الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ماذا يفعل الروائي عندما يفقد موضوعه؟...قراءة في رواية الجنوب افريقي اندريه برنك »الجانب الآخر للصمت«

تم نشره في الثلاثاء 13 كانون الثاني / يناير 2004. 02:00 مـساءً
ماذا يفعل الروائي عندما يفقد موضوعه؟...قراءة في رواية الجنوب افريقي اندريه برنك »الجانب الآخر للصمت«

 

 
روث فرانكلين
ترجمة غازي مسعود

ولد الروائي اندريه برنك في جنوب افريقيا سنة 1935، كتب اربع عشرة رواية منها: »موسم ابيض جاف« »1980« »رأس العواصف« »1993« التي حولت الى فيلم من بطولة مارلون براندو. حازت روايته »الجانب الآخر للصمت« »2003« جائزة افضل كتاب افريقي. الهمت كتابات برنك الرئيس نلسون مانديلا في نضاله ضد حكم الابارثيد في جنوب افريقيا. نشرت هذه المقالة في صحيفة النيويورك تايمز الامريكية بتاريخ 3 اب 2003 »المترجم«.
عند الكاتب المنشق، يمكن لسقوط النظام السياسي الذي ناضل ضده ان يكون نعمة ولعنة في الآن نفسه. لقد تم تحرير شعبه من الاضطهاد، ولكنه فقد موضوعه الكبير. فرغم كل ابتهاجه بالنصر، لا يستطيع المرء لومه ان تساءل صوت في داخله: وماذا الآن؟
لكن الروائي الجنوب افريقي اندريه برنك، وجد جوابا مفيدا عن هذا السؤال. كرس برنك اسمه في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته روائيا خصبا، فضحت اعماله بشكل صارخ مفاسد نظام الابارثيد ومن شاركوا في جرائمه. وافضل ما عرف من رواياته »موسم ابيض جاف« »1980« التي تصل الى حد الكثافة المرعبة في رسمها لتحقيق افريكاني بجريمة قتل صديقه الاسود على يد الشرطة السرية. غير ان برنك وسع في العقد اللاحق على انهيار الابارثيد مجاله، مجربا شكلا واسلوبا اكثر طلاقة واهتماما بموضوعه الجديد: مصادر الابارثيد في التاريخ الافريقي. ففي »رأس العواصف« »1993« اعاد برنك رواية اسطورة الشاعر البرتغالي كامويش عن آدماستور، التي تتحدث عن الروح التي قاومت البرتغاليين في رأس الرجاء الصالح، كحكاية عن المواجهات الاولى بين الافريقيين الاصليين والمكتشفين البرتغاليين. وفي »الجانب الآخر للصمت« يلقي نظرة عميقة على اعمال الكولونيالية المخيفة من خلال عيني ضحية: شابة تسعى لنيل حريتها من مستوطنة جنوب غرب افريقيا الالمانية التي تدعى الآن ناميبيا، ولكنها تقابل بأبشع انواع العنف.
عندما نقابل حنا اكس، نراها تنظر في انعكاسها في مرآة للمرة الاولى منذ اكثر من ثلاثة اعوام. ويعبر ذاك عن طول الوقت الذي اخذته لتتصالح مع التشوهات التي حدثت لوجهها وجسدها: قطع جزء من اذنها، اتسع فمها اثر جرحه فبانت اسنانها المهشمة، قطع لسانها، بُتر نهداها واعضاؤها التناسلية. تعيش في ملجأ لنساء هُجرن يدعى فراونشتاين -جزء منه سجن، وجزء بيت دعارة -بني في ايام المستوطنة الالمانية الاولى وكتب اسمه على نتوء صخري كبير »بحيث يبدو لانصاف المخبولين الجائعين جنسيا القادمين من الصحراء كجسد امرأة عملاق« والى الآن، اخفت حنا تشوهاتها تحت قلنسوة واستسلمت لصمت صممها الذي فرض عليها بالقوة. ولكنها في اليوم الاول الذي تبدأ الرواية فيه تتخلص من سلبيتها لاول مرة: يهاجم ضابط الماني يزور فراونشتاين صديقتها الشابة كاتيا، فتدافع حنا عنها وتقتله بضربه على رأسه.
يتابع القسم الاول من رواية برنك تاريخ حنا بحركات متأرجحة، يعود الى الخلف لسرد احداث هذا اليوم الدرامية وبالمثل الى الامام منذ طفولتها المبكرة، الى ان يتلقى الخطان في النهاية عند الهجوم الذي شوهها ويصعب وصفه. وقصتها واحدة من قصص كثيرة يطغى الرجل فيها على المرأة.
في المنازل التي كان الميتم يرسلها اليها لتخدم، كان الرجال مستعدين، في الاقل، لدفع ثمن خدماتها الجنسية. وجاء اللطف النادر الذي خبرته من نساء، مدرسة جغرافيا تعرفها على الشاعر غوته، فتاة ايرلندية تقابلها على الشاطئ وتشاركها اسرارها وتعطيها قوقعة. تكتشف حنا، »اذا نظرت الى القوقعة عن بعد ذراع، لن تخمني ابدا ما في داخلها، بحر، عالم كامل من الصمت، الماضي والحاضر، ومن يعرف، ربما المستقبل، واذا انصت بدقة، حاملة اياها قرب اذنك، يمكنك سماع كل شيء قادما، ليس فقط من الطرف الآخر للعامل، بل ومن الطرف الآخر للصمت نفسه«.
حين تسمع حنا ان الحكومة تبحث عن نسوة ليخدمن كعاملات و»مرافقات« في منازل المستوطنة، تقدم نفسها ولكن الامر يتحول الى غير ما املت يصف برنك مصيرها بلغة تمتلئ بالقسوة الذكرية. فحين تصل السفينة المليئة بالنسوة الميناء، يهجم مئات الرجال عليهن »تحرقهم نيران شهوة لم تخمدها النسوة الاصليات ولا الحيوانات الاليفة«.
ثم تحمل النسوة في قطار ليمضين اربعة ايام في رحلة الى العاصمة، واثناءها يختبر الرجال البضائع ويقايضونها بينهم. ومع نهاية الرحلة، تكون معظم النسوة قد وزعن بين الرجال، اما الرافضات منهن فينقلن الى فراونشتاين: »في يومهن الاخير، يُقدن في عربات في شوارع تغص بالذكور الساخرين .. ثم يؤخذن الى صمت الصحراء الذي لا ينتهي«. وتكون حنا التي قاومت الرجل الذي تقدم ليتزوجها، ولذا هاجمها، من بين هؤلاء النسوة اللواتي كتب عليهن عدم الزواج.
وحتى في القسم الثاني من الرواية، عندما تترك حنا وكاتيا فراونشتاين وتلتحقان بمجموعة من الافارقة الذين يسعون للانتقام من المحتلين الالمان، لا ينتهي بؤس حنا. ففي لحظة معينة، تقابل حنا وكاتيا رجلا هيروريا »من قبائل البانتو في ناميبيا الوسطى« يدعى كاهابا، ضُرب وترك ليموت في الصحراء. فقد اراد سيده الالماني ان ينام مع زوجته الحامل لخمسة اشهر، وعندما حاول كاهابا التدخل ضربه السيد وقطع قضيبه، ثم قتل الزوجة وجنينها. بعد ذلك يلجؤون الى بعثة تبشيرية حيث يعلن المبشر ان تشوهات هي حنا جزاء اللّه على »اثم خسيس«. وعندما لا يضرب المبشر اتباعه الافارقة او لا يغسل ادمغتهم، يجبرهم على العمل في جدار يحيط بمقر البعثة، »لعزل افريقيا عنه«. وايضا، ليس المبشر الا بهيما جنسيا.
يشهد الم حنا الواضع جدا على موهبة برنك الروائية. وليس العنف، رغم طبيعته الواضحة مجانيا، اذ يمكن قراءة موضوع بتر الاعضاء كالماع الى تاريخ التعذيب الذي يسم الثقافة الاوروبية. ورغم طبيعتها التاريخية، تواجه حبكة برنك الكابوسية دائما خطر الانهيار تحت ثقل المأساة. فبعض شخصيات الرواية الثانوية - القسيس النحيل، المبشر الذي يتنشق نار الجحيم -تقترب بشكل خطير من المسخرة. وباستثناءات نادرة، يبدو الرجال الالمان وحوشا، بينما الافارقة حكماء نساكا صامتين. اكثر من ذلك، ليس التعاطف الطبيعي الذي يوحي برنك به بين النسوة البيض والرجال الافارقة الا نوعا من السذاجة صحيح ان عدوهم مشترك، الا ان الولاء الذي يمحضه بعضهم لبعضهم الآخر يبدو مبالغا به.
ان »الجانب الآخر للصمت« في افضل احوالها، رواية لا تُنسى قوتها. ففي لحظة معينة، تعتني امرأة قبلية بحنا: تداوي جسدها بأدوية عشبية وتهدى روحها برواية اساطير لها، مطمئنة اياها »بعدم وجود اي الم او اذى لا تستطيع قصة علاجها«. في اطار الرواية، لا يمكن لهذا البيان، الا ان يكون مسخرة: فمن المؤكد ان قصة حنا لا تستطيع علاج المها وما الم بها من ضرر. ورغم ذلك، ليس غرض برنك علاج شرور الكولونيالية -فلا يستطيع اي روائي فعل ذلك -بل جس اعمق جزء في اعماقها.


كرس برنك نفسه في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته روائىا خصبا فضحت اعماله بشكل صارخ مفاسد نظام الابارثيد ومن شاركوا في جرائمه.
ان »الجانب الآخر للصمت« رواية لا تنسى قوتها، وغرض برنك ليس علاج شرور الكولونيالية، بل جس اعمق جزء في اعماقها.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش