الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ذكـرى الغريـب : حنان بيروتي

تم نشره في الجمعة 1 أيار / مايو 2009. 03:00 مـساءً
ذكـرى الغريـب : حنان بيروتي

 

 
أذكر وقفتي بجسدي الصغير وبقدميّ العاريتين أمام الباب ، أجفلتُ لحظة سمعت رنين الجرس اذ كنت الهو بأغراض أبي الذي توفي حديثا ، أمي تنهاني بغلظة وهي تبكي وتشتمني أحيانا بطريقة لم اعتدها منها قبل ان تعيد تجميع الأغراض بحنو غريب ، فكرت بأنها تفعل ذلك لأنه لم يعد يستطيع ان يجمعها بنفسه ، فقد القدرة على الحركة وحتى التنفس ..كيف يتذكّرني اذن؟، هل تكذب امي عندما تقول لي "اذا كررت ذلك يغضب منك بابا في السماء" فأنظر للسقف وأضحك من طيبة أمي التي لا تعرف انّ السقف يحجب السماء فأفعل ما اشاء ما دمت مختبئا تحته.

أفقتُ ذاك الصباح كالمعتاد اذ كان الدوام في الفترة المسائية ، ارتديتُ زي المدرسة وانتظرت مجيء ابن عمي لأرافقه للمدرسة ، لم يأتً ، فذهبت لبيتهم على بعد شارعين ودخلة وجدته يقف واجما في آخر الشارع قلت له :لماذا تأخرت؟، اقترب موعد قرع الجرس؟

فأجهش بالبكاء ، لم أفهم سبب بكائه المفاجئ ، قلت له: لا مشكلة فالطابور لم ينته بعد،

سرنا صامتين حتى وصلنا لبيته قال لي :ادخل، وربّت على كتفي بحنو جرحني ، وجدتُ البيت يمتلئ بالناس .. ضجيج وشهقات ، وقفت متفاجئا للحظات جدتي لأبي تجلس في الصدر وهيئتها كمن تعرّض لصعقة كهربائية قوية ، وجهّت حديثها لي بمجرد رؤيتي بصوت مرتفع:شو؟ بدك تروح عالمدرسة وأبوك ميّت؟،

ولم أكن قد علمت بخبر وفاة أبي بحادث سير اذ انّ الخبر وصل لعمي فجرا ولم يكونوا اوصلوه لنا. صدمني وقع الكلمات وقسوتها ، لم أعاتب جدتي ولم أستطع ان اعذرها ، لكن بعد ان لمستُ المرارة العميقة والجرح القاسي الذي تكّبدته بوفاة ابي أشفقت عليها ، أذكر كيف انقضّت علي بعدها ووضعتني في حجرها وانتحبت "..ولدي كبدي صغيري.. كيف خطفك الموت مني؟ قوم..قوم أنا محلك دوري يمّه مش دورك ،"

سارعت احدى النساء لخطفي وابعادي عن جو مكهرب بالبكاء والعويل والتمتمة ، المحارم الورقية التي تمسح الدموع و الأنوف قبل ان تتكوّم في منافض موزعة على الطربيزات مع فناجين القهوة السادة واللون الأسود ومنظر التابوت الخشبي المحمول على الأكتاف ، لم اصدق انّ ابي القوي الذي كان يحملني بذراع واحدة يرقد الآن في صندوق بلا حراك ... قالت احدى النساء:... آه لازم يزوّروه بيته عشان يودعه وروحه ترتاح ...حرام،

همست أخرى"بس ما بدهم يفتحوا عليه بقولوا مشوه مسكين،

همست أخرى: مهو حادث بخوّف الشاحنة طلعت عسيارته.. اتهشم الحزين، وأضافت بصوت خافت كمن تحادث نفسها: بس لو يفتحوا عليه خلينا نشوف،

حشرتْ أخرى جسدها المكتنز وضغطتني بالحائط وهي تمد رأسها وتقول بسرعة: جوزي..جوزي شافه، مهو بشتغل بالمستشفى.. بحكي انو ما بنشاف،

أذكر رائحة عرقها الطازج تخترق انفي ووجهي محشور تحت إبطها لم أستطع التحمّل فحاولت التفلّت ، جذبتني بقوة مبالغ فيها: انت هون؟،يا حبيبي،

قطعت انفاسي بقبلات لزجة ثقيلة على وجهي قبل ان تطلقني فجأة وتبتعد لأمسح خدي من بلل قبلاتها المزعج ولا أذكر بأني رأيتها بعد انتهاء مراسم الدفن والعزاء..

أفتح الباب بعد تصاعد صوت الرنين ، رأيت رجلا غريبا فاجأني بالسؤال عن أبي فأجبته بسرعة وبثقة العارف: أبي ذهب الى السماء،

اربدّتْ ملامحه وانحنى علي بود: أنت ابنه؟،

كان وقت الغروب ، تلك اللحظات المائلة للاصفرار التي تسبق الرحيل ، اشتمّ للآن رائحة الفقد من وقفتي ونظراته المتألمة ولم أكن ادركت حينها ماهية موت الأب ، احسست بثقل الموقف عليّ وانّ هذا الغريب يكثّف احساسي بالغياب ، لحظة سمعت خطوات امي ارتعبت اذ ستكتشف عبثي بأغراض أبي ، أمي تتسمّر أمام باب البيت المفتوح وتقتحم وجهي بنظرة معاتبة قاسية وتقول بغلظة: قلتُ لك الا تفتح الباب للغرباء،

تراجع مرتبكا : آسف سيدتي، فقط جئتُ لأشكر السيد ولم أكن أعرف.

تدفقتْ الفجيعة من وجه امي دفعة واحدة ، وتنبهتُ لحظتها لملابسها السوداء وحجم الحزن في ملامحها ، سألتْ بصوت خافت مثقل بالحسرة: هل أنت صديق له؟

أجابها بانكسار وهو يخفض عينيه مغالبا دموعه: آسف فأنا بالكاد أعرفه لكني مدين له بشكر ومعروف نذرتُ على نفسي ان ارده له لكن يبدو انّ القدر اسرع دائما ...

ثقل الصمت بيننا ، امي التي تقف بانكسار ولا تستطيع دعوة غريب لدخول بيت ارملة ، وأنا المثقل بفقد جارح لم أخبره ، والغريب الذي أضاف بصوت حزين: ربما لا تتذكرين الأمر. لقد طرقتُ بابكم ليلا قبل شهر تقريبا ، طلبت شربة ماء لأمي اذ كنت احملها بسيارتي للمستشفى وطلبتْ ان تشرب وعرفت بأنها تحتضر بين يدي فلم اعً الا وانا اقرع اول باب امامي.. بابكم، كان الوقت متأخرا والظلام مخيما لكنه فتح الباب وسارع لجلب الماء. رغم غرابة الموقف ساعدني بتحمّل موتها بين يدي بعد ان رويت والحمد لله بعدها قاد بي السيارة لأقرب مستشفى مراعيا اضطرابي. كان فكي يصطك من وقع الصدمة وأخذ يبكي معي ويعزيني كأنه أخي ، قال بما معناه أنها رحمة ان تسبقه هي الى الموت ، وأنه يبكي لأنها تشبه والدته التي يشفق عليها لأنه يشعر بأنه سيموت قبلها، وبعد انقضاء الأمر وايداع جثة امي ثلاجة الموتى غادرني ولم ينتظر كلمة.

غادرنا الغريب وماتت جدتي المكلومة بعد سنوات وهي تهذي باسم والدي حتى في نزاعها الأخير مع الموت ، وبعد ان ذقتُ طعم الأبوة وكلما جلست لأضع رأسي في حجر أمي تتجدد ذكرى الغريب وجدتي التي لم أزل للآن وبعد مرور عقود احاول ان استوعب عمق فجيعتها وجرحها بأبي..،



كاتبة وقاصة أردنية



[email protected]



Date : 01-05-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش