الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يرأس اتحاد كتاب المغرب:حسن نجمي: التشاؤم يعطيني حافـزاً للتفكير والتساؤل

تم نشره في السبت 15 آذار / مارس 2003. 02:00 مـساءً
يرأس اتحاد كتاب المغرب:حسن نجمي: التشاؤم يعطيني حافـزاً للتفكير والتساؤل

 

 
الرباط مـــن : وكالة الصحافة العربية

يمكنك أن تطلق عليه قاهر الزمن، أو سابق عصره، فقبل أن يصل الى السابعة عشرة من عمره نشرت اولى قصائده في الصحافة المغربية، وجاءت مجموعته الشعرية الاولى »لك الإمارة أيتها الخزامى« قبل أن يتم الثانية والعشرين من عمره ، وتتابعت أعماله بسرعة، رغم أنه لم ينشأ في بيئة تؤهله لهذه القفزات المتلاحقه، وأستطاع بجدارة أن يصل الى واحدة من اعلى المراتب الثقافية في المغرب، وهي رئاسة إتحاد كتاب المغرب، وعمره لا يجاوز الأربعين عاماً، لقاؤنا مع الشاعر والمبدع »حسن نجمي« وهو فارس كلمة حتى النخاع، وصحفي مرموق، ورغم عمق الانفعالات والعداءات الضارية التي يواجهها، إلا أنه دوماً هادئ الطبع لا يسمي الأشياء بغير مسمياتها، وفي حوارنا معه محـاولة للنفاذ الى ما يدور في أعماقه .
- لقد تجاوزت حاجز الزمن سريعاً ترى هل أهلتك البدايات لذلك ؟
دعني أجيبك بالدهشة عندما تعلم أنني نشأت ولم يكن في بيتنا كتاب يقرأ !! فقد نشأت في أسرة متواضعة المعيشة فوالدي كان يمتهن »الشواء« أما والدتي فكانت بائعة خبز، ولست أزعم أنهما كانا على درجة من التعلىم عند وفاتها .
- كيف استطعت إذن تحقيق هذه الطفرة ؟
أنه الاحساس الفطري الانساني الرهيف، لقد احترفت استخدام أذناني بتقنية كثيفة لالتقاط أصوات القرويين في أثناء حديثهم وتقاليدهم وأمثالهم الشعبية، ولا أزعم أنني بدأت الكتابة قوياً، بل كانت بدايات متعثرة بعض الشيء، وحاولت أن أستلهم أسلوب وكتابات الآخرين، لم يكن لدي آنذاك وعي شعري حقيقي، بل ربما هي التلقائية الرائعة التي اكتسبتها من بيئتي البسيطة هي التي صنعت تفردي، وأثرت على شخصيتي وتكويني، ونظرتي للأشياء، وفي نوعية العلاقات الاجتماعية التي أمارسها مع الجميع، وعموماً فالبداية الأدبية ينبغي أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، تنهض ثم تسقط قبل أن يعثر المرء على نفسه، وعلى صوته المميز الخاص، وعند ذلك يستطيع أن يكتشف لغته الخاصة، ويحدد مساره الأدبي المتفرد عن الآخرين .

رسالة نبوية
- تفردت في معالجة المشهد اليومي لحياة المدينة رغم أن هذا يبعدك عن البلاغة الكلاسيكية لتشكيل الصورة الشعرية كيف تأتّي ذلك ؟
دوري كشاعر أن أقدم نماذج حية ملموسة، يكون فيها الشاعر حاضراً على أن يبتكر صورة شعرية من المعيشة دون الحاجة الى استخدام التشبيه، والمشبه، والمشبه به، الى غير ذلك من الأدوات البلاغية التي كانت عماد الصورة الشعرية بمعناها الكلاسيكي القديم، اننا اليوم بحاجة - كشعراء - الى دلالة جديدة تتأتى من الاحساس الفكري والجمالي النابع من سيرورة الكتابة الشعرية، وما دام شاعر اليوم موجودا في واقعه يشهد ما يحدث في عالمه، والتحولات التي تجتاح المدينة، أفلا يؤثر كل ذلك في مخيلتي كشاعر مع كل ذلك لا يمكنني الاستمرار في كتابة القصيدة بنفس أدواتها القديمة .
- بما أنك من رواد التجديد فما الدور الذي توظف فيه شعرك لتغيير الواقع الاجتماعي والايديولوجي ؟
أنت هكذا تحملني ما فوق طاقتي، فأنا لا أدعي أن ما أكتبه من شعر هو بمثابة »رسالة نبوية« أنا لست نبياً، أو مصلحاً اجتماعياً، ولا واعظاً في مسجد فليست لي رسالة إرشادية أو أيديولوجية معينة، إن رسالتي كشاعر تنحصر في حيز جمال الأحاسيس، وليس مطلوباً من الشعر أو الشاعر أن يكون أكثر من ذلك .
- ألا تتفق معي أن جمهور الشعر في كل الوطن العربي قد بدأ يوحد أذنيه في وجه ما يسمى بالقصيدة الحديثة التي تستخدم ألفاظاً غاية في الغموض ؟
دعنا نتعامل مع مشاكل اللغة، على المستوى الشعري، بكل بساطة وبعيداً عن التعبيرات الأكاديمية لبعض النقاد العرب، أنني أعتقد أن هناك خيارين للتعامل مع اللغة والخطاب الشعري الأول هو : هل عندما تشتغل باللغة لنسج قصيدة تترك الكلمات كما هي في مستوي البدء لدلالاتها ولمعناها، فيبقي الجدار جداراً، والطائر طائراً ؟ أم أنك تريد أن ترتقي وتنتقل بهذا المعجم وهذه اللغة على مستوى الوسيط العادي الى مستوي رمزي معين ، أنا شخصياً لدي خيار حاسم وهو أن الكلمات في قصيدتي ينبغي أن تظل بمعناها الابتدائي الأول، فعندما يكون حديثي عن امرأة فحديثي فعلاً عن امرأة من لحم ودم، أنني أقصد ما أقوله فعلاً، لكن لدي ايضاً مسألة بيني وبين قرائي وهي الخيار الثاني عندما أنتقل بهذا المعجم البسيط على مستوى العلاقة بين الكلمات، وعلى مستوي نوعية الصورة التي أرسمها بهذه الكلمات، تصبح القصيدة أقل غموضاً وأقل تعثراً في أن تلحق بقارئها وفي أن تكسبه الى جانبها، وفي أن تتيح للقارئ العثور على ما يبحث عنه، وبالتالي فلابد للقصيدة من بعض الفجوات التي هي صلب العملية الابداعية، وبالتالي يأتي دور القارئ لسد هذه الفجوات بخياله الذاتي .
- بعضهم يقولون ان المثقف شاعراً كان أو روائياً أو صحافياً ما هو إلا طابور خامس للسلطة أتتفق مع ذلك ؟
برغم أنني أحيا بإرادة متفائلة، إلا أنني مصاب بتشاؤم الفكر باستمرار، وأعتقد أن هذه أفضل صيغة يمكن أن تتوفر للمثقف الحريص على تواضعه وساطته، بعيداً عن تعقيدات العالم، ولا يعيبني أن أكون متشائماً، بل على العكس التشاؤم هو الذي يدفعني كمثقف ليحفز تفكيري وتساؤلاتي وقلقي، وأعتقد أن القلق ظاهرة صحية بالنسبة لكل مثقف، فلست أثق في أي مثقف لاينتابه القلق ويركن الى الطمأنينة.
وبالنسبة لما يوصف به المثقف بأنه طابور خامس، فعندما أتأمل في الفعل السياسي، ويبدو لي فاسداً أو هواء فاسد كما عبرت عن ذلك مراراً، وعندما أتحدث عن بعض المثقفين الذين يشكلون ظاهرة سيئة في المشهد الثقافي العربي فهم يعطون الانطباع بأنهم طابور خامس، وفي تساؤلاتي مع كثير من هؤلاء عن علاقتهم الذليلة بالسلطة في بلدانهم، وتهليلهم لكل أفعال وأقوال هذه السلطة لا تجد إلا الخنوع،فمثل هؤلاء المثقفين ليس لهم أي عمق استراتيجي، ليست لهم مبادئ يسيرون بتفكير يلائم كل حالة ولكل مقام مقال، فهم بهذه الصورة المشينة خير دلالة على أنهم رواد الطابور الخامس .
- كشاعر هل ستشعر بالخوف من العولمة ؟
أشعر بالخوف كشاعر إن أنا تسمرت في مكاني، ولم أتفاعل مع العولمة، فمن المستحيل في ظني أن نعثر على مكان خارج خارطة العولمة، وأفضل طريق أمامنا كمثقفين هو أن ننخرط في هذا الأفق وأن نفرض أنفسنا بقوة علىه، فالعولمة قادرة على أن تحول الثقافة الى سلعة يربح الجيد منها ويخسر الرديء، والانتاج الثقافي يمكنه أن يحمل الخصوصية الثقافية، فكل انتاج ثقافي لابد أن يحمل معه خصوصيته الثقافية، وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن ما هي العلاقة التي ينبغي أن تنتظم اليوم، التي ينبغي أن نفكر فيها بعمق، ما تعنيه الخصوصية فهل ستطيح العولمة بالخصوصية الثقافية ؟! فرنسا مثلاً اشترطت أن تظل ثقافتها محتفظة بخصوصيتها، وأنا شخصياً لا أشعر بأي خوف تجاه التحولات الكبرى التي نعيشها حالياً، بل علىنا أن نقتحمها وبكل قوة .

المستحمات والعانس
- ماذا لو طلبنا إطلالة سريعة عن كتاباتك ؟!
وأنا في العشرينات من عمري صدرت مجموعتي الشعرية الاولى لك الامارة ايتها »الخزامى« ثم كتبت بحثاً عن القصيدة الزجلية، ثم صدرت مجموعتي الشعرية الثانية »سقط سهوآ« ثم »الرياح البينية« ثم »حياة صغيرة« وحوار سطور في كتاب مع الشاعر المصري المشاكس أحمد فؤاد نجم، وفي عام 1996 كتبت رواية »حجاب« وكتاب »الناس والسلطة« وفي هذا العام أيضاً كتبت السيرة الذاتية للمفكر المغربي »مهدي المنجرة« وكانت بعنوان »مسار فكر«، وبالنسبة لمجموعتي الجديدة »المستحمات« فتضم نصوصاً شعرية جديدة تتراوح بين الطول والقصر، وتشتغل على ثيمة الايروتيكية، ويهيمن الليل على الزمن الشعري لقصائد هذه المجموعة التي هي استمرار لأفق البحث عن إيقاع شعري قائم على الصورة اساساً، وبسبب هذه المجموعة فشلت في إنهاء عملي الروائي الثاني "العانس" ويدور عن امرأة مزدوجة الشخصية تعيش في الحياة اليومية بوجه ولغة مغايرة للوجه واللغة اللذين تستعملها عندما نواجه نفسها كل مساء أمام المرأة، فهي تبدو في غنى عن الرجال، بينما هي في داخلها تصرخ من الحرمان والشوق ، لأن تلقي بنفسها في حضن أول رجل يقابلها .
-من خلال موقعك رئيسا لاتحاد كتاب المغرب كيف تنظر الى العلاقة بين الدولة وديمقراطية الحياة الثقافية؟
يؤسفني أن الوعي السائد في وطننا العربي يحجم الديمقراطية فقط في عملية الاقتراع الانتخابي، مجرد ورق وصناديق صماء الديمقراطية أكبر من ذلك بكثير، لها بعد سياسي، وآخر اجتماعي وثالثا اقتصادي ورابع ثقافي، وأتصور أن الديمقراطية الثقافية تتجسد اساساً في مدى حرص النظام السياسي الدول في أن يوفر لمواطنيه حقهم في المعرفة والثقافة والحق في التعلىم، والتعبير عن الرأي بحرية، والحق في الجنون الابداعي، أعتقد أن المواطن في كل الوطن العربي بقدر حاجته الى البنية السياسية الديمقراطية فهو في حاجة الى بنيات أخري تلبي حاجاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا يمكن أن تقوم العلاقة بين الدولة والمجتمع عموماً والمثقف على وجه الخصوص على أساس الاستجابة للمطالب الاقتصادية فقط، فالانسان لا يعيش بالخبز وحده، بل لابد من تلبيه احتىاجاته الروحية والجمالية والثقافية.
الدولة لا تصنع الثقافة، بل تدعمها، ومن يصنع الثقافة هو الشعوب بكل طبقاتها الاجتماعية، وبكل مكوناتها، وأجيالها، ومذاهبها المختلفة، وكل هذه الأشياء تشكل النسيج الثقافي الوطني .
- ختاماً ألا تتخوف من أن تجرف الرواية القصيدة ؟
لا أحب أن أحشر نفسي بين المتنازعين على من يتصدر لآخر الرواية أم القصيدة، فلا توجد أرض منصفة للتفاضل، بل هي مجرد اتهامات ورؤى شخصية، و أعتبر أن المنجز الروائي العربي هو مكتسب للثقافة العربية الحديثة، ولا يمكن للمواطن العربي أن ينحرط في افق الرواية ويتخلى عن الشعر، لأنه لا يوجد أحد قادر على التخلي عن عمقه وأفقه الانساني، والذين يقولون بغير ذلك واهمون .


رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش