الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الروائي الكبير: غالب هلسا.. ما زال بيننا نتلمس جبهته ويعيش مع أحلامنا وأشواقنا

تم نشره في الخميس 19 كانون الأول / ديسمبر 2002. 02:00 مـساءً
في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الروائي الكبير: غالب هلسا.. ما زال بيننا نتلمس جبهته ويعيش مع أحلامنا وأشواقنا

 

 
عمان - الدستور - قال الروائي جمال ناجي رئيس الهيئة الادارية لرابطة الكتاب الاردنيين في افتتاح حلقة البحث (غالب هلسا روائيا وقاصا) التي تقيمها الرابطة ويشارك فيها عدد من الباحثين الاردنيين والعرب وتختتم اليوم فعاليات يومها الثاني: ان غالب هلسا حاضر وموجود هنا، ويمكننا رؤيته الآن وتلمس جبهته التي تحمل ذلك الالق المميز لصخور قريته في الصباحات المشمسة، ذلك ان رحيل الكاتب عن عالم الاحياء ليس اكثر من غياب للوسيط البدني بينه وبين قارئه، اما هو، فيظل حاضرا عبر شخوص اعماله التي تتجول على نقفات ورجوم قريته ماعين، وفي شوارع القاهرة وبيروت ودمشق وعمان وبغداد وفلسطين.
واضاف: وعلى الرغم من كل ما كتب غالب، فانه لم يبح بحدود طموحاته في حياته او بعد مماته، اذ انه لم يثق بالحسابات العقلية، بقدر ما وثق بعقله الآخر، الباطن، الذي مارس تأثيراته العميقة على مجمل اعماله، مخلفا بصماته على سلالاته الروائية التي تكاثرت وتوالدت، لتحيل وجوده الى جملة من التساؤلات التي تحتاج الى اجابات اتمنى ان تقدمها اوراق العمل التي ستطرح في هذه الندوة، اذ كيف استطاع الافلات من فخاخ غربته التي تجاوزت الثلاثين عاما، في سجنه العربي الكبير الصغير؟ كيف استطاع احتمال اندحار احلامه وغياب فردوسه الذي لم يتمكن من بلوغه رغم مثابراته ومجازفاته وابداعاته، تلك التي لم تلق ما تستحق من اهتمام في حياته، بل انه لم يتقلد ميدالية واحدة تبث في روحه مقدمات لمصالحة ما مع الحياة؟ ثم كيف استطاع تبديد ذعر الاسلاف المتوارث من المخاطر التي تحدق بالقروي، حين يحمل صرته متوجها نحو المدائن اللاهثة والمسننة؟ على ان الاهم، ان غالب هلسا لم يكن معنيا في حياته، بمعرفة المكان الذي تؤكل الكتف منه، وهو ما ادى الى فقره المزمن الجميل، الذي تعايش معه، واحبه، الى حد انه ذكر في احد لقاءاته الصحفية، انه شعر بالغربة عنه، حين حصل ذات مرة على مبلغ الف دولار دفعة واحدة! بل انه احس ان للفقر عيونا تدمع، وملامح تتحسر، وقلبا يحزن، ومشاعر لا يجوز خدشها من اجل حفنة دولارات.
تحدث ايضا شقيق الفقيد الكبير يعقوب هلسا فقال لم تعد له عشيرة واهل انتم اهله وعشيرته ثم تناول شبابا ما قدر لكليهما ان يعيشا سويا.. كانت كلمة مؤثرة تحدث هلسا عن شقيقه الذي ما مات بل يعيش معنا في احلامنا واشواقنا.
ادوار الخرار، الروائي المعروف تحدث عن المشاركين العرب فأشار الى موقع الروائي غالب هلسا بين الروائيين العرب ومكانته في التجديد والخطاب الروائيين.
وكانت الروائية ليلى الاطرش قد ادارت الجلسة الافتتاحية لتبدأ بعد ذلك الجلسة الاولى التي ادارها الزميل موسى برهومة وتحدث فيها القاص ابوالمعاطي ابوالنجا (قراءة في رواية الخماسين) من مصر والناقد نزيه ابونضال (غالب هلسا والاحلام).

الخماسين والاحلام.. هزيمة يوليو
ابوالنجا قال ان هلسا من روايته (الخماسين).. اراد حين كتبها بهذا الحجم وبهذه التقنية، ان يقدم من خلالها لمحات مكثفة ومقطرة من تجربته السياسية والثقافية والانسانية في القاهرة في صور فنية تقع بين التجريد والرمز مثلما يفعل شخص لديه اشياء حية وثمينة يخشى عليها من الضياع او التلف فيحتفظ بها في ثلاجة او في صندوق صغير يسهل اخفاؤه، لكي يعود اليها حين تسمح له الظروف بمثل هذه العودة فيزيل عنها الجمود، ويعيد التعامل معها بحجمها الطبيعي، وبالطريقة التي تليق بها، وتأكد لدي هذا الانطباع حين قرأت في وقت لاحق روايته الهامة بعنوان »الروائيون«.
ثم تحدث ابوالنجا عن التقنية الروائية التي كتب بها غالب هلسا روايته تحت عدد من العناوين: (روايات سيدة ذاتية) و(تقنية جبل الجليد) و(المرأة المجهولة) و(الكتابة.. هل تكون بديلا عن الحياة؟ ام هي احدى تجلياتها؟). وفي هذا السياق خلص القاص ابوالنجا الى القول: كل شخصيات الرواية كانت تعاني من »الخماسين« كل بطريقتها والخماسين لمن هم من خارج مصر رياح عاصفة متربة ساخنة تهب في فصل الربيع من كل عام فتؤذي العيون والجلد، وتخنق الانفاس، وتسبب شتى امراض الحساسية، وتجعل الحياة صعبة ومرهقة، وتعطي عذرا مناسبا للشخص لكي يجعلها سببا لما يمكن ان يقع فيه او يرتكبه من اخطاء! وهي تأتي في الوقت الذي كان الناس ينتظرون فيه فصل الربيع، وانقشاع البرودة، وتفتح الزهور، ونضج الثمار! فهل كان ما يقصده »غالب هلسا« بهذا العنوان ان وعود ثورة يوليو 1952 التي كان الناس يحلمون بها كما يحلمون بالربيع لم يتحقق منها سوى رياح الخماسين؟! المعنى كما يقولون في بطن الشاعر، او كما ينبغي ان يقال هنا في بطن القصاص »غالب هلسا«.
واعتبر الناقد ابونضال الرواية الاخيرة لغالب هلسا: الروائيون بأنها اجرأ رواياته، وبعد ان مهد لبحثه بمجموعة من المفاتيح (النقدية): كان هلسا في كل كتاباته يعتمد على جدلية لا تخطىء، في الربط المحكم بين المطلق والمتعين.. بين الكلي والجزئي.. ورغم انه ينطلق من رؤيا نظرية شاملة لموضوعه، الا انه لا يلجأ الى تفصيل الواقع لكي ينسجم مع هذه النظرية، ولهذا تجده على الدوام يبدأ من الجزئي والتفصيلي، ومن التجربة اليومية الحية او العملية البسيطة، ثم يروح بعد ذلك يتابع دلالاتها وابعادها ليربطها بالمنظور الكلي او بالقضية العامة المطروحة، وقد يعود ثانية وانطلاقا من هذا الكلي العام الى الجزئي الخاص ليكشف ابعادا ودلالات اكثر اهمية وخطورة.
الى ذلك رأى ابونضال في بناء الشخصية الروائية عند غالب هلسا بأنه نوع من الاعتراف المسيحي، وكأنه ذلك الطفل الصغير يركع امام الكاهن معترفا بخطاياه، في »ماعين«، او ذلك الطفل الكبير يعترف، اواخر ايامه، امام الطبيب النفسي، في دمشق. والرغبة في الاعتراف هي، كما يقول عالم النفس السويسري كارل يونج، سمة انسانية عامة، »فكل انسان له شخص يعترف اليه حتى البابا نفسه«.. وهذه الاعترافات العلاجية هي في جانب منها استدعاء ما هو مختفي من جبل الجليد العائم، في بحر الطفولة او من منطقة اللاوعي.
ثم ناقش ابونضال ذلك في عدد من روايات غالب هلسا وليس (الروائيون) فقط.

هلسا... انتقال الرعب من الشخص الى الشخصية
الجلسة الثانية ادارها الشاعر ابراهيم نصرالله وشارك فيها د. شكري الماضي (تطور النسق الروائي عند هلسا) والباحث موفق محادين (الروائيون لغالب هلسا: موت الراوي).
د. الماضي رأى ان النسق الروائي لدى غالب هلسا تطور من مرحلة الى اخرى مضادة لها في فترة زمنية قصيرة نسبيا، واعتبر الماضي هذا التطور دلالة انتقال من الرؤية الوثوقية في فهم العالم وحيازته جماليا الى الرؤية اللايقينية حيث الحيرة والغموض والعبث.
ولاحظ د. الماضي ان التطور تم في تجسيد الوحدة والتشابه فانتقل منها الى تجسيد قيم التعدد والاختلاف ومن التركيز على العالم الداخلي للذات الانسانية الى تصوير العلاقة بين الذات الانسانية والعالم من خلال صور سردية ووصفية متجاورة ومتزامنة.
وأخيرا الى الباحث محادين الذي افتتح القول بأن كل من قرأ »الروائيون« آخر الروايات التي كتبها هلسا، يتولد لديه احساس ما بأن قرار هلسا بموت او انتحار ايهاب، الشخصية الرئيسية في الرواية، يحمل في ثناياه نزعات استبطانية سوداء ورغبة غامضة في موته نفسه، غالب... فغالب موجود في رواياته بصورة او بأخرى، ويتحدث ابطاله بلسانه الى حد ما او كما لو كان هو نفسه في مرات واشارات كثيرة.
كان ايهاب يعيش وقائع حياته كأنه شخصية داخل رواية. وهو قد لاحظ بالنسبة له وللفنانين الآخرين، انهم يصاغون بعد مرور فترة من ابداعهم بفنهم.
هذه الفكرة ناقشها محادين عبر ثلاثة عناوين: ضد الاغتراب.. الكتابة والمرأة والاختناق.. زينب أم الرواية.. وموت الراوي ليخلص الى القول:
لقد حدد غالب مشكلته او قضيته جيدا، الاغتراب، لكنه ابدا لم يغادر منفاه الداخلي، وظلت ادواته نفسها غريبة عنه، وتحول الوعي المتجاوز، من وعي مفترض الى عبء ثقيل ونكوص اسطوري جمالي اكثر منه فسحة للمماطلة على حافة هيدغر، ضمير الغائب الذي نافس دفاتر الديالكتيك في حضوره الطاغي، وكان يعيد الصخرة الى صدر غالب في كل مرة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش