الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كلينت ايستوود في «جران تورينو» : ظاهرة المخرج الممثل * وانعكاسها على الفيلم السينمائي

تم نشره في الجمعة 29 أيار / مايو 2009. 03:00 مـساءً
كلينت ايستوود في «جران تورينو» : ظاهرة المخرج الممثل * وانعكاسها على الفيلم السينمائي

 

 
* احمد طمليه



من يتابع افلام المخرج والممثل الامريكي كلينت ايستوود يلاحظ مدى نقمة هذا الرجل على المجتمع الأمريكي ، وكيف يحاول في افلامه التي يأخذ اغلبها طابع التشويق المقرون بعالم الجريمة ، انتقاد النظام الامريكي من الداخل واظهاره عاجزا عن احداث المصالحة بين المواطنين وتكريس مفهوم الامن الاجتماعي بينهم. ففي فيلمه قبل الأخير (استبدال) تطرق ايستوود الى فساد أجهزة الأمن الأمريكي ، وكيف انها تبحث عن الأضواء ، على حساب هضم حقوق المواطنيين الآمنين ، اما في فيلمه الاخير جران تورينو GRAN TORINO فهو يعود ايضا الى عالم الجريمة ، وكيف ان سوء الحال الامني يدفع بالاشخاص المضطهدين لان يأخذوا حقهم بأيديهم ، مع اشارات يكررها ان الشرطة آخر من يعلم طالما انهم آخر من يصل إلى مسرح الجريمة.

في فيلمه الجديد نتابع كلينت ايستوود ممثلا ومخرجا ، اذ يحكي الفيلم قصة "والت كوالستي" الرجل العصبي ، الذي خاض الحرب الكورية ، ولا يطمح بعد ذلك في اكثر من أن يعيش وحده ، مع ازدرائه الباطني للمحيطين به. ويتاح لنا عبر المشاهد الاولى أن نلاحظ فتور العلاقة بين والت وولديه اللذين لا يكنان له اية مودة بل إن ابنة ابنه اليافعة تسأل جدها عن ميراثه ، وتسأل ان كان بإمكانها ان تحصل على بعض ممتلكات جدها قبل ان يحين أجله.

علاقة أسرية معطوبة ، يكثر فيها الغمز واللمز بين أفراد الأسرة ، فلا احد يحب احدا ، ولم يجمعهم سوى وفاة الوالدة ، وبمجرد انتهاء مراسم الدفن ذهب الجميع وبقي الجد وحيدا في البيت وسط جيرانه الآسيويين الذين يكن لهم الكراهية والاحتقار.

يملك والت في بيته ادوات كثيرة اشتراها على مدار (50) عاما ، أهمها سيارة من طراز "جران تورينو" التي يعود تاريخ صنعها الى العام 1972 وهو يقضي وقته في تصليح أي خلل ينشأ في البيت ، اضافة الى اهتمامه الفائق بحديقته وكلبه المدلل. تتبلور معالم الانعطافة في الفيلم حين تظهر في الحي عصابة من الصبية المجرمين الذين يحاولون استدراج ابن عمهم اليافع "ثاو" لمشاركتهم في أعمالهم الاجرامية ، وتكون المهمة الاولى لثاو أن يسرق سيارة العسكري السابق الجران تورينو ، وتكون هذه الحادثة بداية علاقة خفية راحت تنشأ بين العسكري المتعجرف والمراهق الآسيوي ، اذ يلاحظ والت ان هذا الصبي ذكي وانه بقليل من العناية يمكن ان يصنع منه انسانا صالحا.

نلاحظ هنا بداية التودد بين والت وجيرانه الآسيويين حين يفاجأ والت بمدى الود والحميمية التي تصبغ العلاقات بين هؤلاء الناس على عكس الأسر الأمريكية التي ينخرها الفتور والبرود. ويرى والت ان الأسرة الامريكية مرتبطة بالسياسات العليا حيث يزج بالشباب في حروب طاحنة وشرسة يعود الجنود منها وقد اقترفوا ما اقترفوه من جرائم بحق الآخرين ، فيكون من المتعذر عليهم اعادة التواصل مع أسرهم بحميمية. ولا يخلو الفيلم من اشارات تنتقد اليهود ودورهم الاجتماعي السلبي ، ففي احد المشاهد يقول لصديقه الحلاق: هل أنت يهودي حتى ترفع كل مرة اسعار قص الشعر.

تقتضي الاشارة هنا الى أن والت ، أو العسكري السابق لاحظ ان الشاب المراهق ثاو ما هو الا ضحية عصابة من الصبية لا تتوانى عن الضغط على الزناد والقتل عند اي عارض ، فيقوم بمواجهتهم ويطالبهم بالابتعاد عن الحي الذي يسكن فيه اذا ارادوا السلامة لانفسهم. ولقد كان لهذا التصرف الجريء أثر ايجابي لدى جيرانه فراحوا يزورونه رغم نفوره منه ثم قرروا ان يقوم المراهق ثاو بخدمة هذا الرجل لمدة اسبوع عقابا له لقيامه بمحاولة سرقة السيارة. اثناء هذا الأسبوع تتطور العلاقة سريعا بين الرجل العجوز والمراهق ثاو ، ويقرر والت ان يجعل من ثاو رجلا قويا لا يخشى احداً والأهم من ذلك ان يساعده للحصول على وظيفة لائقة ، وهذا ما يقتضي ان يلتحق ثاو باحدى المدارس ، وأن يصرف على نفسه من خلال عمله ، غير ان هذا الاجراء يثير حفيظة افراد العصابة الذي يريدون ثاو معهم ، وعندما يرفض الأخير يقومون بمعاقبته بإطفاء السيجارة في وجهه.

لقد ساء والت تمادي العصابة وعنجهيتها ، فيتربص لاحدهم ويشبعه ضربا ، ويطلب منه نقل هذه الرسالة الى بقية زملائه كي يكفوا عن العبث في الحي ، غير ان رد العصابة يكون عنيفا وذلك حين يهاجمون بيت ثاو باطلاق الأعيرة النارية عليه ، واغتصاب شقيقة ثاو ، وهي فتاة حسناء مثقفة كان لها دور كبير في كسر الحواجز النفسية بين الرجل العجوز والجيران المحيطين به في الحي.

نلاحظ في السياق أن والت يعاني مشاكل صحية فهو يسعل دما عدا عن إحساسه الكبير بالندم لكونه قتل (13) كوريا ، يقول له القسيس في محاولة للتخفيف من ذنوبه أن الأعمال التي نؤمر بفعلها لا نحاسب عليها فيرد والت: أنا اتحدث عن الاعمال التي اقترفتها من تلقاء نفسي.

في ظل هذا الجو النفسي الذي يعيشه والت يبرز تحد جديد امامه وهو ان يلقن افراد العصابة درسا. ولكن مهمته ليست سهلة فهو لا يريد حمام دم ولا يريد ان يورط احداً. وربما هنا ذروة الحبكة التي عمل عليها كلينت ايستوود: رجل عجوز يسعل دما ويمتلك مسدسا واحدا ، مقابل عصابة مكونة من عدة اشخاص ، وتمتلك عدة مسدسات ، والأهم من ذلك الرغبة بعدم اقحام الفتى ثاو في معمعان ما يمكن ان يجري. ويكون الحل على النحو التالي: يذهب الرجل العجوز الى العصابة وهم في عقر دارهم ويحرص ان يرفع صوته وهو يناديهم لمواجهته ، فيخرج الصبية مدججين بالأسلحة فيما الجيران يراقبون ما يجري من خلف ستائر نوافذهم. يضع والت سيجارة في فمه ويطلب "ولاعة" وحين يراهم يواصلون الاستعداد للضغط على الزناد ، يخبرهم بأسلوبه المتهكم انه يملك "ولاعة" وما ان يضع يده في جيبه لاخراجها ، حتى يكون الرصاص قد اخترق جسد الرجل العجوز وارداه قتيلا ، فتكتب الشرطة تقريرها وتشير الى ان الشباب اطلقوا عليه الرصاص وهو أعزل ، ولم يكن يحمل ما يمكن ان يهددهم به ويتابع الضابط: ثمة شهود عيان هذه المرة اي ان حكم الشباب بالسجن سيكون طويلا.

ربما يستدعي الحديث عن افلام الممثل والمخرج العالمي كلينت ايستوود الاشارة الى هذا الفنان العالمي الذي يحتفل هذا العام بالعيد الثامن والسبعين لمولده ، وما زال عاشقا للسينما ، بالكاد يمر عام دون ان يشارك بفيلم من توقيعه. واغلب افلامه الحديثة فيها شيء من سيرته الذاتية فابن العامل في احد مصانع الحديد والصلب ، لم يسمح له بالمشاركة في الحرب العالمية الثانية لصغر سنه فشارك في الحرب الكورية ضمن كادر سلاح الجو ، وقد سقطت ذات يوم طائرته في المحيط الهادي واضطر ان يسبح نحو ثلاثة اميال حتى وصل الى الشاطىء. وهذه الاحداث كثيرا ما يقوم ايستوود بتوظيفها في افلامه سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة.

يحاول ايستوود في افلامه أن يمرر افكاراً نبيلة من خلال غوصه في قصص وحكايات تقشعر لها الأبدان احيانا معتمدا على الاثارة والتشويق ومتانة الحبكة وذروتها ، وقبل ذلك معتمدا على نفسه كممثل رئيسي في الافلام التي يقوم هو باخراجها ، ولا ادري اذا كانت الملاحظة الاخيرة نعمة ام نقمة ، اي هل يخدم الفيلم ان يكون المخرج هو نفسه الممثل الرئيسي ، ام ان ذلك يؤدي الى اخفاقات قد تمر على المخرج.

ربما يطــول الشرح للرد على هذا السؤال ولكن ما تمت ملاحظته في فيلم "جران تورينو" ان المخرج طوّع فيلمه للوصول الى لحظة الذروة الأخيرة حين يواجه البطل اعداءه ، ويموت على تلك الهيئة. ولكي يصل ايستوود المخرج الى هذه النتيجة اضطر ان يظهر ايستوود الممثل دائم السعال ، والمعاناة من نزيف الدم ، ثم التدخين بشراهة ، كأنه يريد ان يقول ان بطلنا في الحالتين ميت فهو يدخن بشراهة وثمة اعراض تهدد بخطورة وضعه الصحي ، وبالتالي من المنطقي أن يلجأ إلى الانتحار على النحو الذي ظهر عليه في المشهد الأخير في الفيلم لينينقذ الجيران الذين أحبهم. هذا ما أراده ايستوود المخرج ، وهذا ما نفذه ايستوود الممثل ، والنتيجة كانت الكثير من المبالغة والادعاء ، وتسخير تفاصيل فيلم تصل مدته الى ساعتين من اجل المشهد الأخير الذي لا تزيد مدته عن ثوان ، وهذا بحد ذاته ينتقص كثيرا من نبض الفيلم ، وربما يؤشر الى أن ظاهرة المخرج الممثل تنطوي على خلل ما ، مفاده أن المخرج لا يمكنه أن يؤدي الدور الرئيسي في الفيلم ، أو أن الممثل لا يمكن أن يكون هو أيضاً المخرج ، وذلك حفاظاً على سلامة الفيلم مما قد يترتب على هذا التداخل في الأدوار.



كاتب وناقد سينمائي أردني



Date : 29-05-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش