الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أفق .. شيء يخصني : جمال ناجي ہ

تم نشره في الجمعة 8 أيار / مايو 2009. 03:00 مـساءً
أفق .. شيء يخصني : جمال ناجي ہ

 

 
عند شاطيء البحر يتمدد إحساسي بالمكان ، أعيد اكتشاف سعة السماء وزرقتها ، وأنصت مصغيا للتراتيل التي تبثها موجات البحر وأصوات طيوره الجذلة.

عند البحر تحدث أمور تدعو إلى السكوت وإعادة النظر في فكرة الحياة ، لكنها تظل مفهومة لمن يواظب على الجلوس على صخوره ، ويرقب أمواجه وهي تودع حكاياتها وأسرارها على الرمال الساجدة.

كانت السماء واسعة ، لكنها بدت لي خجولة متنائية في ذلك الصباح ، أما طيور النورس فقد واظبت على التجوال فيها بجذل لا تخطئه العين.

نورس واحد لم يكن سعيدا بيومه ، عرفت هذا من طريقته العصبية في الطيران ، ومن ابتعاد بقية الطيور عنه ، ربما تجنبا لارتباكه ، ربما لأن خفق جناحيه كان عنيفا ساخطا ، وربما لسبب آخر.

لم أستطع إبعاد عيني عن ذلك النورس الذي ظل يحلق في دائرة قريبة مني ، طريقته في الطيران واختلافه عن السرب أيقظا شيئا في نفسي ، كما تناغم خفق جناحيه مع تكسر الأمواج على الصخور القريبة من قدمي ، فبدا صوت الموج أشبه بأوركسترا صاخبة متوعدة ، في الأقل هذا ما أحسسته وأنا أرقبه.

ظل يحلق في السماء بتصميم وسخط ، وأسراب الطيور تناءت عنه مبتعدة ، تاركة له مساحة فضائية خالية يتحرك فيها وحيدا ، وأنا لم أفهم ما الذي يجري في تلك السماء على بعد عشرات الأمتار مني ، بل كدت أشيح بوجهي عنها لولا أن ذلك النورس هوى بطريقة انقضاضية على صخرة حادة بالقرب من قدمي ، ارتطم بها فتحطم وتطاير ريشه ودمه ، سقط رأسه في الماء ، كأنما لا يريد أن يراه أحد.

خفق قلبي ونهضت ، أحسست بأنه تعمد السقوط والارتطام بتلك الطريقة المميتة ، اقتربت من حطام بدنه ، رأيت رقبته التي انسلخ الريش عنها ، كانت متجعدة مكتهلة ، كأنما تريد الإفصاح عن نهاية شوط صاحبها مع هذه الحياة الفانية ، أما عيناه فقد جمدت فيهما نظرته الزجاجية الأخيرة ، تلك النظرة التي تحمل معاني الاكتشاف المتأخر لخديعة الحياة ، أو لعبتها.

هل أصابه الهرم فابتعد الرفاق عنه وقرر اختيار نهايته؟ أهكذا تموت النوارس؟

حملت بدنه المضرج برفق ، ثم دفنته في رمال الشاطىء الرطبة ، وتنبهت إلى أن أسراب النوارس انتظمت في صفوف وأقواس ، صارت تحلق في السماء بطريقة تبعث على الشجن ، خصوصا حين فردت أجنحتها باستقامة أثناء طيرانها ، فبدت كما لو انها تقوم بمراسم رثاء لم أشهدها من قبل ، حتى انني سمعت أصواتها الجماعية المثلمة ، حين امتزجت بتراتيل الأمواج التي رقت وتباطأت.

حين انتهيت من دفن ذلك النورس ، تراءت لي ظلمة الجدث تحت الرمال ، فأحسست بأنني أودعت فيها شيئا يخصني .. يخصني كثيرا.

ہروائي وقاص اردني

[email protected]



Date : 08-05-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش