الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أنور الزعبي : احترام التعددية والطرف الآخر السبيل الوحيد للتعايش بين الشعوب

تم نشره في الجمعة 3 نيسان / أبريل 2009. 03:00 مـساءً
أنور الزعبي : احترام التعددية والطرف الآخر السبيل الوحيد للتعايش بين الشعوب حاوره: زياد أبولبن

 

 
لقد ترك أنور الزعبي للمكتبة العربية مؤلفات زاخرة بالفكر والمعرفة والثقافة ، منها: مسألة المعرفة والمنهج في فكر الغزالي 2000 ، واقعية ابن تيمية 2002 ، في تحليل المفاهيم: جزءان 2002 ، رسائل في المعرفة والنهج 2004 ، مسيرة المعرفة والمنهج في الفكر العربي الإسلامي 2006 ، ظاهرة ابن حزم الأندلسي: نظرية المعرفة ومناهج البحث ، ، تيارات الفكر العربي الإسلامي المعاصر وتحولات العصر وتداعياته 2007 ، العقل والعقلانية الشاملة في ضوء إسهامات الفكر العربي الإسلامي 2008 ، وله من المؤلفات المشتركة: الثقافة والعولمة ، نحو نظام معرفي إسلامي ، المشروع الثقافي النهضوي العربي ، مستقبل الثقافة العربية ، الفلسفة في العالم العربي ، تشكيل السياسات الثقافية ، العطاء الفكري لأبي الوليد بن رشد ، الثقافة والتنمية ، نحو قراءة عربية للتاريخ والحاضر.

شغل أنور الزعبي مناصب عدّة ، منها: مستشار وزير الثقافة الأسبق ، ورئيس لجنة ملتقى عمان الثقافي ، ورئيس الجمعية الفلسفية الأردنية ، ورئيس المجلس التأسيسي لنقابة الفنانين الأردنيين ، ومناصب إدارية أخرى ، وحصل على دكتوراه الدولة في الفلسفة ، وحاز على جوائز ، منها: جائزة أفضل كتاب عام 2003 من جامعة الزرقاء الأهلية ، جائزة أفضل كتاب عام 2006 من جامعة فيلادلفيا ، وحاز على إجازة التفرغ الإبداعي عام 2008 من وزارة الثقافة ، وعمل في سنوات سابقة محاضراً غير متفرغ في جامعة فيلادلفيا لمادة فكر وحضارة.

قدّم أنو الزعبي طروحات عديدة حول الفكر والفلسفة العربية الإسلامية ، وحول أهمية الفلسفة ومستقبلها وما حققته في ضوء الإنجازات العلمية الحديثة ، قال في حديث بيننا ، إنّ للفلسفة دوراً هاماً في كافة المجالات ، وتتبع أهميتها من مراجعتها النقدية المستمرة للمعطى المعرفي ، ومستقبلها لا يختلف عن ماضيها ، فإذا كانت في الماضي. ومن وقت لآخر ، فقد حرضت على ولادة العلوم بمختلف مناحيها ، فإنها ستحرض على ولادة علوم جديدة ، إنّ آفاق المعرفة ليست مغلقة حتى ينتهي دور الفلسفة وإنما هي مفتوحة وتتنامى باستمرار ، الأمر الذي لا تنتهي معه مهمة الفلسفة ما بقيت الحياة وبقي الإنسان ، والمراجعة النقدية للمعرفة لا تأتي من فراغ وإنما تحصل من خلال وعي الفيلسوف بالحاجة إليها وضغط الأحداث والقضايا ، وإذا ما كانت بعض القضايا التي يعالجها الفيلسوف ، مع ذلك ، تبقى عالقة ، مشكّلة بذلك جملة القضايا الفلسفة الأصيلة المستعصية ، مثل: قضايا المعرفة ، والوجود ، والموت ، والمصير ، وغير ذلك ، فإنّ كثيراً من القضايا قد عالجها الفلاسفة بما يكفل تقدم البشرية والحضارة ، وما الإنجازات العلمية من حيث أسسها وأصولها والغايات التي تنتهي إليها إلاّ نتاج الفكر الفلسفي ، وغالباً ما تنتهي هذه المراجعات والمعالجات ، التي ينهض بها الفيلسوف ، إلى بلورة إطار مذهبي ، قد يختلف من فلسفة لأُخرى ، غير أنّ أياً منها يخدم جزءاً من الحقيقة ، وتخيل معي لو لم تكن هذه المذاهب موجودة ، فماذا كان الحال،

هل نستذكر معاً بعض هذه المذاهب أو أبرزها على الأقل والتي أثرت على سير الحضارة؟

وجرى حديثنا عن أبرز المذاهب الفلسفية في التراث الإنساني ، ومدى تأثيرها على الحضارة بمنجزها الكلي ، فكان رأيه أنّ تاريخ الفلسفة يعجّ بالكثير من المذاهب المهمة ، مثالية كانت أم مادية ، أم كانت تجمع بين النظرتين ، ففي الجانب المثالي يمكن أن نذكر على سبيل المثال ، فلسفات أفلاطون ، وديكارت ، وباركلي ، وهيجل ، أما في الجانب المادي فيمكن أن نذكر فلسفات هرقليطس ، وهيوم ، وماركس ، وفي الجانب الأخير يمكننا أن نذكر ، أرسطو ، والفلاسفة المسلمين ، وكانت ، وهوسرل ، ورسل... الخ ، "وفي تقديري فإنه لا يوجد فلسفة مثالية صرفة ، أو مادية صرفة ، وكذلك لا يوجد منطقة وسطى توازن بين الاتجاهين ، وإنما يمكن أن تتسم فلسفة ما بسمة غالبة ، فيقال حينئذ أنّها مثالية أو مادية أو بين بين ، ولهذه الفلسفات قيمة كبيرة في فهمنا لكثير من الأمور وفي تصميم نظرتنا إلى الحياة ، وبسبب من ذلك تتنوع المجتمعات البشرية وتتطور على أُسس من التعددية ، فتتسم الحياة ، نتيجة لذلك بكثير من المظاهر الخصبة الإيجابية. وليست جميع الفلسفات السالفة في عصرنا الراهن برزت وتبرز فلسفات جديدة ووجهات نظر جديدة تجاوزت السابقة وتقدم خدمات جلية للفكر عامة والعلمي خاصة."

فقلت له: إذاً بماذا تهتم الفلسفة المعاصرة؟ فأجابني: يمكن الإشارة هنا إلى العديد من الفلسفات التي تناولت حقولاً جديدة مثل فلسفة ماركس التي راجعت المعطى المعرفي من الناحية الاقتصادية والأخلاقية فأثمرت الفكر الاشتراكي واتجاهاته المختلفة ، ومثل فلسفة رسل التي راجعت المعطى المعرفي من ناحية الرياضيات والمنطق فأثمرت ميدان التحليل المنطقي ، ومثل فلسفة هوسرل التي راجعت المعطى المعرفي من خلال تحليل التصورات فأثمرت الفلسفة الظاهرية وما لحقها من تيارات كالوجودية ، والبنيوية ، والتفكيكية ، ومثل فلسفة فتجنشتاين التي أثمرت فلسفات التحليل اللغوي وبعض المدارس كالوضعية المنطقية وغيرها. فضلاً عن المعالجات المختلفة التي نهض بعبئها العديد من الفلاسفة والمفكرين أمثال كون ، وباشلار ، وفايربند ، واير ، في حقل الابستمولوجيا أو فلسفة العلوم الناشئة حديثاً ، وحقبتنا الحالية تشهد تحولات جديدة في حقل العولمة أو النظام العالمي الجديد الأمر الذي أوجب ويوجب مراجعات جديدة.

قلت له: ما صلة المنطق بالفلسفة؟ قال: المنطق صُلب الفلسفة وعمودها الفقري ، ولا تقوم المراجعة النقدية للمعطى المعرفي ، مهما كان حجمه ، إلاّ من خلاله ، ولكل مذهب متكامل منطقه الخاص به ، أفلاطون ، أرسطو ، ابن حزم ، الغزالي ، ديكارت ، كانت ، هيجل ، ماركس ، هوسرل ، رسل.. الخ. والخطوات المنطقية والعناصر المنهجية متداخلة بين الفلسفات وبها إضافة وبها حذف ، لكن المنطق في مجمله يبقى موضوعاً متصلاً بعضه ببعض ، وينمو ويتطور ، وغيابه يعني غياب الفلسفة ، وغيابهما يعني غياب النقد والاجتهاد ، الأمر الذي يبقى التقليد جاثماً على العقول ، وهذا هو الحاصل حالياً في عالمنا العربي باستثناء مناطق قليلة تشهد حضوراً نسبياً لهما وتبشر بالسير نحو التقدم. قلت: لماذا يغيبان الآن؟ قال: بشكل عام ، لأنّ القوى التي بيدها مقاليد الأمور تفضل إبقاء الأوضاع على ما هي عليه ، وتحافظ على التقليد ، خوفاً من التغيير ، ولقد تطور المنطق تطوراً كبيراً خلال هذا القرن ، ولم يعد ممكناً الدخول في عصر حضاري إلاّ من خلاله.

قلت قرأت كتابك بجزأيه "تحليل المفاهيم" ، فما رأيك في بعض الإشكاليات المتعلقة بتحديد المناهج والمصطلحات؟ قال: مبعث اهتمامي بالمفاهيم نابع من أنّ تحديد المفهوم والمصطلح أساسي في انتعاش الفكر ، إذ تتوقف على هذا التحديد كل المسائل اللاحقة ، ومعظم الخلافات بين المفكرين بل وعامة الناس أصلاً ناشئة عن اختلاط مدلولات المفاهيم لديهم ، والمشكلة تأتي من تداول المفاهيم المجملة بشكل غير واع بل وكيف اتفق أحياناً ، المهم أن يستعمل المرء عدداً من المفاهيم ، لا سيما التي لها وقع كبير ، حتى يشار إليه بالبنان أو يترك لدى السامعين بعض الأثر ، والحقيقة أنّ العلم يرتكز في مسألة التفاصيل وما تنحل إليه هذه المفاهيم ، وبذلك يكون استعمالها مثمراً ومفيداً ودقيقاً في حال استيعاب ما تنحل إليه ، وإلاّ فالغالب من الناس بوسعهم ، من خلال مصادر عديدة ، أن يتلقفوا هذه المفاهيم ويتداولوها ، دون وعي بما تنحل إليه أو تحيل إليه هو الجهل والتضليل. فإنّ المفاهيم المجملة تنحل إلى أقسام ، وهذه بدورها إلى عناصر ، والعناصر إلى جزيئات ودقائق ، والمعرفة تعتمد بصورة كاملة على استيعاب هذه المسألة ، فإذا غابت المعرفة بهذه التفصيلات غابت المعرفة الحقة ، وسيكون بوسع كل واحد أن يستعمل المفاهيم كيف اتفق وبكثير من الخلط.. والخطورة غالباً ما تأتي من استعمالات المثقفين وأصحاب الأقلام أو من يحسبون عليهم ، من هنا جاء اهتمامي بالمناهج وبتحليل المفاهيم مثل: مفهوم التحليل ذاته ، ثم مفاهيم أخرى ، كالمعرفة ، والإبداع ، والحرية ، والديمقراطية ، والثقافة ، وغير ذلك مما ألفته ونشرته وحاضرت فيه خلال السنوات العشر الماضية.

قرأت كتابيك: ابن حزم والغزالي ، وقد كُتبت مؤلفات كثيرة حولهما ، وحول فكرهما ، ما الجديد والمختلف الذي قمت به ، قال: ذكرت لك إنّ المفاهيم المجملة قد تستعمل كيفما اتفق ، وقد يتم تداولها بصورة مشوهة ، مثلما حدث في الفكر الظاهري لابن حزم الأندلسي ، حيث نسب إلى هذا الفكر القصور في مواطن عديدة ، وألصقت به التهم الجزافية الظالمة ، الأمر الذي دعاني إلى الاستفادة من أسلوب التحليل في إعادة دراسة الفكر الظاهري ، وقد وقفت على الأقسام والعناصر والدقائق التي ينطوي عليها الفكر الحزمي ، وتتبعت الخطوات المنهجية التي شيد بها ابن حزم فكره ، فانتهيت من خلال ذلك إلى آراء جديدة وقد ثبت ، نتيجة لذلك ، إنّ ما نسب إلى هذا الفكر من قصور باطل تماماً ، وإنّ ما ألصق به من تهم حري أن يلصق بمن اتهمه به ، وكانت النتيجة على وجه الإجمال ، أن تبلور الفكر الحزمي كألمع إسهام للفلاسفة المسلمين في الحضارة الإنسانية ، وأكثرها أصالة واستقلالاً وتفرداً ، الأمر الذي دفع عددا من الباحثين العرب والأجانب إلى الإشادة بهذه الدراسة ، وقد اهتمت بها غير مؤسسة لنشرها وترجمتها ، وقد حفزني ذلك على أن أمضي شوطاً آخر ، لأتناول صوفية الغزالي بالدراسة بذات الأسلوب ، الأمر الذي أكد لي ، ولمناقشي الدراسة صحة طريقة المعالجة بالتحليل التي انتهجتها ، وما أحدثته من قلب في وجهات النظر السائدة عن الغزالي وفكره ، وقد دلت الدراسة على أن وجهات النظر تلك غير صحيحة ، مما أثبت أن كثيراً من الدراسات حول تراثنا ومفكرينا غير منهجية ، وتفتقر إلى الدقة والعمق ، وأنا أتحدث هنا عن وجهات نظر دارسين كبار ، شاعت آراؤهم شيوع النار في الهشيم وأخذت على محمل الجد فترة طويلة ، وإذا ما كانت هذه الدراسات قد وضعت فكر الغزالي في مصادمة فكر ابن حزم ، والظاهر في مصادمة الباطن ، فقد أثبتت دراستي للغزالي إنّه يتبنى المنظور الحزمي ، لكنه لم يكتف به ورغب في أن يتجاوزه إلى مجال أرحب من غير أن يخالفه. لقد ارتأى الغزالي أن بوسعه النفاذ إلى عقلانية أرقى وجهد في هذا الأمر مما ينفي تهمة اللاعقلانية عند الغزالي من أساسها ، ويضعه في مصاف المتطلع إلى أكبر وأرقى عقلانية ممكنة ، ويعود اهتمامي بهذا الحقل لعوامل عدة ، منها: تحقيق المسائل ووجهات النظر المعرفية والمناهج بشكل سليم ، لئلا تنسب إلى مفكرين مسائل لا يقولون بها ، ولكي لا يغمط فضلهم في مراجعة المعطى المعرفي.

فقلت له: في هذه المناسبة ، هل هناك نظام معرفي إسلامي ، وهل يختلف عن أنظمة أخرى؟ فقال: النظام المعرفي الإسلامي موجود ، ويتمثّل بإسهامات أولئك المفكرين البارزين في تراثنا ، ابن حزم ، الغزالي ، ابن خلدون ، ابن تيمية ، وغيرهم ، وهم يكمّلون بعضهم ، غير أن كشف هذا النظام وبلورته يحتاج إلى مواصلة الدراسات ، التي تكشف عن نظراتهم المعرفية ومناهج البحث التي اعتمدوا عليها ، وستكون النتيجة هي الوصول إلى المسائل والعناصر التي يشتركون فيها ، والتي ينفرد بها أي منهم عن غيره ، ومن ثم بيان مواطن القوة والضعف فيها ، تمهيداً لبلورة ما ينتج عنه من نظام معرفي ، وهذا النظام مستمد أساساً من شريعة الرحمن والاستفادة من الحضارات السابقة ومعالجة أولئك المفكرين لها ، وما قدمته هذه العقول من خلال مؤلفاتها النقدية الهائلة سيبقى مثيراً للدهشة والإعجاب لما انطوت عليه من آراء نافذة ومنهجيات معتبرة.

قلت: هذا يقودنا إلى المعالجات الحديثة والمشاريع النهضوية الجديدة ، كيف تنظر إلى هذه المشاريع: محمد عابد الجابري ، حسن حنفي ، زكي نجيب محمود ، محمد جابر الأنصاري ، وغيرهم؟ قال: المشاريع النهضوية العربية التي قُدمت خلال الحقبة الماضية كثيرة ، يمكن إجمالها ضمن تيارات ثلاثة: التيار الذي يرغب باستعادة نموذجه من الماضي للنهوض من جديد ، لأنه يراه أصلاً وكافياً ، لا سيما في الحقبات الزاهية ، والتيار الذي يرغب باستعارة نموذجه من الغير ، لا سيما الحضارات العربية المعاصرة ، ليبرالية كانت أم اشتراكية ، ويرى بأنّ أياً من هذه النماذج في وضعه المتطور كاف للنهوض بالأمة من جديد ويحقق الحداثة ، والتيار الثالث الموفق بين الأصالة والمعاصرة. ونماذج هذه التيارات على الجملة ليست صائبة وليست خاطئة ، وقد جهد كثير من أصحاب النماذج في تقديم مشاريعهم ، لتأخذ حظها من القبول والانتشار ، وقد حققت بعض النماذج وجودها النسبي ، على الأقل عند بعض الجماعات ، وفي بعض الحقب ، غير أن هذه المشاريع لم تتغلغل بعد ، ولم تُحظَ بالقبول والفاعلية في الشارع العربي ، بمعنى أنها لم تستطع أن تكوّن وجداناً شعبياً فاعلاً ، لأسباب عديدة ، الأمر الذي يُربك الحالة العربية الآن ويدعو إلى المزيد من الحوار. والمشكلة العامة لهذه المشاريع ليست في أنها لا تصلح بحد ذاتها سبيلاً للنهوض ، بل لأنها تغيّب الواقع الفعلي المعاش للعرب ، ولا تعي ضخامته ، وما تظهر به من ملامح فعلية ، فهذه الملامح لا يمكن تجاوزها لحساب واقع مصطنع ، وإنّ تجاهل الواقع الفعلي المعاش لحساب واقع مصطنع ، سواء أكان مستعاداً أو مستعاراً ، أم يحاول التوفيق ، لا يحقق المطلوب ، فالواقع الحالي هو المنطلق ونحوه يجب أن يسدد الهدف ، الأمر الذي يدعو إلى تنبيه كل الأطراف إلى أنّ المطلوب أن يتغيّر هذا الواقع ، وهو يحتاج إلى دراسة وتحليل وإلى استشراف ما يمكن أن يؤول إليه من ضرورات وممكنات ، وهذا السبيل وحده هو الكفيل بتمثيل النموذج المناسب والعمل على تحقيقه ، إنّ هذا يتطلب الدراسة تلو الدراسة للواقع وما يتصل به من أمور تاريخية ومستقبلية ، والتغلغل في بنيته لتحديد الاتجاه ، وهذا ما يحتاج إلى جهد وتضافر مفكرين ومؤسسات ، ومن خلال ذلك يمكن أن نصل إلى نموذج مستفاد.

قلت في بحث لك عن مستقبل الثقافة العربية في عالم متغيّر قدمت بعض التمهيدات حول الموضوع هذا ، قال: صحيح ، فإنّ مشروعاً على هذا النحو لا يمكن لفرد أن يقوم به ، فهو يحتاج ، كما ذكرت ، إلى تضافر الجهود ، بيد أنني ألمس ، كما هو شأن غيري ، الحاجة له ، وما قدمته في بحثي سوى بداية تهدف إلى إعادة النظر والمراجعة حول أي السبل أكثر نجاعة لدخول العالم العربي في عصر جديد ، عصر تنمو فيه القدرات الذاتية وعوامل الدفع في الحضارات العربية الإسلامية القائمة ، بالاستفادة من المعطى الحضاري وتجنب المخاطر التي تحف به والاستفادة من حركة التاريخ ، وتوجد أبحاث تقارب هذا الاتجاه منها على سبيل المثال دراسات الدكتور طه عبد الرحمن ، وبرهان غليون ، وحسن حنفي ، وغيرهم. إنّ المسألة المهمة التي ينبغي استيعابها تتلخص في إدراك إن العالم العربي بمقدراته وطاقاته هو الذي ينبغي أن تتوجه إليه الأنظار ، وهو الذي يحتاج إلى أن يأخذ حظه من الفعالية والتثوير ، وإلاّ فنحن نتحدث عن مجتمع آخر ، وعن فعالية أخرى ، ولن ينجح ذلك.

قلت: كيف إذاً تتحقق سلطة الخطاب المعرفي ، وكيف يرتفع الخطاب بسوية المعرفة؟ قال: تتحقق هذه السلطة بمراعاة النظر إلى الخطاب المعرفي على أنه فعالية ، تدليلية تبليغية توجيهية ، وهذا يتطلب على الأقل صدوره عن منهجية متماسكة تقوم على الحجة والبرهان والتدليل على صحة القضايا التي يتضمنها ، ومن ثم العمل على توصيل هذه القضايا ، عبر صياغة مناسبة ، تأخذ باعتبارها قدرة المتلقي والحالة التي هو عليها ، وتأخذ باعتبارها تناسب المضامين مع الاحتياجات ومراعاة القدرات المختلفة ، ثم إدراك أن مهمة الخطاب هي التوجيه وحث الموجه لهم على النهوض بالأعباء التي يمليها ، ولا ينجح الخطاب إلاّ حين يقوم على موازنة هذه العناصر مجتمعة ، ولكل عنصر من هذه العناصر مكوناته وتفصيلاته التي ينبغي الإحاطة بها ، وللأسف فإن كثيراً من الخطابات لا تراعي ذلك ، وإن كانت تقدم بعض النظرات النافذة والإيجابية التي لا تنكر ، نحن نحتاج إلى الخطاب الشمولي الذي يحقق لنا أمانينا ، ولكن علينا أن نعتقد به ، ونتمثله أحسن تمثيل ، ونعمل على تحقيقه.

قلت: كيف تنظرون إلى النظام العالمي الجديد ، والفكر الغربي المعاصر ، خاصة وأنت على اتصال وقريب من مشاريع الشراكة الأورومتوسطية؟ قال: ثمّة مقولة خاطئة بأن هناك غربا واحدا ، أو غربا وشرقا ، فالغرب يتكون من حضارات واتجاهات كما هو الشرق ، فالتفكير الأوروبي مثلاً غير الأمريكي ، والصيني والياباني غير العربي ، ويسعى التفكير الأوروبي إلى إعلان استقلاليته وتميزه عن الأمريكي عبر كثير من المظاهر ، والشراكة الأوروالمتوسطية إحدى هذه المظاهر التي تعلن عن نفسها بصيغ متعددة ، وإن إعلان برشلونة ومن ثم توصيات ستوكهولم ، وغيرها تتحدث بوضوح عن التعددية في المجتمعات ، وعن الحفاظ على الخصوصيات ، وعن الإرث التاريخي ، وعن النهوض بالمجتمعات ، وتدين سيطرة النموذج الواحد ، والرؤيا المنفردة ، وإن العولمة هي مظهر أمريكي بالدرجة الأولى حيث انهار الاتحاد السوفيتي ، وكون أمريكا زعيمة للمعسكر الغربي لا يؤثر على سعي المجموعة الأوروبية إلى الحفاظ على خصوصيتها وفعاليتها ، ولا يسير ذلك في ركب العولمة ، لذلك تتعامل مع المجموعات المختلفة عبر هذه الصيغة ، والشراكة الأورومتوسطية تندرج ضمن هذا الإطار ، فنحن جيران لهم ، وبيننا غرس مشترك ، والتعاون بيننا يخدم المصالح المشتركة لا سيما في مواجهة الأزمات والكوارث والتطرف ، والأخذ بالتسامح والتعاون بما يخدم المصالح المشتركة. وعلى وجه الإجمال فإن الشراكة الأورومتوسطية ستكون على غير وفاق مع العولمة والنظام العالمي الجديد ، لأن هذا النظام ، على فرض وجوده يسعى إلى فرض النمط الواحد ، والصيغة الواحدة ، وذلك لن ينجح ولن يكون مجدياً ، فضلاً عن عدم وجود ما يسوغه. ويبقى مجال التعاون الدولي ، واحترام التعددية والطرف الآخر هو المجال الأرحب والممكن سبيلاً للتعايش بين الشعوب. إن التفكير في النظام العالمي الواحد سوف ينحصر في تقديري لحساب التعددية والتنوع ، أما محاولة سيطرة القطب الواحد فستذوب لصالح الشكل التعاوني القائم على الثقة واحترام الخصوصيات ، كذلك فإن لهذا النظام استحقاقاته وتبعاته التي تؤثر على من يتبناه أو يدور في فلكه ، والأمور في تغير مستمر.

انقطع الحديث بيننا ، ثم استكمل في لقاء آخر ، فبدأت سؤالي له قائلاً: تثار بين حين وآخر قضية القديم والمعاصر في الأدب ، مثل هذا التقسيم جعل البعض يعتقد أن هناك قطيعة ، أليس كذلك ، قال: إثارة هذه القسمة الوصفية مقبولة إذا جاءت لأغراض إجرائية تداولية ، فالتقسيم لحقب على أساس تاريخي يعين الباحثين على تناول موضوعاتهم بيسر ومرونة ، ويمكن الامتداد بهذا التقسيم لحقب عديد ، إما أن يقصد بهذه القسمة أن تكون تفاضلية بمعنى أن يفضل المعاصر القديم فهذا خطأ ، فليس كل ما هو معاصر أفضل من كل ما هو قديم ، والحقبة الزمنية لا توجب لأدب أنتج فيها امتيازاً لمجرد ارتباطه بها. كذلك لا يصح أن تنتهي هذه القسمة إلى أن تكون شرطية بمعنى ، إما المعاصر أو القديم ، ذلك لأن للقسمة التفاضلية شأنا آخر وتعتمد على تلمس السمات والخصائص المشتركة التي تجعل من أدب حقبة ما يفضل أدب حقبة أخرى ، فإن وجدت مثل هذه السمات والخصائص واعتبرت متميزة بجودتها يصح أن توصف حقبة ما بالجودة ، ويكون ذلك مسوغاً ، غير أن في الحقيقة يوجد لكل حقبة جيدها ورديئها ، الأمر الذي لا يسوّغ وصف الحقبة بتمامها بالجودة ، وتبعاً لهذا فإنه لا توجد قطيعة بين الأدب المعاصر والقديم ، فالمعاصر فيه الجيد ، والقديم فيه الجيد ، ويرتبطان معاً ، جيد المعاصر وجيد القديم بروابط مشتركة ، منها مثلاً: صدق المشاعر والأحاسيس ، متانة الأسلوب ، تضمنها للقيم الرفيعة ، التبصير بروعة اللحظات الفالتة عن الرصد ، وغير هذا من سمات وخصائص لا توجد قطعاً فيما يوصف بأنه أدب رديء ، وجميع الجيد معاصره وقديمه ، شكّل ويشكل زاداً للإبداعات الجيدة الجديدة ، وطبقاً لهذا لا يمكننا القول بأن تأثير الأعمال الأدبية القديمة قد انتهى ، لأن الجميع يتحدثون عن التجربة الإنسانية ذاتها ، وإن اختلفت الظروف والاهتمامات والأمكنة والأزمنة وتقنيات التعبير ، فالإنسان - في تقديري - مثيل للإنسان.. والمبدع مثيل للمبدع.. والجيد من الإبداعات هو الجيد فقط.

قلت: التيارات الأدبية الحديثة بداياتها في الغرب ، ولكن النقد العربي تواصل معها مما ترك أمامنا سؤالاً ألا وهو: هل توجد مدرسة أو يوجد تيار نقدي عربي يحمل ملامحه الخاصة؟ قال: اسمح لي في البداية أن أفرق بين التيارات الحديثة وبين التيارات النقدية الحديثة ، وأن لا أوافق على أن منبت التيارات الأدبية الحديثة في الغرب ، وإن كنت أوافق على أن منبت التيارات النقدية الحديثة هو غربي ، وطبقاً لهذا التمييز فإن للأدب العربي الحديث تياراته المختلفة ، بعضها قد تأثر بالغرب تماماً ، والآخر لم يتأثر إلاّ بشكل نسبي ، وبقي يستقي روافده من تيارات عربية قديمة ، ولكن هذه تحتاج إلى تضافر جهود وبلورة ، وفي تقديري فإن هذه التيارات أكثر إثماراً وجدوى في دفع الروح العربية للتسامي. أما التيارات النقدية الحديثة فلا شك أنها غربية المنبت ، وهي منحدرة من أصول فلسفية ، ولما كانت الفلسفة قد ازدهرت في الغرب خلال الحقب الفائتة ، كان من الطبيعي أن تنشأ بتأثيرها تيارات نقدية ، ومن هنا يمكن القول بأن التيار النقدي العربي الحديث الخالص غير قائم حالياً ، نظراً لغياب الفلسفة أو الفلسفات العربية المعاصرة ، لكن هذا لا يمنع أن توجد تيارات نقدية عربية قديمة لها حضور في عصرنا الحاضر ، بيد أنها تحتاج شأنها شأن الأدب العربي المعاصر إلى كشف وبلورة وتقوية ، كي تؤدي دورها على الوجه المطلوب ، فضلاً على وجود بعض التيارات النقدية القائمة على أسس عقدية كالدين الإسلامي مثلاً ، والمفترض فوق هذا أن تتوجه الجهود نحو استشراف رؤى فلسفية عربية تقوم بأداء دورها وتهيئ لتيارات نقدية أن تتواجد.

قلت: إذن لا بد للمثقف أن يتكئ على مرجعيات عديدة ، خاصة المرجعيات الفلسفية ، ولا نستطيع عزل النقد عن المرجعيات الفلسفية ، قال: الأمر كما تقول ، فمعظم التيارات النقدية المعاصرة إن لم تكن جميعها ناتجة عن رؤى فلسفية صحيحة ، أو رؤى ذات طبيعة فلسفية ، كالمرجعية الوضعية ، التي أثرت في أن ينحو الأدب منحىً إنسانياً غالباً ، والرؤية الماركسية التي أثرت في أن ينحو الأدب منحىً حيوياً معاشاً باعتباره أدباً للحياة ، والرؤية الظاهرية وما نشأ بتأثيرها من وجودية ، وبنيوية ، وتفكيكية ، والتي أثرت في الأدب بشكل بارز من النواحي الشكلية ، والرؤى التحليلية المختلفة ، كالتحليل اللغوي ، والنفسي ، التي أثرت في مناحي عديدة ، وكذلك فلسفة التطور.. الخ ، بل لقد أثرت الفلسفة التجريبية على التوجهات التجريبية في الحقول الإبداعية المختلفة ، وجميع هذه الفلسفات قد أثرت في نشوء تيارات أدبية ونقدية ومدارس ما كان لها أن تنشأ إلاّ بتأثير هذه الفلسفات. وأعتقد أن هذا ما يحتاج لاستيعاب تام خلال ممارسة عملية النقد الأدبي لأي نتاج إبداعي ، لا سيما من قبل النقاد العرب المعاصرين الذي يتبنون أساليب النقد المنتمية إلى تيارات تتبع هذه الفلسفات ، غير أننا للأسف نجد بعض التأثير هنا وهناك دون تشبع بالرؤية الفلسفية التي أثمرت هذا ، الأمر الذي يجعل النقد العربي المعاصر قاصراً عن استيعاب مرجعياته ، وقاصراً بالتالي عن أعمالها الإبداعية المختلفة ، والأمر ذاته ينطبق على تيارات النقد العربي المنتمية إلى القديم.

قلت: ألا تلاحظ أنّ الحداثة والتراث مصطلحان يقتربان من قضية القديم والمعاصر ، ولكن من زاوية أخرى ، وهي التغريب والأصالة أو التراث ، قال: الحداثة ليست مضادة للتراث ، وينطبق عليها ما ينطلق على المعاصر والقديم ، وهذان المفهومان ليسا بعيدي الصلة بمفهوم الأصالة ، وهذه المفاهيم في تقديري غير متعارضة ، وقد سبق لي وأن عالجت بعضاً من مدلولاتها ، غير أن الأمر المهم هنا هو كيف يمكن لثقافة ما أن تستمر ، وأن تنمو في غياب تراثها ، أو غياب عطاء الثقافات الأخرى ، والبقاء عند حد المفاضلة بين نموذج مستعار من التاريخ أو نموذج مستعار من الغير ، الأمر ليس بهذه البساطة ، أي أن يستمر التراث بكل ثقله ليحل في الحاضر نافياً الثقافات الأخرى وعاملاً على إقصائها بحيث تكون المحصلة نموذجاً مستعاراً. إن هذا النمو غير عملي وغير ممكن ، فضلاً على أن لكل اتجاه عواقبه ، وبموازنة هذه العواقب على فرض تحقق أي من النموذجين نجد أن المحصلة غياب الوعي بالذات ، وإدراك طبيعة دورها وتحقيق فاعليتها. وهذا لا يقدم شيئاً على الإطلاق ، ففي مثل هذه الحالة نحن أمام استعادة أو استعارة ونبقى عند حدود التلقي السلبي دون فعالية إيجابية تسهم في الصنع ، وهنا تكمن المشكلة ، الأمر الذي يدعو الذات العربية الحاضرة في الواقع المعاش إلى أن تحقق نموذجها المستفاد ، سواء من إسهام الماضي أم من إسهام الغير فضلاً على ما تبدعه هي بذاتها ، بحيث ينصهر ذلك جميعاَ في بوتقة واحدة ، ليشكل أنموذجاً يتطلع إلى تحقيقه شرط أن يكون قابلاً للتحقق ، وأن يجيء مرحلياً متدرجاً ليستوعب الاختلالات المختلفة.

توقف الحوار بيننا ، وأخذ منحىً أخر عن كتابة عمل روائي ، وعلمت أنه قد أرسل نسخة منه لصديقي الدكتور باسم الزعبي ، ثم جاءت فكرة أن نجمع ما كُتب حول مؤلفاته ودراساته ، وما أُجري من حوارات معه ، تصدر في كتاب من إعدادي وتقديمي ، فأرسل لي بعض ما توفر من حوارات ، وبقيت انتظر ما تبقى من وعدنا ، إلى أن عاجله الموت ، فرحم الله أبا خالد.

ناقد وقاص أردني

[email protected]

Date : 03-04-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش