الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ

تم نشره في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:01 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:02 مـساءً
أ.د. محمد سعيد حوى

الذين يعبدون على حرف:
قال تعالى: “ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِوَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىوَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَاوَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ، يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُوَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ، يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلَى وَلَبِئْسَ العَشِيرُ، إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ “ [الحج:11- 14]
العبادة لله لذاتها:
المؤمن يعبد اللهَ لأنَّـه سبحانه المستحق للعبادة ، ومن ثمَّ فهو يطيع ويمتثل الأحكام الشرعية علِـمَ حكمتها أو لم يعلم، عادت عليه بنفع مادي ظاهر أو لم يشعر بذلك؛ فأولئك الذين لا يعبدون إلا للنفع المادي أو لمعرفة الأسرار والحِـكَـم إنما يعبدونمنافعهم.
في السراء والضراء
والمؤمن يعبد في السراء والضراء، فكان من بيعة الصحابة بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ صحيح مسلم، عَنْ عُبَادَةَ بن الصامت.
صفات الله:
وكيف لا يطيع في السراء والضراء وقد علِــمَ من صفاته سبحانه أنَّـه العليم الحكيم الرؤوف، ففي كل أقداره وأحكامه العلم والحكمة والرحمة والخير أدركنا ذلك أو لم ندرك.
طبيعة الحياة الدنيا
لكن الحياة الدنيا دار ابتلاءٍ، وإنما الجزاء الأعظم في الآخرة “وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّوَالْخَيْرِ فِتْنَةًوَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ “ [الأنبياء: 35].
(وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون)
ولا يدرك الإنسان أين الخير “وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاًوَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْوَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاًوَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْوَاللَّهُ يَعْلَمُوَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ “ [البقرة: 216].
على حرف:
تصور الآيات هذا الذي يعبد الله على حرف أبلـغَ تصوير لعدم تمكّن الإيمان في قلبه، كما لو وقف الإنسان على طرف شيءٍ فلأدنى هزةٍ يقع؛ فهذا حال من لم يكن صادق الإيمان لأدنى ابتلاءٍ أو مصيبة ينقلب عن الإيمان.
الخير يصيبك:
انظر إلى بعض أسرار التعبير القرآني، قال: (إن أصابه خير) ثم قال: (إن أصابته فتنة)، فالخير هو يأتيك، بمعنى الرزق ومنافع الحياة تأتيك، فلماذا تقلق؟! “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُوَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْجَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً “ [الطلاق:2- 3]
“إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن اللهتعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته”.(صحيح) عن أبي أمامة.
(علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فلم أنشغل به) أي لم أقلق.
فتنة وليس شراً
ولاحظ من أسرار التعبير القرآني، قال بعد أن ذكرَ الخير (وإن أصابته فتنة) لم يقل أصابه شر؛ لأنَّـه ليس بالضرورة شراً بل هو فتنةٌ واختبار وابتلاء، لذا في الحديث عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ صحيح مسلم.
مصير الفريقين:
وتمضي بنا الآيات لتصور حالَ الذين ينحرفون عن الله أنَّـهم إنما يعبدون غيره، فهل يتصورون عندهم نفعاً أو ضراً؟! ولو تصورنا عندهم بعض نفع أو ضر، فالضر أقرب.
أمَّــا مصير المؤمنين الصادقين مهما تعرضوا لابتلاء في الدنيا فهو الخير؛ لذا جاء بعد ذلك: “ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ “ [الحج: 14].
فإذن الآيات صورت حالَ من لم يصبر أمام الابتلاءات والفتن فانقلب على وجهه، فهي تصوِّر حالَ فريقٍ من الناس تجاه أقدار الخالق؛ فكأنَّـه إذا آمن يشترط على ربه ألا يجد إلا المصالح والنفع المادي والراحة.
بين عذابين:
وتأتي آية أخرى في سورة العنكبوت تصوِّر حالَ أولئك الذين إذا ابتُلوا في سبيل الله وبسبب الإيمان انقلبوا على وجههم ولم يصبروا ولم يثبتوا، فإذا روجِــعَ في ذلك يقدِّم المبررات والمعاذير الفاضحة “ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِوَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ، وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواوَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ “ [العنكبوت:10- 11]
إيمان لساني:
إذن لاحظ يقول آمنَّـا بالله؛ إذن بلسانه كحال المنافقين، ومعنى الآية (إذا أوذي في الله) آي بسبب الإيمان بالله جعل فتنة الناس أي جعل ما يعذِّبه الناس بسبب إيمانه موازياً ومعادلاً لما يمكن أنْ يعذبه الله بسبب كفره، فيترك الإيمان إلى ما يقابله فراراً من عذاب الناس وحالُلسانه أنني سأنال أحدَ عذابين؛ عذاب الناس أو عذاب الله، فهما سواء فلأتخلص من عذاب الناس، ونسي بسبب عدم صدق إيمانه أنَّ عذاب الناس محدود ومنتهٍ وجزئي، والخلق كلهم لا شيء في جنب قدرة الله وعظمته، ثم نسي أو تناسى عظيم أجر الله لمن صبر.
لن ينفعهم الركون إلى الدنيا:
ترى هؤلاء الذين ينهارون أمام عذابات الدنيا فينحرفون عن منهج الله، ويضعفون أمام مصائب الدنيا فربما ركنوا إلى الظالمين، هل نفعهم ذلك دنيا أو آخرة؟! أم زادهم مقتاً وعذاباً؟!
إن الآيات تصوِّر لنا مصيرهم البائس:
“ وَلاَتَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُوَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ “ [هود: 113]
“ وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً، إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً “ [الإسراء:74- 75].
“ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاًوَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى “ [طه: 124].
“ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ “ [غافر: 10].
أي إن هؤلاء وهم يعذَّبون في النار يبغضون أنفسهم الأمَّـارة بالسوء أشد البغض التي أوقعتهم بالعذاب، فإنَّ مقت الله إياكم أعظم، وقد دُعيتم إلى الإيمان فأبيتم، والمقت: أشدُ البغض.
حالهم كما قال تعالى:” وَلاَيَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً، يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَتِي تُؤْوِيهِ، وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ، كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى، نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى، تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَوَتَوَلَّى، وَجَمَعَ فَأَوْعَى، إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً، إِلاَّ المُصَلِّينَ “ [المعارج:10- 22]
نموذج لمن ينهار, أخرى لمن يثبت:
إذن هذه الآيات أعطتنا نماذج من أولئك الناس الذين ينهارون أمامَ الابتلاءات والتحديات والأخطار أو ضيق الرزق، فيكفرون أو ينحرفون، وبينت مصيرهم البائس والخطير.
ومهما واجهنا من ابتلاءات فقد حدثنا القرآن والنبي عن ابتلاءات للمؤمنين سبقت أشد مما نحن فيه، ولا يخفى عليكم قصة أصحاب الأخدود، وحديث خباب إذ يقول: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وَهُوَ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ، فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ المِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ صحيح البخاري.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش