الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حيلَة

تم نشره في الجمعة 4 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً



سمر الزعبي

قبل أن يغسلَ وجهه كلّ صباح، يشعل سيجارة، ويرشف من فنجان قهوة بائت، ثمّ يتفقّد صندوق الرسائل، يجده مكتظاً بمحادثات جافة، الكثيرات حاضراتٌ إلا هي، ولم يراسل سواها، يتضح له أن الرسائل مقروءة، خاوية الصّدى، تقارع الفشل.

يجاملهنّ.. بعدما أضرمَ الشوق في صدورهنّ ذات لهو، ثمّ يمضي إلى تصفّح الفيس بوك، يغتسلُ بنور وجهها، المطلّ من صورتها الشخصيّة، يمرّر أصبعه على شعرها الأسود الثرثار، يقرص خدّيها، ثمّ تتورّد شفتاها من القُبل.

يقرأ الحالةَ الجديدة التي نشرتها، يبدأُ تفاؤلاً إن لاحظَ سعادتها، أو يتعكّر مزاجه إن لمسَ حزناً قد طالَها. لا يلقي التحيّة على أهل البيت، يتجهّم لابتسامةِ البوّاب، يقود منشغلَ الفكر، وغالباً ما يشتمُ السائقين.

يختلف مع زملائه، فيطلبه المدير منبّهاً، يجمع أغراضه ويغادر، فيما يتهامسون، يستأنف عمله من البيت أحياناً، مادام مرتبطاً بـ «الاميل» أو «الفيس» لا ضير.

زميله مَن على المكتب المجاور يتعاطف معه، ويفترض أنه يمرّ بظروف صعبة، وزميلته التي تجلس قُبالته تؤكّد على أنّه مجنون، المدير يعتبره مزاجيّاً ولا بدّ من حل، فيضرب زجاجَ مكتبه واسعَ المدى بكفِّ مُغاضِبٍ، أمّا الزميلة التي ينحسر مكتبها الصغير بين الباب و «الكولر» فتلتمس له عذراً من باب القلب.

يضحكون، ويستبعدون الحالةَ عن أذهانهم، فهو من علّق غدير ومها ثمّ اختفى، خدع رزان بعلاقةٍ أقامها مع صديقتها، فكرهته الثنتان، أحبّته جلّنار، فتكسّر قلبها بعزف منفرد، و.. و... و..

طال به السّهر، وتكرّر تأخره عن موعد الدوام، ضَعُفَ تركيزه، كثرت أخطاؤه، وعلِقَ بين العملاء، بادَلَ في سهوٍ بين معاملاتهم، وكبّد الشركة خسارةً لا تُغتفر، فطُرد.

رغم ذلك يرسل باقات الورد كلّ صباح، ولا ترويه بردّ، يكتب أبيات الشعر باختيارات موفّقة التعبير.. ولا يوقفه صندوقُ محادثةٍ لا واردَ فيها.

العائلة تحيطه لوماً، أنْ منذ أحبّ، خسر تفاصيلَه، وتماهى وجهُه في رائحة التراب، لكنّه ضرَب على أُذنيه، قطف منه الوردَ، وبعثَهُ إليها، صفقت على أنامله الأبوابَ غير عابئة، امتصّ ألمها، وعاد يجترّ الخيبة أسِفاً.

باقات الورد ذبُلت، وتساقطت بتلاته في مربّع صندوق الرسالة، تكوّمت على ضلعه السفلي، وانطبقت بقيّة الأضلاع فوقها، حتى حُبِست الأنفاس، جفّتْ، وتفتّتت، ثمّ انسابت من شاشة الهاتف خريفاً ملأ َكفّه.. مبهوراً تأمّلهُ، محزوناً نفضه عن يده.

وذات مصادفةٍ، لم يكن بمسطاعه اخفاء باقة الورد لمّا فُتح له الباب، إلا أنّها كانت سبباً في ظنٍ جعل أصحاب البيت يرحّبون بدخوله، على أنه أحد المدعوّين إلى مناسبة عائلية رزينة الاحتفال.

شهقت أنفاسُ الورد، فالحبيبة مُحتفى بها، والخطيبُ يُلبِسها الدّبلةَ، بينما غديرٌ ومها.. رزان وصديقتها، و.. و.. يشارِكْنَها فرحاً، وجلّنار ترمقهُ بعينٍ طوت الحزنَ تحتَ رموشها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش