الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بين داعشَيْن

د. رحيل محمد غرايبة

الأحد 6 آذار / مارس 2016.
عدد المقالات: 524



من أقدار الوطن العربي الذي أصبح يطلق عليه «الشرق الأوسط» أن يعيش ظروفاً ملتهبة، وأن يكون ساحة للمواجهة الدامية بين القوى الطامحة من الغرب والشرق، وأن يغدو منطقة مصالح للقوى العالمية والإقليمية، حيث أنها في أغلبها ترى في وجودها في منطقتنا طريقاً نحو إثبات الحضور على الخريطة الدولية، وما زالت القوى العالمية والإقليمية تمارس ابداعاتها في تقسيم المنطقة وترسيم الحدود، وإثارة النزاعات العرقية والدينية والمذهبية، وإيجاد الكيانات الجديدة الوافدة.

الإبداع الغربي في العصر الحديث كان في منتصف القرن المنصرم عندما تم التواطؤ بين أعضاء التحالف الدولي المنتصر في الحرب العالمية الثانية؛ على زرع الكيان الصهيوني اليهودي في أرض فلسطين برعاية الدول العظمى مجتمعة، وتولت المسؤولية الأولى «بريطانيا» ثم سلمت الراية لأميركا التي ملأت الفراغ الاستعماري في المنطقة عبر قوتها الصاعدة، بالتوافق مع روسيا وبقية الدول المستعمرة الكبرى، فكانت «دولة إسرائيل» أول «داعش يهودي» في المنطقة، يحتل الأرض، يقتل، يهجر، يعدم، يدفن الجثث في الآبار، يقطع الأوصال يثير الرعب بين المواطنين العرب، ويهدم بيوتهم ويقتلعهم من أرضهم، ويقذف بهم خارج الحدود، وما زال حتى هذه اللحظة يمارس السياسة نفسها : إثارة الرعب ومصادرة الأراضي، وإقامة الجدران، وقتل الأطفال وتدنيس المساجد وممارسة سياسة التمييز العنصري بكل فجاجة، لمدة تزيد عن ستين عاماً، وكل ذلك تم باسم الدين، وتحت غطاء التعاليم الدينية التي تقول: إن فلسطين وطن مقدس لهم ولكل يهود العالم المقيمين في أي مكان في الكرة الأرضية!.

الإبداع الدولي الجديد لمنطقتنا العربية يتمثل بتكرار التجربة مرة اخرى، بإيجاد كيان جديد «داعش إسلامي» في شرق المنطقة، من أجل العمل على إيجاد توازن مع الداعش اليهودي الأول، ومن أجل تبرير الخطاب الديني اليهودي وتبرير سياسي واقعي لأطروحة الدولة اليهودية، وأصبحت منطقتنا بين فكي داعشين: داعش يهودي من الغرب وداعش إسلامي من الشرق، وكلاهما يتسربل بالدين والتعاليم الدينية، وكلاهما يعطي لنفسه الحق باحتلال الأرض وممارسة الإعدام الميداني، والقتل والاعدام  في الشوارع والميادين العامة وقتل الأطفال على أبواب المدارس، واستباحة أموال الناس وأعراضهم، وهناك تشابه كبير في طريقة النشأة وممارسة الإرهاب المفضي إلى ترويع المواطنين وتهجيرهم، وتشابه في استخدام الدين من أجل إثارة التعصب وإشاعة خطاب الكراهية والاستعلاء على البشر والنطق باسم الرب..

إن ما تم في الموصل تمثيلية مكشوفة اشترك فيها كل اللاعبين المؤثرين في المنطقة، فقد تم تقديم الموصل لهم على طبق من ذهب، وتم تجهيز الإمكانات المطلوبة للكيان الجديد من أموال نقدية مخزنة في البنك المركزي تزيد عن (2) مليار دولار أمريكي، وسلاح ثقيل وخفيف غير مستعمل، يكفي لتسليح جيش متكامل، ثم أعطوا الرقة من أجل الاستيلاء على أراضي الشريحة السنية، في مخطط واضح المعالم نحو إنشاء حدود جديدة قابلة للاستمرار من خلال التمايز الديني والعرقي والمذهبي.

إن الهدنة التي أعلنت في سوريا بقرار دولي، لا تتناقض مع هذا المخطط، لأن وقف إطلاق النار من ناحية واقعية عندما يكون داخل دولة معينة، فهو مؤشر يبعث على التشاؤم من جهة ترسيخ خطوط  لوقف إطلاق النار؛ ربما تمهد لرسم حدود مقترحة بين جانبين، تصلح للتهجير وتبادل السكان خلال فترة الهدنة إن نجحت، ومما زاد من سمة التشاؤم حدة : التصريحات الصادرة عن كلا القطبين الأمريكي والروسي، عندما اتفقا على مشروع «سوريا الاتحادية» كحل مستقبلي مقترح قابل للتطبيق، وتأكيدها على القول أن سوريا الآن غير سوريا قبل سنوات، كناية عن التعبير السياسي المبطن عن وجهة النظر المتعلقة بصيغة جديدة للدولة السورية، أكثر ضعفاً وأكثر أماناً لحدود اسرائيل «داعش الغربية».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش