الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كائنات معرفية مثيرة للاستغراب : جمال ناجي ہ

تم نشره في الجمعة 24 نيسان / أبريل 2009. 03:00 مـساءً
كائنات معرفية مثيرة للاستغراب : جمال ناجي ہ

 

 
فيما مضى كانت دور السينما تضع عند أبوابها لافتات كرتونية ، تتضمن ما مفاده (يمنع دخول الأحداث ومن هم دون سن السادسة عشر ) على اعتبار ان الفيلم مرعب او متهتك ، ثم تطور الأمر لتضع قنوات التلفزة إشارة ھ على صورة طفل كإشارة إلى نصح الاطفال بعدم حضور الفيلم ، ثم تطور الأمر في الفضائيات التي تبث صور القتل والدمار والمجازر الى لفت انتباه المشاهدين الى أن الصور التي سيتم عرضها مثيرة للقلق والذعر ، في اشارة الى بشاعة المشهد او لتحضير المشاهد ، وطبعا كان هنالك استثمار لهذه المسألة من أجل جذب الكبار ، لأن الفيلم خاص بهم ويتضمن ما لا يجوز للصغار الاطلاع عليه.

الآن اختفت تلك اللافتات الكرتونية من أمام دور السينما ، واختفت صورة الطفل وإشارة ھ لأن الاطفال اصبحوا يملكون ما لا يملك الكبار ، وسبقوا الكبار في حصاد الزمن ، الى حد انهم - لفرط ما شاهدوا من افلام الرعب والجنس وسواها عبر الانترنت والأقراص المدمجة - اصبحوا اصحاب خبرة فاقت ما لدى الكبار الذين لا يتقنون فنون الانترنت والبحث الدقيق عما هو شيق او مرعب او مثير ، وليس مستبعدا أن تنعكس الآية عما قريب ، فتوضع صورة رجل كبير او مسن وعليها اشارة ھ لمنع الكبار من حضور هذا الفيلم او ذاك ، وهو منع منطقي إذا أخذنا في الاعتبار الاسباب التي كانت تدعو الى تحذير الاطفال من حضور بعض الافلام ، وهي الاسباب التي لم تكن كلها تربوية ، بقدر ما هي تتعلق بتأثير الرعب والجنس على البنى النفسية لؤلئك الصغار .

لا بد من التسليم بحقيقة أن الكبار لا يملكون دربة الصغار في قضايا المستقبل الرقمي والعوالم الافتراضية وفجائع انهيار الأزمان وتحولات الانسان والجينات وغير ذلك مما تظهره الفضائيات ومواقع الانترنت واليوتيوب ، ومن الممكن أن يصاب أولئك الكبار بالسكتة القلبية اذا هم رأوا بعض المشاهد التي لا ترى الا بعين محترفي الانترنت من الصغار ، لذا فإن تقديم النصح الى الكبار بعدم مشاهدة تلك المواقع والأفلام يعد أمرا منطقيا بسبب عدم اهليتهم ونقص خبراتهم في هذا المجال .

حدثني صديق لا يحسن التعامل مع الكومبيوتر ولا الانترنت ، بأنه ألح قبل سنوات على ابنه الصغير بضرورة شراء قرص فيلم ماتركس كي يشاهده ، وحين أحضر الطفل له ذلك الفيلم قام بتشغيله ثم جلس الى جانب والده على الرغم من أنه كان ينتظر امتحانا في اليوم التالي ، وحين سأله والده عن سبب تركه دروسه وحضور الفيلم ، أجاب الطفل : يجب ان اكون بجانبك عندما تشاهد هذا الفيلم ، لا يجوز ان اتركك وحيدا وانت تشاهده .

مسألة أخرى مهمة في هذا السياق ، وهي أن عقول الأبناء تستطيع وزن الامور اكثر من الآباء في كثير من الأحيان ، وهو ما يفسر الدهشة التي تصيب الكبار حين يدلي الصغار برأي صائب يفاجؤهم ويدعوهم الى صفع جباههم متسائلين : لماذا لم يخطر هذا الرأي ببالنا ؟ أكثر من هذا اننا نستحسن أفكار صغارنا المبتكرة ونعجب بها حد الافتتان ، لكن ، كثيرا ما يصيبنا السهوم من جراء تفوقهم علينا ، لذا نلوذ بعالمنا مبتعدين عنهم ، ليس كرها لهم ، انما خوفا من عالمهم ، وندما على ما فاتنا من خبراتهم ، أما هم فيفضلون ان نتركهم وشأنهم ، يفضلون عالمهم المختلف المنفصل.

ربما تنعكس الاية عما قريب ، فيطلب الأب النصح والارشاد من ابنه الصغير ، وربما يرمي برأسه في حضن ابنه بحثا عن قطرة حنان أوهربا من شراسة الحياة وغموضها وصدماتها المعرفية ، فيكون الأبناء قد قاموا بأدوار الكبار : ألم يخطر لنا في لحظات ضعف إنساني أن نفعل هذا مع أطفالنا الذين بتنا نرى فيهم كائنات مثيرة للاستغراب؟



ہ روائي وقاص أردني



[email protected]

Date : 24-04-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش