الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في الذكرى الاولى لرحيل ناي فلسطين الحزين:شعراء اردنيون وعرب: موت محمد القيسي لم يكن موتا عاديا.. كان موتا محملا بالرموز

تم نشره في السبت 7 آب / أغسطس 2004. 03:00 مـساءً
في الذكرى الاولى لرحيل ناي فلسطين الحزين:شعراء اردنيون وعرب: موت محمد القيسي لم يكن موتا عاديا.. كان موتا محملا بالرموز

 

 
الدستور - عمر ابو الهيجاء
منذ ثلاث سنوات شهدت الساحة الثقافية حالة من الفقد والخسران لابرز عدد من المثقفين والمبدعين الاردنيين، وعلت سحابة سوداء المشهد الابداعي وفضاءات عمان وهي تحتفل باختيارها عاصمة للثقافة العربية في العام ،2002 حيث رحل عنا الروائي مؤنس الرزاز واحمد المصلح ود. حسني محمود ود. احسان عباس ومحمد القيسي.
في هذه الايام تمر علينا الذكرى الاولى لرحيل الشاعر محمد القيسي »المغني الجوال« ناي فلسطين الحزين، هذا الشاعر الذي عجنته المنافي واتعبه السفر والترحال، وكان سفير الوجع الفلسطيني عبر قصائده الى العالم، عام مضى والقيسي ما زال ماثلا امامنا بغنائيته العذبة تاركا لنا الحزن الثقيل واللغة المشتهاة وتاركا (حمدة - فلسطين) أمنا جميعا تئن في هذا الزمن الخرب.
»الدستور« استذكرت القيسي في الذكرى الاولى لرحيله مع اصدقائه وزملائه الشعراء العرب والاردنيين في الكلمة ليستعيدوا اياما قضوها معه، فكان هذا البوح الشفيف والمؤلم.
يقول الشاعر اللبناني شوقي بزيع في الذكرى الاولى لرحيل الشاعر محمد القيسي المغني الجوال مستذكرا اياه: لعل اكثر حالات فجائعية هي موت الشعراء لانهم مصنعون في الاساس من مادة الحياة نفسها، انهم يعيشون بكامل اندفاعتهم وحيويتهم وينفقون اجسادهم قبل آوانها، فهم لا يسمحون للفجوات ان تتسلل الى اعمارهم ولذلك يقيمون على التخوم الاخيرة للمشاعر والشهوات، ومحمد القيسي كان واحدا من هؤلاء، وكان يتعامل مع جسده بدون حساب، كما لو ان هذا الجسد مصنوع من مادة الخلود، ولن يجرؤ على خذلانه في اي وقت، كان ينتهك الحياة انتهاكا ويعبها حتى الرمق الاخير، موضحا ان نصوصه الشعرية كانت احتفاء رمزيا برغباته وجيشان نفسه، انها مقطعات غنائية للفرح والحزن، للغربة والمنفى، للخيبة والانتصار، ولا اعرف اذا كانت غزارته الاستثنائية في الكتابة نوعا من النذير الداخلي لان ثمة من سيغدر به على احد المنعطفات، ولذلك فانه حرص على ان يستنفد اللغة كما العيش حتى اذا جاءه الموت لم يجد في داخله ما يستحق الذكر، لانه استنفد حياته حتى القطرة الاخيرة.
القاص والروائي رشاد ابو شاور استذكره بصوت اقترب من النحيب قائلا: »اختطف الموت محمد القيسي الذي كان يبدو مفعما بالحيوية ومنكبا على الحياة ومولعا بالسفر ولكن كل هذا كان القشرة الخارجية لحزن ثقيل موجع انشده القيسي دائما في شعره الذي هو حقيقته وبهاء عطائه، مبينا ان القيسي برحيله المفاجىء خسارة كبيرة للشعر العربي، شعرت انا شخصيا كأن الموت اختطفه اختطافا من الحدأة التي تنقض على عصفور لطيف التغريد والنشيد، اوجعني رحيله كثيرا، محمد القيسي اعطى الكثير شعرا ونثرا وهذا هو الذي يبقى.
وزاد قائلا: واذ نستذكره بعد سنة من رحيله فاننا من جديد نبدو غير مصدقين بهذا الرحيل المباغت على اية حال كلما خطر القيسي ببالي وهذا يحدث كثيرا وجدتني اعود الى شعره لاستعيد محطات حياتنا وصحبتنا وآلامنا.
الناقد السوري صبحي حديدي في كلمة استذكارية نشرها في »القدس العربي« تحدث فيها عن القيسي الذي شارك في تشييعه قال: لا اكاد اصدق ان سنة كاملة قد انقضت على رحيل الشاعر الفلسطيني محمد القيسي (1944 - 2003) او كأنني بالأحرى لا افلح تماما في القبض على ايقاع الزمن الذي انصرم منذ الاول من آب السنة الماضية حين غادر ناي فلسطين هذه الدنيا قبل الآوان بكثير بكثير، مضيفا هل اقول اليوم ايضا، كما قلت قبل عام، انني كنت محظوظا بالوصول الى العاصمة الاردنية عمان صبيحة رحيل القيسي لكي اشيعه الى مثواه الاخير وأرى بأم العين دموع اصدقائه واستمع الى عبارات الرثاء التي بدت في الصدق والحرارة والمرارة - اكثر انسجاما مع الشمس اللاهبة ومع المقبرة الفقيرة الجرداء في ظاهر عمان حيث تشتعل الرصيفة.
ويضيف حديدي: ساعة رحيله كان قد اصدر زهاء (40) عملا في الشعر والسرد والنثر والسيرة والحوار واشعار الاطفال الى جانب الاعمال الشعرية التي صدرت عام 1999 في ثلاثة مجلدات، واذا كانت تلك الغزارة دليلا بيّنا على خزين شعري عميق الغور فانها كانت في الوقت ذاته جزءا لا يتجزأ من استراتيجية الشاعر في مقاومة شرط المنفى وشرط الوعي الشقي الذي حاق به او طوّره هو بنفسه الى درجات اشد وارقى الى جانب فعل المقاومة الفريد كما تصنعه كتابة الشعر.
الشاعر الفلسطيني غسان زقطان تحدث عن العلاقة الحميمة بين محمد القيسي ووالده اي والد غسان - فقال: عندما افكر بمحمد القيسي فانني ابتعد بدون وعي عن تلك الذاكرة المبينة على النص واذهب مباشرة الى العائلة والبيت وحمدة، كان محمد في البيت يجلس مع ابي في الغرفة التي بابها الى اليمين كان هناك آخرون رشاد والصرداوي، وقد كان محمد القيسي الاكثر قربا لابي حتى بدا جزءا من العائلة، حمدة كانت أمنا جميعا، ربما لم يكن من السهل عليَّ ان اتقبل ذلك الفصل المشروع بالكتابة عنه بين النص والذاكرة الشخصية.
بالنسبة لي هؤلاء الثلاثة: حمدة، وابي والقيسي الذين رحلوا جميعا الان كانوا المنطقة الشعرية الاولى التي استطيع ان اتتبع خيطها الان، قوة محمد كانت دائما في ذلك التماس الاستثنائي بين الحياة والشعر، كان يرغب ان يعيش شاعرا وهذا ما فعله بالضبط، له عليّ انه حمل احدى قصائدي بعد ان حررها واختار لها عنوانا واضاف جملة وصورة هناك ودون ان اعرف نشرها في صحيفة، كانت تلك المرة الاولى التي ابصر فيها اسمي مطبوعا في صحيفة ما بين 72 - ،73 فيما بعد سيندفع هذا الشاعر المغني الى كل مكان وستتداخل حقول الكتابة لديه بين السرد والنثر والشعر دون ان يضعف او يبهت قوة اللغة وسلاستها وقوة، محمد القيسي اضافة استثنائية للمشهد الشعري العربي لم نجد حتى الان تلك القراءة الجديرة بها.
الشاعر زهير ابو شايب لم يصدق موت القيسي فقال: من الصعب عليّ ان اصدق موت القيسي حتى بعد مرور عام عليه، آخر شخص كنت افكر بأنه سيسبقني الى الموت هو القيسي، حين كنت في جنازته كنت اشعر بانها جنازة رمزية لشخص آخر يشبه القيسي، كأنما شبه لي، وحين رأيتهم يهيلون التراب عليه انخرطت في البكاء لانني لم اعش معه لحظاته الاخيرة.
واضاف: موت القيسي لم يكن موتا عاديا لشخص عادي، كان موتا محملا بالرموز بالنسبة لي لهذا شعرت بان جنازته رمزية وبأنه يمكن ان يغادر تابوته بأية لحظة ويعود الى صفوف الذين يشيعونه ليسخر من موته ومن حياتهم، وبعد عام كامل ما زلنا نتصرف كما لو انه لم يمت بعد، لا لاننا شديدو الوفاء له بل لاننا لم ننتبه لموته ولاننا اكثر موتا منه، موضحا: لقد مات القيسي الذي كان اقلنا موتا وترك لنا حياته كلها لكننا ما زلنا نموت دون ان يثير فينا موت الاصدقاء اي سؤال، ترى لو كان القيسي شاعرا آخر في زمان آخر ومكان آخر، هل كان سيموت هكذا دون حتى ان يكلف احد نفسه بالوقوف على تربته ولو لمجرد التذكار؟
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش