الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عن لوحات ريتا النخل في الاورفلي: اللحظة الآسرة لبدء الخليقة في خطاب تجريدي آسر

تم نشره في الجمعة 1 تشرين الأول / أكتوبر 2004. 03:00 مـساءً
عن لوحات ريتا النخل في الاورفلي: اللحظة الآسرة لبدء الخليقة في خطاب تجريدي آسر

 

 
الدستور ــ إلياس محمد سعيد: ينطلق التشكل اللونيّ عند ريتا النخل أساساً من إحساسها العميق بضرورة الحياة التي تبدأ دائماً مع بدء الخليقة. أما اللون الذي يطغى على خلفيات لوحاتها بالزيت على القماش فهو الأصفر وقد تقمص تدرجات بين البنيّ والبرتقاليّ. وريتا النخل رسامة تغور عميقاً في دراستها للشكل الذي لا يظهر بتفاصيله النهائية إلاّ بعد الكثير من العمليات الإجرائية التي يستمر الشكل بالتطور من خلالها على مدى عدة لوحات. ينطبق ذلك أيضاً على عملها المتميز باستخدام الباستيل على الورق.
خلفية اللوحة في عمل ريتا النخل ذات وظيفة توليدية؛ فمنها تتوالد الخطوط التي تتجمع لكي تشكل بقعاً لونية تأخد بالإندماج التدريجيّ متحولة إلى كتلة تتدرج في الدكنة نحو الوسط أو المركز. بعد ذلك نرى الكتلة وقد أخذت تتشكل، ضمن رحلة أفقية تقطعها عبر مجموعة من اللوحات، لتظهر صيغتها وتفاصيل ملامحها في اللوحة السادسة. عند هذه المرحلة، تواجهنا ريتا بخياراتها الدالة على فرادتها وقدرتها الباهرة في دراستها الإمكانيات الهائلة لبدء الخلق ودورة الحياة. فهي تفاجئنا أثناء شغلها على الخزامى بأنّ ثمة احتمالاً آخر للوسط الذي حدثتْ فيه عملية التكوين، فتعيد الخطوات نفسها لكنْ على خلفية ذات لون مختلف تتناسل منها الألوان ذاتها التي تشكلتْ منها أزهار الخزامى في اللوحات السابقة، أو على خلفية باللون الأصفر الناريّ ذاته لكنْ بتوليده ألواناً أخرى لتتشكل منها أزهار خزامى مرة زرقاء يمنحها الأخضر غماقة خاصة، وأخرى خضراء تستمد الغماقة من الأزرق.
والذي يتجول في صالة غاليري أورفلي ليتأمل اللوحات الخمس والعشرين لمعرض ريتا النخل الذي افتتح مساء الأربعاء الفائت سيظل أسيراً للدهشة التي تتملكه منذ اللحظة الأولى. فبعد أنْ يتعزز إحساسه بالعدد اللانهائي للطريقة التي بدأت بها الحياة، وكذا الوسط الذي حدثت فيه، تكمل ريتا دراستها لدورة الحياة نفسها حيث تشرع أزهار الخزامى بالتحلل ضمن حركات وإيقاعات لونية عولجت بفرادة لافتة. يستمر ذلك لوحة بعد أخرى حتى نجد أنفسنا في لحظة تغرق فيها الكتل الحمراء والزرقاء والخضراء الغامقة في الأسود الذي يشكل قاع اللوحة، وما نلبث أنْ نحس بفجيعة الهباء حتى نجد أنفسنا أمام تلك الخلفية الأولى من الأصفر الناريّ أو الترابيّ وقد ظهرتْ في الشقوق وبين تصدعاته الكتل اللونية التي ستشكل الخزامى بتكرار إيقاعيّ لا حدود لقدرته على الإبهار.
ان التفاعل الصاخب بين خطوط الباستيل على أسطح غامقة هو بيئة بدء الخليقة التي ستشهد النمو التدريجيّ للمنظر الطبيعيّ في صياغته الأكثر وضوحاً. لكنّ اللافت في دراسة الباستيل على الورق هو أن الخطوط الإستهلالية تدخل في سلسلة شيقة من التحولات فيما تظل متمسكة بماهيتها لتصبح في النهاية تعرقات شجرية من الرمادي والبنيّ والأخضر.
إنّ موضوع الحياة والتمسك بها والإصرار عليها هو الموضوع الأساسيّ بالنسبة لفنانة لبنانية شهدت الأهوال التي عصفت بالمكان وهددت الحياة فيه لسنوات طويلة من الحرب والدمار. واللوحات بمجملها »تشكل بورتريه لي« تقول ريتا النخل مبينة أنّ »الألوان هي ألوان لبنان.. إنها ألوان المكان الذي رأيت فيه الضوء لأول مرة«. وريتا النخل »لا تعتمد على الفكرة« كما تقول، وهي تعتبر نفسها »تعبيرية« وتصف عملها الفنيّ بأنه »داخليّ، جوانيّ ليس له علاقة بالمحيط الخارجيّ«. وعندما تبدأ العمل فهي تغوص في اللوحة ثم تخرج منها دون معرفة بأنها كانت تعمل بها. واللوحة بالنسبة لريتا النخل هي »صورة عليّ ضبطها وتزيينها حتى أمنحها الحياة من مسحتي«، ثمّ توضح أنّ هناك طاقة هائلة للتفجر تكمن في داخلها، وأنها »ذات شخصية نزاعة للخروج على كل التقنينات التي تمارس ضد جوهر الإنسان وميله الطبيعيّ«. كما أنّها تتحدث عن عملها بوصفة »معالجة للأصفر والأحمر اللذين يعتبران لونين صعبين«، وتكون بذلك قد وضعتْ نفسها في »حالة تحدّ، وفي مغامرة لونية غامرة«. وتصف اللوحة الثانية عشرة بأنها »عودة إلى الجذور كناية عن احترافيتي وثقافتي؛ فأنا أعرف إلى أين أذهب«. سيستمر المعرض حتى الرابع عشر من الشهر الحالي.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش