الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جماليات القصة القصيرة في مجموعة كُمُسْتير لجعفر العقيلي

تم نشره في الجمعة 4 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

د. عماد الضمور *



جعفر العقيلي كاتب أردني حقق حضوراً واضحاً في مجال القصة القصيرة بدءاً بمجموعته القصصية» ضيوف ثقال الظل الصادرة عام 2002م، ومروراً بمجموعته» ربيع في عمّان الصادرة عام 2011م، ومجموعته» تصفية حساب « الصادرة عام 2014م، وانتهاءً بمجموعته القصصيّة «كمستير» الصادرة عام 2015م.

في مجموعته الأخيرة» كُمُسْتير» يُكثّف الكاتب فن القصة القصيرة في إشعاع دلالي، يختلس من الفن الدرامي طرائقه في تصعيد وتيرة الأحداث ومن الرواية كثافتها السردية محافظاً للقصة القصيرة هويتها التي تميّزها في اقتناص اللحظة الحالمة والقدرة على تعميق الإحساس بالوجود من خلال عالم يتحرك فيه القاص برشاقة تعبيريّة تمسك بزمام السرد دون أن تقع في التعمية المضللة أو التفصيل الممل.

وهذا شأن العقيلي في قصصه القصيرة يتجه إلى اليومي دون الخوض في التفصيلات إذ يبعث نفسه من خلال نصوصه ذاتاً متشظيّة في الواقع.

وهذا سمح للكاتب بإنتاج مستويات خطابية أثيرة، تتقلص المساحة المكتوبة بتعاظم لغة السرد، كما في قصة» تصفية حساب» التي تقدّم العنوان بعمق دلالي وثراء فني لا يخلو من التشويق، والإثارة وكأن الشخوص تُساق إلى مصيرها بنفسها، يقول واصفاً حركة شخصيته الرئيسة» نهض بتمهل مَنْ لا يستعجل شيئاً. أخرج من معطفه ورقتين، ألقاهما نحوي فاستقرتا على الطاولة . اجتاز الباب الذي كان ما يزال مفتوحاً. رعشةُ بردٍ أصابتني فيما اندغم في ظلمة الخارج وحين تيقنت أنه غادر فضائي استعدتُ مكاني الذي استباحه وتشبثتُ به مستسلماً لغواية الكتابة. وفي الأثناء كان قلقٌ يساورني من أن يعود ويسلبني ما تبقّى لديّ من ورق وكلمات»(1).



إنّ التحرك بين العمق الفكري والمكان دفع بالمتلقي إلى البحث عن طبيعة المكان ومآله، وجوهره، ممّا جعله يدخل فعل القراءة برغبة جامحة لاكتناه الحقيقة، بعدما وقع في إغواء النص.

يؤسس جعفر العقيلي خطابه القصصي من فضاءات واقعية تؤكد انتماء القصيرة لأسلوب السرد بالدرجة الأولى، إذ يُسهم هذا الأسلوب في تنشيط العلامة اللغوية وجعلها أكثر قدرة على استعارة الدال اللفظي الذي يخالطه اللفظ العامي بكلّ تلقائية وقدرة على استيعاب المعطى الفكري للخطاب القصصي، كما في قصة» علامة فارقة» حيث يقول في تداعيات واعية:» لكن ، لا بُدَّ ممّا ليس عنه بُدٌّ، ففي يومٍ تلا، كانت زوجتي ستصحبني لنباركَ لصديقةٍ لها اصطادت» عريساً لقْطَة» وقد استدعاها ذلك أن تُبدي اهتماماً لافتاً بما سأرتديه، فيما كانت الشَّعرة تتعربشُ الهواءَ، وتتأبّى أن تستريح وتريحني. وقد تسبّبتْ شقاوتُها في إرباكي، وأشغلَتْني بها، حتى ما عدتُ قادراً على التجاوب مع مقترحات زوجتي التي أرادتني « آخر شياكة»(2).

يُمارس خطاب الكاتب القصصي انفلاتاته الأسلوبية ليتمخض خطاب آخر يدمج به اليقظة بالحلم والمعاش بالمتخيل، ويصهر الواقع بالفانتازيا؛ لينتج واقعاً نصيّاً مليئاً بالظلال والإيماءات التي تنحرف بالفعل السردي عن دلالته المباشرة لينفتح الخطاب على دلالة جديدة تتضمن المعنى الباطني للنص كما في قصة(كمستير) التي يستوحيها من لعبة شعبية يمارسها الأطفال، يُغمض فيها أحدهم عينيه بينما يختبئ البقية في محيطه ثم يفتح عينيه ويبدأ البحث عنهم، فإذا عرف موقع أحدهم لَمَسهُ بكفه وهو يقول: كُمُسْتير . ثم يكون على الطفل « المقبوض عليه» إغماض عينيه لتبدأ اللعبة من جديد.  

إذ يجرد الكاتب من نفسه شخصية محوريّة تتبنى فعل السرد، وتوجه دلالته، وتفضي بمكنوناته العميقة؛ كما في حديثه عن نفسه في حالة الاختفاء:» المهمُّ أنني الآن في مواجهة رأسي، بدت فكرةً فانتازية كلّما أمعنتُ فيها قادتني إلى ضفاف الجنون. رأسي معروضةً للبيع في حانوت قديم. رأسي التي أستطيعُ تمييزها من بين ملايين الرّؤوس تنتظر من يشتريها . يا لها من « مسخَرَة»(3).

إنّ تواشج البناء والرؤية سمة واضحة في خطاب جعفر العقيلي القصصي، ممّا جعله يتجاوز البنى الذهنية المألوفة، ويسعى إلى إقامة مدلولات عميقة عبر خطاب مباشر ، وتشكيل سردي رافض للواقع، كما في قصة « تَعايُش» التي يصف حاله عند انتقل إلى بيته الجديد الذي لمي يعد احتمال وحدته فيه:» تمنَّيْتُ أحياناً لو أنّ لي جيراناً كبقية الناس، يَقُضُّون مضجعي في ليالي وحدتي، يؤنسونني بشجاراتهم الصّغيرة، بأصواتهم الهادرة في سهراتهم المكتنزة بالثرثرات وياما ابتهلتُ:».. لو يا ربّ تمنحُني واحداً، أسمعُ صريرَ بابه حين يدخلُ إلى بيته أو يغادره، لأتأكَّدَ أنّني ما زِلتُ في سجلّ الحياة لا على قيد عزلة تتغوّل فيّ وتلوّن أيامي بقتامة لم أعد أحتمِلُها»(4).   

ويدعم القاص خطابه القصصي برغبة مرهونة بالإرادة فكانت هيمنة الذات على خطابه القصصي المنتشي بالمعاناة ومحاولة الإفلات من سلطة الواقع ومراراته المستمرة، فكان تسريد الخطاب الحدث وإمداده بمقومات حركيّة ينتجها تتابع فعلي وحضور مكثف للذاكرة يستدعي الماضي لمواجهة الواقع، كما في قصته( دُوَار) حيث يقول:» تبدأ حكايتي، يا سادتي يا كرام، عندما وجدتني في معترك الصَّحْو، دفعةً واحدة. أفنيتُ حياتي أحاول فَهْم ما يحدث لي أو بي ـ لا فرق ـ وها إنني لا أدّعي بعد كلّ هذا العمرـ هل أذكره لكم محسوباً بالثواني أم بالدقائق أم بالساعات؟ ! إنني أحَطت علماً بما يُشبع نهمَ أسئلتي الجائعة. هكذا، فجأة، نبضَ قلبي. فإذا بي كالمنبت ّ، لا أهل لي ولا عائلة»(5).

تتضمن قصص جعفر العقيلي جانباً واضحاً من القلق الوجودي، وهو قلق مشروع في ظل حضور مأزوم ، يحاول القاص القاص الإفلات من سطوته، ممّا أنتج رؤيا جامحة، وأسئلة قلقة مقلقة تجتاح فضاء النص بحثاً عن الحقيقة، حيث يقول:» ما معنى النهاية، ماالبداية؟ قارّاً لدّي حول ذلك، ولا أظنني سأحظى به في وقت لاحق، هل قلتُ « وقت» نعم . أنا التي أمضي حياتي من دون به الوقت. يا لها من مفارقة لستُ في آخر المطاف سوى ساعة.. مجرد ساعة، تُضيع وقتها لتمنح أوقاتكم معنى»(6).

إذ تنبثق الرؤيا من صور الأحلام المُثقلَةٍ بالدلالات تُجسِّدُها تساؤلات في رحلة البحث عن حلم مطموس الملامح، مجهول الهوية، حلم يسكن أعماق الذهن. إنّه الحلم بلحظة خاطفة قصيرة.

 الهوامش:

1 ـ جعفر العقيلي: كُمُسْتير، ط1، منشورات جرش مدينة الثقافة الأردنية عام 2015م، ص 19.

2 ـ المصدر نفسه، ص 31.

3 ـ المصدر نفسه، ص 41.

4 ـ المصدر نفسه، ص 55.

5 ـ المصدر نفسه، ص 128.

6 ـ المصدر نفسه، ص 138.



* ناقد وأكاديمي من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش