الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أنا والكلمة والمجتمع

تم نشره في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:01 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:01 مـساءً
د. عصر محمد النصر

لا زالت الكلمة تمثل جدلا يستشرف الناظر من خلاله واقع الناس ويعرف حالهم, ويقف على تنوع أفكارهم وتعدد آرائهم, ولما كان للكلمة أثر كبير في توجيه الرأي وتيسير العمل جاءت عند أصحاب العقول السليمة محاطة بكثير من الحدود التي تضمن قدرا من انضباطها وحسن استخدامها, وليس هذا إلا من رعاية المصلحة فكم من كلمة ذهبت بأفراد بل ومجتمعات, وكلما عظمت الكلمة عظم أثرها في واقع الناس, وفي الحديث :” إِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ”(صحيح), فجعل الكلمة سببا للسيادة, وفي المقابل قد تذهب الكلمة بصاحبها أبعد مذهب كما في الحديث :” وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ”(البخاري), وفي هذه الثنائية تأتي كثير من الكلمات, يظهر معها إشكالية الأنا التي أنطلق منها في التعبير عما أريد, ولعل هذه الإشكالية هي أكثر الإشكاليات عمقا وأشدها أثرا في يومنا هذا, حيث تنوعت انتماءات الناس ما بين الأفكار والمناطق وشتى أنواع الانتماءات الأخرى, مما أوجب سياقات تجري فيها الكلمات مخلفة وراءها وعيا غائبا أحيانا أو متجاهلة للواقع بكل حمولته, على أن الأنا لا يمكن أن تكون خالية من نوع انتماء للخارطة الفكرية التي هي صورة الواقع الذي نعيشه, وإدراك هذا القدر من حقيقة الواقع يجعل من الكلام مهمة صعبة لا ينبغي التساهل فيها لعظيم الأثر الذي يترتب عليها, ثم هو يجعل من صاحبها في سياق ضيق قد يذهب بخصوصيته إن لم يتنبه له.
تمثل المشتركات في كل مجتمع من المجتمعات منطلقا لأهله, حيث تقف مكوناته على قدر من التعاون والاشتراك, وأعظم ما يكون هذا عند الاختلاف والتنازع, فتذهب معه كثير من أسباب الاختلاف وتزول دوافعه, وفي مثل هذا إعمال لحكم الواقع ومراعاة لخصوصيته بعيدا عن الأمل والطموح الذي ذهب بمجتمعات وبدد قدرات, وقد جاء في الحديث :” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا “(البخاري) وفي هذا المعنى يقول ابن القيم –رحمه الله- :” أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ وَالْبُغَاةِ وَالظَّلَمَةِ إِذَا طَلَبُوا أَمْرًا يُعَظِّمُونَ فِيهِ حُرْمَةً مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، أُجِيبُوا إِلَيْهِ وَأُعْطُوهُ وَأُعِينُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ مَنَعُوا غَيْرَهُ فَيُعَاوَنُونَ عَلَى مَا فِيهِ تَعْظِيمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا عَلَى كُفْرِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، وَيُمْنَعُونَ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، فَكُلُّ مَنِ الْتَمَسَ الْمُعَاوَنَةَ عَلَى مَحْبُوبٍ لِلَّهِ تَعَالَى مُرْضٍ لَهُ، أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ، مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إِعَانَتِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ مَبْغُوضٌ لِلَّهِ أَعْظَمُ مِنْهُ”, ومن هذه المشتركات ائتلاف المجتمع واجتماع أفراده حيث يمثل مقصدا مهما, لأجل ذلك حرص الشرع عليه, وقد تقرر أن أسباب الاجتماع متعددة وهي تمثل بمجموعها حاجة واقعية, ويعد الدين من جملة تلك الأسباب وهو أهمها, حيث مثل رابطة اجتمع في ظلها الناس في قرون مضت حتى ساد أهل الإسلام الدنيا, ومن هنا وردت كثير من النصوص الشرعية في الحث على حفظ المجتمع وسلامة أهله ومن ذلك قوله سبحانه :” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ “( الحجرات, الآية 10), قال السعدي :” هذا عقد، عقده الله بين المؤمنين، أنه إذا وجد من أي شخص كان، في مشرق الأرض ومغربها، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أخوة توجب أن يحب له المؤمنون، ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له، ما يكرهون لأنفسهم”( ص800), وعليه جاءت كثير من الأحكام مراعية لهذا العقد, فحرم عرض المسلم على المسلم كتحريم ماله ودمه, ولما كان المجتمع المسلم يجري عليه ما يجري على سائر المجتمعات من اختلاف ينتج عن غلبة الطباع أو طبيعة الانتماءات لا سيما عند ضعف الروابط الجامعة كالرابطة الإيمانية, فقد سلك الشرع مسلك التنفير عنه وعن كل سبب يؤدي إليه, من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عند اختلاف المهاجرين والأنصار :”مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ؟ .. دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ”( البخاري), وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة نهى النبي صلى الله عليه وسلم فيها عن أخلاق الجاهلية.
ومن تأمل في النصوص الشرعية رأى أن الشرع نهى عن كل ما يمكن أن يكون من شأنه إفساد المجتمع والذهاب باجتماعه وائتلاف أهله؛ فنهى عن الغيبة والنميمة وعن المكر والخديعة كما نهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإلى غير ذلك, وإن كان هذا في شأن الأفراد فهو في الشأن العام أشد وأعظم, وقد تقرر أن الكلام في عظائم الأمور والشؤون العامة للمجتمع من الخطورة بمكان وتحتاج تأنٍ وحذر لما يترتب عليها من مخاطر, وليس من الحكمة أن يترك هذا الشأن لكل أحد يتكلم فيه بما شاء, فالأمور العامة ذات أحكام كلية مقاصدية يتوقف عليها صلاح المجتمع وفساده وانتظام شأنه.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش