الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الجمعية الفلسفية الأردنية تنتدي حول «الفلسفة والدين»

تم نشره في الخميس 16 نيسان / أبريل 2009. 03:00 مـساءً
الجمعية الفلسفية الأردنية تنتدي حول «الفلسفة والدين»

 

الدستور ـ إلياس محمد سعيد

"العلاقة بين الفلسفة وبين الدين موضوع ليس سهلاً" ، قال د. هشام غصيب في الندوة التي عقدتْها الجمعية الفلسفية الأردنية بالتعاون مع رابطة الكتاب الأردنيين بعنوان (الفلسفة والدين)، وشارك فيها ـ بالإضافة إلى د. غصيب نفسه ـ د. جورج الفار ، والأستاذ أحمد العتوم ، والأستاذ مجدي ممدوح ، وهي ندوة أدارتْها ، وأدارت الحوارَ الذي تلاها ، د. خديجة العزيزي. كان ذلك مساء أول أمس ، وفي مقر الرابطة ذاته.

في الحقيقة ، كان د. غصيب استهل حديثه بالقول عن (أي الفلسفة والدين) إنّ كلاً منهما ظاهرة كبيرة من حيث تاريخها وأعماقها ، شأنهما في ذلك شأن الظاهرات الحضارية الأخرى كالعلم ، والفن ، والأدب: فهو يرى أنّ هذه كلَّها "ظاهرات مُحَيًّرة" ، ولا يعتقد بإمكانية اختزال أي منها إلى "مجرد مفهوم واحد" ، كما قال. لذلك ، عندما أراد التحدث عن الفلسفة والدين ، وجد من الضرورة التحدُّثَ عن العًلم ، بحيث قدم "معادلة تبسيطية" ، بتعبيره ، يمكن من خلالها إلقاء الضوء على العلم والدين ، وعلى الفلسفة باعتبارها تتوسطهما لكنْ ليس بوصفها وسطيّةً بين هاتين الظاهرتين ، بل على اعتبارها ـ كما فهمتُ أنا ـ تحدياً لكل من الظاهرتين ، وتحدياً لها بذاتها وفي ذاتها. إذنْ ليس غريباً أنْ يذهب مثقف نادر الطراز من مثل د. هشام غصيب إلى أنْ يضيءَ بعضاً من المفارقات بين كل من حقول الفكر والمعرفة الثلاثة: الدين ، والعًلْم ، والفلسفة فيقول: "الدين يَقبل بعض الأمور على عًلاّتها ، والعًلمُ لا يَقبل شيئاً على عًلاّته بل يَقبل الأشياءَ المُعَللةَ مشروطةً ومؤقتةً ، أما الفلسفة فلا تقبل الأمورَ بعًلاّتها ، وهي بذلك تذهب إلى أبعدَ مما ذهبَ إليه العًلم". هكذا ، يعتقد د. غصيب "بوجود علاقات متوترة بين هذه الظاهرات الثلاثً" ، ويرى أنّ هذه العلاقات "أحياناً تحتدم ، و[أحياناً] أخرى تَخًفُّ".

بوصفه مثقفاً تخلو مخيلته من الأوهام ، لم يترددْ هشام غصيب أنْ يقول ، بشجاعةْ لا أظنه يعتبرها شجاعةً ـ لأنه متخصص أصلاً بعًلم الفيزياء ، بخاصة الفيزياء النووية: "التحدي الرئيس الذي يواجهه الدًّين ليس من الفلسفة بل من العًلم: فالعًلم يقود إلى شيءْ محدَّدْ بعكس الفلسفة: فالفلسفة ليستْ معنية بدحض مقولات الدًّين أمّا العًلم فيفعل ذلك". أمّا بخصوص السؤال المُحَيًّر في ضوء ذلك ، والمتمثل بخوف الدين من الفلسفة ، فيُرجًعُهُ د. غصيب إلى أمْرينً: الأول أنّ الفلسفة "تُؤسًّس لوعيْ نقديّْ رافضْ وناقضْ: فهي متمردةّ مُطْلَقاً ، ولا تنطًلق مًن مُسلَّماتْ ثابتةْ" ، كما قال من قبْلً أنْ يضيف أنّ الدًّين يقوم على مفهوم القَداسة الذي يَعني عالَماً مقدساً لا يُمَسُّ لا بالعقل ولا بالأيدي" لذلك يعتبر د. غصيب أنّ الدًّين "يعتمد على التقديس والاستتار ، ولا يصمد أَمامَ سطوع العقل". مقابل ذلك يرى د. غصيب أنّ "الفلسفة لا تُنتج معرفةً ، ولكنها تؤسس للمعرفة ، وبخاصة المعرفة العلمية: فهي شرطّ أساسيّّ لإنتاج عَقْل نظريّْ". ويعتبر د. غصيب الفلسفةَ ـ في هذا السياق ـ "لا غنى عنها لنهوض الأمم ، وخاصة الأمة العربية الغارقة في التاريخ والعَراقة". يجب أنْ أُشير هنا إلى تَناوُلً د. غصيب محاولةَ الدًّينً بدأْبْ "إحْلالَ ما هو لامعقولّ مَحلَّ المعقولً" ، مقابلَ السهولة على العقلً الآخرً (بخاصةْ العلميًّ) "إحلالُ معقولًهً محلَّ لامعقولً الدًّين".

بنباهة ، وبتملُّكْ معرفيّْ جليّْ ، قدّم د. جورج الفار "مقاربات ومقارنات فكرية بين اللاهوت والفلسفة" ، كان ذلك في ورقته التي قدمها بعنوان "هل يلتقي اللاهوت بالفلسفة؟" ،

بالإضافة إلى ذلك ، تناول د. جورج الفار "الوسيلة المستعملة في النظر" لدى كل من الظاهرتين ، فقال إنّ "اللاهوت يعتمد الإيمانَ بالمسلمات الموحى بها... أمّا الفلسفة فتبدأ بفحص كل موضوع يوضع أمامها ، ولا تَقبل بالمسلمات إنما بما يمكن البرهنة عليه ويصمد أمام المنطق" ، كما يقول ، وفي هذا السياق يستشهد د. الفار بتعبير "العقل العرفانيّ" الذي استعمله الباحث والأكاديميّ المغربيّ محمد عابد الجابري مقابل تعبير "العقل البرهانيّ".

يرى د. الفار أنّ هناك مساحات يتقاطع فيها اللاهوت مع الفلسفة ، في نهاية حديثه تطرق الحاصل على درجة الدكتوراة في اللاهوت إلى تجربته الشخصية ، والتي تمثلتْ بـً "رحلة علمية قادتني" ، كما قال ، "إلى العودة إلى المسلمات ومحاولة البرهنة عليها فوجدتها... لا تصمد أمام البرهان". وقد جعل هذا الأمْرُ صاحبَ كتاب "حديقة الراهب" يشعر "بالاغتراب ما بين واقعي الحياتيّ وواقعي الفكريّ" بتعبيره ، فقرر بعدئذْ "النزول عن المنبر".

د. أحمد العتوم قدم للحاضرين إضاءة باهرة حول "كانط والدين" ، وهو عنوان ورقته للندوة ، فبين انّ كانط "وجد القوانين الطبيعية غير كافية لتفسير الظواهر" ، ثم ذهب إلى أنّ الصراع عند كانط "قائم بين المعرفة ومملكة الغايات ومشكلة الحرية التي تتوسطهما". كان كانط ينظر "للدين بوصفه مؤسَّساً على العمق الأخلاقيّ" ، قال د. العتوم ، قبيل انْ يتطرق إلى "الفرق بين الدين وبين الأخلاق كما يراه فيلسوف عصر النهضة" ، فقال البحث في هذا السياق إنّ كانط كان ينظر للدين بوصفه "ينزع نحو المقدس الذي يبقى تحت رقابة العقل" ، وبينّ العتوم كيف تدرج كانط من توجيه "نقده للمسيحية واليهودية" إلى أنْ "رفض كل وصاية على العقل" في رسالته حول (ما هو التنوير). وفي الواقع ، ذهب كانط إلى أبعد من ذلك عندما رأى أنّ "العبادة الحقيقية يخضع فيها الدين المنزل للعامل الأخلاقيّ" ، وأنّ "الأخلاق أساس في جوهر الإيمان الذي يخضع لامتحان العقل".

"مشروع البابا بنديكس للمزاوجة بين الدين والفلسفة" كان عنوان الورقة التي قدمها للندوة الباحث مجدي ممدوح ، فقال إنّ "البابا يسعى إلى عقلنة الخطاب الدينيّ عن طريق خلق مصاهرة مع الفكر الفلسفيّ" ، وذلك في محاولة البابا نفسه "بثَّ الحياة في الفكر الكنسيّ المتحجر منذ قرون" ، كما قال مجدي ممدوح الذي استبعد أنْ تقوم هذه المصاهرة بسبب "الهوة بين اللاهوت والفلسفة الحديثة التي تمتلك أدواتها لتحليل الأنساق الفكرية". يرى مجدى ممدوح أنّ "الإيمان غير المبرهَن هو الذي يولد شحنة وطاقة عاطفية وروحية تخلق الدوافع والحوافز عند الإنسان" ، وهي دوافع وحوافز يرى الباحث أنّ "العولمة عجزتْ عن إقامتها" ، "فالدين" ، يقول الباحث ، يستطيع أنْ يدفع أبناءه إلى التضحية" ، مقابل أنّ العلمنة "لا تتحسب لذلك ، بل إنها تحاول سحب المقدس" ، هكذا يذهب مجدي ممدوح إلى عبثية محاولات البابا إقحام الدين مع الفلسفة من أجل خلق دوافع أخلاقية ، ويقول إنّ "محاولات البابا لعقلنة الدين ستضر بالدين وبالدور الذي يضطلع به" ، وهو يرى أنْ "يُطرح الدين كمنظومة أخلاقية ، وأنْ يبتعد عن الوسائل الوجودية" ، وبرأيه ، فإنّ "المجتمع القائم على العقلنة الخالصة سيجد نفسه في ورطة أمام الدوافع والحوافز والأخلاق". قدّم المشاركين وأدار الندوة ثم الحوار الذي تبعها د. خديجة العزيزي.



التاريخ : 16-04-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش