الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السرقات الأدبية .. فساد ثقافي واعتداء على الفكر واللغة

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 مـساءً
السرقات الأدبية .. فساد ثقافي واعتداء على الفكر واللغة

 

عمان ـ الدستور ـ عمر أبوالهيجاء

السرقات الأدبية أصبحت شائعة في المشهد الثقافي العربي، وتكمن في السطو على فكر الآخرين ونسبها إلى شخص آخر، وهذا يعد ـ بحد ذاته ـ جريمة أخلاقية. من الملاحظ، أيضاً، وبشكل واضح، تعدت السرقات من النصوص كاملة، إلى سرقات بعض عناوين المجموعات، الشعرية، والقصصية، والروائية وغير ذلك. وهناك أمثلة كثيرة شاهدة على السرقات. «الدستور» التقت بعض الشعراء والنقاد، وسألتهم عن هذه الظاهرة، ظاهرة السرقات الأدبية عامة، وسرقة العناوين خاصة، وتالياً آراؤهم:

محمد سلام جميعان

السرقات الأدبية ظاهرة قديمة، لكن إمكانات التكنولوجيا جعلت منها سرقات عصرية، فضلاً عن أن لصوص الكلمة قد تكاثروا، وتفننوا في لصوصيَّتهم، فأصبحنا نعيش فساداً ثقافياً أخطر من كل ألوان الفساد. وقد ساعد على انتشار لصوص الكتب والأفكار والعناوين والرسائل الجامعية بعضُ دور النشر التي تسعى إلى الربح السريع، والمشرفون الأكاديميون الجُوف. وستبقى هذه الظاهرة ما بقيت الكلمة والرغبة في الشهرة، والتواطؤ المعلن وغير المعلن.

عنوان الكتاب هو هويته وهوية الكاتب، ومن غير الأخلاقي أن يسطو أحدهم على هويتك وذاتك. إن لصوص الكلمة أخطر من لصوص المال، وعلى الاتحادات الأدبية والروابط أن تكون أكثر صرامة في مواجهة هذه الظاهرة، وإذا كان من غير الجائز أن تسجل وزارةُ الصناعة والتجارة مؤسستين تجاريتين باسم واحد، فلا أقل من أن تتنبَّه المكتبة الوطنية إلى مثل هذا الأمر، وهي الرقيبة على إنتاج المصنفات، وترعى حقوق الملكية الفكرية.

د. ليندا عبيد

إن السرقة، عامة، من العيوب الأخلاقية التي تنتقص من نبل الإنسان، وتلفت النظر إلى دواخله، وتشكيله النفسي والاجتماعي، وتجعل منه ذاتاً ضعيفة لا تتورع عن القيام بأي خرق أخلاقي آخر. وحين نتحدث عن السرقة الأدبية والفكرية، فإننا نقف عند قضية أكثر صعوبة وخطورة. فالاعتداء على الفكر واللغة، وبوح الذات ورؤاها وتصوراتها بإزاء ما يدور في الواقع، هو ـ بلا شك، سرقة حضارية متمدنة خطيرة. ويأتي مكمن الخطورة من فداحة الانتهاك الأخلاقي، ومن صعوبة الإمساك بهذه السرقة وتحديدها، وصعوبة التصدي لها لأن اللزام الأخلاقي، والرادع الذاتي لا يجدي ـ ما دامت السرقة تجاوزاً أخلاقياً ـ بموازاة غياب رادع قانوني كاف للتصدي لمثل ذلك. خاصة أن بعض السرقات ذكية يصعب كشفها، إضافة إلى أن المصطلح فضفاض؛ فمنهم من جعلها بسرقة الفكرة والمعنى واللفظة، معاً، في خفاء عن المتلقي، بحيث يجهل من أين أتى الأديب بهذا المعنى، فيوهم بأنها من أفكاره. ومنهم من جعلها في تطابق اللفظ، فقط، ما يخلق مخارج كثيرة للسارق لينجو بفعلته.

ومعلوم أن السرقات الأدبية ظاهرة قديمة تخص الأدب العربي وغيره من الآداب الأخرى. وقد سميت السرقة الأدبية بالتلاص. والتلاص مأخوذ من لفظة اللصوصية. وسميت السرقة تلاصاً للتمييز بينها وبين التناص الذي حاول الأدباء ـ من خلاله ـ تبرير بعض السرقات متكئين على فكرة أن أي نص أدبي، في النهاية، هو فسيفساء من نصوص مختلفة، ومن مخزون ثقافي فكري وأدبي متراكم، ما يخلق بعض التشابه بين النصوص، ويوقع الأديب أمام شبهة السرقة. واليوم يشهد العصر الحديث انفلاتاً في ارتكاب خطيئة السرقة الفكرية والأدبية بفعل ذلك الاتساع الإلكتروني الكبير، الذي يسهّل من عملية الاطلاع على نصوص الآخرين، واقتناص الأفكار والتعبيرات، بل والاتكاء على التقنية في اللصق والانتزاع، ضمن تفاوت في التمكن يخضع لذكاء السارق وبراعته في إخفاء السرقة، والتصرف في المضامين والتعبيرات، بموازاة سعة ضميره الأخلاقي، ونسبيته في الإحساس بالذنب. وتشهد الساحة الأدبية، اليوم، اعتداء يصل إلى عناوين الأعمال الأدبية المطابقة، تماماً؛ إذ يتم انتزاعها عن عتبات النصوص لتنقل إلى أجساد أعمال أخرى، غريبة عنها وعن لغتها ووجدانها، قسراً وبهتاناً.

والسرقة إن دلت على شيء فإنها تدلل على نضوب دواخل الأديب، وشح إمكانياته. والسرقة ـ في النهاية ـ مهما كانت مبرراتها ومسبباتها تظل تشوهاً أخلاقياً قميئاً؛ منتهِكاً لدواخل الآخرين ولغتهم وأفكارهم. وتتفاقم بشاعتها حين ندرك أن من يسرق كلمة أو عنواناً قادر على سرقة وطن كامل، وقادر على انتزاع روح من ذاتها، وعلى انتزاع هوية من جسدها، وهي مؤشر على التزاحم البشري في دوائر الماديات على حساب القيم، والنبل الإنساني، وهي مؤشر على النضوب، والجفاف الذي يهدّد الواقع الاجتماعي المعاصر،على اختلاف مساحاته وحدوده.

خلدون عبد اللطيف

كنتُ قد تساءلتُ، في واحدة من المقالات، عن الكيفية التي تتأسَّس، أو يجب أن تتأسَّس ـ بموجبها ـ العلاقة بين العنوان والمحتوى النصِّي، بافتراض وجود علاقة ظاهرة أو خفيَّة بينهما، على اعتبار أن العنوان اشتقاق مباشر أو غير مباشر من هُويَّة ذلك المحتوى النصِّي، وحاملٌ للدلالة.

يجب التمييز بين التناص، من جهةٍ، على اعتباره تداخلاً علائقياً بين عدة من نصوص قديمة لإنتاج نص جديد، والسرقة أو التلاص، من جهة أخرى، على اعتبارهما سطواً مباشراً وفجَّاً على نص أو أكثر، من دون إحالة إلى مرجعيته، وهو ما ينسحب كذلك على مستوى العنوان. فالأمثلة على ذلك كثيرة، خاصة في وقتنا الحاضر. القضية ليست جديدة البتة، ويمكن سرد شواهد عديدة على ذلك، كما هي الحال مع رواية «المصابيح الزرق»، للكاتب السوري حنا مينه، والتي يتطابق عنوانها حرفياً مع رواية حملت العنوان نفسه للكاتب المصري الراحل محمود تيمور. خذ، أيضاً، «نيران صديقة»، هذا العنوان الذي حملته مجموعة شعرية صدرت عام 2009، للشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار، مثلما حملته ـ أيضاً ـ مجموعة قصصية صدرت قبل ذلك التاريخ للكاتب المصري علاء الأسواني. بإمكاننا الإحالة، كذلك، على مجموعة الشاعر عباس بيضون «الموت يأخذ مقاساتنا»، والتي يتطابق عنوانها مع سطر شعري ورد في قصيدة بعنوان «بطاقات سوداء»، للشاعر السويدي توماس ترانسترومر، بيد أنّ بيضون أقرّ ـ مؤخراً ـ بأنه سرق عنوان مجموعته تلك من ترانسترومر. لكن الحال لا تستقيم مع ذوي النفوس الضعيفة ممّن لا يقرون بسرقاتهم، ولا يشعرون بفداحة العار الذي أصابهم. أمَّا من يحيل هذا التطابق على محض الصدفة، فأجدني متسائلاً، والحال هذه: أي صدفة تكفلت بصنع هذا القدر من التطابق؟

في عصر التكنولوجيا، لن يكون ضرباً من الخيال التفكير في إنشاء جهة مرجعية موحّدة تسهم في توفير قاعدة بيانات للعناوين المستخدمة، أسوة بالعلامات والأسماء التجارية، وبحيث يحظر إعادة استخدامها.أختم بالقول إن الكاتب الذي يؤسس لخصوصية أسلوبه في الكتابة، بحرصٍ وعزم، يؤسس ـ كذلك ـ لعناوين كتابته بالقدر ذاته من الحرص والعزم.

التاريخ : 06-12-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش