الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أبدعها فردريك نيتشه : نظرية العود الأبدي في ضوء العلم الحديث

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2009. 02:00 مـساءً
أبدعها فردريك نيتشه : نظرية العود الأبدي في ضوء العلم الحديث مجدي ممدوح

 

هل قلت أنها أسطورة ، يبدو أنها ليست كذلك ، لأن مبدعها هو عقل فيلسوف جبار هو فريدريك نيتشه وليس عقلاً بدائياً أسطورياً ، ولكنها ولشدة غرائبيتها وسحرها تبدو كالأساطير ، حسناً إنها نظرية أدّعى مبدعها أنها علمية ، وقد أورد المنطلقات العقلية التي قادته إلى اقتراح هذه النظرية الأسطورة ، وهي منطلقات فيزيائية تتعلق بمفهوم المادة والصيرورة والزمن ، وكان نيشته يحدوه الأمل بأن يجد متسعاً من الوقت لدراسة العلوم الطبيعية لكي يتسنى له أن يبرهن على صحتها برهاناً علمياً ، وكان على الدوام يمني النفس بأن يجد عشرة أعوام يتفرغ خلالها لبرهان نظريته ، ولكن القدر لم يمهل نيتشه ، ليس بسبب الموت ، بل لدخوله في الجنون المطبق بعد ذلك بسنوات قليلة ، وبذلك تكون نظرية العود الأبدي هي آخر ما أبدعه عقل نيتشه من فكر ، مما يوقعنا في حيرة ، هل أن هذه النظرية هي إبداع عقل كان على شفا الجنون ، أو أنًه كان قد جنً فعلاً لأن نظرية كهذه هي الجنون بعينه.

تنطلق فكرة العود الأبدي من افتراض أن كمية المادة في الكون هي رقم متناه محدود مهما بلغت عظمتها وكبرها ، وهذه فكرة علمية صحيحة وتنسجم تماماً وروح العلم الحديث ، ونفترض أيضاً أنً الزمن لا متناه باعتبار أن الزمن هو مفهوم فيزيائي ابتكرناه لقياس الحركة والسيرورة في العالم ومن هذا المنطلق فلا شيء يحدّ الزمان لأنه بالإمكان أن يمتد إلى اللانهاية ، وبامكان الزمان أن يستمر بالامتداد (افتراضياً) حتى بعد توقف الحركة ، ولكن الحاجة تنتفي له عندئذ ، وبما أن حوادث الكْون هي عبارة عن تشكلات مختلفة للمادة وفق تعاقُب معيًن فان هناك زمنا كافيا (لان الزمن لانهائي) لكي يستنفد الكون كافة التشكيلات الممكنة والسيرورات والاحتمالات التي تصنع الحادثات ، وعندما يستنفد الكون هذه الاحتمالات ويبقى الزمن ممتداً بلا نهاية ، تعود هذه السيرورات لكي تكرر نفسها نظراً لعدم وجود سيرورات جديدة ، وهكذا تبقى الحادثات في حال تكرار دائم ويصبح العالم في حاله عود أبدي لا شيء يوقفه.

الواقع أن العناصر الثلاث التي بنيت عليها النظرية هي عناصر متماسكة من الناحية العلمية النظرية (المادة المتناهية ، الزمن اللامتناهي ، الوجود بوصفه سيرورة) ولا يمكن التشكيك بها مطلقاً ، على الأقل ضمن العلوم المتاحة في عصرنا ، وهي علوم ولحسن الحظ يحسدنا عليها أهل العصور السالفة ، وأنا أعني على وجه الخصوص الأفكار والتداعيات الملهبة للخيال التي ترتبت على نظرية تمدد الكون وفرضية الانفجار العظيم ، وهنا نجد لزاماً علينا أن نوظف هذه العلوم المتاحة والتفكير العلمي الحديث والعقل الفلسفي المعاصر لامتحان مقولة العود الأبدي وذلك وفاءً لفيلسوفنا العظيم نيتشه ، فنحن معشر المتفلسفين قبيل واحد.

أولاً نود التنبيه أن الفكرة التي كانت في ذهن نيتشه عن الكون هي فكرة الكون الممتد زمانياً إلى اللانهاية سواء في الماضي أو الحاضر بمعنى أنًه كون أزلي أبدي ، والحقيقة أننا ربما سنكون مضطرين لإجراء تعديل طفيف على هذه الفكرة بافتراض وجود عدد لا نهائي من الأكوان المتعاقبة (وربما عدد نهائي من الأكوان المتزامنة). وذلك انسجاماً مع فكرة أن الكون الذي نعيش فيه ابتدأ بحادثة الانفجار العظيم. حصل هذا قبل 15 ملياراً من السنين ومن المرجح أنًه سيستمر خمسة عشر ملياراً أخرى حيث أنًه سينهار في تراجيدياً تسمًى الانسحاق العظيم. إن الانفجار الأول الذي حصل بسبب الحرارة والضغط اللامتناهيين في ظروف تجمُّع وتكدُس مادة الكون في حجم صغير جداً وبكثافة لا متناهية ، أدًى إلى تشظًي مادة الكون في الفراغ المحيط مشكّلة بالتالي هذا الكون الذي نعرفه بمجراته ونجومه وكواكبه. كما أن القوة الابتدائية للانفجار العظيم هي المسؤولة عن الهروب المستمر لمحتويات الكون في كل الاتجاهات وبكلام أدق هي المسؤولة عن ظاهرة تمدد الكون.

هناك بالطبع سيناريوهات عديدة مقترحة لمستقبل الكون ، الأول يقترح أن التمدد لن يتوقف وسوف يستمر الكون في الانتشار في الفضاء إلى أن يصل إلى درجة عالية من تدني الكثافة حيث يتلاشى تدريجياً ويفقد مقوماته وتماسكه ، والسيناريو الثاني الأكثر ترجيحاً أن قوى الجاذبية بين محتويات الكون المادية والتي تعمل بعكس اتجاه تمدد الكون سوف تستمر في العمل على تبطئة هذا التمدد لينتهي الأمر بقوى الجاذبية لتتعادل مع قوى التمدد وصولاً إلى حالة ينعكس فيها هذا التمدد لتبدأ رحلة انكماش مكونات الكون على بعضها البعض وشيئاً فشيئاً لينتهي الأمر بالعودة إلى النقطة التي بدأ منها الكون في حادثة انهيار مدوية ، وبالطبع ليس هناك ما يمنع (علميا وعقلياً) من انبثاق الكون مرة أخرى بفعل الحرارة والضغط والكثافة اللامتناهية ، ومن الطبيعي أن تتكرر هذه الحادثة عدداً لا نهائياً من المرات كما تكررت في السابق.

والأن سنخطو خطوة مهمة من أجل نيتشة ، هل إن الكون الجديد المنبثق سيكون بامكانه الاختلاف عن سابقه باعتبار أن ظروف انبثاقه ستكون مماثلة؟

إذا أردنا أن نضع نظرية العود الأبدي في هذا الإطار فإن علينا الافتراض (وهذا مبرر) بأنَ الكون سينبثق بنفس الكيفية وسوف تتشظى المادة في الفراغ خالقة نفس الأكوان والمجرات والكواكب والأقمار وسوف يؤدي هذا حتماً إلى ظهور التجمعات الكيماوية المعقدة وظهور أشخاص مثلنا تماماً يقومون بنفس الأفعال والأقوال في نظام جبري حتمي صارم لا يحتمل أي هامش من الخطأ أو الاختلاف. وهذا يتوافق مع الحتمية العلمية ولكن بالطبع هناك تساؤل عن جدوى ذلك بالنسبة للفرد الإنساني ، هل سيتذكَر أي شيء عن وجوده السابق ، وما قيمة حدث ما سيتكرر بعد مليارات السنين؟ الحقيقة أن العود الأبدي وفق هذا المفهوم يصبح ضرباً من الفنتازيا والعبثية ولا يترتب على تأكيده أو نفيه أي معطيات وجودية ، ومن الملاحظ أن هذا التصور يختلف عن تصور نيتشه لأن الاحتمالات والتشكيلات الممكنة للمادة لم تستنفد كما قال نيتشه بل حصل هناك قطع على شكل حادثة فجائية ، وعلى العموم لا نزال نستطيع الحديث عن عود أبدي ضمن هذا التصور.

السيناريو الآخر لمستقبل الكون هو سيناريو التمدد اللانهائي وهو يفترض أن المادة الموجودة في الكون لا تكفي لخلق قوة جذب تتعادل في لحظة ما مع القوى التي تعمل على التمدد ثم تتغلب عليها بعد ذلك ، ولا أحد يستطيع أن يحسم أمراً كهذا بسبب الجدل الدائر بخصوص النيوترينو ، هل أن لها كتلة أم لا ، وإذا كان لها كتلة مهما كانت صغيرة فإن هذا يحسم الأمر لصالح الانسحاق العظيم ، بسبب أن عدد هذه الجسيمات هائل لا يمكن تصوره ، أما إذا كانت هذه الجسيمات المفترضة بلا كتلة كما يدَعي البعض ، فإن سيناريو التمدد اللانهائي هو الذي سيطبق عندئذ ، ومن غير المعلوم كم سيستغرق الكون من الزمن قبل أن تنعدم كثافته ويفقد خواصه نتيجة التوسع المتزايد. وأرى أن فرصة حدوث ما توقعه نيتشه غير واردة على الإطلاق بسبب أن استنفاد الاحتمالات التي تكلم عنها نيتشه يحتاج إلى زمن ربما يكون رقماً مكوناً من عشرات الأصفار ، وفي حال كهذه ليس وارداً حدوث العود الأبدي في هذا السيناريو.

إن السيناريو الأول هو الفرصة الوحيدة لتحقق أسطورة نيتشة في العود الأبدي ، وهو كما لاحظنا يختلف في منطلقاته عن منطلقات نيتشه. والسيناريو الأول هو المرجح في الأوساط الفيزيائية وذلك بسبب اكتشاف وجود مادة معتمة في الكون لم يتم رصدها علمياً وهي ربما تفوق المادة المرصودة خمس مرات وهكذا سيكون هناك ما يكفي من المادة لإيقاف التمدد الحالي.

وإذا تجاوزنا الفيزياء بوصفها لا تقدم جواباً حاسماً فيما يخص هذه الأسطورة فإن النظر والتأمل الفلسفي ربما يلقي بعض الضوء على هذه المفضلة. والحقيقة أن أفكارا مشابهة ظهرت في الفلسفة للتوفيق بين فكرة الثبات والديمومة من جهة وفكرة الصيرورة من جهة أخرى والتي ابتدأت منذ اليونان ومثلها كلَ من ديمقريطس وبارمينيدس. وقد اهتم فلاسفة الإسلام على وجه الخصوص بهذه المسألة لأنها تتعلق بأهم صفة من صفات الله وهي صفة الخالق ، فإذا كان هناك نهاية لهذا الكون بقيام الساعة ، فإن هذه النهاية وهذا تتنافى مع مفهوم الألوهية في الإسلام مما حدا بابن تيمية إلى اقتراح نظرية الأكوان المتسلسلة اللانهائية بمعنى أن فناء كوننا سيتبعه ميلاد كون آخر ، وكما نرى فإنها نظرية جيدة بالرغم من منطلقاتها اللاهوتية البحتة وهي ربما تقترب من مسلسل الانفجار العظيم والانسحاق العظيم.

وربما يكون الهاجس الأساسي في كل هذه الأفكار هو الجمع بين الثبات والصيرورة ، فالثبات هو الذي يجعلنا ندرك العالم بما هو عليه. والحقيقة أن فكرة الثبات ضرورية للغاية من أجل التعرف على مفردات العالم الخارجي ، فبدون الثبات لن يكون بمقدورنا التعرف على أي شيء ، ولكن الصيرورة هي التي تجعلنا قادرين على رصد العالم من خلال حركته وسيلانه في الزمان ، وعندما يتوقف العالم عن الحركة يصبح خارج إدراكنا تماماً لأن العقل البشري لا يمكنه تمثل أي شيء إلا حالاً في مكان وسارياً في زمان ، ولذا فإن الجمع بين الثبات والصيرورة ضروري لكي ندرك العالم كما هو عليه.

ويبدو أن لا مشكلة حقيقية فيما يخصّ الصيرورة فهي واضحة ويستطيع العقل البرهنة عليها بالاستعانة بالقوانين الفيزيائية والتي جاءت كلها لتدعم هذه الفكرة ابتداء بحركة الأجرام والأجسام مروراً بحركة الجزيئات والذرات وصولاً إلى حركة الجسيمات دون الذرية بما فيها الجسيمات الافتراضية. ولكن فكرة الديمومة تحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك ، تحتاج إلى إعمال الفكر والتأمل الفلسفي ، لأن الديمومة تفترض زمناً لا نهائيا ، فالصيرورات يجب أن تبقى مستمرة في الحدوث دون توقف ، والحقيقة أن الفلسفة المعاصرة قدمت مقاربات نافعة في تعريف وفهم الوجود من خلال فكرة التكرار. وهناك ربط مفهومي بين الوجود والتكرار في الفلسفة المعاصرة ، فالوجود هو صفة لكل ما يقبل التكرار ، وكل شيء لا يقبل التكرار لا يمكن أن يوجد أصلاً ، فالشيء الذي يظهر لمرة واحدة مثلاً هو وجود وهمي نظري افتراضي ، فالشيء يجب أن يتكرر حدوثه في آنات الزمن حتى يكون بالامكان نعتُه بالوجود الحقيقي. ويمكن القول أيضاً أن التكرار هو صفة كل ما يقبل الوجود ، فالسمة الأساسية لكل وجود هي القابلية للتكرار ، وربما يقدم هذا التحليل دعماً نظرياً لفكرة العود الأبدي باعتبار أن كل الظواهر لا يمكن النظر إليها بوصفها موجودات حقيقية إلا عندما تتكرر ، وهي عندما تتكرر فمعنى ذلك أن لا شيء سيوقفها بل أنها ستتكرر إلى اللانهاية ، إن كوننا الحالي لن يكون وجوده حقيقيا لو ظهر لمرة واحدة فقط ، ونستطيع وبناء على مفهوم التكرار أن نكون واثقين إن هذا الكون قد حدث قبلاً عدداً لا نهائيا من المرات وسوف يستمر في الحدوث عدداً آخر في صيرورة دائمة ، هكذا نفهم الوجود ، وعندما نفصل الوجود عن مفهوم التكرار فانَه يفقد معناه الأنطولوجي الذي يجعله قابلاً للتمثل والإدراك من قبل العقل.

كاتب أردني



التاريخ : 20-02-2009

رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش