الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جلب المصالح ودرء المفاسد.. الأصل والفرع؟

تم نشره في الجمعة 11 كانون الأول / ديسمبر 2009. 02:00 مـساءً
جلب المصالح ودرء المفاسد.. الأصل والفرع؟ * أحمد الريسوني

 

 
جلب المصالح من جهة ، ودرء المفاسد من جهة أخرى: أيهما السابق وأيهما اللاحق؟ أيهما يقدم وأيهما يؤخر؟ أيهما الأصل المتبوع وأيهما الفرع التابع؟...

ثمة قاعدة شهيرة ومسلمة - أو شبه مسلمة - في الفقه الإسلامي ، بل هي سيارة على ألسنة الدعاة والوعاظ وكثير من الناس ، وهي قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح . وهي تعني أن المكلف إذا كان بصدد جلب مصلحة ، لكن تلازمها أو تعترضها مفسدة ، فليترك تلك المصلحة ، حتى لا يقع في المفسدة الملازمة لها. وهكذا كلما اختلطت علينا المصالح بالمفاسد ، فدرءُ المفاسد مقدم على جلب المصالح... ، أي أن الأولوية للسلامة من المفاسد والمحظورات ، ولو بالتضحية بالمصالح والمشروعات. ويعبَّـر عن هذه القاعدة بعبارات أخرى مثل قولهم: الاجتناب مقدم على الاجتلاب ، أي اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح.

ومما يُستدل به على هذه القاعدة ، الحديثُ النبوي المتفق عليه: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم...) ، فالحديث جازم في ضرورة اجتناب كافة المنهيات ، بينما المأمورات خففها وعلقها بالاستطاعة.

والحقيقة أن الاجتناب إنما كان لازما في جميع المنهيات ، لكون الاجتناب دائما في الإمكان وفي المستطاع ، لأنه عبارة عن الإمساك وعدم الفعل. وعدمُ الفعل يستطيعه الجميع ، فلا يحتاج إلى قدرة أو جهد ، أو سعي ، أو وسائل... بخلاف المأمورات ، فهي بحاجة إلى جهد وسعي وبذل ، ووسائل وإمكانات... وكل هذا قد يكون بالإمكان وقد لا يكون ، ولذلك علقت الأوامر بالاستطاعة.

فليس في الحديث دلالة صريحة ولا صحيحة ، على أفضلية درء المفاسد على جلب المصالح ، وليس فيه دلالة على أولوية الاجتناب على الاجتلاب.

وقد تناول ابن تيمية هذه القضية ، في بحث فلسفي عميق ومفصل ، قال في مطلعه: (قاعدة) في أن جنس فعل المأمور به أعظمُ من جنس ترك المنهي عنه ، وأن جنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عنه ، وأن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات ، وأن عقوبتهم على ترك الواجبات أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات (مجموع الفتاوى 20( ـ 85).

وقد استدل رحمه الله على هذه القاعدة من وجوه عديدة ، أوصلها إلى اثنين وعشرين وجها ، وفي كل وجه عدد من الأدلة: مما يبين أن إتباع الأمر أصل عام ، وأن اجتناب المنهي عنه فرع خاص ، ويؤكد أن فعل المأمور به أصل وهو المقصود ، وأن ترك المنهي عنه فرع وهو التابع - (مجموع الفتاوى 20 ـ 116)

ومما يستدل به القائلون بأفضلية اجتناب المنهيات والمفاسد ، كون التقوى _وهي عماد الدين وجماعه - عبارة عن التوقي والاجتناب للمعاصي والمنكرات والمفاسد ، وعلى هذا فالخير كله في الاجتناب.

وقد رد عليهم ابن تيمية ردا مطولا وبليغا ، قال في بدايته: ومَنً الذي قال: إن التقوى مجرد ترك السيئات ، بل التقوى كما فسرها الأولون والآخرون: "فعلُ ما أمرتَ به وتركُ ما نهيتَ عنه". كما قال طلق بن حبيب لما وقعت الفتنة: اتقوها بالتقوى ، قالوا وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ترجو ثواب الله. وأن تترك معصية الله ، على نور من الله ، تخاف عذاب الله.

وقد قال تعالى في أكبر سورة في القرآن: )الم ذَلًكَ الْكًتَابُ لَا رَيْبَ فًيهً هُدًى لًلْمُتَّقًينَ الَّذًينَ يُؤْمًنُونَ بًالْغَيْبً وَيُقًيمُونَ الصَّلَاةَ وَمًمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفًقُونَ) إلى آخرها. فوصف المتقين بفعل المأمور به من الإيمان والعمل الصالح من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وقال )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذًي خَلَقَكُمْ وَالَّذًينَ مًنْ قَبْلًكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وقال: (لَيْسَ الْبًرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قًبَلَ الْمَشْرًقً وَالْمَغْرًبً وَلَكًنَّ الْبًرَّ مَنْ آَمَنَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الْآَخًرً وَالْمَلَائًكَةً وَالْكًتَابً وَالنَّبًيًّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبًّهً ذَوًي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكًينَ وَابْنَ السَّبًيلً وَالسَّائًلًينَ وَفًي الرًّقَابً وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بًعَهْدًهًمْ إًذَا عَاهَدُوا وَالصَّابًرًينَ فًي الْبَأْسَاءً وَالضَّرَّاءً وَحًينَ الْبَأْسً أُولَئًكَ الَّذًينَ صَدَقُوا وَأُولَئًكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ). وهذه الآية عظيمة جليلة القدر من أعظم آي القرآن وأجمعه لأمر الدين. وقد روي أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن خصال الإيمان فنزلت... وقد دلت على أمور:

أحدها: أنه أخبر أن الفاعلين لهذه الأمور هم المتقون ، وعامة هذه الأمور فعلُ مأمورْ به.

الثاني: أنه أخبر أن هذه الأمور هي البر وأهلها هم الصادقون ، يعنى في قوله )مَنْ آمن...( ، وعامتها أمور وجودية هي أفعال مأمور بها. فعُلم أن المأمور به أدخلُ في البر والتقوى والإيمان من عدم المنهي عنه. وبهذه الأسماء الثلاثة استُحقت الجنة كما قال تعالى: ( إًنَّ الْأَبْرَارَ لَفًي نَعًيمْ وَإًنَّ الْفُجَّارَ لَفًي جَحًيمْ) ، وقال (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقًينَ كَالْفُجَّارً) وقال (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقًينَ كَالْفُجَّارً).. -(مجموع الفتاوى 20 ـ ص 133)

وقبل ابن تيمية نجد الفخر الرازي _المفسر الأصولي المتكلم_ يسجل تنبيها عميقا عند تفسيره آية الحديد (من سورة الحديد) ، حيث قال رحمه الله: مدار التكليف على أمرين: أحدهما: فعل ما ينبغي فعله. والثاني: ترك ما ينبغي تركه ، والأول هو المقصود بالذات ، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد ، لأن الترك كان حاصلاً في الأزل .

يعني: لو كان القصد الأساسي من الخلق ومن التكاليف هو ترك المنهيات واجتناب المفاسد ، لكان أفضل تحقيق لذلك هو عدم خلق البشر. ومعنى هذا أن الناس خلقوا أساسا ليفعلوا لا ليجتنبوا... ، وإنما يجب اجتناب المنهيات ومفاسدها ، بسبب ضررها بالمأمورات ومصالحها.وهذا ما عبر عنه ابن تيمية بقوله: فعل المأمور به أصل ، وهو المقصود ، وأن ترك المنهي عنه فرع ، وهو التابع

ومن لطائف التشبيهات للمسألة ، ما قاله الرازي عند تفسير قوله تعالى:)رسُلاً مُّبَشّرًينَ وَمُنذًرًينَ( سورة النساء: 165 ، حيث قال: وإنما قَدم البشارة على الإنذار ، لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة ، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض. ولا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثاني ، فلا جرم وجب تقديمه في الذكر . وهي الفكرة التي فصلها ابن تيمية وابن القيم ، حين اعتبرا أن الأوامر والمصالح بمثابة الغذاء ، وأن اجتناب النواهي والمفاسد بمثابة الحمية والدواء. ولا شك في أولوية الغذاء ، وأنه هو الأصل في صحة الإنسان وقيام حياته ، وأن الحمية والدواء فرع واستثناء.



Date : 11-12-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش