الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في اعماله القصصية: ابراهيم صموئيل.. عن العزلة والسجن الابدي والتشوق

تم نشره في الأحد 1 كانون الأول / ديسمبر 2002. 02:00 مـساءً
قراءة في اعماله القصصية: ابراهيم صموئيل.. عن العزلة والسجن الابدي والتشوق

 

 
بيروت - رويترز - من جورج جحا - يصور القاص السوري ابراهيم صموئيل عالما فعليا ومتصورا تسيطر عليه انواع من العزلة الدائمة وتشوق مؤلم شفاف الى عالم النور والانطلاق.
ويكتب صموئيل عن ذلك السجن الابدي بشعرية مميزة وشفافية وتعاطف ومحبة مصفاة من النقمة والحقد وبرمزية يسري فيها دائما تيار »فلسفي هامس او خفي«.
تتوزع انواع عزلة شخصياته بين انماط من الاعاقات الطبيعية ..عمى وبكم وصمم واصناف من الشلل الجزئي..واخرى اجتماعية تتمثل في السجناء المحرومين من النور وكذلك في اسرى العادات التي لا خلاص منها.
وقد يصعب على القارىء ان يميز بين السجن والاعاقة. فالاعاقة قد تطل مجازا في صورة السجن والسجين وقد يبدو السجين على رغم توقه الى الحرية في صورة »المتخلف« في عالم الواقع فهو ليس كالاخرين وان سار في »موازاتهم« وقد تتحول العادة الاجتماعية التي تأسر الانسان الى عامل مشل معيق.
حملت مجموعة ابراهيم صموئيل القصصية عنوانا هو »المنزل ذو المدخل الواطىء«
واشتملت على 12 قصة قصيرة في كتاب من 107 صفحات متوسطة القطع اصدرته »المؤسسة العربية للدراسات والنشر«. ولا يقتصر العجز والاعاقة على ما سبق بل يتجسد كذلك في العجز عن الانجاب كما في القصة الاولى »خواء« التي رسم فيها الكاتب شخصية امراة عاقر وصور مشاعرها وردود فعلها في حالات مختلفة. يقترح اخوها ان تقوم هي وزوجها بتبني طفل فيقتنعان منه. الا ان هذه المرأة تعاني هنا من »عجز« انساني »رفيع نبيل« كأنه انسلاخ عن الانانية الفردية وذوبان بل فناء في ما هو انساني عام. ويتمثل ذلك في انها لا تستطيع ان تعطي حبها لطفل واحد بعد ان شاهدت مجموعة الاولاد في دار التبني وتعلق قلبها بكل منهم.
وصموئيل الحاصل على اجازة في الدراسات الفلسفية والاجتماعية في جامعة دمشق عمل لسنوات اختصاصيا اجتماعيا في حقل »ذوي الاحتياجات الخاصة«. وقد صدرت له قبل هذه المجموعة ومنذ سنة 1988 اربعة كتب منها ثلاث مجموعات قصصية وكتاب احتوى على »زوايا صحفية«.
في قصة »شريط الورق« لعبة أولاد تعبر عن بعض مشكلات الكبار. تبدأ بلعبة »مقالب« حيث يمد أولاد شريطا من ورق في قسم من شارع فاذا بكثير من الناس يعتبره حدا مانعا وبعض منهم يحيد عنه متجاوزا واخرون يشتمون..الا انه يبقى حيث قائما فلا يزيله انسان..الى ان قضى عليه الضجر ..ضجر الاولاد منه وحاجتهم الى لعبة جديدة. يبدو لنا من هنا مدى تحكم الوهم والفكرة المسبقة وعدم استعداد الناس للقضاء على وهم يعتبره الاخرون قانونا. وقد يكون الوهم فعالا كالحقيقة بل اكثر منها.
في قصة »كفاصلة وسط الكلام« جو شعري تصويري مؤثر. تصوير لتوق سجناء.. كادوا يعتقدون ان السجن هو عالمهم الدائم ..الى الحرية والى ان »يضيعوا« في الزحام بين الناس..الى ان يكونوا كالاخرين. ووسط سعادة تغمرهم لان الخروج اتيح لهم ..وخلال نقلهم في نزهة في حافلة ..يلتقون حافلة اخرى تقل فريقا رياضيا. وعند اشارة ضوئية توقفت الحافلتان الواحدة في موازاة الاخرى. توهم الرياضيون ان الاخرين مثلهم اي فريق رياضي فاخذوا يكلمونهم ويسألونهم من وراء الزجاج. ثم اكتشف الرياضيون من هم هؤلاء وانهم مختلفون فزال اهتمامهم بهم.
يقول الكاتب في رمزية نفاذة انه بعد ان اقلعت الحافلتان: تواثبنا بفيض توق دفين للتواصل. نشوح لهم ونومىء ونفور متوسلين منهم حركة او نأمة او صوتا ... بيد ان ذلك لم يحدث قط. لقد مضت الحافلتان في طريقين متباعدتين تحمل احداهما تماثيل من شمع سكون ذاهل ..وتحزمنا الاخرى اليها... فلا نعود نبصر ما يعبر على زجاج نوافذنا وينزلق ولا ندري ساعتها الى اين ترانا نمضي. اذن انت مختلف فانت لست موجودا وتتكرر صورة السجناء عنده وتوقهم الى الحرية كما في قصة »تلك الحبات«.
في »خلوة« عالم معوقين.. عالم اختصاصي العلاج الطبيعي والعكازات والمقعد الدراج. وفي »طيور« نجد المعوقين مرة اخرى عند تخرجهم من المعهد »يحجلون بعكازاتهم حجلا رشيقا متواترا ويلحق بهم رنين عكازاتهم المعدنية«.
وفي »وشم« يتناول شخصية فتاة صماء مولعة بشاب يهتم بها ويكلمها فتتهرب منه لتعود الى غرفتها وتأوى الى فراشها وراح غطاء وسادتي يتماوج تحت اذني كحركات شفتيه فأسبح في بحر من النشوة والفرح بأنني مثل كل الفتيات مثل كل الذين يتخاطبون بلغة الشفاه ويهمسون بالخفاء.
قصة »المنزل ذو المدخل الواطىء« التي أعطت عنوانها للمجموعة تذكر بقصة قصيرة لسعيد تقي الدين عن رجل ارتكب جريمة وابتعد سنوات وغير شكله بالجراحة التجميلية لكنه عندما دخل منزله القديم الذي صار ملكا لرجل اخر اجرى فيه تغييرات كبيرة انحنى دون انتباه منه امام الباب الواطىء كما انطبع في ذاكرته فانكشف امره لان هذا الباب قد تغير ولم يعد كما كان. وقصة صموئيل تتحدث عن شخص كفيف كان رأسه يصطدم بباب بيته الواطىء فصار يمد يديه امامه وينحني كي يتحاشاه.
وانتقل الى بيت جديد فاستمر يمارس عادته الراسخة الى ان تعلم اخفاء ذلك. يقول: فلقد توارى حذري عن عيون الاخرين وعن عيني ايضا ...بيد انني اشعر به دفينا متلطيا يتلفني تحفزه اذ ما وصلت منزلا او اقتربت من مدخل الا وبغتني نداء قصي فاجفلني... حملت صفحة الغلاف الثانية كلاما لفاروق عبد القادر الذي قال:وراء اعمال ابراهيم صموئيل يمتد ظل يوسف ادريس فمن الواضح انه قارىء محب لمعلم القصة القصيرة الراحل. وتحدث عن براعة الكاتب في اختيار اللحظات المثقلة فكأنها عينة نموذجية لاشواق صاحبها وتوقه المشروع للاتصال بالعالم الخارجي الذي حرم منه قهرا وقسرا. وتحدث عن الاقتصاد في العبارة والحساسية المرهفة عنده في انتقاء الالفاظ التي تفجر الدلالة في الحدث الصغير وترتفع لمستوى اكثر انسانية وشمولا وتؤكد الثقة بالانسان وجوانب الخير فيه التي لا تقوى الجدران والحياة القاسية على حجبها.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش