الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثقافة «التفوق» على الآخرين .. متى تنتهي؟

تم نشره في الجمعة 1 أيار / مايو 2009. 03:00 مـساءً
ثقافة «التفوق» على الآخرين .. متى تنتهي؟

 

 
* يوسف عبدالله محمود



الاعتزاز العربي بـ «القيم» الانسانية قديم قديم ، ولكنه كثيرا ما يتجاوز الممكن والمألوف ، فيغدو نوعا من «النرجسية» التي لا ترى «سويا» غير صاحبها ، لست اقلل من مشروعية «الاعتداد» بالنفس ما دام هذا الاخير لا يحلّق في الخيال ، متجاوزا المواقع والمألوف. ولكنني ضده حين يسرف في المبالغة والتهوين من شأن الاخرين. انا ضده حين يغدو شططا يقصي ارث الاخرين او يغمز من قناتهم. كعرب ، اخرجنا او اخرج الكثيرون منا «الاعتداد» عن حدوده المتعارف عليها ، فبتنا «اشجع خلق الله طُرّا» لا تساوينا في الشجاعة اية شجاعة اخرى ، نخص انفسنا بـ «الأنفة» و«المروءة» ونقصيها عن غيرنا.

يشير الى هذه الظاهرة - ظاهرة «الاستعلاء» او«التفوق» المفكر وعالم التربية العربي د. محمد جواد رضا ، فيقول: «كان «الاستعلاء» على الاخرين شرعة اجتماعية متبعة في الجاهلية لانه اقترن بشرعية الظلم من جهة وبمبدأ الثأر من جهة اخرى».. د. جواد رضا: «تحرير التربية العربية من الاوهام الخمسة» ص 83 - مركز البحرين للدراسات والبحوث ,2004

اليوم ، وأقولها بصراحة ما زال « الاستعلاء» يهيمن علينا افرادا ودولا نعطي انفسنا فوق ما نستحق ، فنحن قمة في كل شيء. قمة في «الشجاعة» قمة في «التضامن» قمة في «الكرم» .. الخ. والمحزن ان هذه «الشرعة الاجتماعية» التي اشار اليها هذا المفكر باتت تتكرس على مستوى «قُطري» او «طائفي» او «قبلي» فـ«الانفة» او الشجاعة او «الوفاء» او «الوطنية» او «الثقافة» غدت عنوانا او شعارا خاصا بهذا القطر العربي دون غيره او بهذه القبيلة العربية دون غيرها.

هذا «الاستعلاء» على هذا النحو مذموم ذمته الاديان السماوية جميعها واذا كان غيرنا قد تشبث به على نحو عنصري ، فلا نريد لأمتنا العربية والاسلامية ان تترسمه فتقع فيما وقع فيه هذا الغير.. لا نريد ان نظل كعرب ومسلمين متمسكين بمقولة الشاعر العربي القديم عمرو بن كلثوم:

ونشربُ ان وردنا الماء صفوا

ويشرب غيرنا كدرا وطينا

لا بأس «ان نشرب الماء صفوا» فهذا دليل «عزة» و«انفة» ولكن علينا ان نتواضع اليوم فلا نقلل من شأن غيرنا.

ربما كان هذا «الاعتداد» مباحا في عصور غير عصورنا ، سادها ظلم القوي للضعيف ، غير ان تبريره اليوم مخالف لانسانية «الاديان» والشرط الانساني للحياة.

انها تَرْجُم «ثقافة» الاخرين تحتكر لنفسها كل ما هو جميل وكأن الاخرين لا يمتلكون مثله. ومع الاسف هناك اليوم مفكرون عرب يكرسون هذا الاتجاه ، يتناولون آية كريمة تحدثت عن ان امتنا كانت «خير امة اخرجت للناس» ولكنهم يعزلون هذه المفردات عن مفردات تالية تربط ذلك بمدى تمسك هذه الامة بقيم الدين واخلاقياته وهي القيم التي تطرد من رحابها «الاستعلاء» و«الغرور» لقد ادت ثقافة «الاستعلاء» هذه الى «انجاب قيمة «التطرف» كما يشير د. جواد رضا 83ص .

نعم «التطرف» الذي نشهده اليوم قد جاءنا نتيجة هذا «الاستعلاء» ونتيجة الفهم الخاطىء لقيم الاسلام.. اقصينا «ثقافة الاختلاف» عن نهجنا ، فوقعنا او وقع بعضنا في المحظور واعني به «التطرف» نعم - وكما ارى - فالاستعلاء ولّد تطرفا في التفكير اعتقل «العقل» وحكّم - مع الاسف - «النرجسية» و«الغريزة» البدائية في التعامل مع الاخرين، اعتقال العقل ، وتكريس «الاستعلاء» يطردان «الحكمة» ويعاديان «المنطق» ويبرزان الـ «الآنا» على نحو ممجوج وحين تهيمن الـ «الأنا» على الشؤون الانسانية ، تتقلص مساحة «الاعتدال» وتغيب موضوعية «الحوار».

المحزن عربيا واسلاميا اننا حتى الآن لم نستوعب هذه الحقيقة حتى على المستوى الرسمي لا نحسن «التحاور» بعضنا مع بعض. ما يقوله هذا الفريق هو «الصح» وعلى الفريق الاخر التسليم به ، كأني بنا ما زلنا نعيش حقبا موغلة في القدم حين كان الخطيب العربي يقف على مرتفع من الارض يتفاخر على اخيه بقيم ينفيها عنه ثم يعقبه اخوه فيعمد الى تسفيه ما قاله الاول.

مع الاسف ما زالت العقلية الرسمية العربية - فيما عدا بعض الاستثناءات - اسيرة هذا النهج العقيم لا تعترف بالاخطاء او الخطايا ، وان كانت كالشمس ظاهرة للعيان، كذا حال الافراد ، يندر ان تجد من يعترف بخطأه او خطيئته.

الكل يمتلك «التميز» ما يقوله هذا هو عين الصواب وما يقوله اخوه محض «وهم».

عقلية «الاستعلاء» ينبغي ان تزول ، إن على المستوى الرسمي وإن على مستوى الافراد.

عقلية «التواضع» هي التي ينبغي ان تسود اذا ما اردنا ان نحظى باحترام العالم.

لسنا افضل من الاخرين الا بما نقدمه للحضارة الانسانية في ايامنا هذه.

المغالاة في تقريظ انفسنا وتجاهل ما فينا من عيوب مسألة مدانة.

تُرى متى نقلع كعرب عن هذا النهج الخائب؟

متى نقرأ تراثنا وخصوصيتنا الثقافية قراءة منفتحة لا منغلقة؟

متى نقرأه قراءة نقدية تحترم مفهوم «الحداثة» ومفرداتها؟

في هذا السياق يقول المفكر والباحث العربي د. سمير امين: «... ان انغلاق الشعوب غير الغربية على خصوصياتها الثابتة المزعومة يجعلها غير قادرة على مواجهة تحدي العصر».. د. سمير امين ود. برهان غليون: «ثقافة العولمة وعولمة الثقافة»ص98 .

وفي موضع اخر من الكتاب ويقول ايضا: «... ازعم ان النظريات التي تكرس فكرة ثباتية الخصوصية الثقافية هي خادعة.. انها تنظر الى التباين على انه يمثل القاعدة ، بينما تعتبر تجليات التشابه نتاج مجرد صدفة ثم على هذا الاساس تطرح نظريات الثباتية برنامج ابحاثها» .. المرجع نفسه 93ص - 94 .

فلنكن - كما اسلفت - متواضعين اكثر ونحن نقرأ ثقافتنا الاعتداد بـ «القيم» التي احتواها تراثنا لا يعني الخروج عن التاريخ لا يعني نفي وجود هذه «القيم» عن الثقافات الانسانية الاخرى.. لا يعني التشكيك في انسانية هذه الثقافات.

وما توصل اليه هذا المفكر المرموق من استنتاج يقول: ان بعض الحكام قد يستخدمون «خطابهم الثقافوي» الذي يفرد مساحة واسعة لتقريظ «الخصوصية الثقافية» التي تمتلكها ثقافة امته او شعبه لتبرير «تقييد بعض الحقوق السياسية او النقابية فيه الكثير من الصحة.

اليس هذا ما نلحظه في كثير من المجتمعات ومنها مجتمعاتنا العربية والاسلامية حيث توظف «الخصوصية الثقافية» في احيان كثيرة في تبرير «العزلة» عن الاخرين او في قهر الطموحات القومية والانسانية لمواطني هذه المجتمعات.



كاتب اردني



Date : 01-05-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش