الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بمناسبة صدور الجزء الاول من اعماله الشعرية :اسد محمد قاسم عن الشاعر والذكرى ...*د. سليمان الازرعي

تم نشره في الخميس 1 كانون الثاني / يناير 2004. 02:00 مـساءً
بمناسبة صدور الجزء الاول من اعماله الشعرية :اسد محمد قاسم عن الشاعر والذكرى ...*د. سليمان الازرعي

 

 
انشد اسد محمد قاسم لصمود المصريين في بور سعيد ولكفاح العراقيين، وللشهداء في لبنان وفلسطين والجزائر، كما ترجم حسه الانساني بقضايا الشعوب في العديد من قصائده


صدر عن دار العودة في بيروت الجزء الاول من الاعمال الشعرية الكاملة للشاعر الراحل اسد محمد قاسم ويقع هذا الجزء في ثلاثماية وخمسين صفحة، ضمت قصائد للشاعر كتبها في مناسبات وازمنة مختلفة اضافة الى عدد من القصائد المترجمة عن الشعر المجري والتي اعاد قاسم صياغتها شعرا.
جيل الخمسينات والستينات يعرفون اسد محمد قاسم كشاعر يقف على رأس الشعراء الهتافيين في الاردن، وربما يقف قاسم كقامة ابداعية تماما الى جانب كبار الشعراء العرب في تلك الحقبة التي كانت ترجمة لتطلع الانسان العربي في التحرر والتقدم والنهوض القومي.
فقد عرف قاسم كمناضل تقدمي التحم بكل جوارحه مع قضايا النضال الوطني الاردني. وقضايا التحرر القومي والتقدم الاجتماعي.
شأنه شان العديد من ابناء الشعب الفلسطيني، نزح قاسم اثر النكبة عام 1948 مع افراد اسرته ليقيم تحت شجرة في (بنت جبيل) في لبنان ثم انتقلت اسرته الى دمشق حيث قدم امتحان البكالوريا عام ،1949 وعادت اسرته الى اربد لتعيش بين عائلات التل التي كانت تربطها بأسرة قاسم علاقات حميمية من طراز لم يعد له مثيل هذه الايام، فقد تولى المرحوم عبد القادر التل حماية قاسم وإيواءه اثر ملاحقته من قبل رجال الامن كواحد من ابناء عشيرة التل، الى ان استطاع تهريبه الى سوريا بمساعدة (احمد سليمان المحافظة) و(جاد الله الروسان) عام ،1957 ولقد سمعت هذه الرواية من اسد محمد قاسم اكثر من مرة، وكان يبكي على القيم العليا التي لم يعد منها في حياتنا الا الخراب، ويبكي كلما تذكر الموقف النبيل للشيخ عبد القادر التل وشجاعته، والشيخ احمد المحافظة الذي اخفى (اسد) في غرفة نومه حيث زوجته الشابة ونام في دكانه قبالة المنزل حتى اذا ما وصلت الشرطة ووجدوا الشيخ في دكانة تأكدوا من انه لا يمكن ان يترك شابا عند زوجته!.
كان اسد يبكي كلما روى لي هذه الحكاية وينتحب كلما اشار الى خراب في قيمنا الاجتماعية التي فجع بها بعد ان عاد الى اربد عقب خمسة وثلاثين عاما من الغربة والتشرد في بلاد الشرق والغرب، تاركا في (المجر) زوجته وابناءه ومؤثرا العودة وحيدا الى الوطن.
عمل اسد محمد قاسم في التدريس في الاغوار عام 1950 وبالتحديد في منطقة (العدسية) حيث يقيم (البهائىون) وهناك اتقن اللغة الفارسية وقرأ رباعيات الخيام بلغتها الاصلية لكن حياته سرعان ما تعثرت حيث فصل من عمله وتعرض للسجن وكتب العديد من القصائد في سجن الجفر وسجن اربد وكانت معظم قصائده تعبر عن توق الاردنيين لتعريب جيشهم وطرد قوات الانتداب البريطاني ومواصلة مسيرة التقدم الاجتماعي.
في تلك السنوات الملتهبة بالنضال القومي والاجتماعي كانت قصيدة اسد محمد قاسم لازمة من لوازم اي تحرك شعبي فلا يخلو اي نشاط جماهيري من صوت قاسم الشاعر والمثقف البارز، الذي اصبح واحدا من ابرز رموز الحركة الوطنية وباتت تربطه علاقات سياسية وثقافية وفكرية مع عبد الحليم النمر وعبد الله الريماوي وعاكف الفايز ومحمود المطلق وشفيق ارشيدات ومن خلال جريدة (الميثاق) التي كان يرأس تحريرها سليمان النابلسي ويحررها (المطلق) و(ارشيدات) وفايز الروسان) حيث بدأت تتشكل نواة (الحزب الوطني الاشتراكي) وكان (اسد) مدققا في الصحيفة.
واثر نجاح اسد في الهروب الى الخارج حكم عليه بالسجن المؤبد الى ان عاد الى الاردن عام ،1966 بفضل جهود عدد من رجالات آل التل مع دولة المرحوم وصفي التل لكنه عاد ثانية الى المجر عام ،1967 وظل هناك حتى عام ،1992 حيث رجع الى بيته في اربد ومات وحيدا عام 2002.
وكان اسد قاسم قد طوف في سوريا والعراق وتشيكو سلوفاكيا والمجر وسائر الاقطار الاشتراكية.
عرف (قاسم) بالانفة المبنية على الفهم العميق للكرامة الانسانية وكان يقدس الحرية، ويحتقر الذل والاستكانة، قبل وفاته بعام، التقى في منزلي مع استاذي الكبير الدكتور حسام الخطيب زميله على مقاعد الدراسة في صفد، واكد قاسم للخطيب انه الى اليوم لم يقبل يد احد في حياته بمن في ذلك والده وان الوحيد الذي لا يزال يزوره كل شهر، يسافر من اربد الى عمان ليطمئن عليه في منزله ويقبل يده هو استاذهما الراحل الدكتور احسان عباس الذي كان على قيد الحياة آنذاك.
ان الحديث عن اسد محمد قاسم وجيله، وما كان يربط هذا الجيل من علاقات نبيلة انما يشكل سفرا من القيم العظمى التي تواصل تراجعها بشكل يومي من حياتنا الاجتماعية.
ذات مساء، اتصلت بي الدكتورة (سلام) ابنة الدكتور (نبيه ارشيدات) الذي يقيم في دمشق منذ منتصف الخمسينات وقالت لي ان الدكتور (عبد الرحمن شقير) كان على اتصال مع العم اسد محمد قاسم في اربد وان اسدا لم يستطع اتمام المكالمة فابلغ الدكتور شقير ابي في دمشق عن حالة (اسد) المفاجئة واتصل بي ابي لكي ابلغك بحالته بحكم انك الاقرب.
بادرت من طرفي بالاتصال بالصديق الاديب محمود عيسى في اربد، والصديق الدكتور احمد كمال، قبل ان اسارع بالتوجه من الحصن الى اربد بسيارتي. وهناك التقينا في بيت اسد، وكان في حالة سيئة.
من يعرف اسد محمد قاسم يعرف المثل في المبدأ، والمثل في الثبات، والمثل في الوعي وتكريم العقل وتقدير الثقافة، واحتقار الارتزاق والاتجار والخيانة:
» يا يهوذا..
يبرأ الجرح ولا يشفى على مرّ العصور
من جروح الروح لو شاء الجريح..
يا يهوذا....
كان يا ما كان،
مازلت.. ستبقى مثلما كان يهوذا
وانا ابقى كما كنت المسيح«
من قصيدة على جبل الزيتون ص 339
اما على صعيد حسه القومي، فقد انشد قاسم لصمود المصريين في بورسعيد، ولكفاح العراقيين، وللشهداء في لبنان وفلسطين والجزائر. كما ترجم قاسم حسّه الانساني بقضايا الشعوب في العديد من القصائد »غواتيمالا ص 59«، و» الطريق الى هانوي ص65« و»الى الكابتن شافعي ص 70« و»الدانوب الازرق ص 160« وغيرها.
وكان اسد من اكثر المثقفين العرب معرفة وتعمقا بجوهر الصهيونية العالمية، وقصيدته »الى صهيوني ص180«، التي جاءت من وحي جدال مع »تشيخري ايرفين الصحفي المجري« خير دليل على قدرة القصيدة على تحمل المنطق المجرد، الذي ترتقي مناقشته الواعية الى مستوى الشعر وحساسية الحرفة:
»لم اكن يا قاتل الاطفال-
في اوشفتس- حارسْ
لم امارسْ،
مهنة القتل ولا التعذيب.
لم انهب حُليا ونفائس
من بيوت السجناء
لم يكن قلبي مع الجلاد
لا يكذب قلبي..
ولاني قد عرفت الظلم عانيت من العسف الطويل
قلت -والقول من القلب نبوءة-
بشروا القاتل بالقتل وبالثأر القتيلْ..
فلتمارس
بعض ما اورثه السفاح في اوشفتس
للطفل الغبي،
مهنة القتل
فشعبي سيمارس
مهنة الانسان..
آه يا حارس اوشفيتس الجديد
لم ير التاريخ اغبى منك حارس«.
اما موقف »اسد محمد قاسم« من التراث، فيؤكد -بما لا يقبل الشك- رؤية المثقف المنعتق من المسلمات السلفية، والذي يقرأ تراث امته بذائقة استثنائية تستمد مسوغاتها من الاحساس الراقي بجماليات التراث.
وربما كانت اشعار قاسم في هذا الاتجاه، خير دليل على الفهم الراقي للمثقف التقدمي لتراث امته، وللعناصر التقديمة في مرويات السلف، والقدرة على التعمق في فهمها، والتعامل معها بروح عصرية.. ومثال ذلك قصائده: »نداء الى رهين المحبسين ص 112« و»ابو ذر الغفاري ص122«، و»سجاح ص 146«، و»من وحي القرآن الكريم ص221« و»تقسيمات على وتر القرآن الكريم ص 248«، و»رسالة الى حمدان القرمطي ص 274«، و»الطروسي ص294«، ورسائل الى: عمار بن ياسر ص ،307 310«، و»رسالة الى الحسن البصري ص310«، »رسالة الى عبدالملك بن مروان ص 314«، و»رسالة الى ابي يوسف يعقوب الكندي ص 320«، و»رسالة الى سعيد بن جبير ص327«.. وغيرها.
حياة اسد محمد قاسم رواية بكل ما في الكلمة من معنى، رواية في شتات شعبه وتشرده، ورواية في كفاحه والتحامه بقضايا امته وبقضايا التحرر الانسانية، ورواية في غربته وعودته الى ساحة كفاح الشباب واصراره على مواجهة النهاية على تراب اربد، التي كانت ميدان وعيه ونضاله ونضال رفاق دربه والطيبين من ابناء شعبه الشرفاء والاوفياء للقيم العليا.
وقف اسد محمد قاسم على ضريح »عرار«الذي مشى في جنازته عام 1949 وبعد مرور خمسين عاما انشد قاسم:
عبق المكان يشدني ويردني
فتشع ذكرى في الضمير تعتقت
عفوا ابا وصفي يعذبني اسىً
لم ينصفوك وانت حيُّ بينهم
عفوا ابا وصفي كعهدك لم تزل
فإذا نبوءتك القديمة واقع
فالعابدون اللات اخت مناتهم
وينصبونك حارسا لجهالة

لجموح عشريني وربق مداري
كالخمر تسكب بعد طول إسار
حيران بعد الصمت والاجهار
جهرا تشير لمكمن الاخطار
ما بين غث مزمن ودوار
دام ينز كجرحك النغار
والعابثون بطهر ارث عرار
نفقت -كما آمنت- في ذي قار

اسد محمد قاسم ابرز شعراء الخمسينات ان لم يكن ابرزهم على الاطلاق وهو صاحب النفس الهتافي الكفاحي المميز لسنوات الكفاح القومي في الخمسينات. لم يكن ملهما للمكافحين من اجل المثل العليا والمناضلين من اجل التقدم وحسب، لكن كان بحياته ومسيرته الابداعية والكفاحية ملهما للعديد من المبدعين والروائيين الذي اتخذ العديد منهم اسدا وحياته نموذجا للبطل الدرامي، تجلى في»الطروسي« لحنا مينه السوري، وفي »الاوبرا والكلب« لعلي الشوك العراقي، وعند علي التل الاردني المقيم في لندن في روايته بالانجليزية »شيخ العشاق«، وعند السورية ناديا خوست في روايتيها »اعاصير في بلاد الشام« و»حب في بلاد الشام«.
رحم اللّه اسد محمد قاسم، الذي يحفظ المناضلون وفرسان طلائع التحرر اشعاره عن ظهر قلب.. رووها في السجون، وفي ظلال الحرية.. وستروى اشعار قاسم في مواجهة القبح السياسي والانتهازية والاتجار وغياب الوعي. وستظل العزاء لكل من يهتفون تحت وطأة سياط ابي لهب: احد احد.. احد احد.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش