الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الليالي السومرية للطفية الدليمي : مقاربة نسوية لملحمة جلجامش

تم نشره في الجمعة 27 آذار / مارس 2009. 03:00 مـساءً
الليالي السومرية للطفية الدليمي : مقاربة نسوية لملحمة جلجامش

 

 
عواد علي ہ



لطفية الدليمي روائية وقاصة وكاتبة مسرحية وباحثة ومترجمة عراقية بارزة ، تتخذ من عمّان الآن ملاذاً لها بعدما تركت باريس ، التي لم تقدر موهبتها الكبيرة ، وذاقت في مجتمعها الويل. ترجمت قصصها إلى الإنجليزية والبولونية والرومانية والإسبانية والصينية ، وقُدمت رسائل ماجستير وأطروحات دكتوراه عن قصصها ورواياتها في عدد من الجامعات العراقية. أصدرت أول مجموعة قصصية بعنوان (ممر إلى أحزان الرجال) في بغداد سنة 1970 ، ثم تلتها بسبع مجموعات منها: (البشارة ، )1975 ، (التمثال ، )1977 ، إذا كنت تحب )1980 ، (عالم النساء الوحيدات ، )1986 ، و(برتقال سمية ، 2002). في مجال الرواية صدر لها: (بذور النار ، بغداد )1988 (من يرث الفردوس ، القاهرة )1989 ، (خسوف برهان الكتبي - ط1 - اسبانيا 2000 ، ط2 رام الله )2001 ، (ضحكة اليورانيوم ، بغداد2001) ، و(حديقة حياة ، ط1 بغداد 2004 ، ط2 دمشق 2005). في الدراسات صدر لها: كتاب (العودة إلى الطبيعة: دراسة في نمط العيش على وفق الفلسفات الشرقية - الآسيوية) ، كتاب (المرأة المبدعة في حضارات العراق القديمة) ، (جدل الأنوثة في الأسطورة: نفي الأنثى من الذاكرة) ، (كتابة المرأة والحرية) ، (اللغة متن السجال العنيف بين النساء والرجال) ، (لغة النساء في سومر القديمة) ، و(صورة المرأة العربية في الإعلام المعاصر). في الترجمة صدر لها: (بلاد الثلوج ، رواية لياسونارى كواباتا ، )1985 ، (ضوء نهار مشرق ، رواية لأنيتا ديساى ، )1989 ، (من يوميات أناييس نن ، )1999 ، و(شجرة الكاميليا: قصص عالمية ، 2002). كتبت خمسة نصوص مسرحية هي: (الليالي السومرية) ، وقد عُرضت على المسرح ونالت جائزة أفضل نص يستلهم التراث السومري سنة )1995 ، (الشبيه الأخير) ، (الكرة الحمراء) ، (قمر أور) ، و(شبح جلجامش). ولها في أدب الرحلات مخطوطة ستنشرها دار فضاءات في عمّان بعنوان (يوميات المدن - فندق عدن).



الليالي السومرية

تقوم مسرحية "الليالي السومرية" على مقاربة نسوية لملحمة جلجامش ، وتتقصى المسارت التحتية لحركة الشخصيات وأفعالها وتقاطعاتها. وهي واحدة من ثلاث مسرحيات استلهمتها الكاتبة من الموروث الأسطوري السومري والبابلي (الأخريان هما: قمر أور ، وشبح جلجامش). ويعود شغف الكاتبة بهذا التراث إلى ثلاثة عقود خلت ، في سياق اهتمامها العميق بحضارات العراق القديمة. ولا تزال قصتها (هو الذي أتى...) المنشورة ضمن مجموعتها القصصية عالم النساء الوحيدات (1986) واحدةً من أفضل القصص ، في تاريخ القصة العراقية ، التي وظفت ذلك التراث في بنية سردية حديثة ، كما يُعد كتابها (المراة المبدعة في حضارات العراق القديمة) قراءة ثقافية فريدة كشفت عن منجز حضاري للمرأة في بلاد الرافدين لا مثيل له في كل حضارات العالم القديمة.

تابعت الكاتبة في هذا النص الحضور النمطي والمحدد للشخصيات النسوية ، فعملت على ابتداع شخصيات ثانوية لتثري ساحة الصراع التراجيدي مع مفهوم البطولة الذي تقدمه الملحمة بمساره الكلاسيكي ، فكان الجميع أبطالاً ، بهذا المعنى أو ذاك ، حسب تأثيرهم في تنامي الصراع الأساسي بين الإنسان والموت ، وبين الفرد والسلطة ، وبين مفهوم القوة الجسدية ومواجهتها للعقل منتج المعرفة..

ثمة شخصيتان أساسيتان تحركان الصراع في النص: جلجامش بطغيانه ودمويته ، وأنكيدو الكائن البري ، الذي تخلقه الإلهة أورور لمواجهة جلجامش ، وثنيه عن فظاعاته التي يقترفها ضد شعب أوروك لإيجاد قدر من التوازن في النظام المديني السومري بين الطبيعة البكر المنفلتة ، وبين بيروقراطية الحكم المديني ، أي بين مبدأي الطبيعة والثقافة من جانب ، وبين الأنوثة والذكورة ، والموت والحياة ، واجتراح مفهومات مغايرة لهاجس الخلود الذي سكن جلجامش بعد موت الصديق ، ومجابهة الموت بوصفه حقيقةً يوميةً لامنجى منها.

ركزت لطفية الدليمي في هذه المسرحية على موضوعتي الاستبداد ، والشراكة بين الرجال والنساء في صيرورة العالم القديم: فـ جلجامش الباهر المتجبر يتخذ دور الطبيعة البيولوجية المتفوقة بنسبه الملكي ونصفه الإلهي ، ويمثّل أنكيدو رجل البراري ، شبيه الوحش ، دور الطبيعة البدائية المنفلتة التي لم تُدجّن أو تُروّض.. وسوف يبذل الكهنة والحاكم الجهود لترويضه وجلبه إلى المدينة عن طريق الحب والتقنية ، تقنية صناعة الخبز والخمر ونسج الثياب ، وهو الذي يشارك الضواري عشبها وفرائسها.. سوف تغيّر مصيره شمخت ، الغانية التي أُرسلت لترويض الوحش ، فتغويه لممارسة الحب معها ، وتقدم له الخبز والشراب ، وتضع عليه رداءً منسوجاً ، هو جزء من ثوبها ، ليتحول إلى إنسان يسهل قياده ، ثم تصطحبه إلى المدينة ليصارع جلجامش ، كما في نص الملحمة الأصلية.

يقوم التناقض والصراع هنا بين نمطين للحياة ، نمط الرعي وجمع القوت ، ونمط الزراعة والتمدن والخدع التي تتحكم بسياسة المدن. ويستخدم المهيمنون على السلطة الجنس والخدع الأخرى لترويض القوى المضادة لهم..

في الملحمة الأصلية شخصيتان نسويتان تحركان الأحداث وتؤثران فيها: شخصية الغانية شمخت ، وشخصية سيدوري ساقية حانة الآلهة ، وكلا الشخصيتين تمثلان الموقف الأبيقوري من اللذة ، وتبشران بالمتع ، مع إغفال دور المعرفة ، فهما لا وظيفة لهما غير المتع وإشباع الرغبات. لكن لطفية الدليمي توصلت إلى أن ثمة إغفالاً كبيراً لأدوار النساء الأخريات في حياة جلجامش ، وفي سياقات العيش في حاضرة عظيمة كمدينة أوروك ، التي تمتليء معابدها بالناسخات والشاعرات والعرافات (كانت مهنة النسخ والكتابة مهنة خاصة بالنساء). ولذا عمدت في الليالي السومرية إلى تفكيك الحضور النسوي ، فمن غير المنطقي أن يتحدد هذا الحضور بنمط الغانية ، وصاحبة الحان فقط في ذلك المجتمع المديني ، منتج المعرفة والنصوص الباهرة ، المجتمع الذي إخترع الكتابة والعجلة ، وبنى أولى المدن ، وأقام المعابد ، وأنشأ "الايدوبا" ، المدارس بشكلها الذي نعرفه اليوم ، فأوجدت شخصية نيسابا سيدة المعرفة ، وشخصية المرأة العرّافة ، التي تظهر كصوت خفي لامرأة رائية تُنذر ، وتوجه الأحداث ، وشخصية أورورا الخالقة ، التي تتبادل أدوارها مع عشتار وشمخت الغانية: بمعنى أن المؤلفة قدّمت رؤيةً مغايرةً لوضع المرأة المنمط في الملحمة ، فالشخصيات ليست ناجزة ولانهائية ، لتلعب النساء أدواراً تقوم على الصراع بين بعضهن من خلال تقاطع أدوارهن وتباينها ، وتأثير مواقفهن في صيرورة جلجامش ، وتحولاته المتتالية عبر التجارب والغوايات التي تعرّض لها معهن.. حتى ينتهي به الأمر إلى التراجع عن فكرة الرحلة المزمعة إلى مياه بحر الموت للحصول على نبتة الخلود ، والعودة إلى أوروك صحبة إمرأة ليعيد النظر في موقفه من الموت والحب والحياة ، ويعمّر أوروك ومعابدها كي تحقق له شهوة الخلود كاسم تاريخي بديل الخلود الجسدي الذي تراجع عنه..

وخلال الرحلة المحبطة يتناول نص لطفية الدليمي مفهوم الزمن لدى العراقيين الأوائل عبر شجرة الخالوب ، التي رافقت جلجامش منذ ولادته ، فمن خشبها صُنع مهدُه ، وألعابُ صباه ، وسريرُ متعته ، وكرسيُّ عرشه ، وما تبقى منها ينتظر لصناعة نعشه. شجرةُ الخالوب هي الزمن الذي يتبدل معه الاستخدام المكاني الخاص بصيرورة بشرية ، إذ كان مفهوم الزمان ومفهوم المكان متداخلين في الفكر العراقي القديم ، فيوصف الماضي بأنه الزمن الذي يقع أمام عيني المرء ، أما المستقبل فهو الزمن الذي يقع وراء ظهر المرء لمجهوليته ، والمهد واللعبة والسرير والعرش والنعش أمكنة تختزل المسافة بين الحياة والموت الذي لا مفر منه ، وكانت العرافة تردد على مسمع جلجامش بصوت الشجرة هذه الحقيقة في مراحل رحلته الغامضة إلى مياه بحر الموت.

قراءة المخرج سامي عبد الحميد للنص كانت قراءة خبير في الملحمة ، وهو الذي تخصص في إخراجها مراراً على مدى سنوات ، وعبر نصوص مستلهمة منها ، وعمل على إبراز موضوعة الاستبداد ، وأبدع في إخراجها على المسرح مرتين: مرةً في مهرجان بابل الذي كانت تقام عروضه المسرحية في بغداد ، ومرةً ثانيةً في مهرجان المسرح العراقي ، وقد عرضت يوماً واحداً فقط بسبب صدور قرار بمنعها لأنها تتناول موضوعة الاستبداد بشكل صريح.



ہ كاتب وناقد مسرحي عراقي



Date : 27-03-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش