الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في معرضه الاستذكاري بباريس: خوان ميرو هل كشف عن خراب العالم ام اعاد ترتيبه باللون؟

تم نشره في الخميس 18 آذار / مارس 2004. 02:00 مـساءً
في معرضه الاستذكاري بباريس: خوان ميرو هل كشف عن خراب العالم ام اعاد ترتيبه باللون؟

 

 
* مايكل جيبسون - ترجمة: إلياس محمد سعيد
كانت العشرينيات من القرن المنصرم، وهي الفترة التي شهدت بداية اعمال الرسام الاسباني خوان ميرو، حقبة تتسم بحالة غير عادية من الفوران والرغيان والهيجان بالاضافة التشوش الدوغمائي الباعث على الاحباط. فقبل تلك الفترة كانت اوروبا قد اصابها الترهل والوهن والضعف، وكان الفنانون في كل مكان يسعون بكل جد لكي يتأقلموا مع كارثة روحية من الدرجة الاولى.
تلتمع هذه الصورة في الذهن من خلال المعرض التشكيلي الذي اقيم في مركز بومبيدو العام الحالي تحت عنوان »خوان ميرو« 1917-1934: ولادة العالم La naissance de monde وضم مئتين وثلاثين عملاً واستمر حتى الثامن والعشرين.
ان معظم الاعمال المعروضة برأيي الناقد »اندريه برتيون« تعكس براءة ميرو الطفولية، وفرحته وبهجته، وتحرره من الارتباك والتخوف. ولكن الذي يزور المعرض ويلقي نظرة سريعة على اعمال ميرو قد يلاحظ شيئاً مختلفاً فيها عما قاله بريتون بل وأكثر إقلاقاً. ان اعمال ميرو المبكرة، تلك التي انجزها بين عامي 1916 و ،1923 ترى إحكاماً وتكثيفاً مصطنعين، لكن بأسلوب مميز - وإن ينضوي على هزلية صارخة في بعض الأحايين - وعبقرية ضالعة بامتلاك ادوات اللغة التشكيلية ووصالاتها اللونية. فاللوحة المميزة التي انجزها عام 1923 بعنوان »مزرعة« والتي تضم اجساماً مرسومة بحس يفتقر الى الاسلوب والجمال تعزز الفكرة السابقة بشكل تام رغم اعتبارها لوحة ذات صبغة رومانسية مميزة.
بعد ذلك، في عام ،1924 وبعد نقلة نوعية وجيزة نرى بعض اللوحات الزيتية التي لا تمثل غير مجموعات مبهمة من الخربشات بما فيها لوحة عاتبة تمتاز بالغرابة والطرافة يبدو ان ميرو رسمها على سبيل التسلية يبرز فيها رجل يمتاز بفحولة متضخمة ويجلس على قبعة وهو غارف بعلاقة اقحم نفسه من خلالها مع صورة لشكل بدا انه امرأة. ان هذا النوع من الاعمال يجب ان يصنف على أنه تمهيدي لمابعده لا بوصفه مشروعاً منجزأ.
أما اليوم، حيث هنالك ما يدفع ويحفز كلاً من الفنانين والمتلقين لاعمالهم من الناس الا ان ينظروا الى الرسومات التخطيطية المجملة على أنها اعمال مكتملة الإنجاز، فإنه من الصعب ان تفهم هذه الاعمال على أنها مجرد مرحلة من مراحل الرحلة الروحية الطويلة والشاقة التي لن تحقق هدفها إلاّ في النهاية، أي عندما ينهي الفنان مشروعه كاملاً. فقد قوّم خوان ميرو في احدى رسائله الى مايكل ليريس صيف عام 1924 نفسه تلك اللوحة قائلاً: »إنها لوحة من الصعب ان نطلق عليها عملاً فنياً، ولكني لا آبه لذلك أبداً«.
هنالك ما يحث المرء على الافتراض ان ميرو، شأنه شأن غيره من الفنانين التشكيليين تلك الايام، كان مصمماً علي احداث خراب ما في العالم (خصوصاً في البنية الرمزية للمجتمع)، خراب مروع وكارثي عرى بداية سنة 1924 حين استغرق فجاءة وعلى نحو قاطع وحاسم وبات في ما يمكن تسميته بـ »طور التدمير«. فالسخرية، طبعاً، لها حضور كثيف في معظم اعمال ميرو منذ مستهلها، والسخرية من منظور ما تعتبر واحدة من اهم وسائل التدمير والتخريب وادواتهما. لكن السخرية في فحواها التهكمي، كما تظهر في تلك الاعمال، وفي شكلها الهزلي تبدو كذلك منغرسة على نحو لا يمكن اتلافها به، لأنها تطرق مساحات تتعلق جذرياً بإنسانية الفنان: فهي تجلي وتؤسس الارضية اللازمة لكي تبني وترسي شيئاً لا يختص إلاّ بها، ألا وهو العالم المجازيّ والاستعاري الذي ترنو اليه!
إن أي مشاهد يتجول بسرعة في ردهات ذلك المعرض المقام في »مركز بومبيدو« وينظر الى اللوحات على انها صور متعاقبة لسلسلة مفعمة بالحيوية او تاريخ متسلسل للحياة بعين الفنان وريشته، قد يتأصل انطباعه بأن ميرو - بعد ان تخلّى الي الأبد عن الواقعية - قد شرع ببناء »عالم خلف الابواب«. انه عالم يكتسب على نحو جلّي ويوازي بتكثيفه وعمقه ملامح بدايات الثلاثينيات المبكرة من القرن المنصرم. كما أن الخصيصة المميزة لهذا المعرض تتيح لنا أن نكون شاهدين على تلك التفنية المتطورة المدهشة التي لجأ اليها ميرو في اعماله.
بالنسبة لي، انا اعترف بل اؤكد ان ميرو لم يشعرني في ضوء اعماله - بالارتياح، ولكن اذا كان المرء مهووساً بمراقبة الطيور وتنوع الوانها وأصواتها فإنه سيدهش لرؤيته ريش اي طائر وسماع صوته. وناقد الفن- التشكيلي خصوصاً - ربما تعتبر بمعايير شتى مهووساً بمراقبة الطيور.
لقد شاع عالم خوان ميرو منذ البداية على أنه عالم هيروغليفي؛ بمعنى أنه كان يصعب على المرء التميز بين تلك الاشكال والتكوينات البصرية التي اخذت بالظهور في منتصف العشرينيات من القرن المنصرم أهي: كلابٌ، نساءٌ، عازفو غيتار، قواقع حلزونات، أسماك، أم راقصو فلا مينجو... الخ. ثم ظهر بعدها في رسومات الفنانين التشكيليين شيء غريب لكأنهم شامانيون ينتمون الى دين بدائي يتسم بالاعتقاد بوجود عالم من الآلهة والشياطين وارواح السلف معاً محجوب إلا عنهم. ظهر هذا العالم في فضاء علويّ على شكل نقاط من شمع او دهان او حبر سائل وألوان - مرات بأسنان تهدد الحياة، وشخوص تكتسي بالشعر المخيف والمرعب. لقد كان ذلك هو العالم الذي منحه ميرو الاعتبار: إنه المشروع الذي نجح به بشكل مطلق.
عن الـ »انترناشونال هيرالدتربيون«
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش