقى الروسية الحديثة موضوع (أوبرا يفيجيني أونيجين) من شعر ألكسندر بوشكين الذي يعتبر من أعظم الشعراء الروس.
وتتألف الأوبرا كما الملحمة التي عرضت من ثلاثة فصول تحكي قصة غرام تاتيانا لأونيجين وانشغالها بكتابة الرسائل له بينما شقيقتها أولجا تغرم به أيضا وتقف حائلا بينها وبينه.
يلتقي الأبطال في الفصل الأول من الأوبرا الشابان لانسكي وأونيجين والشقيقتان تاتيانا وأولجا، لانسكي مغرم بأولجا بينما هي تحب أونيجين ويحتكم الشابان للمبارزة التي تودي بحياة لانسكي وفي الفصل الأخير يلتقي العاشقان أونيجين وتاتيانا ولكن بعد أن تكون الأخيرة قد تزوجت من الأمير وتريد أن تبقى مخلصة له وترفض التجاوب مع أونيجين خوفا من تعرض اسمها للتلوث رغم اعترافها بحبها له مما يوصله إلى الجنون.
وفي هذا الجوالرومانسي الذي ينتهي كل شيء فيه بالسواد يتحرك على المسرح أربعة وثلاثون ممثلا وراقصا بأزيائهم التاريخية التي تحمل بصمات تلك الحقبة على إيقاع موسيقى تشايكوفسكي التي تعزفها مباشرة أوركسترا من خمسين عازفا بقيادة مخرج الموسيقى كيريل يخونوف.
والعرض الذي استمد روحه من الملحمة استمر على مدى أكثر من ثلاث ساعات واحتوى على لحظات حيوية في الغناء للسوبرانوالتي تؤدي دور تاتيانا والتينور الذي قام بدور أونيجين فيما برز حضور قوي وجميل للجوقة الغنائية التي تتألف مرة من أفراد الشعب الذين يقومون بزيارة القصر أومن الفلاحين الذين يحتفلون باكتمال موسم الحصاد ومرة أخرى من الطبقة الاجتماعية للأشراف في القصور الروسية.
وحول هذه الملحمة يقول الدهيسات لقد ابتدع بوشكين من أجل هذه الملحمة نمطاً خاصاً من النظم يختلف عن باقي أشعاره ، وحول موضوع الملحمة فيقول في تقديمه للكتاب الصادر عن وزارة الثقافة ـ سابقاً هذا العام : موضوع الملحمة الذي تدور حوله الأحداث فيعده الدهيسات بسيطا ومؤثرا ففتاتيانا أحبت أنيغين منذ اللحظة الاولى أما هو فلم يصل الى حبها الا بعد المرور بهزات عاطفية عميقة تعرضت لها نفسه التي أتسمت بالبرود ، ولكن على الرغم من كل شيء آخر فانهما لم يصبحا سعيدين اويأتلفا ولا يعود سبب هذا الى ظروف خارجية ، وانما يكمن سبب ذلك في أخطائهما الخاصة وعدم قدرتهما على ايجاد الطريق الصحيح في الحياة ، وبالتالى يجبر بوشكين قارئه على التفكير عميقاً بتلك الأخطاء وأسبابها ، عبر الملحمة التي ضمت الكثير من الصور والوصف الدقيق لعدد كبير من الأشخاص ومصائرهم المختلفة ولأخلاقهم ومشاعرهم المتباينة ، ويؤكد المترجم ان كل ذلك يورده المترجم بقالب فني يتسم بشيء من الحزن والسخرية .
" بوشكين " يعد من أعظم الشعراء الروس في القرن التاسع عشر، ولقب بأمير الشعراء، بالرغم من أنه لم يعش أكثر من 36 عامًا، فإنه قد ترك الكثير من الآثار الأدبية؛ لدرجة أن قراءه يشعرون أنه قد قدم واعطى الكثير واعتبر عصر بوشكين هو العصر الذهبي للشعر الروسي، وهو عصر التقارب بين الأدب الروسي من جهة والآداب العربية والشرقية من جهة أخرى.
وعُرف العهد الذي عاش فيه بوشكين بالاستبداد الاجتماعي؛ فكانت السلطات مركزة بين القيصر والنبلاء، وكان بوشكين الذي انحدر من أسرة نبيلة يعبر عن انحلال وسطه، ويطالب بحرية الشعب، بوصفه المرجع الأول والأخير للسلطة، وكان أول من دعا إلى الحد من سيادة النبلاء في روسيا، وكان ناقما على مجتمعه مطالبًا بتقييد الحكم القيصري وإعلاء شأن النظام الديمقراطي بين الناس.. ولكن ما يؤخذ عليه أنه حصر بعض آماله في الحصول على بعض الحريات السياسية والثقافية.
تأثر في بدء طلعته بالأدب الفرنسي، ولكنه ما إن نضج واحتك بالمجتمع حتى اتجه صوب الأدب الإنجليزي، وتأثر باتجاه بيرون وشكسبير الذي نحا نحوه في مسرحياته مع احتفاظه بالطابع الروسي.
وبوشكين زار القرم والقوقاز وتأثر بالمحيط الإسلامي، وكتب بعض القصائد التي تشير إلى هذا التأثير: »الأسير القوقازي« و»القوقاز«، و»الليالي المصرية« التي لم يكمل كتابتها، وفي أثناء هذه الزيارة اهتم بتعلم اللغة العربية ، وقد ولد بوشكين في موسكو في السادس والعشرين من شهر مايوعام 1799، نشأ في أسرة من النبلاء كانت تعيش حياة الترف واللهو، تاركة أمر الاعتناء بالطفل بوشكين إلى الخدم والمربين الذين كانوا عرضة للتغيير دائمًا، إلى جانب عدم إتقانهم اللغة الروسية إتقانًا تامًّا، وكان أبوه شاعرًا بارزًا في ذلك الوقت؛ فساعد ذلك على ظهور موهبته الشعرية مبكرًا، بالإضافة إلى ذكائه وذاكرته الخارقة.
ترجع الجذور التاريخية لـ "بوشكين" إلى أصل حبشي (إفريقي)؛ فأمه "ناديشد أوسيبافنا" كانت حفيدة "إبراهيم جانيبال" الجد الأكبر لبوشكين، والذي كان من الضباط المقربين لدى القيصر "بطرس الأول"، وليس من الغريب أن يرث بوشكين بعض الملامح الإفريقية؛ فكان أجعد الشعر غليظ الشفتين بارز الصدغين.
ونتيجة لتأثره بتاريخ جده إبراهيم جانيبال، فقد خصص رواية كاملة بعنوان »عبد بطرس العظيم« يحكي فيها قصة هذا الجد الذي تم إهداؤه إلى القيصر بطرس الأول، وأصبح من المقربين إليه، وتعد هذه الرواية من أعظم الروايات التاريخية الواقعية في تاريخ الأدب الروسي.
تلقى بوشكين تعليمه في معهد النبلاء للتعليم الثانوي والعالي معا، ومدة الدراسة به ست سنوات، وقد أنشأ هذا المعهد "ألكسندر الأول" لتجهيز شباب الأسر الروسية العريقة لتولي المناصب الهامة في دائرة الحكومة القيصرية مستقبلا.
وخلال حياته الدراسية التفت حوله حلقة من عشاق الأدب والمفكرين والشعراء، وقد لاحظ الكثير من أساتذته موهبته العالية في نظم الشعر، وتميزت أحاسيسه بالقوة، وكان محبا وعطوفا على عامة الشعب.
وحدثت بعض الوقائع التاريخية في أثناء دراسة بوشكين بالمعهد، وهى: مساهمة روسيا في السياسة الأوربية، وغزونابليون لروسيا، وحرق موسكو، وزحف الجيوش الروسية على أوربا، وسقوط باريس، والقبض على نابليون ونفيه.. كل ذلك دفع بوشكين إلى المطالبة بالحرية في روسيا.
أثرت سنوات دراسة بوشكين في تعزيز نزعته الأدبية والسياسية، كما كتب العديد من القصائد الشعرية في أثناء دراسته بالمعهد، مثل: »أمنية« و»العلم« و»رسالة إلى بودين«. وبعد أن تخرج من المعهد أُسندت إليه وظيفة في وزارة الخارجية الروسية، وما تكاد ساعات العمل تنتهي حتى يفر إلى مجتمعات »بطرسيبورج« فيرتاد أنديتها الأدبية والعلمية.
عرف عن بوشكين حبه للتجديد في شعره الذي كان يهدف من خلاله إلى إلغاء القيصرية، والقضاء على حق استرقاق الفلاحين.
كتب بوشكين الكثير من المؤلفات التي عبّرت عن الحياة الثقافية والاجتماعية لروسيا في ذلك الوقت، مثل: »المصباح الأخضر«، و»إرزاماس«.. انعكس حبه للحرية والعدالة في كتاباته، مثل: »إلى تشاداييف«، و»حكايات«، و»القرية«، كما كتب العديد من القصائد الشعرية، مثل: »الأسير القوقازي«، و»الأخوة الأشرار«، و»سالنور« والملحمة التي بصددها .
وكان متحمسًا للاتجاه العاطفي الرومانتيكي؛ لأنه كان يعتبره منافيًا لسائر الأساليب التي يقوم عليها الأدب الكلاسيكي المزيف، وكذلك فإنه يعطي للكاتب حق التصرف بالفكرة الموضوعة، ولكنه ما لبث بعد فترة أن غير اتجاهه إلى الواقعية، وألَّف بعض الأعمال التي عبّرت عنها فجاءت من صميم الحياة. وقدم بوشكين للقارئ من خلال أعماله صورًا من حياة أشراف روسيا، ونمط معيشتهم، وما اتسمت به الطبيعة الروسية.
أراد بوشكين إحداث تغيير جوهري في المسرحيات الروسية وانقلابًا في المسرح الروسي كله؛ فاتجه إلى شكسبير، ووجد في مسرحياته الانطلاق، والإخلاص، والحقائق، والأهداف السامية، ورأى أن المسرح الروسي يتلاءم ومسرحيات شكسبير الشعبية في ذلك الوقت.
في نوفمبر عام 1852 توفي »ألكسندر الأول« فجأة، وتولى »قسطنطين« الحكم، الذي تخلى عنه لأخيه »نيقولا«.
لم يكد »نيقولا« يعتلي العرش حتى هبت ثورة »الديسمبريين« في 14 ديسمبر عام 1825، والتي تعد أول حركة ديمقراطية منظمة في روسيا، وكان بوشكين منحازا للديسمبريين، ونتج عن هذه الثورة قتل بعض زعمائها ونفي آخرين إلى مجاهل سيبريا.
لم يستطع القيصر نيقولا أن يجد في مؤلفات بوشكين ما يشير إليه أو إلى سياسته فنقله من قرية »ميخايلوفسك« إلى موسكو، مستخدمًا معه أسلوب اللين والمراوغة.
أراد القيصر أن يجعل بوشكين شاعر البلاط، ويتغنى بالسلطات الرسمية خالعًا عليها كل آيات الثناء والتمجيد، وقد استطاع بوشكين بذكاء وحيلة التقرب من القيصر بالرغم من انتقاده له ولسياسته، ونتيجة لهذه العلاقة وجهت لبوشكين تهمة الخيانة وفي عام 1831 تزوج بوشكين من أجمل فتيات روسيا »نتاليا نيقولا لايفنا جونتشاروفا«، وأنجب منها 4 أبناء، وقبل وفاة بوشكين كان مضطهدا من القيصر الذي كان يضايقه دائما؛ إما بنقله من مدينة لأخرى، أوإعطائه بعض الوظائف التي لا تليق بمكانته.
توفي بوشكين مقتولا في مبارزة له مع أحد النبلاء الفرنسيين، والذي كان يدعى »دانتس«؛ دفاعا عن شرفه في وجه الشائعات التي أشيعت حول علاقة زوجته »نتاليا« بهذا الشاب الفرنسي، وكانت زوجته بريئة منها.. حدث له هذا عام 1837 عن عمر يناهز 36 عاما.
اهتم بوشكين بالشعب الروسي وقضاياه؛ سواء كانت اجتماعية او سياسة أو تاريخية، وظهر ذلك بوضوح في مسرحيته التاريخية التراجيدية "بوديس جودونوف" التي توخى فيها الدقة التاريخية والتحقق من صحة الأحداث، وكان موضوعها الشعب والسلطة.. أراد بوشكين أن يقول من خلالها إن السلطة لن تكون مهيبة إن لم تعتمد على الرأي العام.
كما كتب روايته الشعرية الشهيرة »الغجر«، والتي ظل عاكفا عليها لمدة سنتين، وكتب قصة »الأمية القائدة«، والرواية الشعرية »الفارس النحاسي« التي استوحاها من تمثال بطرس الأكبر، القائد بساحة مجلس الشيوخ في »بطرسبورج«، وكان بوشكين من أشد المعجبين بهذا القيصر، وكتب الكثير من المؤلفات عنه.
وتعد رواية »دوبرفسكي«، التي تحكي عن شاب هارب من إحدى طبقات النبلاء، أعظم ما كتب في تاريخ الأدب الروسي؛ فمن خلالها رسم بوشكين صورة للحياة الروسية في بداية القرن التاسع عشر، وما كان سائدا من استبداد النبلاء واسترقاق الفلاحين في ذلك الوقت.
تحدث عن الطبيعة، والحب، والصداقة، ووطنية الشعب الروسي في كثير من أشعاره، مثل: »إلى البحر«، و»أحبك«، و»الخريف في بولدينة«.
أما هذه الملحمة »يفيغيني أونيغين« فتعتبر أول رواية شعرية واقعية في تاريخ الأدب الروسي، وقد حصلت على لقب "موسوعة الحياة الروسية"؛ حيث يظهر فيها أمام القارئ جميع طبقات المجتمع الروسي في ذلك الوقت ، وتعد ترجمتها الحرفية عن الروسية مباشرة انجازا ثقافيا حقيقيا وعلى الأخص حين نعلم ان الملحمة مقسمة الى ثمانية فصول وكل فصل يتكون من حوالي خمسين مجموعة وكل مجموعة تتكون بدورها من أربعة عشر بيتاً .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش