الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءةٌ تحليليّةٌ في قصةِ «نُورة وأحذيتُها السِّحريّة» للكاتبة منيرة العيدان

تم نشره في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:31 مـساءً
يوسف البري *

تأتي قصّةُ «نورة وأحذيتُها السّحريّةُ»، التي تطرحُ نفسَها في أسلوبٍ سرديٍّ وحواريٍّ مُشتركٍ ضمنَ لغةٍ مُيسَّرةٍ قريبةٍ منْ قلبِ الطّفلِ، لتُشكِّلَ إضافةً حقيقيَّةً لمكتبةِ الطّفلِ العربيِّ، لِما استطاعتْ أنْ تُقدِّمَهُ منْ معلوماتٍ مُهمَّةٍ ونسجٍ مُبهرٍ لمجرى سيرِ الأحداثِ ونُموِّها، الأمرُ الذي يدلُّ على القُدرةِ والخِبرةِ الكبيرتينِ اللتَينِ تتمتعُ بهِما الكاتبةُ.

والقصّةُ التي بينَ أيدينا اليومَ، ليستْ بالقصّةِ التقليديّةِ المُتعارفِ عليها بالنّسبةِ للطّفلِ والنّاقدِ أو المُتابعِ لأدبِ الطّفلِ بشكلٍ عام، بلْ هيَ قصّةٌ طويلةٌ جدّاً، وهذا النّوعُ منَ القَصصِ يحتاجُ منَ الكاتبِ إلى جُهودٍ كبيرةٍ وإحاطةٍ بكُلِّ مهاراتِ التّواصُلِ والحوارِ والانسجامِ معَ الطّفلِ، وامتلاكِ لُغةِ طرحٍ مُناسبةٍ لهُ وفقَ أُسلوبِ سردٍ تشويقيٍّ خَصِيب، حتّى يتمكّنَ الكاتبُ منَ المُحافظةِ على الطّفلِ القارئِ، وضمانِ عدمِ تسرُّبِ المَللِ إليهِ نظراً لطُولِ القصَّةِ، وهذا ما برعَتْ فيهِ الكاتبةُ مُنيرة العيدان بامتياز.
تدورُ أحداثُ قصِّةِ « نورة وأحذيتُها السِّحريَّة» حولَ الطِّفلةِ نُورة التي تعيشُ في بيتِها معَ والدَيها وجَدّتِها التي سُمِّيتْ باسمِها « نُورة «، حيثُ تكونُ الطّفلةُ نُورة قريبةً جدّاً منْ جَدّتِها ومُرتبطةً بِها إلى حدٍّ كبيرٍ، والجدّةُ التي كانتْ دائماً تسرُدُ لها الحكايةَ عنِ المُدنِ العربيّةِ المُختلفةِ، وكانتْ نُورة تستمعُ إلى جدّتِها باهتمامٍ كبيرٍ، فقدْ كانتْ تعشقُ الحَكايَا والمُغامراتِ.
في عيدِ ميلادِ نُورة الصّغيرةِ العاشر، قدّمتْ لها جَدّتُها هديّةً، وهيَ عبارةٌ عنْ صندوقٍ صغيرٍ، فيهِ مجموعةٌ منَ الأحذيةِ السّحريّةِ المُلوّنةِ، التي حصلتْ عليهَا الجدّةُ هدايا منَ الأطفالِ الذينَ كانتْ تتبادلُ الهدايا معهُمْ في زياراتِها إلى الدّولِ العربيّةِ في صِغرِها، ومنْ هُنا تبدأُ حبكةُ القصّةِ بأخذِ مُنحنىً جديد في النّموِّ والتطوُّرِ، مُعتمدةً في ذلكَ على مُخيّلةِ الطّفلِ الخَصبةِ التي يُمكنُ أنْ تروقَ لها فكرةُ أنْ تُمطرَ المِلعقةُ شُهباً في كوبِ ماء، وهكذا أمتلكتْ الكاتبةُ المَهارةَ على مُداعبةِ هذهِ المُخيّلةِ وليسَ العبث بها، فللطّفلِ مُخيّلةٌ قدْ يعتقدُ بعضُنا أنَّ منَ السّهلِ خداعُها أو فرضُ كُلِّ ما هوَ غيرُ مقبُولٍ عليها، وهذا خطأ كبيرٌ فثمّةَ فرقٌ كبيرٌ بينَ كاتبٍ ينسجمُ معَ مُخيّلةِ الطّفلِ ويُحيطُ بكُلِّ تفصيلاتِها وحدودِ المنطقِ فيهَا، وبينَ كاتبٍ يلتفُّ عليهَا مُحاوِلاً الدُّخُولَ إليهَا تلصُّصاً، كمنْ ينثرُ بُذورَهُ على صخرةٍ ملساءَ ويجلسُ إلى جانبِها يدعُو اللهَ تعالى أنْ يهطُلَ المطر.
وعليهِ يُمكنُنا القولُ بأنَّ الكاتبةَ قدْ تمكَّنتْ منْ معرفةِ أدواتِها في عالمِ نَسْجِ الخيال، وأدركتْ هذا الجانبَ المُهمَّ المُتعلِّقَ بكتابةِ أيَّةِ قصَّةِ أطفالٍ خياليَّة، فكانتْ على مسافةٍ قريبةٍ جدّاً منَ العالَمِ المُفترضِ لخيالِ الطّفلِ، وعرفَتْ جيّداً حدودَهُ ومُعطياتِهِ ورصانةَ قوانينِهِ، وأدركتْ أنَّ ما في جُعبتِها منْ بذورٍ يجبُ أنْ تُنثرَ في تُربةٍ حمراءَ، ويكفيها مطرُ السَّردِ ببساطتِهِ، والتشويقُ في أسلوبِ طرحِهِ لتنبُتَ حُلُماً جميلاً في مُخيّلةِ الطِّفلِ القارئِ لقصَّتِها.
إنَّ تطوُّرَ نُموِّ الحبكةِ في القصَّةِ، والذي جاءَ بعدَ أنْ علمتْ الطِّفلةُ نُورة - بطلةُ القصّةِ - سرَّ الأحذيةِ السِّحريَّةِ التي يُمكنُ لكُلِّ حذاءٍ منهَا أنْ يأخُذَها في الليلةِ التي يُصبحُ القمرُ فيهَا بدراً، في رحلةٍ إلى دولةٍ عربيَّةٍ جديدةٍ، تتعرَّفُ فيها على أهمِّ معالمِها الأثريَّةِ والحضاريَّةِ، وأهمِّ صفاتِها الاجتماعيَّةِ في حقبةٍ زمنيَّةٍ مُعيَّنةٍ، كُلُّ ذلكَ يؤكّدُ على ما تسلّحتْ بهِ الكاتبةُ منْ معلوماتٍ كثيرةٍ عنْ كُلِّ دولةٍ منَ الدُّولِ التي زارتْها بطلةُ قصَّتِها نُورة، وكيفَ أنَّها سعتْ جاهِدةً للبحثِ والأرشفةِ والصِّياغةِ والطَّرحِ، لكُلِّ ما في جُعبتِها منْ معلوماتٍ وفقَ ما يقتضيهِ مجرى سيرِ الحَدثِ في القصَّةِ، وهذا النَّوعُ منَ الطَّرحِ في قَصصِ الأطفالِ يُعدُّ بمثابةِ مُجازفةٍ كبيرةٍ أو هوَ أشبهُ ما يكونُ بالرَّقصِ فوقَ الحِبالِ، إذا لمْ يستطِعْ الكاتبُ أنْ يُدركَ أنَّ مُعادلةَ شدِّ الحبلِ بينَهُ وبينَ الطِّفلِ القارئِ هيَ التي تحكُمُ العلاقةَ بينَهُما، فتمريرُ معلوماتٍ بهذا الزَّخمِ الكبيرِ، كما جاءَ في قصَّةِ « نُورة وأحذيتُها السِّحريّة « عنْ معالمِ دولٍ وتاريخِها وأهمِّ عاداتِها معَ وجودِ تعدُّدٍ في الدُّولِ، هوَ تحدٍّ كبيرٌ وضعتْ الكاتبةُ نفسَها أمامَهُ، وهيَ تُدركُ جيِّداً أنَّ ثمَّةَ فواصلُ مُهمَّةٌ عليها التوقُّفُ عندَها، ومنهَا: التّشويقُ، وسلاسةُ السَّردِ، وخِفَّةُ دمِ البطلةِ، ونموُّ الحَدثِ بشكلٍ سليمٍ، والعُنوانُ القويُّ القادرُ على شدِّ انتباهِ الطِّفلِ وصُولاً إلى النِّهايةِ المقبولةِ التي يرجُوها الطِّفلُ في أيَّةِ قصَّةٍ يقرأها.
لقدْ أدركتْ الكاتبةُ ضرورةَ أنْ تُجيدَ براعةَ القفزِ والتّرحالِ منْ دولةٍ إلى أُخرى، وهيَ تخطفُ أنفاسَ الطِّفلِ القارئِ ليخُوضَ معَها رحلةً جديدةً في ثوبٍ وحدَثٍ جديدَيْنِ، وفقَ سردٍ ولو تشابَهَ في الشَّكلِ وأسلوبِ الطَّرحِ إلا أنّهُ برائحةٍ ونكهةٍ جديدتَينِ تماماً، فتُشعرُكَ بِروحِ المكانِ الذي وصلتْ إليهِ، وذلكَ يعودُ إلى دقَّةِ الوصفِ، وارتفاعِ الوتيرةِ المشهديَّةِ التي تغزلُها كلماتُ القصَّةِ كما تغزلُ أوتارُ القِيتارةِ لحنَها، لتحِيكَ منهُ ثوبَ نومٍ جميلاً يفتنُ القمرَ.
وهُنا أشيرُ إلى أنَّ مثلَ هذهِ القَصصِ يُمكنُ تجزئتُها وقِراءتُها في أكثر منْ جلسةٍ، كما تفعلُ شريحةٌ كبيرةٌ منَ الأطفالِ الذينَ يُفضِّلونَ القِراءةَ قبلَ النَّومِ، ذلكَ أنَّهَا تضُمُّ جُملةً منَ الحَكايا رُغمَ وحدةِ الفِكرةِ والموضوعِ، ففي زيارةِ كُلِّ بلدٍ رُوحٌ جديدةٌ، وحدَثٌ مُختلفٌ، ونُموٌّ هرميٌّ منطقيٌّ لنقلةِ الزَّمانِ والمكانِ، وهذا يُسجَّلُ كذلكَ للكاتبةِ والقاصَّةِ المُبدعة.
لا أعتقدُ أنَّ منَ السَّهلِ أبداً أنْ تحيكَ منْ حُروفِ قصَّتِكَ بساطَ رِيحٍ، أو أنْ تجعلَ منْ كلماتِها سندباداً يطوفُ ويتجوَّل دونُ أيَّةِ تأشيرةِ دُخولٍ أو جوازِ سفرٍ، وهُنا تأتي براعةُ المُؤلِّفةِ في كسرِ هذا القيدِ، ولتؤكِّدَ على أنَّنا كُلُّنا أشقَّاء، تجمعُنا عروبتُنا ويسمُو بنا تنوُّعُنا وعاداتُنا الاجتماعيَّةُ، أمَّا الكَنزُ التُّراثيُّ والحضاريُّ الذي يزخرُ بهِ كُلُّ بلدٍ فهوَ مُلكُنا جميعاً نسمُو بهِ ونُفاخرُ العالَمَ أجمَع.
إنَّ ما تتمتعُ بهِ الأديبةُ مُنيرة العيدان منْ مهاراتٍ إبداعيَّةٍ في عالَمِ الكتابةِ للأطفالِ، جعلَها تبدو تارةً وكأنَّها غيمةٌ يرقصُ المطرُ فوقَ كفَّيها، وتارةً وكأنَّها فراشةٌ يغزلُ الزَّهرُ الفِكرةَ في حكايتِها، فتغدو وكأنَّها قوسُ مطرٍ عشقَ أسلوبَها وقرَّرَ أنْ يكونَ الحاجبَ المُلوَّنَ فوقَ عُيونِ سمائِها.
لذلكَ فلا عجبَ أنْ نجدَ الطِّفلَ وقدْ تشبَّث بكلِّ ما يدورُ حولَهُ منْ تفصيلاتٍ رُغمَ زخمِها وكثرةِ أبطالِها، ما دامُوا جميعاً قد اغتسلُوا بألوانِ القزحيَّةِ والفضاءِ الرَّحبِ الذي خطَّ لهُ وصفاً مشهديَّاً جعلَهُ يشعرُ بأنَّ ثمَّةَ أجنحةٌ لروحِهِ قدْ داعبَها القمرُ وأخذَ يقفزُ بها منْ مكانٍ إلى مكان، وكأنَّهُ بطلٌ في حكايةٍ قديمةٍ ترويها لهُ جدَّتُهُ وهوَ يُبحرُ في عينيهَا بينَ الحُلُمِ والدَّهشةِ والحقيقةِ، وكأنَّهُ قاربٌ يُداعبُهُ موجُ كلامِها وحنانُ تعابيرِها التي أقتصَّ منهَا الزَّمنُ، لكنَّها ما زالتْ تنبضُ أُسلوباً مُبهراً في السَّردِ والتَّشويق.
إنَّ بطلةَ القصَّةِ نُورة التي عشقتْ المكانَ وغازلتِ الزَّمانَ، ورسمَتْ باللونِ والحرفِ خُيوطاً وسلالمَ عِشقٍ مُمتدَّةً ما بينَها وبينَ القمرِ» كابتن رحلاتِها»، هيَ ذاتها الطِّفلةُ التي ركضَتْ ولعبَتْ داخلَ أروقةِ كُتبِنا وأزقَّتِهَا، فخرجتْ منْ داخلِها كلماتٌ وكأنَّها نحلةٌ تعشقُ أزهارَها، لكنَّها تعشقُ الرَّقصَ على أكتافِ القمرِ أكثرَ، لتُرسلَ بريقَ نظرِها معَ نُورة يحومُ ويحومُ ليقطفَ منْ كُلِّ دولةٍ عربيَّةٍ لقطةٌ مشهديَّةٌ، تغفُو بينَ أصابعِها الحَكايا، وتُمطرُ عبيراً يُرسِّخُ فينا سُمُوَّ العُروبةِ والانتماءِ، فتجعلنا نتمنَّى لو أنَّنا نزورُ ذلكَ البلد، فتارةً في الأردنِّ، وتارةً في مِصرَ، وتارةً أُخرى في تونس واليمن والعراق، وصولاً إلى الكويتِ مَحطِّ التّرحالِ الأخير، واستراحةِ الأنفاسِ منْ هذا الماراثون، حيثُ استرخاءُ الرُّوحِ لكُلٍّ منْ بطلةِ القصَّةِ وكاتبَتِها معاً.

* أديب ومخرج مسرحي من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش