الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمد عفيفي يستخدم التاريخ والأدب لجلاء الظاهرة : من «المستبد العادل» الى «العادل المستبد»

تم نشره في الجمعة 5 حزيران / يونيو 2009. 03:00 مـساءً
محمد عفيفي يستخدم التاريخ والأدب لجلاء الظاهرة : من «المستبد العادل» الى «العادل المستبد»

 

 
* محمد م. الأرناووط ہ



يمثل الكتاب الاخير للمؤرخ المصري محمد عفيفي "المستبد العادل" (القاهرة المجلس الاعلى للثقافة )2008 نتاجا مختلفا عما سبقه ، اذ انه يجمع بين التجربة الذاتية والتجربة التاريخية ، كما ويجمع بين التاريخ والأدب حيث يعتمد المؤرخ على أدب كبار الكتاب (نجيب محفوظ ونزار قباني) ليحلل ويفسر هذا الاصرار العربي على حكم "الزعيم" الذي يجسد "المستبد العادل".

كان المؤلف في الحادية عشرة من عمره حين توفي جمال عبدالناصر ولم يستطع ان يستوعب كيف أن أباه بكى ذلك اليوم على عبدالناصر ولم يبك قبل سنوات على والده حين توفي. كان الفتى ربيب أسرة ناصرية الهوى والرأي ، واحتاج الأمر الى سنوات بل عقود حتى يتكمن الفتى من فهم ما حدث في ذلك اليوم في سياق التاريخ العربي الذي يدرسه عبر ظاهرة "المستبد العادل" الذي ألغى دور الجماهير وتحول ايضا الى ضحية للجماهير التي كانت تنتظر منه المعجرات ، الانتصارات وليس الانكسارات.

في دراسة لهذه الظاهرة يعود محمد عفيفي الى المعلم الذي أطلق هذه الفكرة وروج لها (الشيخ محمد عبده). ومع أن الشيخ محمد عبده حظي قبل سنوات 2005 ، بسلسلة من الندوات والاصدارات التي عظمت اسهامه كمصلح وموفق بين الاسلام والحداثة الا ان محمد عفيفي يركز في الفصل الأول "الاستاذ وصناعة الوهم" على دوره في التنظير والترويج لهذه الفكرة كبديل شرقي عن الطريق الديموقراطي الغربي. ففي ذلك الوقت كانت مصر قد أخذت بداية بمجلس النواب في 1866 وبعد عشر سنوات (1876) أخذت الدولة العثمانية بالدستور والبرلمان قبل ان يتغلب عليها السلطان عبدالحميد الثاني" المستبد العادل" على طريقته.

ومع تصاعد المعارضة ومطالبتها بعودة الحياة النيابية ، التي أصبحت تعتبر الوسيلة لصلاح الشرق ، قام الشيخ محمد عبده في أيار 1899 بنشر مقالته "انما ينهض بالشرق مستبد عادل" في مجلة "الجامعة العثمانية".

ونقطة الانطلاق عند الشيخ هي عدم استعداد الشرق للحكم النيابي ولذلك يحتاج الأمر الى "مستبد عادل" يأخذ بالتدريج هذا الشرق الى ان يوصله الى مرحلة الحكم النيابي. ويلفت النظر هنا ، وربما هو أهم ما في الأمر ان الشيخ محمد عبده لم يحاول أن يؤصل لهذا النموذج من الاسلام أو من تاريخ المسلمين بل انه قدمه في اطار اجتهاد عقلي بحت قد يكون تأثر فيه ببعض ما شاهده في أوروبا أو في النظام العثماني الحميدي. ويصل من هنا د. عفيفي الى استنتاج مهم يقول فيه أن هذه المقالة شكلت على الرغم من معارضة تلميذه النجيب أحمد لطفي السيد "علامة فارقة في تاريخ الفكر العربي والاسلامي ، اذ قدم الاطار النظري لهذا النموذج الذي سيسود النظام العربي الاسلامي".

ويخصص د. عفيفي الفصل الثاني "لطفي السيد ونقد نموذج المستبد العادل" حيث يبرز أولا مكانة أحمد لطفي السيد 1833( - )1963 ، الذي وضع الاساس النظري للقومية المصرية ودافع باستماتة عن مذهب الليبرالية. ومع انه كان من تلاميد الشيخ محمد عبده الا ان السيد أدرك خطورة هذه الفكرة وكرس نفسه لنقضها في مقالة شهيرة له بعنوان "حقوق الأمة" صدرت في كانون الثاني ,1914 وينطلق السيد في هذه المقالة من رفض فكرة الجمع بين الاستبداد والعدل في نموذج واحد ويرى انها خيالية ولا سند لها في التاريخ ولا تلجأ لها الأمةّ الا في لحظات الوهن.

ولكن هذه الفكرة (المستبد العادل) وجدت في بلاد الشام من يدعمها ويروج لها في الوقت الذي كان يصعد فيه مد العروبة. وهكذا يخصص د. عفيفي الفصل الثالث "المستبد العادل: حلم الثلاثينات" لكتابات عبدالرحمن الشهبندر 1897( - )1940 الذي برز في الحركة العربية منذ بداياتها ضد الحكم العثماني واشتهر بلقب "الزعيم" بعد ان قاد الكفاح ضد الانتداب الفرنسي. ويلاحظ د. عفيفي في كتابات الشهبندر "عدم حاجة الأمة للنظام الديموقراطي ، وضرورة التدرج وظهور المخلص الذي يجمع شتات الأمة على رأي واحد".

وفي هذا السياق لا يعد من المستغرب ان يعبر الشهبندر عن اعجابه بالنازية والفاشية والكمالية "التي أنقذت ايطاليا والمانيا وتركيا من الانحلال ومن سلطة المجالس النيابة الجوفاء واضاعتها اثمن الاوقات في القيل والقال على غير جدوى". ومن هنا يصل د. عفيفي الى استنتاج مهم آخر يقول فيه "يمكن اعتبار الشهبندر المنظر الاساسي وعراب الأنظمة القومية العسكرية في المشرق العربي في الفترة التالية على الحرب العالمية الثانية".

وبالاستناد الى ذلك يخصص د. عفيفي الفصل الرابع "عبدالناصر" لما يعتبره "النموذج المجسد لحلم المستبد العادل ، هذا الحكم الذي طالما حلمت به أجيال متعددة من المثقفين المصريين والعرب منذ نهاية القرن التاسع عشر". ويستند د. عفيفي في هذا الفصل إلى مذكرات وزير الثقافة الأسبق د. ثروت عكاشة الذي يعتبره واحدا من أكبر رجال عبدالناصر وفاء له ، ليتابع كيف تقبل عبدالناصر هذا الدور (المستبد العادل) وجسده في الدولة التي لم يعد فيها مؤسسات تحكم بل أجهزة تنفذ ما يراه "الزعيم". وينتهي د. عفيفي الى استننتاج مهم آخر يقول "في الحقيقة كان عبدالناصر تلميدا مخلصا لنظرية المستبد العادل ولضرورة الفترةالانتقالية التي دعا اليها محمد عبده والشهبندر من أجل لم شمل الجماهير ووحدة الصف والتدرج عبر مجالس وهيئات شبه نيابية...".

ويتميز الفصل الخامس من الكتاب بكونه يخصص لفهم عبدالناصر خارج مصر ، وبالتحديد من خلال أشعار نزار قباني الذي تناوله في عدة قصائد بعد 1967 وبعد ,1970 ويوحي العنوان (نزار قباني: المستبد العادل الضحية) بكون عبد الناصر قد تحول ايضا الى ضحية للجماهير التي توقفت عن الفعل بعد ان استسلمت لسحره وخرجت في 9 - 10 حزيران 1967 لتطالب باستمراره بسبب "اصرارها على حكم المستبد العادل الزعيم الذي يتولى عنها كل شيء من الابرة الى الصاروخ".

ولكن ماذا بعد عبد الناصر؟

د.عفيفي يخلص في نهاية الكتاب الى ان الحكم بعودة نموذج المستبد العادل سيلهب خيال معظم الزعامات العربية بعد عبد الناصر "من السادات الى صدام وحتى عرفات ولكن كل على طريقته وفي ساحته". ومن الواضح ان د. عفيفي يذكر بحرية هنا من رحل من الزعماء العرب أما من بقي فعلينا الانتظار سنوات وعقودا حتى تذكر أسماؤهم،

وبالاستناد الى كل هذا لا يملك د. عفيفي سوى ان يستغرب كيف ان العالم من حولنا قد تغير ، حيث سقط الاتحاد السوفيتي ولم تعد تركيا كمالية كما كانت ، ولكن "الأمة العربية ما زالت حبيسة التاريخ ، تفكر في الماضي وتسير الى الوراء وتحلم".

كتاب "المستبد العادل" يأتي في حينه لعله يساعد على فهم ما نحن فيه.



ہ أستاذ في كلية الاداب بجامعة آل البيت



Date : 05-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش