الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

على هامش عرضه لـ `هلوسات`: نبيل صوالحة: امريكا حيدت حكام العالم في حربها ضد الارهاب

تم نشره في السبت 1 شباط / فبراير 2003. 02:00 مـساءً
على هامش عرضه لـ `هلوسات`: نبيل صوالحة: امريكا حيدت حكام العالم في حربها ضد الارهاب

 

 
عمان - الدستور - ربى صقر : عندما وضع الكوميدي الأردني نبيل صوالحة كومة من الأوراق والأقلام أمامه ذات صباح ورشف قهوته المفضلة ليبدأ بكتابة مسرحية جديدة، لم يعرف حينها أنه سيمضي ستة أشهر من التفكير العميق والتمشي حوالي الغرفة وتحويل الأوراق التي أمامه ورقة تلو الأخرى الى »طابات« يلقيها في سلة الفضلات.
لقد كانت كتابة مسرحية »هلوسات« امتكانا حقيقيا للصبر، فالعالم الآن يخلو من الشخصيات العالمية التي طالما استلهمها صوالحة بل وقلدها في مسرحياته السابقة، فبعيد 11 أيلول انحسر تأثير القادة العظماء وسادت بدلا منهم عجينة جديدة تشكلها آلتا الاعلام والحرب - بلا وجه انساني يمكن تجسيده.
ويقول صوالحة بأن ما سبب له عسرا في الكتابة »هو حقيقة أن أمريكا قد حيدت كل الحكام العرب بل وحكام العالم أجمع في حربها ضد الارهاب«.
ومن هنا فإن الشخصيتين الأساسيتين في »هلوسات« والتي تعرض حاليا في مسرح زارا التابع لفندق حياة عمان أيام الأربعاء والخميس والجمعة والسبت من كل أسبوع - هما من الطبقة الكادحة التي تعتاش على بيع الخضروات مثل الجرجير في وسط البلد.
ويمثل صوالحة دور رجل يلقب بـ »أبو نضال« والذي يجتمع كل يوم في الشارع او على سطح احدى عمارات عمان الشرقية بـ »أم علي« والتي تقوم بدورها الكوميدية البارعة أمل الدباس؛ وأثناء تبادل هاتين الشخصيتين الأحاديث والنكات يعلق صوالحة على الأوضاع السياسية والاقتصادية السائدة وما يسميه بـ »الارهاب الذي يدعي محاربته للارهاب«.
بالنسبة لصوالحة، العالم الآن تسوده التفاهة السطحية التي لا يطيقها العقل بالاضافة لأشكال من الظلم التي تحلل احتلال اراضي الفلسطينيين من قبل اسرائيل المدعومة من العملاق الأمريكي واستخدام شتى الذرائع لشن حرب عن العراق. وفي مشهد هزلي ساخر يذهب »أبو نضال« الى امريكا ليزور ابنه ويرتدي أفضل الملابس ويتم القبض عليه بالرغم من ذلك لسبب يثير الضحك والأسف في ذات الوقت، فلقد ولد أبو نضال ذات سنة من السنوات في 11 أيلول وكان هذا أمرا كافيا لمسؤولة الأمن القومي الأمريكية كونداليزا رايس (والتي مثلت دورها الدباس) لأن تنهال عليه بأسئلة حول نشاطاته اليومية وسط جوقة من أفراد الاستخبارات الأمريكية ذوي النظارات السود الداكنة.
وعندما تسأل رايس »ماذا تعمل يا أبو نضال؟« يجيب ببساطة الأردني الطيب القلب: »أبيع جرجير!« ولكن ما يترجمه المترجم طويل القامة يؤكد الشكوك التي تحوم حول أبو نضال اذ انه يعلن »أبو نضال يبيع المتفجرات«.
الفنان صوالحه قال لـ »الدستور« بأن هذا المشهد كغيره يضع أمام الجمهور مسألة جدية بقالب ساخر وهي تلك الفجوة الحضارية والثقافية التي أخذت بالاتساع بين الغرب والشرق، ويضيف »أما المترجم فيمثل شريحة من المجتمع وهم الطابور الخامس الذي لا يتوانى عن هز ذيله لمفردات القوة والسيطرة«.
ويسترد أنفاسه مسترجعا مقتطفات من »هلوسات« ليعلق بحزن باد: »القصص التي سمعتها عن أناس تم القبض عليهم في أمريكا أسوأ بكثير من قصة أبو نضال هذه، فمنهم من قد تم ايقافهم والتحقيق ومعهم لمجرد أن لهم بشرات داكنة أو ملامح شرق أوسطية!«.
ويرجع أبو نضال مكسور الجناح الى وطنه الأردن ولكنه لا يتخلى عن حلته الجديدة من ملابس فاخرة تعطيه مظهر الأجنبي، ويعود الى البقعة ذاتها التي كان يبيع فيها الجرجير مع أم علي ليجد أن كل شيء قد تغير حاله: فالصبية يتحدثون معه بالانجليزية وبدلا من »الجرجير« صار الباعة المتجولون يبيعون أجهزة الهواتف النقالة يدللون على نغمات »الموبايل« المتعددة، وصار من الصعب على أبو نضال ان يتعرف على حارته القديمة.
ويقول صوالحة ان المسرحية من خلال مشهد كهذا تتناول تأثير الاعلام على حياة الناس اليومية و»غسيل الدماغ« الذي تمارسه مفردات الاعلام على دول العالم الثالث، ففي بحث أبو نضال عن جذوره بعد ذهابه الى »بلاد الغربة« يلتقي بامرأة أنيقة شقراء تتأرجح في مشيتها والتي ما أن تتفوه بكلمة واحدة يرجع ابو نضال الى الوراء ويقول بصوت وقعه وقع الصدمة: »أم علي! أنت أم علي، عرفتك من صوتك!«
ولربما كان يلمز صوالحة الى ان التغيير الذي يمر فيه المجتمع العربي ظاهري، لأن لهجة »أم علي« الثقيلة والمحلية ما زالت كما هي على حالها مليئة بالتلوّن والنبرات المختلفة التي عادة ما يبتعد عنها »أهل المدينة«.
من أين يأتي صوالحة بهذه التعليقات الهزلية التي ترتبط بحياتنا ارتباطا وثيقا لتبدو »هلوسات« وكأنها حياتنا اليومية بقالب مختلف؟
»عندما يكون المرء، مثلي أنا مثلا، معلقا اجتماعيا ساخرا فإن ما يفعله على الدوام هو الاستماع وملاحظة ما يقوله ويقوم به الآخرون«، يقول صوالحة، ويتابع مازحا:
»وكثيرا ما يأتيني الناس بقصصهم التي تكون 90 بالمائة لا تصلح لمسرحياتي!«
التفاعل مع الآخرين ومع طاقمه المسرحي، المكون من شخصه والدباس وحسن سبايلة ورانيا اسماعيل وتامر بشتو وابنته لارا الطالبة في السنة الأخيرة في المدرسة، هو النبع الذي يستلهم منه صوالحة أفكاره وشخوص مسرحيته، حسب قوله.
وهكذا بعد باع طويل من سيطرة شخوص الدولة وكبارها بالاضافة الى الحكام العرب المختلفين كأمثال حسني مبارك وياسر عرفات ومعمر القذافي وغيرهم على مسرحيات صوالحة، بدأ عهد »رجل الشارع« الذي يعبر عن ذاته وهمومه الخاصة من خلال شخصيتي أبو نضال وأم علي، صاحبي روح الفكاهة المميزة.
ومن صوتهما يعبر صوالحة عن »الحقيقة بقالب مقبول وبطريقة غير جارحة«، حسب تعبيره بالرغم من انتقاداته التي ربما تكون لاذعة في بعض الأحيان الا أنها لا تثير غضب أحد. »أحب بلادي وأحب من فيها«، يبتسم صوالحة قبل أن يرتدي قبعته ويحمل حقيبته التي يحتفظ فيها بدفاتر مواعيده وسيناريوهات مسرحياته ويخرج قاصدا بيته.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش