الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حل ضيفا على مهرجان عمون المسرحي: زيناتي قدسيه: تعبير »المسرح العربي« ما زال وهميا ولم يتحقق بعد على ارض الواقع

تم نشره في الخميس 22 آب / أغسطس 2002. 03:00 مـساءً
حل ضيفا على مهرجان عمون المسرحي: زيناتي قدسيه: تعبير »المسرح العربي« ما زال وهميا ولم يتحقق بعد على ارض الواقع

 

 
الدستور - هيام ابو النعاج - زيناتي قدسية احد الرموز الابداعية المسرحية اللافتة فلسطينيا وعربيا، وقد استطاع قدسية خلال فترة عمله في المسرح التي تقارب خمسة وثلاثين عاما ان يرتقي بالاعمال المسرحية التي شارك فيها او قدمها في سوريا حيث يقيم، وله مساهمات مميزة ايضا مثل مساهمته بتأسيس المسرح التجريبي في سوريا عام 77.
زيناتي قدسية حل ضيفا على مهرجان عمون المسرحي الثامن للشباب، »الدستور« التقت معه وكان هذا الحوار:
* ما هي المواصفات التي يجب توفرها في النص الابداعي والى اي مدى تأثرت بغسان كنفاني؟
- لست خبيرا في الادب.. لكنني ادرك بحسي العفوي والبسيط حجم القيمة الفكرية والجمالية التي ينطوي عليها هذا المنتج الابداعي او ذاك، بما يجعلني اهمس لنفسي ان ما قرأته شيء هام.. ولكل انسان في النهاية ذائقته الخاصة.. على كل حال، اذا لم يوفر لي العمل الابداعي، قصيدة كان او رواية، قصة قصيرة، مسرحية، فيلما سينمائيا، لوحة، رقصة تعبيرية او شعبية.. الخ، اذا لم يوفر لي التذاذا روحيا عاليا، واذا لم يفجر فيّ التوق والوجد والحنين، واذا لم يحدث ارتعاشا في جوانحي، ومزيجا غريبا من اللذة والألم، اذا لم يوفر لي معظم هذه الاحتياجات، بقيت علاقتي به تتحرك فوق الجلد وتطفو على سطح المشاعر فقط، فان الامر لا يستقيم بالنسبة لي مهما كانت شهرة واهمية صاحب هذا الاثر الابداعي او ذاك..
غسان، اقصد غسان كنفاني، ببساطة، يؤجج فيّ هذه المشاعر والاحاسيس بكرم لا حدود له..
كنت يافعا، وكانت تضج في صدري اسئلة عديدة تتراكض في شراييني كالخيول الهائجة ولم اكن قادرا على ايقاف اندفاعاتها المفزعة.. اسئلة محتدمة، توجه الروح وتضني النفس، روح فتى في السابعة عشرة من عمره، لم تمنحه الاقدار نصيبا من سهولة الحياة كالتي ينعم بها من بلغوا هذه السن في جهات الكون الاربع.. فما كاد عقلي يستشعر خيوط الاضاءات الاولى وهي تلامس اطراف المساحات المعتمة من حولي، وما كادت روحي تستعد لتلقي اول نسمات البهجة التي تولدها غبطة العقل في اقترابه من فك الرموز الاولية لما هو مستعص ومجهول، حتى داهمني انا ومن حولي اعصار مباغت ومريع، عصف بكياني ردحا من الزمن وما زالت آثاره باقية الى يومنا هذا اعني حرب الايام الستة التي مهدت للكيان الصهيوني ان يستوي في اليوم السابع على عرش فلسطين، كل فلسطين.. كيف يمكن لقلب غض ان يحتمل كل هذه الكارثة؟ كيف يمكن لهذه الكتلة الصغيرة التي لا يتجاوز حجمها كف طفل مضمومة ان تبقى متماسكة امام هذا التهشيم المريع؟ لا اريد ان ابحر في حمى التساؤلات الممضة التي انتصبت امامي كأعمدة من رصاص.. ولكنني اسأل نفسي دائما، ماذا كان يمكن ان يحدث للفتى لو لم يكن »غسان« آنذاك؟ قد يبدو السؤال غريبا للبعض وهذا امر طبيعي، فما يعنيني كثيرا، قد يعنيك بقدر اقل، وقد لا يعنيك اطلاقا، لكنني لا ابالغ اذا قلت ان »غسان« قد حماني من السقوط الروحي والنفسي حين ادخلني في رحاب قلبه الكبير.
كنت اقرأ قصة قصيرة لغسان منشورة هنا او هناك.. فأتعرف على جزء من نفسي والمحيط الذي اعيش فيه.. وتمر الايام.. وتصبح كل قصة لغسان، تشكل بالنسبة لي اجابة عن سؤال كبير وصعب، كل رواية من روايات غسان، كانت ولم تزل تفتح امامي ابوابا مستعصية، وتدخلني في عوالم كنت اعتقد باستحالة اكتشافها.. هو باختصار معلمي الاول.. فاتحة ادراكي لهذا العالم.. حين كان الظلام يشتد من حولي، كنت الجأ الى شموع غسان التي لا تنطفىء.. وفي لحظات الرعب، كنت ولا ازال استمد شجاعتي من غسان.. اقترب منه، التصق به، فاحس بنوع من الامان لم احسه من قبل.. وحين تطفح الادران السرطانية على وجه العالم، وتتكاثر الوجوه الشوهاء والمقنعة بالزيف والرياء، يطالعني وجه غسان بصفائه الاصيل والنبيل، ونظرته الثاقبة، ويومىء لي بعينه النقية الناصعة ليدلني على الطريق التي يمكن ان اسلكها دون الوقوع في براثن هذا العالم ولما اجدبت ارض الابداع الحر، وعجز الآخرون عن مواجهة السؤال الصعب، استجرت بغسان، فأجارني..
واليوم، وبعد مرور ثلاثين عاما على استشهاده، وما رافقها من احداث جسام وتطورات هائلة في كل مناحي الحياة بما فيها الادب، ومع تعرفي وقراءتي لكثير من الكتاب العرب الكبار الذين اجلّهم واحترمهم، ومجموعة من الكتاب العالميين ايضا.. اعود لمعلمي بين الفينة والاخرى فاكتشف من جديد انني في خضم عالم كنفاني ممتلىء يضج بغنى لا حدود له.. عالم اعظم ما فيه انه دائم التجدد والحضور والراهنية، الى جانب الاستشرافات المستقبلية التي تدعو للذهول في كثير من تفاصيلها..
ذلك هو المنبع الذي نهلت منه اول القطرات.. ثم شربت من مائه الصافي والعذب خمسة وثلاثين عاما ولم اصل الى الارتواء بعد..

* كيف ترى علاقة المبدع بالناقد؟
- لا ابالغ اذا قلت انني لم استمتع بالنقد منذ سنوات طويلة.. فيما عدا بعض المقالات والدراسات النوعية لاقلام قليلة اتابعها من حين لآخر، واخشى في فوضى وحمى الاختلاط ان نفقدها نهائيا..
لا اتصور نقدا ادبيا من دون فعل ادبي، ولا نقدا مسرحيا من دون حركة وفعل مسرحيين، فالنقد المسرحي مرتبط جدليا بالفعل المسرحي، والنقد فعل، من حيث هو جهد نظري، عملي، تطبيقي، يرقى ويرتقي على اسس التقويم الدقيق والموازنات الرهيفة والحساسة، للكشف عن القيم التي ينطوي عليها المنتج الابداعي، وهذا الارتباط يشكل عملية متصلة بلا حدود توقف تيار استمرارها لان الواقع الاجتماعي هو الحاضنة الكبرى لكل الظواهر والوقائع الاخرى، هو المرجع الوحيد لطرفي المعادلة، وكأني بالنقد واصله، يكمن كل منهما في الآخر، وكل يعبر عن نفسه والآخر، مستعينا بتجليات ووهج الاخر، واعتقد ان الناقد الروسي العظيم »بلنسكي« كان مصيبا الى درجة كبيرة حين قال: »ان الفن هو تحليل المجتمع ومقاضاته وبالتالي هو نقد«.
ومعرفة واقع النقد المسرحي تستوجب الوقوف على واقع حركة المسرح.. ولا يمكن الحديث عن النقد دون معرفة طبيعة المنقود..
واذا كان المسرح في العالم العربي بواقعه الراهن يعاني من جملة معضلات فان حركة النقد ايضا ما زالت - اضافة لاشكالياتها الذاتية - متأثرة بهذه المعضلات.. والنقد المسرحي العجول لم يخرج بعد من اطار لعبة النقد المسلية كما يسميها د. احسان عباس، او التعليقات والمتابعات التي تنشر في الصحف والمجلات، في الاطار العام لحركة المسرح والنقد منذ مطالع الستينات والى يومنا هذا انتج بعض المسرحيين عروضا هامة ونوعية وذات فرادة ابداعية ملفتة، واستقطبت جمهورا معقولا ما زلنا نحظى الى اليوم بآثار ذلك الاهتمام وتلك الاستجابة، هذه العروض واكبها نقد نوعي واصيل ولكن بنسبة قليلة جدا بالقياس الى آلاف المتابعات والتعليقات العامة والباهتة والهامشية هذه النسبة القليلة والنوعية والجادة لم تستطع ان تشكل تيارا نقديا فاعلا وظل الكثير من العروض والمشاريع الفنية الجادة تعتمد على نفسها فقط في علاقتها بالناس.. واجدني قليل التهيب من القول: ان الحركة المسرحية في عالمنا العربي لم تحقق واحدا على الف من المرجو منها عبر مائة وخمسين عاما والى الان.
ولا اتحرج بالمقابل من الاعتراف بان واقع النقد المسرحي لم يستطع الى الان هو ايضا ان يحقق القليل جدا من الكثير المطلوب منه.. ومعذرة من اصحاب الثقة المفرطة!! غياب المنهج والجدية والاحساس بالمسؤولية التاريخية ينفي النقد، ولا يمكن للناقد او النقد ان يشكل حضورا حقيقيا الا اذا وقفت »الشخصية الكاملة للناقد مقابل الشخصية الكاملة للمبدع« بكل محمولات هاتين الشخصيتين من عوامل وخصائص اجتماعية وحضارية وثقافية وما تنطويان عليه من وعي وتفكير متمرس وخبرة عالية في مختلف جوانب الحياة فالنقد كما قيل: »هو نتيجة لقاء ذهنية الناقد بذهنية المبدع، لا كما هي في ذاتها، بل كما تحققت في المنجز الابداعي« وبتعبير ابسط، لا يجوز لناقد ما ومهما علا شأنه ان يلبس المنجز الابداعي رداءه الفضفاض ثم ينعته بالهزال!!

* يشار الى ان في النص المسرحي أزمة فهل هذا صحيح؟
- اولا: الحديث عن ازمة نص مردود على اصحابه، هذه ازمة مفتعلة ومقصودة في اغلب الاحيان، ثانيا: ليست لي تحفظات على استخدام النصوص الاجنبية، الذي يهمني هو الموضوع الذي يتقاطع تقاطعا بينا مع هموم ومشكلات مجتمعاتنا العربية وخاصة اغلبيته الفقيرة والمسحوقة، ثالثا: الاولوية عندي للنص المحلي والعربي.. احب وافضل التعامل مع نص تربطني به صلة قرابة متينة وله مرجعية ناصعة في الوجدان العربي الجمعي.
اما فيما يتعلق بالتوهج والانطفاء وجملة الازمات.. الى اخر هذه القائمة اقول انا لا احب التعاطي مع تعبير (المسرح العربي) هذا التعبير ما زال وهميا ولم يتحقق بعد على ارض الواقع.. هناك توهج لعروض محددة وقليلة في مراحل مختلفة..
اما الانطفاء فقد بدأ منذ العام ،1846 وتحديدا بعض عرض »النقاش« الثاني والذي قال على اثره.. »ان دوام هذا الفن في بلادنا امر بعيد المنال..« من تلك اللحظة بدأ الانطفاء، عام 1846 هو عام نشأة »المسرح العربي«! كما يذكر المؤرخون، وهذا صحيح، وعليه فان الازمة بالنسبة لي، تطال تجربة المسرح في العالم العربي برمتها، ولا يكفي، بل ليس صحيحا الحديث عن ازمات صغيرة مفتعلة وتشخيصات مجتزأه، وعناوين مبهمة. هذا مضيعة للوقت وايغال في الابتعاد عن الجوهر الحقيقي للازمة.. واذا اردنا ان نخطو خطوة الى الامام، فإن هذه الخطوة لن تتحقق إلا بعد مراجعة شاملة وحقيقية وجادة لتجربة المسرح في العالم العربي. ما لهذه التجربة وما عليها. بدءا من اللحظة التي عاد فيها مارون النقاش من اوروبا الى بيروت، وما سبق واحاط هذه اللحظة التاريخية من ظروف واحداث وضرورات -ان وجدت- ادت الى هذه النشأة عام 1846 والي يومنا هذا.. مراجعة مشروطة بالرقة والموضوعية، وبكامل الحس في التعبير عن الرأي المدعم بالوثيقة والسند والوقائع ومجريات الاحداث تضع النقاط على الحروف بجرأة وبلا خوف او تردد ودون اعتبار للمصالح الذاتية الضيقة والنفعية مراجعة قادرة على الخروج بنتائج كفيلة بأن تدفعنا بقوة لاعادة النظر في كثير من المسائل التأريخية والقضايا الفكرية والمناهج والمفاهيم المختلفة والملتبسة والتي استلم لها البعض بسهولة شديدة وتبناها البعض الآخر بتهافت لا مثيل له واعتبرها آخرون قدرا ثابتا وناموسا لا يجوز الخروج عنه، ومقدسا المساس به محرم.. مراجعة كاشفة، ناقدة، ناقضة اذا اقتضى الامر، تبدأ بخلع شعورنا بالحرفية، وتمزق حجب الشكوك والريبة في اسئلة ومسائل مسكوت عنها منذ ما يزيد على قرن ونصف.. بغير هذه المراجعة الشاملة والجادة والجريئة -كما في مراجعات الفكر، والسياسة، والاقتصاد- لن نحقق اي انجاز او اضافة عربية ناصعة ولها قيمة.. وسيبقى المسرح والمسرحيون يتخبطون في واد، والملايين العربية تعيش حياتها في وديانها الاخرى.. وسينقضي قرن ونصف قرن آخر ونحن ندور في حلقة يكتنفها الغموض وتلفعها الخسارات، وسيزداد تورم الانتصارات الابداعية الوهمية انتفاخا، ولا احد يعلم ماذا سيكون عليه المشهد المسرحي آنذاك..

* هناك مسرحيون جدد يتجاوزون عناصر المسرح بحجة التخريب والحداثة، ماذا تقول لهؤلاء؟
كل من له علاقة بالمسرح يعرف ان العرض المسرحي يتكون من مجموعة عناصر وعلى رأسها النص المكتوب. »ولغة الجسد« التعبيرية ليست عنصرا من هذه العناصر، لا على المستوى التقعيدي ولا على المستوى النقدي، وانما هي واحدة من جملة »الدالات« التي لها طابع دلالي...
والغرب، بحدود معلوماتي لم ينسف عناصر العرض المسرحي الاساسية لحساب عنصر دور غيره، ولم يغلب »دالا« ويعتبره الخاصية الوحيدة للمسرح...
بعض الغربيين اغرقوا في تمجيد عنصر اللغة/ النص المكتوب، واهملوا بشكل او بآخر وسيلة ما يسمى »بلغة الجسد« بما لها من اهمية قصوى في التعبير عن مكنونات النفس البشرية، ولهذا السبب، ولاسباب اخرى لا مجال للتفصيل فيها ظهرت الدعوات الجديدة (عمرها الآن يزيد على السبعين او المائة عام) للاهتمام بلغة الجسد، وعدم جواز اهمالها، والا فسيؤول مصير المسرح الى التحجر ويتحول شيء متحفي هو اقرب الى الادب الجاف منه الى حيوية ودفق وسحر المسرح. وهي دعوة مشروعة ومحقة ولكنها لم تتوقف عند هذا الحد... الذي حدث، ان بعض دعوا الى اعتماد لغة الجسد »كوسيلة بالغوا بل اوغلوا في مبالغتهم الى درجة جعل هذه »اللغة الجسدية« في المقام الاول. بل واعتبرها البعض الآخر العنصر الاول والاساسي في العرض المسرحي، وتحولت في تجاربهم الى هدف ذاته ومن هنا بدأ الخلط...
هذه المغالاة، التي لم تجد مساحات واسعة، في بلاد المنشأ، في الغرب نفسه، هي التي اشكلت على »تلاميذ الغرب« في منطقتنا العربية عموما. ورأينا تأثير هذا التمشكل في كل او معظم العروض التي صنعوها وفقا لهذا الفهم الملتبس، كما تتمثل ايضا بمقولات مكروره لفظها الغرب منذ اكثر من خمسين عاما. هذه المقولات والدعوات التي تذهب لجهة ازاحة النص/ الكاتب، ورهنت مقدرات العرض المسرحي لسيادة المخرج وجسد الممثل.. وقد شاهدنا -ونشاهد- بام اعيننا في عروض ومهرجانات كثيرة وتحت يافطة التجريبية والحداثة! كيف اطاحت هذه »اللغة الجسدية!« بنصوص عظيمة وهرست ارواح مؤلفيها الكبار ومسخت مضامينها الانسانية النبيلة. مشفوعة بالغلالات الملونة والشفافة، والورود الاصطناعية الميتة في اجواء يلفها ضوء الشموع وتفوح مها روائح البخور ولا ضرورة لسوق الامثلة فالمسرحيون بل وكثير من المشاهدين العرب يعرفون هذه العروض واصحابها جيدا.. وعندما تحرك بعض النقاد وادانوا هذا الاغتيال العلني لهذه النصوص، راح اصحاب هذه النزعة التدميرية يروجون لمحاولات كتابية ذرائعية كي تلائم طبيعة بحوثهم التجريبية على الجسد الانساني فرأينا عروضا وقرأنا كتابات اقل ما يقال فيها انها مقاطع شعرية او نثرية وقصصية لا تنتمي للكتابة المسرحية الحقيقية في شيء، استعارها هؤلاء (المخرجون) من نصوص واعمال مبدعين اخرين دون الاشارة حتى لمصادرها الحقيقية واعتبروها نصوصا مسرحية واجازوا لانفسهم بعرضها على الجماهير بل ونشروا بعضها على صفحات مجلات من المفروض انها تحترم نفسها وتاريخها وتعرف الدخيل من الاصيل معتقدين اننا بلا ذاكرة هذا فيما يخص الكتابات والنصوص اما فيما يخص الممثل باعتباره صاحب علاقة مركزية واساسية في هذا التوجه فعلى عاتقه ستقع مهمة التنفيذ ومن خلاله وعلى جسده سيجري الحقن وتأخذ التجربة ابعادها.
يدار هذا الممثل/ الانسان وكأنه دمية يعبئه الاستاذ المخرج بمفتاح خاص ويطلقه على خشبة المسرح، يصرخ يضحك كما لا يضحك البشر يقفز بآلية يتوقف يتلوى يئن يتشنج الى درجة التمزق تكاد اوداجه تنفجر من شدة (العصورة) بحجة استخراج الانفعالات والتوترات النفسية للشخصية التي يلعبها ويستمر الامر مدة من الزمن فيبدأ بالتهام نفسه وما ان ينتصف العرض حتى يصبح هذا الممثل الدمية اشبه بالديك المذبوح الذي يهمد للحظات ثم ينتفض ضاربا جنبيه بجناحيه (من حلاوة الروح) كما يقولون وهو بالكاد يلتقط انفاسه ويستمر الحال هكذا حتى يصل الى مشارف (العته) كصورة او يتحول الى انسان مصاب بتلف عقلي مما يدفع للقيام بحركات وايماءات لا علاقة لارادته الواعية بها الى ان تجهز على البقية الباقية من طاقته الروحية والبدنية ينتهي العرض وتهمد الدمية نهائيا دون ان تعرف هذه الدمية/ الممثل ودون ان تمتلك شجاعة السؤال: لماذا وما هي المسوغات الفنية والفكرية والجمالية التي اعتمدها الاستاذ المخرج لحقنها وتعذيبها وتحويلها/ تحويله الى مسخ. ولا تكتمل الفاجعة الا باضفاء الاوصاف والالقاب التي يخلعها (الاستاذ المخرج) على ممثليه مثل سيد العرض المسرحي - القديس - الرسولي - ملك الخشبة - السامر - الاكروباتي الجميل.. كي يظل هذا الممثل / الانسان مسلوبا من كل ارادة مصادرا من اي حس او موقف نقدي مفرغا من مشاعره واحاسيسه الانسانية مسكونا بالرعب والفزع مستسلما خانعا جاهزا لتنفيذ المهمات (البحثية الجديدة) مبهورا بصفته او العابه الجديدة وما يتفرع عنها من هيجانات نفسية ونزعات نرجسية ينتهي العرض ويمضي (الاستاذ المخرج) الى بيت احد (المريدين) او الى مطعم يوفر مستلزمات (القعدة) ليحتفل بانتصاراته وانجازاته الوهمية مصطحبا معه ممثله او ممثلتين وفي احسن الاحوال (الممثل) الاول ان وجد تاركا خلفه كومة من اشلاء الممثلين الممزقين نفسيا وروحيا وجسديا وتدار الكؤوس وفي حياة (بروك وجروتوفسكي) المسرة وعلى ارواح (ارتو ومييرفولد وبرشت) السلام.
اعلم انه تشخيص مخيف وفجائعي ولكنه هكذا عندنا في مثل هذه العروض وتلك البحوث والنزعات المريبة ولك ان تتصوري الانعكاسات السلبية والخطيرة التي سيخلفها هذا التوجه على ذائقة المشاهدين وضياع المضامين الانسانية والفكرية والجمالية وبالتالي غلق الطريق امام امكانية ابراز معالم الشخصية الانسانية العربية والتي يجهد الكتاب والشعراء والمثقفون والمسرحيون الحقيقيون لحماية هذه الشخصية وصيانة تاريخها ومكونها الحضاري وثقافتها وكرامتها المهددة.
لغة الجسد لا يمكن ان تنفي فاعلية الارادة الروحية والدفق النفسي الحار ويمكن ان اذهب الى القول بان لغة الجسد هي الترجمة والتجلي الحقيقي لفاعلية الارادة الروحية هي كذلك او هكذا يجب ان تكون.
التقليل من اهمية النص/ اللغة خاصية المسرح الاساسية هو تقليل من هيبة المسرح وفرادته وسطوته والتقليل من اهمية لغة الجسد التعبيرية باعتبارها (دالا) له طابع الجلالة هو نيل من عنفوان الحياة في المسرح.
واتصور ان العبث في الكلمة او الجسد على خشبة المسرح هو عبث بمقدرات هذا المسرح، وتقديري ان الكلمة في المسرح هي منطلق البركان الجسدي وصمام امانه ايضا والكلمة فعل لفظي قادر على الوصول الى مستويات عاتية من الصراع لا تعوضها او تترجمها كل افعال الجسد، تذكرين حين تقول (اليمامة) ابنة (كليب) في مسرحية (الفرد فرج) (الزير سالم) تقول اريد ابي حيا، او حين يقول الشيخ يونس في مسرحية محمود دياب (الزوبعة) (قبر وانفتح شموا رائحة عفنكم) ماذا يمكن للجسد ان يضيف لهذه الكلمات الرهيبة؟ وبالمقابل فان ايماءة او حركة جسدية واحدة قد تغني عن بضعة اسطر او صفحة مليئة بالثرثرة.
نحن نفكر بالكلمات باعتبارها مادة التواصل والتعبير التاريخية التي كافح الانسان عبر ملايين السنين لاختراعها واعتبارها منظومة الرموز الاساسية لترجمة وتوصيل ما يفكر فيه البشر، افكر بصمت ثم افعل ولكن في المسرح قد يختلف الامر قليلا مطلوب مني كممثل (في الشرط الفني والمسرحي) ان افكر بصوت مسموع ثم افعل ولن نختلف حول تقديم الفعل او اللفظ او العكس ما دام منشأ الفعل هو الكلمات اصلا ويقينا انني لا اتحدث عن الافعال الحيوانية التي تحركها الغرائز.
والمسرح فعل في المقام الاول وهذا صحيح ايضا لكننا نسيء الفهم كثيرا - كما اسأنا فهم الكثير من المصطلحات والمفاهيم والاتجاهات - اقول نسيء الفهم ونقع في منزلق خطير اذا اعتبرنا كمسرحيين ان المقصود (بالفعل) هو حركة الجسد بشكلها البسيط والمعقد لان الفعل قبل اي شيء اخر هو (فعل عاطفي فكري) هذا امر لا جدال فيه اما (تحرير وتفجير الجسد) فهذه دعوة اطلقها بعض المسرحيين الجادين في الغرب لاحساسهم بالغبن الذي حاق بهذا الجانب المهم في العملية الابداعية ثم تناولها وروج لها وبالغ بها (عندهم) بشكل نزق وبفهم ساذج بعض سيئي الحظ ،ومن سوء طالع بعض المخرجين العرب وبعض الباحثين والنقاد ايضا انهم التقطوا وتمسكوا بوعي او غير وعي بما روج له سيئو الحظ هؤلاء وحاولوا ان يفرضوا علينا وعلى المسرح في العالم العربي هذا الاتجاه مستخدمين في ذلك كل وسائل الارهاب المعرفي (تحرير وتفجير الجسد) مسألة علمية معقدة قائمة بذاتها لكنهم عندنا يصرخون بها وكفى.
ولهذا فان ما يحدث في هذه العروض (الجسدية) هو انتهاك لكرامة هذا الجسد.. المسرح يحتاج الى لغة جسدية تعمل على صيانة هذه الكرامة (لغة) تعمل على تفجير الجسد بهدف بناء منظومة افعال جديدة ومبتكرة تعبر عن كوامن هذا الجسد بأدق واصدق ما يكون التعبير (لغة) تترجم وتستحضر القصي والنائي والمسكوت عنه، (لغة) تحرر الجسد من خجله وعجزه عن الاستجابات لمتطلبات النفس والروح الانسانية. اي توجه في لغة الجسد لا يهدف الى حل التناقض التناحري القائم بين صبوة الروح وتوق النفس وبين عدم الاستجابة الجسدية للكشف عن طبيعة هذه الصبوة وهذا التوق هو بحث في فراغ ويساهم بالاضافة الى ما قلناه قبل قليل في تعميق هذه الهوة وتكريس هذا التناقض والتحرير لتحقيق هذه الاستجابة، يجب ان ينطوي على معنى الانضباط الجسدي وعدم الفوضى في هذه الاستجابات لان اي استجابة لا تنهض من احتياج (جواني) ستعمل حتما على عكس ما يراد لها وبالتالي تساهم في تشويه وتعميق هذا الاحتياج الذي ينشد التعبير عنه بدقة.. هكذا افهم المسألة ومن هذا الفهم اتعامل مع جسدي في المسرح.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش