الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الترابي نجم ساطع

د. رحيل محمد غرايبة

الثلاثاء 8 آذار / مارس 2016.
عدد المقالات: 524



ودع الحياة في الأمس القريب الدكتور حسن الترابي ذلك النجم الساطع في سماء السودان والعالم العربي والإسلامي، فقد كان إحدى الشخصيات الفكرية الفذة، الذي استطاع أن يسجل اسمه في التاريخ الحديث؛ من خلال فكره الثاقب وثقافته الواسعة، وذكائه الحاد، وأثره البارز في صياغة عقل الصحوة الإسلامية المعاصرة.

ولد الترابي عام 1932م، ونال شهادة الحقوق من جامعة الخرطوم، ثم حصل على الماجستير من جامعة اكسفورد البريطانية عام 1957م، كما استطاع نيل شهادة الدكتوراة من جامعة السوربون الفرنسية عام 1964م، وهو رجل ضليع في اللغة العربية وعلوم الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى اتقانه للغات الانجليزية والفرنسية والألمانية، وكان يحمل معالم النبوغ والشخصية القيادية الآسرة، بقوة منطقه ودهائه السياسي.

كان حسن الترابي شخصية جدلية مشاغبة، ووقع الفراق بينه وبين الإخوان المسلمين عندما طلب منه مبايعة المرشد المخفي وغير المعلن، فقال : لا أبايع شخصية وهميّة، ولن أبايع إلّا شخصية ظاهرة معلنة ومعروفة، ومنذ ذلك الحين استطاع أن يشكل الخط الجديد في الحركة الإسلامية السودانية بطريقة مختلفة عن مدرسة الإخوان التقليدية، وعمد إلى تشكيل عقلية جديدة منفتحة، وبنى مدرسة فكرية معاصرة أستطاعت أن تبسط أثرها على مختلف فروع الحركة الإسلامية في العالم، كما أثر تأثيراً بالغاً في أتباع حركة الإخوان المسلمين أنفسهم، رغم حملة التشويه التي تعرض لها من قيادات الإخوان التقليدية.

سجن الترابي مرات عديدة منذ السبعينيات، في عهد النميري وفي العهود التي جاءت بعده، لأنه كان شخصية معارضة جريئة، ويملك حضوراً جماهيرياً واسعاً في أوساط الشعب السوداني، وخاصة في أوساط الشباب والشرائح المثقفة، وقاد الحركة الإسلامية في السودان نحو معركة الانفتاح الفكري على مختلف الأوساط السودانية، ودخل حكومة الصادق المهدي عبر تحالف سياسي، استلم من خلاله موقف نائب الرئيس ووزير الخارجية، ثم استطاع أن يشكل الجبهة القومية السودانية التي وصلت إلى الحكم في أواخر الثمانينيات، وشكل حزب المؤتمر الوطني الذي ما زال يقود السودان حتى هذه اللحظة.

استلم الترابي رئيس البرلمان السوداني في حكومة البشير، ولم يستمر الوفاق طويلاً مع الرئيس والمجموعة الحاكمة، وحدث الانقسام فعلاً وذهب إلى تشكيل حزب المؤتمر الشعبي مع ثلة من رفاقه، وأصبح شخصية معارضة حادة لرفقاء الدرب في الفكر والتنظيم، ودخل السجن عدة مرات، ووضع تحت الإقامة الجبرية في عهد حكومة الإسلاميين، وبقي الترابي شخصية عنيدة غير قابلة للترويض.

لا أحد ينكر موقع الترابي الكبير وأثره الواضح في صياغة مستقبل السودان الحديث، ولكنه كان يملك طموحاً مشروعاً ورؤية بعيدة المدى؛ يود من خلالها أن تسير السودان إلى الأمام في سلم الديمقراطية، ونحو مزيد من المشاركة الشعبية، عبر طروحات فكرية جريئة وعملية متقدمة في صياغة مؤسسة الحكم، ولكنه كان متقدماً أشواطاً بعيدة على مرافقيه، مما جعلهم غير قادرين على التكيف مع آرائه المتقدمة وصعب عليهم مسايرته.

أعتقد لو أن الترابي ابتعد عن المناصب السياسية، وبقي في مجال التنظير الفكري والاستشارة السياسية، لكان خيراً له ولحزبه وللسودان، ولكن الترابي وقع فيما وقع فيه كثير من العلماء والمفكرين الإسلاميين المعاصرين عندما يهبطون من علياء الفكر إلى دائرة المنافسة على مواقع النفوذ والقرار، مما أدى إلى كثرة الحساد والمنافسين، وكثرة المبغضين وأصحاب المصالح، الذين استطاعوا أن يبعدوه عن ساحة المنافسة، وافلحوا في تقليص أثره الفعلي في تطوير التجربة السوادنية، التي غرقت في روتين الحكم واستبداد السلطة، وتشابهت مع تجارب الدول الفاشلة والضعيفة حيث تعرضت للتفكك والانقسام ، بدلاً من النجاح في بناء نموذج الوحدة والقوة  في العالم العربي الذي يعاني من أخطار الإنهيار ومعارك التدمير الذاتي.

 رحم الله الترابي رحمةً واسعةً، وأجزل له العطاء والمثوبة وحسن العاقبة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش