الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في ندوة عن حال الثقافة في لبنان: احمد بيضون: لا موت للثقافة بل شبهة موت انتشرت مع الموت الواقعي في الحرب

تم نشره في الثلاثاء 10 أيلول / سبتمبر 2002. 03:00 مـساءً
في ندوة عن حال الثقافة في لبنان: احمد بيضون: لا موت للثقافة بل شبهة موت انتشرت مع الموت الواقعي في الحرب

 

 
عمان ـ الدستور: عن حال الثقافة وواقعها الراهن قال المثقف اللبناني د. احمد بيضون: في غضون العقد الاخير، لم يبق شيء مما يؤثر عن خمسينات القرن الماضي وستيناته، في لبنان الثقافة، الا وحصل ما يضاهيه، مضاعفا مرة او مرات فاذا نحن بدأنا من الفنون، الفينا انفسنا، في الاعوام الاخيرة، حيال وتيرة لمعارض التصوير والنحت »وان يكن هذا الاخير محدود الحضور: كان وما يزال« لم يكن للبلاد عهد بها من قبل. وهي معارض كرست حضورا بات على قدر من الرسوخ او آخر، لفنانين باشروا تجربتهم غداة الحرب او كانت هذه الاخيرة قد اجلت ظهورهم بضع سنوات. وتقارن اعمال بعضهم باعمال القلائل ممن صمد ذكرهم من الستينات والسبعينات، من غير ما افتئات على هؤلاء.
واضاف في ندوته »ملامح لحاضر الثقافة في لبنان« التي استضافها في مقره منتدى مؤسسة شومان امس: وقد تكاثرت مراكز العرض نسبيا وعادت المراكز الثقافية الاجنبية لتضطلع بقسطها في هذا المضمار. واستقدم بعض المراكز اعمالا من الخارج للبنانيين او لأجانب، ولا يزال يفعل. على ان الحنين وجد مقاما له هاهنا ايضا. والحنين المشار اليه هنا سنة مستقرة من اعوام الحرب. فلم تغب اعمال الحرفيين، عن الساحة، واعدت مناسبات دورية لعرض التحف والمصوغات من كل نوع. واقيمت معارض حنين للصور الفوتوغرافية القديمة وللوثائق. وقد كرس بعضها لشخصيات من رموز الثقافة الوطنية استعيدت ملامح من سيرها بهذه الوسيلة. وكرس اكثرها لمعالم مختلفة من البلاد والمجتمع ولبيروت، على الخصوص. وقد يكون جائزا ان ندرج في سياق الحنين هذا هذه الدوريات التي اعيدت طباعة مجموعات منها اما تامة واما مختارة، وهذه الكتب التي اعيد طبعها، بعد طول غيبة، لترد الينا وجوها واصواتا من لبنان القديم، في المعارض اذن يتخذ المستعاد، على نحو ما، سبيلا ينحو بالمشاهد الى الدخول مداورة في جوقة نعي الحاضر.
ثم استعرض د. بيضون مهرجانات بيروت وحالها سواء التي تعود الى ازمنة ما قبل الحرب ام تلك المستحدثة.
ورأى د. بيضون ان ثمة خللا ما في ادراكنا لما هي عليه حال ثقافتنا اليوم. وقد اجترحنا للثقافة عندنا عصرا ذهبيا نسخره لتعميم هذا الخلل وتأبيده. فإلام يعزى هذا العناد في الازراء بالنفس وهذا الخنوع امام اقرب الاسلاف يتراءى خلف النشاط المحموم وقد يكون هو نفسه واحدة من علل هذا النشاط؟ ذاك سؤال يستحق ان يطرح. وقد نجد جوابا فضفاضا عنه، ينتمي الى تاريخ الذهنيات، في القول اننا نزاعون دائما الى ايثار السالف من الايام والسلف من الناس، متمثلين، في هذا بالحديث الشريف: »خير القرون الذي انتم فيه فالذي يليه فالذي يليه«، وقد تأولناه بحيث جعلنا كل سلف خيرا من خلفه بالضرورة. على ان هذا تفسير قاصر، فحقيقة الامر ان الثقافة اليوم اوفر عافية مما كانت عليه قبل ثلاثين سنة. واما المفتقر الى العافية ـ امس واليوم، ولكن اليوم اكثر بكثير من أمس ـ فهو البلاد نفسها مجتمعا ودولة. ثم استعرض المحاضر موقف المثقفين اللبنانيين من لبنان في غير صعيد.
وفي صدد الاجابة عن »ما الذي مات؟« قال د. بيضون
»لا موت للثقافة بل شبهة موت يأخذها بها اهلها الذين تحيا بهم. وهذه شبهة اشتدت وانتشرت مع انتشار موت البشر والمعاني والاشياء في الحرب »وهو الموت الواقعي« ثم اصبحت هاجسا ملازما للمثقفين مع استمرار مفاعيل الحرب بعد توقفها واستحالة المجتمع والدولة الى وسط مقاوم لما كانت الثقافة قد الفت انتاجه من معان مجانسة لأحد مشروعيها الآنفي الذكر، اي لاوفر القيم حظا من العمومية في تراثها. نحن اذن حيال مجهودات ثقافية تاهت عن مسوغها، اذ افتقدته في المجتمع الذي يفترض انه مصدرها. فكان ان اكثر تجلياتها ابداعا ابتدعت لنفسها مسوغا غريبا هو استعداء المجتمع اهلها بما هو مفض ـ على ما سنرى ـ الى استعدائها اهله جملة. ذاك موقف يسم طلائعها، وان لم يسمها جميعا، بطبيعة الحال، وهو على قيد مخاض قصير من ولادة المبدعين بما هم افراد، وهو على قيد أنملة من اعلان موت هذه الثقافة او انتحار هؤلاء الافراد«.
ثم تعرض د. بيضون لحال الشعر فالرواية في لبنان فتوقف عند عدد من التي اتخذت الحرب مدارا لها ليناقش عبر شخصياتها عددا من الافكار حول الشخصيات واللغة والابعاد النفسية.
وعندما تطرق الى البحث الاجتماعي قال د. بيضون تبدو الطائفية قاعدة يبنى عليها. ويتركز حديث التفاوت الاجتماعي على ضمور الطبقة الوسطى. فيقبل مبدأ التفاوت من غير جدال او تمحيص وتعتبر مسألة الاستغلال غير ذات موضوع. ويعد توزيع السلطة القائم في عالم الانتاج مقبولا اجمالا فيستبعد اشتراك طرفي الانتاج في اي قرار يتصل بهذا الاخير ما خلا ترتيب الاوضاع القصوى المتصلة عادة بالتسريح الجماعي وبالاقفال. ويعتبر تراجع الدول الرعاني للدولة تحصيل حاصل احيانا وهدفا منشودا، احيانا اخرى، وتتراخى عزيمة الباحث وتغيم استنتاجاته حين يفضي الى دائرة النتائج. وتقبل »الخصخصة« دواء رئيسا للعجز والدين فينظر فيها من جهة الدولة والمرشحين لاستثمار المرفق ويترك عنانها مرخى من جهة المستهلك. وتحظى »العولمة« بالقبول نفسه فلا يتخيل حد للهيمنة الامبريالية التي ترعاها غير الحد المتقطع لهيمنة اخرى راسية على اساس قومي.
وفي ختام ورقته قال د. بيضون ان ما يشذ عن الحال الموصوفة ليستبقي لعالم البشر نكهة وقيمة بات ضئيلا ومحاصرا في لبنان وغيره. حتى لتبدو الشواذ وكأنها متنفسات ضيقة مأذون بها، في نطاق رعاية اجمالية للعجز العام. والمجتمع اللبناني من المجتمعات التي لا تزال انفاس نضرة للفن والادب وللمعرفة والفكر تنعشها حائلة دون اختناقها تحت ربقة المصالح الدنيا وركام اللغو والبهتان المستشريين والقبح المترامي الاطراف. تلك انفاس تنعشنا كل يوم. ولكنها انفاس ضئيلة تتصاعد لتكبر بها سحابة لا يدرى ان كانت ستمطر في يوم من الايام.
وقد قدم د. بيضون للجمهور وادار الحوار الزميل الناقد فخري صالح.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش